المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

روضة الأنوار في سيرة النبي المختار

صفي الرحمن المباركفوري

صفحة ١٠ من ١٨

وجاءت نسوة مف المياجريف والأنصار ، فييف عائشة ، وأـ أيمف ، وأـ سميـ ، وأـ سميط ، فكف يملؤف القرب بالماء ، ويسقيف الجرحى ، - رضي الله عنيف أجمعيف -.

عدد الصفحات ١٤٧

حوار وقرار: ولما استعد المشركوف لمرجوع تماماً اشرؼ أبو سفياف عمى الجبؿ ، ونادى : أفيكـ محمد؟ فمـ يجيبوه ، فقاؿ : أفيكـ ابف أبي قحافة ؟ فمـ يجيبوه ، فقاؿ : أفيكـ عمر بف الخطاب ؟ فمـ يجيبوه ، وكاف النبي - -ىو الذي نياىـ عف الإجابة ، فقاؿ أبو سفياف : أما ىؤلاء فقد كفيتموىـ ، فمـ يممؾ عمر نفسو أف قاؿ : يا عدو الله ! إف الذيف ذكرتيـ أحياء ، وقد أبقى الله ما يسوءؾ . فقاؿ ؟أبو سفياف : قد كاف فيكـ مثمو ، لـ آمر بيا ولـ تسؤني ، ثـ قاؿ : اعؿ ىبؿ ، فعمميـ النبي - -الجواب ، فأجابوه: الله أعمى وأجؿ . ثـ قاؿ أبو سفياف : لنا العزى ولا عزى لكـ . فعمميـ النبي -  - الجواب فأجابوه: الله مولانا ولا مولى لكـ . ثـ قاؿ أبو سفياف : أنعمت فعاؿ ، يوـ بيوـ بدر ، والحرب سجاؿ . فقاؿ عمر - : -لا سواء. قتلبنا في الجنة ، وقتلبكـ في النار . قاؿ أبو سفياف : إنكـ لتزعموف ذلؾ ، لقد خبنا إذف وخسرنا . ثـ دعاه أبو سفياف وقاؿ : أنشدؾ الله يا عمر ! أقتمنا محمداً ؟ قاؿ عمر - : - لا .وا نو ليستمع كلبمؾ الآف. قاؿ : أنت أصدؽ عندي مف ابف قمئة ، وأبر . ثـ نادى أبو سفياف : إف موعدكـ بدر العاـ القابؿ . فأمر رسوا الله - -أحد أصحابة أف يقوؿ: نعـ ىو بيننا وبينؾ موعد .

عدد الصفحات ١٤٨

رجوع المشركٌن وقٌام المسلمٌن بتفقد الجرحى ودفن الشهداء: ثـ رجع أبو سفياف إلى جيشو ، وأخذ الجيش في الارتحاؿ ، وقد ركب الإبؿ وجعؿ الخيؿ بالجنب ، وكاف ىذا دليؿ قصدىـ لمكة ، وكاف مف فضؿ الله عمى المسمميف ، إذ لـ يكف بيف المشركيف وبيف المدينة مف يمنعيـ عف الدخوؿ فييا ، ولكف صرفيـ الله الذي يحوؿ بيف المرء وقمبو . فنزؿ المسمموف إلى ساحة القتاؿ يتفقدوف الجرحى والقتمى ، وقد نقؿ بعضيـ بعض الشيداء إلى المدينة ، فأمر رسوؿ الله - -بردىـ إلى مضاجعيـ ، ودفنيـ في ثيابيـ ، بغير غسؿ ولا صلبة ، وقد دفف الاثنيف والثلبثة في قبر واحد ، وربما جمع بيف الرجميف في ثوب واحد ، وجعؿ بينيما الإذخر ، وقدـ في المحد مف كاف أكثر حفظاً لمقرآف ، وقاؿ : أنا شييد عمى ىؤلاء يوـ القيامة . ووجدوا نعش حنظمة بف أبي عامر في ناحية فوؽ الأرض ، يقطر منو الماء ، فقاؿ النبي - :-إف الملبئكة تغسمو ، وكاف مف قصتو أنو كاف حديث عيد بعرس ، وكاف معيا إذ سمع المنادي ينادي لمحرب ، فتركيا ، وخرج إلى ساحة القتاؿ ، وقاتؿ حتى قتؿ ، وىو جنب ، فغسمتو الملبئكة ، فسمى غسيؿ الملبئكة . وكفف حمزة في برد إف غطى رأسو بدت رجلبه ، وا ف غطى رجلبه بدا رأسو ، فجعموا عمى رجميو الإذخر ، وكذلؾ مصعب بف عمير . إلى المدٌنة وفً المدٌنة : ولما فرغ رسوؿ الله - -والمسمموف مف دفف الشيداء ، والدعاء ليـ ، رجعوا إلى المدينة ، وقد خرجت نسوة قتؿ أقاربيف ، فمقيف رسوؿ الله - -في الطريؽ ، فعزاىف ودعا ليف ، وجاءت امرأة مف بني دينار قتؿ زوجيا وأخوىا وأبوىا ، فمما نعوا ليا سألت عف رسوؿ الله - -فقالوا ليا: إنو بحمد الله كما تحبيف ، فقالت : أرونيو ، فأشاروا ليا ، فمما رأتو قالت : كؿ مصيبة بعدؾ جمؿ : أي صغيرة . وبات المسمموف في حالة الطوارئ ، يحرسوف المدينة ، ويحرسوف رسوؿ الله -  -، وىـ منيكوف مف الجرح والتعب ، والحزف والألـ ، ورأى رسوؿ ا - -أنو لابد مف متابعة حركات العدو حتى يناجزه في الميداف لو حاوؿ العودة إلى المدينة .

عدد الصفحات ١٤٩

غزوة حمراء الأسد: فمما أصبح نادى في المسمميف أف يخرجوا لمقاء العدو ، ولا يخرج إلا مف شيد القتاؿ بأحد ، فقالوا : سمعاً وطاعة ، وساروا حتى بمغوا حمراء الأسد عمى بعد ثمانية أمياؿ مف المدينة ، وعسكروا ىناؾ . أما المشركوف فكانوا نازليف بالروحاء ، عمى بعد ستة وثلبثيف ميلبً مف المدينة ، يفكروف ويتشاوروف في العودة إلييا ، ويأسفوف عمى ما فاتيـ مف الفرصة الصالحة . وكاف معبد بف أبي معبد الخزاعي مف المناصحيف لرسوؿ الله - -، فجاءه بحمراء الأسد ، وعزاه عمى ما أصابو في أحد ، فأمره رسوؿ الله أف يمحؽ أبا سفياف ويخذلو ، فمحقيـ بالروحاء ، وقد أجمعوا ليعودوا إلى المدينة ، فخوفيـ أشد التخويؼ ، قاؿ : إف محمداً خرج في جمع لـ أر مثمو قط ، يتحرقوف عميكـ تحرقاً ، فييـ مف الحنؽ عميكـ شئ لـ أر مثمو قط ، ولا أرى أف ترتحموا حتى يطمع أوؿ الجيش مف وراء ىذه الأكمة . فمما سمعوا ىذا خارت عزائميـ ، وانيارت معنوياتيـ ، واكتفى أبو سفياف بحرب أعصاب دعائية ، إذ كمؼ مف يقوؿ لممسمميف : ِنلَّ ال لَّاسَ قَ ْ َمَ ُواْ لَكُمْ َا ْشَوْهُمْ  ، حتى لا يطارده المسمموف ، وعجؿ الارتحاؿ إلى مكة . أما المسمموف فمـ يؤثر فييـ ىذا الإنذار ، بؿ : ...نَا َهُمْ ِ مَا اً وَقَالُواْ حَسْبُ َا المّيُ وَ ِ ْمَ الْوَكِ ُ  وبقوا في حمراء الأسد إلى يوـ الأربعاء ، ثـ رجعوا إلى المدينة : َا َمَبُواْ بِ ِ ْمَ ٍ مبِّنَ المّيِ وَ َضْ ٍ للَّمْ َمْسَسْهُمْ سُويٌ وَاتلَّبَ ُواْ رِضْوَانَ المّيِ وَالمّيُ ُو َضْ ٍ َظِ مٍ  . أحــداث وغــزوات كاف لما أصاب المسمميف بأحد أثر سئ عمى سمعتيـ ، إذ تجرأ الأعداء ، وكاشفوىـ بالنزاؿ ، ووقعت عدة أحداث لـ يكف بعضيا في صالح المسمميف ، ونكتفي ىنا بذكر الأىـ منيا فقط . `حادث الرجٌع

عدد الصفحات ١٥٠

قدـ رجاؿ مف عضؿ وقارة إلى رسوؿ ا - - ، وذكروا لو أف فييـ إسلبماً ، وطمبوا منو يبعث إلييـ مف يعمميـ الديف ، ويقرئيـ القرآف ، فبعث عشرة مف أصحابو أمر عمييـ عاصـ بف ثابت ، فمما كانوا بالرجيع غدروا بيـ ، واستصرخوا عمييـ بني لحياف مف ىذيؿ ، فمحقيـ قريب مف مائة راـ ، وأحاطوا بيـ وىـ في مكاف مرتفع ، فأعطوىـ العيد إف نزلوا أف لا يقتموىـ ، فأبى عاصـ النزوؿ ، وقاتؿ مع أصحابو ، فقتؿ منيـ سبعة ، وبقي ثلبثة ، فأعطاىـ الكفار العيد مرة أخرى ، فنزلوا ، فغدروا بيـ ، وربطوىـ ، فقاؿ أحد الثلبثة ، ىذا أوؿ الغدر ، وأبى يصحبيـ فقتموه ، وانطمقوا بالاثنيف الآخريف إلى مكة ، وىما خبيب بف عدي ، وزيد بف الدثنة ، فباعوىما ، وكاف خبيب قد قتؿ الحارث بف عامر بف نوفؿ يوـ بدر ، فاشترتو بنتو أو أخوه ، وسجنوه فترة ثـ خرجوا بو إلى التنعيـ ليقتموه ، فصمى ركعتيف ، ثـ دعا عمييـ ، ثـ قاؿ فيما قاؿ : ولست أبالً حٌن أقتل مسلماً على أي جنب كان فً الله مصرعً وذلك فً ذات الإله وإن ٌشأ ٌبارك على أوصال شلو ممزع فقاؿ لو أبو سفياف : أيسرؾ أف محمداً عندنا نضرب عنقو ، وا نؾ لفي أىمؾ ؟ فقاؿ : والله ما يسرني أني في أىمي ، وأف محمداً في مكانو الذي ىو فيو تصيبو شوكو تؤذيو ، ثـ قتمو عقبة بف الحارث بف عامر بأبيو . وأما زيد بف الدثنة فكاف قتؿ أمية بف محرث يوـ بدر ، فابتاعو ابنو صفواف بف أمية ، وقتمو بأبيو ، وقد نسب إليو ما تقدـ مف قوؿ أبي سفياف ورد خبيب عميو . وبعثت قريش ليؤتى بجزء مف جسد عاصـ ، فبعث الله المزنابير فحمتو منيـ ، وكاف عاصـ قد عيد الله أف لا يمسو مشرؾ ، ولا يمس ىو مشركاً في حياتو ، فحفظو الله بعد وفاتو . مأساة بئر معونة : وفي نفس أياـ حادثة الرجيع حدثت مأساة أخرى أشد منيا ، وممخصيا أف أبا براء عامر بف مالؾ ، المدعو بملبعب الأسنة ، قدـ عمى رسوؿ الله -- المدينة ، فدعاه رسوؿ الله - - إلى الإسلبـ ، فمـ يسمـ ، ولـ يبعد ، ولكنو أبدى رجاءه أف أىؿ نجد يجيبونو إلى الإسلبـ إذا بعث إلييـ الدعاة ، وقاؿ : أنا جار ليـ ، فبعث

عدد الصفحات ١٥١

إلييـ رسوؿ ا - - سبعيف داعياً مف قراء الصحابة ، فنزلوا عمى بئر معونة ، وذىب حراـ بف ممحاف بكتاب رسوؿ الله - -إلى عدو الله عامر بف الطفيؿ ، فمـ ينظر فيو ، وأمر رجلبً فطعنو مف خمفو حتى أنفذ الرمح ، فقاؿ حراـ : الله أكبر ، فزت ورب الكعبة . واستنفر عدو الله بني عامر فمـ يجيبوه ، لجوار أبي براء ، فاستنفر بني سميـ ، فأجابتو بطوف منيا : رعؿ وذكواف وعصية ، فأحاطوا بالصحابة ، وقتموىـ عف آخرىـ ، ولـ ينج إلا كعب بف زيد ، وعمرو بف أمية الضمري ، فأما كعب بف زيد فكاف جريحاً ، وظنوه قتيلبً ، فارتث مف بيف القتمى ، فعاش حتى قتؿ يوـ الخندؽ ، وأما عمرو بف أمية الضمري ، فكاف مف المنذر بف عقبة في المسرح ، فمما رأيا الطير تحوـ عمى الموقعة عرفا الحادث ، فنزؿ بف عقبة في المسرح ، فمما رأيا الطير تحوـ عمى الموقعة عرفا الحادث ، فنزؿ المنذر ، وقاتؿ حتى قتؿ ، وأسر عمرو بف أمية ، فأخبر عنو عامر بف الطفيؿ أنو مف مضر ، فجز ناصيتو ، وأعتقو عف رقبة كانت عمى أمو . ورجع عمرو بف أمية إلى المدينة ، فمما كاف بالقرقرة مف الطريؽ وجد رجميف مف بني كلبب ، ظنيما مف العدو فقتميما ، وكاف ليما عيد مف رسوؿ الله - - فمما قدـ المدينة وأخبر رسوؿ ا - -قاؿ: قتمت قتيميف لأدينيما . وقد حزف رسوؿ الله - -حزناً شديداً عمى ما حدث بالرجيع وببئر معونة ، وكاف الحادثاف في شير واحد – شير صفر سنة 4ىػ- ويقاؿ : إف خبر الحادثيف وصؿ إليو - -في ليمة واحدة ، فدعا عمى ىؤلاء القتمة ثلبثيف صباحاً في صلبة الفجر ، حتى أنزؿ الله عنيـ : أبمغوا عنا قومنا : أنا لقينا ربنا ، فرضي عنا ، ورضينا عنو . فترؾ القنوت . غزوة بنً النضٌر تآمر بنو النضير مؤامرة أخبث مف عضؿ وقارة ، ومف الغادريف بأصحاب بئر معونة . فقد طمبوا مف رسوؿ الله - -أف يجتمع بيـ في موضع يسمعوف منو القرآف والإسلبـ ، ويناقشونو ، ويؤمنوف بو إف اقتنعوا ، فتـ الاتفاؽ عمى ذلؾ ، وقرر

عدد الصفحات ١٥٢

ىؤلاء الأشرار فيما بينيـ أف يأتي كؿ رجؿ منيـ بخنجر تحت ثيابو ، فيغتالوف النبي - -بغتة وعمى غرة . فوصؿ الخبر إلى رسوؿ الله - -فقرر إجلبءىـ. وقيؿ : لما رجع عمرو بف أمية الضمري -  - ، وأخبر بقتؿ رجميف مف بني كلبب ، ذىب النبي - - إلى بني النضير في نفر مف الصحابة ، ليعينوه في ديتيا حسب الميثاؽ ، فقالوا نفعؿ يا أبا القاسـ ، اجمس ىينا ، حتى نقضى حاجتؾ ، فجمس عمى جنب جدار ينتظر ، وخلب بعضيـ ببعض ، وركبيـ الشيطاف ، فقالوا : أيكـ يأخذ ىذه الرحى ويصعد فيمقيا عمى رأسو ؟ فانبعث أشقاىـ عمرو بف جحاش ، ونزؿ جبريؿ يخبر النبي - -بما أرادوا ، فقاـ مسرعاً وتوجو إلى المدينة ، ثـ لحقو أصحابو ، فأخبرىـ بالمؤامرة وقرر إجلبءىـ . ثـ بعث إلييـ محمد بف مسممة يقوؿ ليـ : اخرجوا مف المدينة ، ولا تساكنوني بيا ، وقد أجمتكـ عشراً ، فمف وجد بعده يضرب عنقو ، فتجيزوا أياماً لمرحيؿ ، ثـ أرسؿ رئيس المنافقيف عبدالله بف أبي : أف اثبتوا ولا تخرجوا ، فأف معي ألفيف يدخموف معكـ حصونكـ ، ويموتوف دونكـ :  لَ ِنْ أُ ْرِ ْتُمْ لَ َ ْرُ َنلَّ مَ َكُمْ وَلََ ُ ِ ُ ِ كُمْ أَحَ اً أَبَ اً وَا ِن قُوتِمْتُمْ لَ َ صُرَ لَّكُمْ  وينصركـ قريظة وغطفاف ، فشعروا بالقوة وامتنعوا ، وقالوا لرسوؿ الله - :- إنا لا نخرج ، فاصنع ما بدا لؾ . فكبر رسوؿ - -وكبر أصحابو ، واستعمؿ عمى المدينة ابف أـ مكتوـ ، وأعطى المواء عميا ، وسار إلييـ ، حتى فرض عمييـ الحصار ، فالتجأوا إلى حصونيـ ، وأخذوا يرموف المسمميف بالنبؿ والحجارة ، وكانت نخيميـ وبساتينيـ عوناً ليـ ، فأمر النبي - -بقطعيا وتحريقيا ، فانيارت عزائميـ ، وألقى الله الرعب في قموبيـ ، فاستسمموا بعد ست لياؿ ، وقيؿ : بعد خمس عشرة ليمة ، عمى أنيـ يخرجوف مف المدينة ، واعتزلتيـ قريظة ، وخانيـ رأس المنافقيف وحمفاؤىـ :  كَمَ َ ِ الشلَّ ْ َانِ ِ ْ قَا َ لِلِْْ سَانِ اكْفُرْ َمَملَّا كَفَرَ قَا َ ِ بِّي بَرِييٌ مبِّ َ  وسمح ليـ رسوؿ ا - - بأف يحمموا معيـ ما يشاؤوف مف الأمتعة والأمواؿ إلا السلبح ، فحمموا ما استطاعوا ، حتى قمعوا مف بيوتيـ الأبواب والشبابيؾ ، والأوتاد وجذوع السقؼ ، وحمموىا فيما حمموا ، وىذا الذي قاؿ الله عنو :  ُ ْرِبُونَ

عدد الصفحات ١٥٣

بُ ُوتَهُم بِ َ ْ ِ هِمْ وَأَ ْ ِي الْمُ ْمِ ِ نَ َا ْتَبِرُوا َا أُولِي ااَْبْصَارِ  ونزؿ أكثرىـ وأكابرىـ بخيبر ، ونزلت طائفة منيـ بالشاـ . وقسـ رسوؿ الله - -أرضيـ وديارىـ بيف المياجريف الأوليف خاصة ، وأعطى أبا دجانة وسيؿ بف حنيؼ مف الأنصار لفقرىما ، وكاف ينفؽ منيا عمى أىمو نفقة سنة ، ويجعؿ ما بقى في سلبح والخيوؿ عدة في سبيؿ الله ، وقد وجد عندىـ مف السلبح خمسيف درعاً ، وخمسيف بيضة ، وثلبثمائة وأربعيف سيفاً . غزوة بدر الموعد : ذكرنا أف أبا سفياف كاف قد تواعد في أحد عمى حرب في العاـ القادـ ، فمما دخؿ شير شعباف سنة 4ىػ ، خرج رسوؿ ا - -إلى بدر حسب الموعد ، وأقاـ بيا ثمانية أياـ ينتظر أبا سفياف ، وكاف معو ألؼ وخمسمائة مقاتؿ ، وعشرة أفراس ، وأعطى المواء عمى بف أبي طالب ، واستخمؼ عمى المدينة عبدالله بف رواحة . أما أبا سفياف فإنو خرج في ألفي مقاتؿ ، وخمسيف فرساً ، حتى انتيى إلى مر الظيراف ، ونزؿ عمى مجنة – ماء مشيور في تمؾ الناحية – وكاف قد أخذه الرعب منذ خروجو ، فقاؿ لأصحابو : لا يصمحكـ إلا عاـ خصب ترعوف فيو الشجر ، وتشربوف فيو المبف ، وىذا عاـ جدب ، وا ني راجع فارجعوا ، فرجعوا ولـ يبدوا أي معارضة . وقد باع المسمموف أياـ إقامتيـ ببدر ما كاف معيـ مف أمواؿ التجارة ، وربحوا درىميف بدرىـ ، ثـ رجعوا وقد ىابيـ كؿ عدو ، وساد الأمف في كؿ جانب ، حتى مضى أكثر مف سنة ولـ يجترئ الأعداء عمى أف يحركوا ساكناً ، واستطاع رسوؿ الله - -بفضؿ ىذا الأمف أف يتفرغ لتأمف أقصى الحدود ، حتى خرج لتأديب قطاع الطرؽ إلى دومة الجندؿ في ربيع الأوؿ سنة 5ىػ فبسط الأمف والسلبـ في كؿ جانب .

عدد الصفحات ١٥٤

غزوة الأحزاب كاد رسوؿ الله -  -والمسمموف يتفرغوف لنشر دينيـ ، وا صلبح أحواليـ ، بعد أف ساد اليدوء بفضؿ ما اتخذه رسوؿ الله - -مف الخطط الحكيمة ، فمـ يحصؿ بعد غزوة بني النضير أي مواجية تذكر ، لفترة تجاوز سنة ونصؼ سنة ، ولكف تمؾ ىي الييود – الذيف سماىـ المسيح عميو السلبـ : حيات وأولاد الأفاعي – لـ يرقيـ أف يستريح المسمموف ، فيـ بعد ما استقروا بخيبر ، واطمأنوا بيا أخذوا يدبروف المؤامرات ، ويتحركوف وراء الستار ، حتى نجحوا في جمب جيش عرمرـ مف قبائؿ العرب ضد أىؿ المدينة . و أه الس ر : إف عشريف رجلبً مف سادتيـ وزعمائيـ خرجوا إلى قريش ، يحرضونيـ عمى غزو المدينة ، ووعدوىـ بالنصر ، فأجابت ليـ قريش ، ثـ ذىبوا إلى غطفاف ، فأجابوا ، ثـ طافوا في القبائؿ فأجاب عدد منيا ، ثـ حركوا ىؤلاء القوـ جميعاً تحت خطة منسقة حتى يصؿ الجميع إلى أطراؼ المدينة في زمف واحد . الشورى وحفر الخندق : وبمغ خبر تجمعيـ وتحركيـ إلى المدينة ، فاستشار رسوؿ الله - -أصحابو ، فأشار سمماف الفارسي - -بحفر الخندؽ ، فاستحسنوه واتفقوا عميو. وحيث إف المدينة تحيط بو اللببات أي الحرات – وىي الحجارة السود – مف الشرؽ والغرب والجنوب ، ولا تصمح لدخوؿ العساكر إلا جية الشماؿ فإف رسوؿ الله - -اختار في تمؾ الجية أضيؽ مكاف بيف الحرة الغربية والشرقية – وىو نحو ميؿ – فوصؿ الحرتيف بحفر الخندؽ في ىذا المكاف ، وبدأ ىذا الخندؽ في جية المغرب مف شماؿ جبؿ سمع ، ووصمو في الشرؽ برأس ممتد مف حجارة الحرة الشرقية عند أطـ الشيخيف . وقد وكؿ إلى كؿ عشرة رجاؿ أف يحفروا أربعيف ذراعاً ، واشترؾ معيـ رسوؿ الله - -في حفر الخندؽ ونقؿ التراب ، وكانوا يرتجزوف فيجيب ، ويرتجز فيجيبوف ، وقد كابدوا أثناء حفره أنواعاً مف المشقة ، ولا سيما شدة البرد ، وشدة الجوع ، وكاف يؤتي ليـ بمؿء كؼ مف الشعير ، فيصنع بدسـ يفوح منيا الريح ، فيأكمونو ، وىو

عدد الصفحات ١٥٥

يصعب مروره عمى الحمؽ ، وشكوا إلى رسوؿ ا - -الجوع ، وأروه عمى بطونيـ حجراً حجراً كانوا قد ربطوه ، فأراىـ عمى بطنو حجريف . وقد وقعت أثناء الحفر بعض الآيات ، رأى جابر شدة الجوع في رسوؿ الله -  -فمـ يصبر ، فذبح بييمة لو ، وطحنت امرأتو صاعاً مف شعير ، ثـ دعا رسوؿ الله - -سراً ، في نفر مف أصحابو ، فقاـ رسوؿ ا- -بجميع أىؿ الخندؽ ، وىـ ألؼ ، فأكموا وشبعوا وما زالت البرمة تغط ، والعجيف يخبز ، وذىبت أخت النعماف بف بشير بحفنة مف تمر لأبية وخالو فبدده رسوؿ الله - -فوؽ ثوب ، ودعا أىؿ الخندؽ ، فأكموا ورجعوا ، والتمر يسقط مف أطراؼ الثوب . وعرضت لجابر وأصحابو أثناء الحفر كدية شديدة ، فنزؿ رسوؿ الله - - وضربيا بالمعوؿ ، فعادت كثيباً أىيؿ ، أي رملبً لا يتمسؾ ، وعرضت لبراء وأصحابو صخرة ، فنزؿ رسوؿ الله - -فقاؿ– بسـ الله ثـ ضرب ضربة بالمعوؿ فقطع قطعة ، وخرج منيا ضوء ، فقاؿ : الله أكبر ، أعطيت مفاتيح الشاـ ، وا ني لأنظر إلى قصورىا الحمراء الساعة ، ثـ ضرب الثانية وبشر بفتح فارس ، ثـ الثالثة وبشر بفتح اليمف ، وانقطعت الصخرة . بٌن طرفً الخندق : وأقبمت قريش ومف تبعيـ في أربعة آلاؼ ، ومعيـ ثلبثمائة فرس ، وألؼ بعير ، يرأسيـ أبو سفياف ، ويحمؿ لواءىـ عثماف بف طمحة بف أبي طمحة العبدري، فنزلوا بمجتمع الأسياؿ مف رومة بيف الجرؼ وزغابة . وأقبمت غطفاف ومف تبعيـ مف أىؿ نجد في ستة آلاؼ ، فنزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد ، وكاف قدوـ ىذا الجيش العرمرـ إلى أسوار المدينة بلبء شديداً ومخيفاً جداً ، كما قاؿ الله – تعالى -: ِ ْ َايُوكُم مبِّن َوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَ َ مِ كُمْ وَا ِ ْ نَا َتْ ااَْبْصَارُ وَبَمَ َتِ الْ ُمُو ُ الْحَ َا ِرَ وَتَظُ بُّونَ بِالملَّيِ الظبُّ ُو َا{10} هُ َالِ َ ابْتُمِيَ الْمُ ْمِ ُونَ وَنُلْنِلُوا نِلْنَالًَ شَ ِ اً  فثبت ا المؤمنيف ، كما قاؿ  وَلَملَّا رَأَى الْمُ ْمِ ُونَ ااَْحْنَا َ قَالُوا هَ َا مَا وَ َ َ َا الملَّيُ وَرَسُولُيُ وَصَ َ َ الملَّيُ وَرَسُولُيُ وَمَا نَا َهُمْ ِلَلَّ ِ مَا اً وَتَسْمِ ماً  ( 33 :22) ، أما المنافقوف والذيف في قموبيـ مرض فقالوا :  ملَّا وَ َ َ َا الملَّيُ وَرَسُولُيُ ِلَلَّ ُرُوراً 

عدد الصفحات ١٥٦

واستخمؼ رسوؿ ا - –عمى المدينة ابف أـ مكتوـ ، وجعؿ النساء والذرارى في الآطاـ ، ثـ خرج في ثلبثة آلاؼ مف المسمميف ، فجعموا ظيورىـ إلى جبؿ سمع وتحصنوا بو ، والخندؽ بينيـ وبيف الكفار . وبعد أف استقر المشركوف وتييأوا تقدموا نحو المدينة ، فمما اقتربوا مف المسمميف فوجئوا بخندؽ عريض يحوؿ بينيـ وبيف المسمميف ، فبيتوا ، وقاؿ أبو سفياف : تمؾ مكيدة ما عرفتيا العرب ، فأخذوا يدوروف حولو في طيش وغضب ، يطمبوف نقطة يعبروف منيا ، والمسمموف يرشقونيـ بالنبؿ ، حتى لا يقتربوا منو ، فيتمكنوا مف الاقتحاـ ، أو مف إىالة التراب وبناء الطريؽ عميو . واضطر المشركوف إلى فرض الحصار عمى المدينة ، بينما لـ يكونوا مستعديف لو ، إذ لـ يكف ذلؾ في حسابيـ عند الخروج ، فأخذوا يخرجوف في النيار يحاولوف عبور الخندؽ ، والمسمموف يجابيوف ليـ عمى طوؿ الخط ، يناضموف ويراموف بالحجارة ، وقد كثؼ المشركوف جيودىـ مراراً ، وأداموىا طوؿ النيار ، واضطر المسمموف إلى الاستمرار في الدفاع ، حتى فاتت منيـ ومف رسوؿ الله -   - الصموات ، ولـ يتمكنوا مف أدائيا إلا بعد غروب الشمس ، أو قريباً مف ذلؾ ، ولـ تكف صلبة الخوؼ قد شرعت حينذاؾ . وفي أحد الأياـ خرج نفر مف فوارس المشركيف فييـ عمرو بف عبد ود ، وعكرمة بف أبي جيؿ ، وضرار بف الخطاب ، وغيرىـ ، فقصدوا مكاناً ضيقاً مف الخندؽ ، واقتحموه ، وجالت بيـ خيميـ في الساحة التي بيف الخندؽ وجبؿ سمع ، فخرج عمي بف أبي طالب في نفر مف المسمميف ، فحاؿ بينيـ وبيف المكاف الذي اقتحموا منو الخندؽ ، فدعا عمرو بف عبد ود إلى المبارزة ، وكاف جريئاً فاتكا ، فأغضبو عمي حتى نزؿ مف الفرس ، فتجاولا و تصاولا حتى قتمو عمي ، وانيزـ الباقوف وقد ملؤىـ الرعب ، حتى ترؾ عكرمة رمحو ، وسقط نوفؿ بف عبدالله في الخندؽ فقتمو المسمموف . وأصيب أثناء المراماة عدد قميؿ مف الطرفيف ، وبمغ عدد قتمى المشركيف عشرة ، وقتمى المسمميف ستة .

عدد الصفحات ١٥٧

وأصيب سعد بف معاذ بسيـ قطع أكحمو ، فدعا الله أف يبقيو إف كاف قد بقى مف حرب قريش شئ ، وا لا فيجعؿ موتو في ىذا الجرح ، ثـ قاؿ : في دعائو : " ولا تمتني حتى تقر عيني مف قريظة " غدر بنً قرٌظة وأثره على سٌر الغزوة : وكانت قريظة في عيد رسوؿ الله -  - وقد سبؽ ذكره – فجاء حيي بف أخطب سيد بني النضير ، أثناء ىذه الغزوة ، إلى كعب بف أسد سيد بني قريظة فحسف لو الغدر ، وأغراه عمى نقض العيد ، فنقض كعب العيد ، وقاـ إلى جانب قريش والمشركيف . وكانت قريظة في جنوب المدينة ، والمسمموف في شماليا ، ولـ يكف مف يحوؿ بيف قريظة وبيف نساء المسمميف وذرارييـ ، فكاف الخطر عمييـ شديداً ، وبمغ الخبر رسوؿ الله -  - فأرسؿ مسممة بف أسمـ في مائتيف وزيد بف حارثة في ثلبثمائة لحراسة ذراري المسمميف ، وأرسؿ سعد بف معاذ وسعد بف عبادة في رجاؿ مف الأنصار يستجموف لو الخبر ، فوجدوا الييود عمى أخبث ما يكونوف ، فقد جاىروا بالسب والعداوة ، ونالوا مف رسوؿ الله - - ، وقالوا: مف رسوؿ الله ؟ لا عيد بيننا وبيف محمد ولا عقد ، فرجعوا وقالوا لرسوؿ الله - - عضؿ وقارة : " يعني أف قريظة عمى غدر كغدر عضؿ وقارة بأصحاب الرجيع " وتفطف الناس ، فاشتد خوفيـ كما قاؿ الله تعالى -  ِ ْ نَا َتْ ااَْبْصَارُ وَبَمَ َتِ الْ ُمُو ُ الْحَ َا ِرَ وَتَظُ بُّونَ بِالملَّيِ الظبُّ ُو َا {10} هُ َالِ َ ابْتُمِيَ الْمُ ْمِ ُونَ وَنُلْنِلُوا نِلْنَالًَ شَ ِ اً  . ونجـ النفاؽ حتى قاؿ بعضيـ: كاف محمد يعدنا أف نأكؿ كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمؿ عمى نفسو أف يذىب إلى الغائط ، وقاؿ آخروف :  َا أَهْ َ َ ْرِ َ لََ مُ َامَ لَكُمْ َارْ ِ ُوا  ، وأراد فريؽ منيـ الفرار فاستأذنوا النبي - - وقالوا محتاليف :  ِنلَّ بُ ُوتَ َا َوْرَةٌ  ، وما ىي بعورة . قمؽ رسوؿ الله -  - حيف بمغو غدرىـ ، فتقنع بالثوب واضطجع ، ومكث ىكذا طويلبً ، ثـ نيض وقاؿ : الله أكبر ، وبشر المسمميف بالفتح والنصر .

عدد الصفحات ١٥٨

وأراد أف يرسؿ إلى عيينة بف حصف ليصالحو عمى ثمث ثمار المدينة ، وينسحب ىو بغطفاف ، فأبى ذلؾ سيدا الأنصار : سعد بف معاذ وسعد بف عبادة ، وقالا : كنا نحف وىؤلاء عمى الشرؾ ، ولـ يطمعوا أف يأكموا منيا ثمرة ، فحيف أكرمنا الله بالإسلبـ ، وأعزنا بؾ نعطييـ أموالنا ؟ والله لا نعطييـ إلا السيؼ ، فصوب رأييما . تخاذل الأطراف ونهاٌة الغزوة : ولله في خمقو شئوف ، فقد جاء أثناء ىذه الظروؼ القاسية نعيـ بف مسعود الأشجعي ، وىو مف غطفاف ، وكاف صديقاً لقريش والييود ، فقاؿ : يا رسوؿ الله إني قد أسممت ، وا ف قومي لـ يعمموا بإسلبمي ، فمرني بما شئت ، فقاؿ : أنت رجؿ واحد ، وماذا عسى أف تفعؿ ، ولكف خذؿ عنا ما استطعت ، فإف الحرب خدعة . فذىب نعيـ إلى قريظة ، فمما رأوه أكرموه ، فقاؿ : تعرفوف ودي لكـ ، وخاصة ما بيني وبينكـ ، وا ني محدثكـ حديثاً فاكتموه عني ، قالوا : نعـ ، قاؿ : قد رأيتـ ما وقع لبني قينقاع ، والنضير ، وقد ظاىرتـ قريشاً وغطفاف ، وىـ ليسوا مثمكـ ، فالبمد بمدكـ ، فيو أموالكـ وأبناؤكـ ونساؤكـ ، لا تقدروف أف تتحولوا منو إلى غيره ، وأما بمدىـ وأمواليـ ونساؤىـ فبعيدة ، فيـ إف أصابوا فرصة انتيزوىا وا لا لحقوا ببلبدىـ ، وتركوكـ ومحمداً ينتقـ منكـ كيؼ يشاء ، قالوا : فما العمؿ ؟ قاؿ : لا تقاتموا معيـ حتى يعطوكـ رىائف . قالوا : لقد أشرت بالرأي . ثـ توجو نعيـ إلى قريش واجتمع برؤسائيـ ، وقاؿ : تعمموف ودي لكـ ونصحي إليكـ ، قالوا : نعـ . قاؿ : فإني محدثكـ حديثاً فاكتموه عني ، قالوا : نفعؿ ، قاؿ : فإف ييود قد ندموا عمى نقضيـ عيد محمد ، وخافوا أف ترجعوا وتتركوىـ معو ، فراسموه أنيـ يأخذوف منكـ رىائف ، ويدفعونيا إليو ، ثـ يوالونو عميكـ ، فرضي بذلؾ ، فاحذروىـ ، وا ف سألوكـ رىائف فلب تعطوىـ ، ثـ ذىب إلى غطفاف فقاؿ ليـ مثؿ ذلؾ .

عدد الصفحات ١٥٩

وبيذا التدبير الحكيـ تشككت النفوس وتشققت ، وأرسؿ أبو سفياف وفداً إلى قريظة يدعوىـ إلى القتاؿ غداً ، فقالوا ، إف اليوـ يوـ السبت ، ولـ يصبنا ما أصابنا إلا مف التعدي فيو ، ثـ إنا لا نقاتؿ معكـ حتى تعطونا رىائف منكـ ، لكي لا تتركونا وتذىبوا إلى بلبدكـ ، فقالت قريش وغطفاف : صدقكـ والله نعيـ ، وأرسمت قريش إلى الييود تقوؿ ليـ : لا نرىنكـ أحداً ، واخرجوا لمقتاؿ . فقالوا صدقكـ والله نعيـ . فخارت عزائـ الفريقيف وتخاذلوا . أما المسمموف فكانوا يدعوف :" المهم استر ورات ا و من رو ات ا " ، وابتيؿ رسوؿ الله - -إلى ربو – عز وجؿ -: " المهم م ن الكتا ، سر الحسا ، اهنم ااحنا ، المهم اهنمهم ونلنلهم " .. فأرسؿ الله عمييـ ريحا وجنوداً مف الملبئكة ، فزلزلوىـ وقذفوا في قموبيـ الرعب ، وكفأت الريح قدورىـ ، وقمعت خياميـ ، وضربيـ البرد القارس حتى لـ يقر ليـ قرار ، وبدءوا يتييأوف لمرحيؿ . وأرسؿ رسوؿ الله - - حذيفة-  -إلييـ ، ليأتي بخبرىـ ، فذىب ودخؿ بينيـ ، ثـ رجع ، ولـ يجد مس البرد ، بؿ كأنو كاف في حماـ – الذي يغتسموف فيو الماء الحميـ أي الحار – فمما رجع أخبر برحيؿ القوـ وناـ . فمما أصبح المسمموف رأوا ساحة القتاؿ مف جية الكفار ليس فييا داع ولا مجيب ، فقد  ورَ لَّ الملَّيُ اللَّ ِ نَ كَفَرُوا بِ َ ْظِهِمْ لَمْ َ َالُوا َ ْراً وَكَفَى الملَّيُ الْمُ ْمِ ِ نَ الْ ِتَا َ وَكَانَ الملَّيُ قَوِ ّاً َنِ ناً  .. كانت بداية ىذه الغزوة في شواؿ سنة5ىػ ، ونيايتيا بعد نحو شير في ذي القعدة ، وكانت أكبر محاولة قاـ بيا أعداء الإسلبـ لضرب المدينة ، ولمقضاء عمييا ، وعمى الإسلبـ والمسمميف ، ولكف الله خيبيـ ، ورد كيدىـ في نحورىـ ، وكاف فشميـ بمجموع ىذه القوات يعني أف الطوائؼ الصغيرة والمتفرقة أولى أف لا تجترئ عمى التوجو إلى المدينة ، وقد أخبر بذلؾ النبي - - فقاؿ:الآف نغزوىـ ، لا يغزونا ، نحف نسير إلييـ . غزوة بنً قرٌظة

عدد الصفحات ١٦٠

ورجع رسوؿ ا - - مف الخندؽ ونزع السلبح والثياب ، وبينما ىو يغتسؿ في بيت أـ سممة جاءه جبريؿ – عميو السلبـ – وأمره بالنيوض إلى بني قريظة ، وقاؿ : إني سائر أمامؾ أزلزؿ بيـ حصونيـ ، وأقذؼ في قموبيـ الرعب ، ثـ سار في موكبو مف الملبئكة أما رسوؿ الله - - فأعمف في الناس: مف كاف سامعاً مطيعاً فلب يصميف العصر إلا ببني قريظة ، واستعمؿ عمى المدينة ابف أـ مكتوـ ، وأعطى الراية لعمي بف أبي طالب ، وقدمو في جماعة إلييـ ، فمما رأوه سبوا الرسوؿ - - وقالوا قبيحاً ، وبادر المسمموف في الخروج ، وأدركت بعضيـ العصر في الطريؽ فمنيـ مف صمى ، ومنيـ مف أخر حتى وصؿ إلى بني قريظة ، وخرج رسوؿ الله - - في موكب المياجريف والأنصار حتى نزؿ عمى بئر مف آبارىـ اسميا : " أنا " . وألقى الله في قموبيـ الرعب ، فتحصنوا في حصونيـ ، ولـ يجترءوا عمى القتاؿ ، وحاصرىـ المسمموف بشدة ، فمما طاؿ عمييـ الحصار أرادوا أف يستشيروا بعض حمفائيـ مف المسمميف ، فطمبوا مف رسوؿ الله - - أف يرسؿ إلييـ أبا لبابة ليستشروه ، فأرسمو ، فمما رأوه قاـ إليو الرجاؿ وجيش النساء والصبياف يبكوف في وجيو ، فرؽ ليـ ، وقالوا : أترى أف ننزؿ عمى حكـ محمد ؟ قاؿ : نعـ . وأشار بيده إلى حمقو ، يريد أنو الذبح ، ثـ تنبو أنو بإشارتو ىذه خاف الله ورسولو ، فمضى عمى وجيو حتى أتى المسجد النبوي ، وربط نفسو بسارية مف سواريو ، وحمؼ أف لا يحمو إلا رسوؿ الله - - بيده ، فمما بمغ رسوؿ ا - - خبره قاؿ : أما إنو لو جاءني لا ستغفرت لو . أما إذا فعؿ ما فعؿ فنتركو حتى يقضي الله فيو . ومع طوؿ الحصار انيارت معنويات بني قريظة ، حتى نزلوا بعد خمس وعشريف ليمة عمى حكـ رسوؿ الله - - ، فاعتقؿ الرجاؿ ، وجعؿ النساء والذراري بمعزؿ عنيـ في ناحية ، وطمب حمفاؤىـ الأوس أف يحسف إلييـ ، كما فعؿ ببني قينقاع حمفاء الخزرج ، فقاؿ : ألا ترضوف أف يحكـ فييـ رجؿ منكـ ؟ قالوا : بمى . قاؿ : فذاؾ إلى سعد بف معاذ . قالوا : قد رضينا . وكاف سعد في المدينة لمجرح الذي أصابو أثناء غزوة الخندؽ ، فجاءوا بو راكباً عمى حمار ، فمما قرب مف رسوؿ الله - - قاؿ: قوموا إلى سيدكـ ، فقالوا

عدد الصفحات ١٦١

إليو ، وأحاطوا بو مف جانبيو ، يقولوف: يا سعد ! أحسف في مواليؾ ، وىو ساكت لا يجيب ، فمما أكثروا عميو قاؿ : لقد آف لسعد أف لا تأخذه في الله لومة لائـ . فمما سمعوا ذلؾ رجع بعضيـ إلى المدينة ونعى إلييـ القوـ . ولما نزؿ سعد ، وأخبر بنزوؿ قريظة عمى حكمو ، حكـ فييـ أف يقتؿ الرجاؿ ، وتسبى الذرية ، وتقسـ الأمواؿ ، فقاؿ رسوؿ الله - : - لقد حكمت فييـ بحكـ الله مف فوؽ سبع سماوات . وقد كاف ىذا الحكـ أيضاً طبقاً لشريعة الييود ، بؿ أرؼ ؽ وأرحـ مف حكـ شريعتيـ وعمى إثر ىذا القضاء الذي قضى بو سعد بف معاذ أتى ببني قريظة إلى المدينة ، فحبسوا في دار بنت الحارث امرأة مف بني النجار ، وحفرت ليـ خنادؽ في سوؽ المدينة ، ثـ ذىب بيـ إلى ىذه الخنادؽ أرسالاً أرسالاً ، وضربت أعناقيـ فييا ، وكانوا أربعمائة ، وقيؿ : ما بيف الستمائة إلى السبعمائة . وقتؿ معيـ حيى بف أخطب سيد بني النضير ، وكاف مف زعماء الييود العشريف الذيف حرضوا قريشاً وغطفاف عمى غزوة الأحزاب ، ثـ كاف قد جاء إلى قريظة ، وأغراىـ عمى نقض العيد ، حتى غدروا بالمسمميف في أحرج ساعة مف حياتيـ ، وكانوا قد اشترطوا عميو أف يكوف معيـ ، يصيبو ما يصيبيـ ، فكاف معيـ في حصونيـ أثناء الحصار والاستسلبـ حتى القتؿ . وقد أسمـ نفر مف بني قريظة قبؿ النزوؿ فمـ يتعرض ليـ ، واستوىب بعضيـ فتركوا وأسمموا . وقتمت امرأة مف نسائيـ ، لأنيا كانت قد طرحت الرحى عمى خلبد بف سويد فقتمتو ، وجمع السلبح والأمواؿ فكانت ألفاً وخمسمائة سيؼ ، وثلبثمائة درع ، وألفى رمح ، وخمسمائة ترس وحجفة ، وأثاثاً كثيراً ، وآنية وجمالاً وشياىاً ، فخمس كؿ ذلؾ مع النخؿ والسبي ، فأعطى لمراجؿ سيماً ولمفارس ثلبثة أسيـ ، سيماً لنفسو وسيميف لفرسو . وأرسمت السبايا إلى نجد فابتيع بيا السلبح ، واصطفى النبي - -منيا ريحانة بنت زيد بف عمرو بف خناقة ، فيقاؿ : إنو تسرى بيا ، ويقاؿ : أعتقيا وتزوجيا ، فتوفيت بعد حجة الوداع .

عدد الصفحات ١٦٢