المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العلاقات التكاملية بين موضوعات القرآن دراسة تأصيلية

عبير عدنان عودة طافش الحنايفة

صفحة ٢ من ١٦

الاقتران على مستوى القرآن؟ وما مجموع الاقترانات التً ٌشكلها امتزاج الموضوعات كلها فً القرآن؟ وما الروابط التً تجمع بٌنها؟ وهل لهذه الروابط دور فً تفسٌر سبب ترتٌب القرآن وفق هذا الشكل؟ هذه جملة من الأسبلة المهمة التً لم ٌجب علٌها مفهوم التناسب ، لذلك نلحظ أن أبرز نتاجات هذا التفكٌك أن التناسبات بٌن أجزاء القرآن جاءت مبثوثة فً كثٌر من الدراسات التً اعتنت بهذا الجانب وفقاً لمواضعها ، وبقٌت وفق هذا الشكل بلب تحدٌد للروابط العامة التً تجمعها . لذلك بقً السإال الأساسً الذي ٌطرحه الترتٌب القرآنً لمجموع الآٌات وهو: لماذا جاءت الموضوعات فً مجموع آٌات القرآن بهذه الصورة المزجٌة؟ من ؼٌر إجابة محددة. ثانٌاً: الوحدة الموضوعٌة للسورة القرآنٌة ٌقوم هذا المفهوم على " رإٌة معٌنة للسورة القرآنٌة ترى القول بوحدتها أي بكونها نصا متماسكاً منسجما مرتبا بتوقٌؾ إلهً ذي مؽزى وؼاٌة من مخالفته الترتٌب النزولً الواقعً أو الترتٌب الموضوعً "1. وقد اختلؾ الباحثون فً هذا المجال فً تحدٌد الخطوات المنهجٌة للكشؾ عن وحدة السورة ، وٌقول رشوانً فً سٌاق الدراسة النقدٌة لجهود الباحثٌن فً الوحدة الموضوعٌة للسورة:" ٌصعب على الناظر فً التفسٌر الموضوعً للسورة تحدٌد خطوات منهجٌة مضبوطة اعتمد علٌها مفسرو السورة ، ولكن ؼاٌة ما ٌمكن القٌام به هو مناقشة عدد من القواعد والمسابل التً تتصل بمنهج النظر فً وحدة السورة وتشكل مجمل ما تمت مناقشته فً سٌاق التفسٌر الموضوعً للسورة"2 ، ثم ذكر هذه القواعد وهً3: أولاً: دلالة اسم السورة. ثانٌاً: تارٌخ النزول وبٌبته. ثالثاً: تناسب الآٌات. رابعاً: عمود السورة. خامساً: قضاٌا السورة ومقاصدها. واذا كان مفهوم (الوحدة الموضوعٌة للسورة القرآنٌة) ٌبحث فً الروابط بٌن موضوعات السورة من جهة دلالاتها على موضوعها الأساس الذي ٌجمعها ، فإن هذا المفهوم ٌتجاوز البحث فً الؽاٌة من ترتٌب مجموع الآٌات فً سور ابتداء. 1 ٌنظر: رشوانً ، سامر عبد الرحمن2009) ، منهج التفسٌر الموضوعً للقرآن الكرٌم دراسة نقدٌة ، (ط1)، دار الملتقى ، ص242 . 2 رشوانً ، منهج التفسٌر الموضوعً للقرآن الكرٌم دراسة نقدٌة ، ص321 3 ٌنظررشوانً ، منهج التفسٌر الموضوعً للقرآن الكرٌم دراسة نقدٌة ، ص 322 ـ359

عدد الصفحات ٢٨

فإذا كان تفرق الموضوع الواحد جاء مبنٌاً على أساس ٌقتضً أن كل عنصر منه متناسباً مع السور التً جاء فٌها ، وإذا كان اختصاص كل سورة بموضوعات معٌنة وبترتٌب مختص بها جاء لٌبرز موضوعاً أساسٌاً ، فما هً قٌمة هذا الموضوع فً ضوء طرٌقة القرآن فً الترتٌب؟ وهل انتظام مجموع الآٌات وعددها:(6236) آٌة قرآنٌة داخل114) سورة تحدٌداً ٌرشدنا إلى مستوى ثان من العلبقات بٌن هذه الموضوعات ؟ ثالثاً: التفسٌر الموضوعً ٌعرّؾ التفسٌر الموضوعً للموضوع القرآنً بؤنه : " الكشؾ الكلً عن مراد الله عز وجل فً قضٌة قرآنٌة بحسب الطاقة البشرٌة".1 وتتمثل الخطوات المنهجٌة الأساسٌّة لهذا اللون التفسٌري فً خطوتٌن اثنتٌن2 : 1. الاستقصاء التام والاستقراء الدقٌق لحدود الموضوع القرآنً وعلبقاته وصلبته وروابطه فًالقرآن الكرٌم. 2. ربط عناصر الموضوع ومتعلقاته وفق "هٌكلٌة قرآنٌة " تقتضٌها طبٌعة الموضوع وتعلقاته ، حٌث تكون الآٌات ودلالاتها الموجه الأساسً لذلك ولٌس أفكار الكاتب أو ثقافته. وٌظهر من خلبل هذا التحدٌد أن التفسٌر الموضوعً للقرآن ٌبحث فً الموضوعات القرآنٌة من جهة تفرق عناصر كل موضوع منها فً مجموع القرآن ، فٌعمد إلى إعادة تركٌب الموضوعات القرآنٌة ، وهو بذلك ٌتجاوز خطوة أساسٌة لا ٌمكن للتفسٌر الموضوعً أن ٌكتمل بدونها ، وهً فصل كل عنصر من عناصر الموضوع الواحد عن السورة الذي جاء بها. فوروده فً سور محددة ٌقتضً أن ٌكون له صلة وعلبقة مع موضوعات تلك السور ، ففهم كل عنصر لن ٌكتمل إلا بعد فهم تلك العلبقة بٌنه وبٌن موضوعات السور التً جاء بها. فٌظهر أن التفسٌر الموضوعً للموضوعات ٌتجاوز العلبقات بٌن الموضوع الواحد والموضوعات الأخرى التً جاءت معه. رابعا: الوحدة البنائٌة للقرآن الكرٌم 1 رشروانً ، التفسٌر الموضوعً للقرآن الكرٌم دراسةنقدٌة ، ص45 . 2 الدقور ، سلٌمان محمد،2010) التفسٌر الموضوعً اشكالٌة المفهوم والمنهج ،مجلة: دراسات ، عدد 1، ص24

عدد الصفحات ٢٩

من الدراسات التً أصّلت لهذا المفهوم ، كتاب الوحدة البنابٌة للقرآن المجٌد للدكتور طه جابر العلوانً ، وٌقصد بالوحدة البنابٌة للقرآن الكرٌم " أنه بكل سوره وآٌاته وأجزابه وأحزابه وكلماته ٌعتبر كؤنه كلمة واحدة " 1. وٌقول فً موضع آخر مفصلبً لهذا التعرٌؾ : " إن القرآن الكرٌم واحد لا ٌقبل بناإه وإحكام آٌاته التعدد فٌه أو التجزبة فً آٌاته ، أو التعضٌة بحٌث ٌقبل بعضه وٌرفض بعضه الآخر ، كما لا ٌقبل التناقض أو التعارض وؼٌرهما من عٌوب الكلبم .."2 ،وٌرى بؤن الوحدة البنابٌة للقرآن " لا تقل أهمٌة وخطورة عن نظرٌة النظم ، وهما ٌشكلبن حجر الزاوٌة فً المنظومة الداخلٌة التً أودعها الله هذا الكتاب لحفظه وجمعه من الداخل ، وعصمته من أي تؽٌٌر او تحرٌؾ أو إضاعة أو نسٌان " 3 أما عن منهجٌة الكشؾ عن الوحدة البنابٌة ، فٌرتكز العلوانً على وحدة السورة القرآنٌة لٌثبت وحدة القرآن حٌث ٌقول :" فالسورة وحدة ، لها عمود ٌقوم بناإها علٌه ، وذلك العمود هو موضوعها الأساس. والموضوعات الأخرى موضوعات معضدة مساندة تدور حول ذلك العمود ، وكؤنها أوتاد معضدة ومعززه للعمود الأساس ... والقرآن ـ بجملته ـ ٌقوم على أعمدة ثلبث: أولها : التوحٌد ، وثانٌها ـ التزكٌة ، وثالثها : العمران . ؾ"التوحٌد" ٌشكل العمود الأساس لمعظم سور القرآن ، وتدور حوله أوتاد أخرى تتناول التزكٌة والعمران . وقد ٌكون عمود السورة "التزكٌة" ، وتربط بالتوحٌد والعمران ، وقد ٌكون عمودها "العمران" وٌربط بالتزكٌة والتوحٌد ... وهكذا . وإذا سلم بهذا فإنه ٌصبح من الٌسٌر التسلٌم بوحدة القرآن البنابٌة " 4 لقد فصّل العلوانً فً الجانب التؤصٌلً فً طبٌعة هذه الوحدة ، وأهمٌتها وآثارها ونشؤة القول بها ، أما فً الجانب التطبٌقً فلم ٌقدم منهجاً متكاملبً ٌكشؾ لنا عن هذه الوحدة ، إضافة إلى أن التصور الذي قدمه مرتبط بوحدة القرآن من جهة صلة موضوعاته الأساسٌّة (التوحٌد ، التزكٌة ، العمران) ببعضها داخل السور القرآنٌة بشكل مجمل ، فلم ٌفسر لنا كٌؾ أن القرآن بجملته ٌقوم على ثلبثة أعمدة؟ فهذا ٌقتضً أن ٌكون هناك خمسٌن سورة مثلبً تتكلم عن موضوع التوحٌد ، فما الفرق بٌنها ؟ لم ٌتناول العلوانً هذا الجانب المهم . خامساً: الوحدة الموضوعٌة للقرآن الكرٌم 1العلوانً ، طه جابر ،2006)، الوحدة البنابٌة للقرآن المجٌد ، (ط1)مكتبة الشروق الدولٌة ، ص13 2العلوانً ، الوحدة البنابٌة للقرآن المجٌد ، ص14 3العلوانً ، الوحدة البنابٌة للقرآن المجٌد ، ص62 4العلوانً ، الوحدة البنابٌة للقرآن المجٌد، ص81

عدد الصفحات ٣٠

قدم سعٌد حوى فً تفسٌره (الأساس فً التفسٌر) نظرٌة ـ كما ٌسمٌها ـ تتصل بوحدة القرآن الموضوعٌة ، وتقوم هذه النظرٌة على أمرٌن1: الأول اعتبار أن سورة البقرة فصلت ما أجملته سورة الفاتحة من مقاصد ومعان ثم جاءت السور التً تلً سورة البقرة لتفصل فً معانً واردة فً الآٌات (1 ـ39) والآٌات216 ـ217 ـ218 ) من سورة البقرة. الثانً: قسّم القرآن إلى أربعة أقسام ـ وفق اعتبارات بٌّنها ـ ٌشكل القسم الأول وحدة موضوعٌة واحدة ، وأما القسم الثانً والثالث والرابع فإنه ٌتؤلؾ من مجموعات متعددة من السور ، كل مجموعة تشكل وحدة فً قسمها ، والأقسام هً: 1. قسم الطوال وٌنتهً بانتهاء سورة التوبة 2. وقسم المبٌن وٌنتهً بانتهاء سورة القصص 3. وقسم المثانً وٌنتهً بانتهاء سورة ق 4. وقسم المفصّل وٌنتهً بانتهاء القرآن وٌلحظ أن سعٌد حوى قد ربط بٌن الموضوعات القرآنٌّة على مستوى القرآن كاملبً، وهو بذلك ٌتجاوز البحث فً التناسبات الجزبٌة ، وجاء بحثه فً الروابط فً أمرٌن اثنٌن: الأول: الروابط بٌن الموضوع الواحد: وهذا بحث فً التفسٌر الموضوعً للموضوع القرآنً ، وقد أكثر سعٌد حوى من هذا الربط ، فمثلبً ٌقول:" سورة الماعون أتمّت بٌان الصورة العامة للمتقٌن والكافرٌن والمنافقٌن التً رسمتها مقدمة سورة البقرة ، فسورة العصر ركزت على خصابص المتقٌن وسورة الهمزة والفٌل وقرٌش لها صلة بالكلبم عن الكافرٌن ، وسورة الماعون لها صلة بالكلبم عن المنافقٌن ، ولذلك كله صلبته بمقدمة سورة البقرة التً تحدثت عن المتقٌن والكافرٌن والمنافقٌن". 2 الثانً الروابط بٌن موضوعات القرآن المتعددة: بٌن من خلبله الروابط بٌن الموضوعات التً جاءت فً سورة البقرة مع بقٌة السور ، والروابط بٌن السور المتجاورة ، فٌرى مثلبً أن الرابط بٌن سورة البقرة وسورة النصر ، أن الأمر بالعبادة فً سورة البقرة جاء مع الحدٌث عن نعم الله العامة المتمثلة بالكون ، والحدٌث عن التسبٌح والاستؽفار جاء فً سورة النصر مع الحدٌث عن نعمة من نعم الله وهً النصر ، 1 سعٌد حوى ،الاساس فً التفسٌر ، ص 2 حوى ، سعٌد ،1985) ، الأساس فً التفسٌر ، دار السلبم للطباعة والنشر والتوزٌع والترجمة، ص604 .

عدد الصفحات ٣١

وبذلك ٌتضح أن العبادة تقابل النعم1. كما أنه ٌرى بؤن الرابط بٌن سورة البقرة وسورة الناس أن سورة البقرة تكلمت عن عداوة إبلٌس لآدم فجاءت سورة الناس لتعلم الإنسان الاستعاذة من الشٌطان الرجٌم.2 وتجدر الإشارة إلى أن هذه الروابط لم ٌبرزها فً صورة تجمٌعٌة مستقلة ، بل هً مبثوثة فً تفسٌره الذي ٌبلػ قرابة (6000) صفحة ، وهو بذلك قد تبع من كتبوا فً التناسب فً القرآن كما بٌنا فً المطلب الأول ، فلم تستثمر فً تشكٌل تصور كلً مترابط عن العلبقات بٌن الموضوعات. سادساً: نظام القرآن وهو مصطلح أطلقه الفراهً وٌقصد به:" أن تكون السورة كلبماً واحداً ثم تكون ذات مناسبة بالسورة السابقة واللبحقة أو بالتً قبلها أو بعدها على بعد ما ... فكما أن الآٌات ربما تكون معترضة فكذلك ربما تكون السورة معترضة وعلى هذا ترى القرآن كله كلبماً واحداً ..".3 وتبحث فكرة النظام عند الفراهً فً ثلبثة مجالات : أولاً: نظام الآٌات داخل السورة القرآنٌة : ذكر الفراهً بؤن الكلبم له أجزاء تركٌبٌة ، وهً نوعان4 : الأول: الأجزاء التركٌبٌة التفصٌلٌة وتشمل: التعلٌل ، التفرٌع ببٌان الفروع ، والتؤصٌل ببٌان الأصول ، والتفصٌل لمجمل ، والتمثٌل ، وإٌراد المتشابه ، وإٌراد المقابل والضد ، والتنبٌه بالوعد والوعٌد والتحسٌن والتقبٌح. الثانً: الأجزاء التركٌبٌة الإجمالٌة ، وهً: العمود والتمهٌد والمنهج والخاتمة. ثانٌاً: نظام السور داخل القرآن : ذكر ثلبثة اعتبارات تراعى عند البحث عن نظام السور القرآنٌة داخل القرآن: الأول: ترتٌب السور ، فكما أن الآٌات مرتبة بحٌث إذا بدلنا ترتٌبها ٌختل المعنى ، فكذلك السور القرآنٌة5 .الثانً: المكً والمدنً ، حٌث ٌرى " أن أصل القرآن ما نزل بمكة وأما ما نزل بالمدٌنة فؤدرج فٌه وضم معه فصار كجمان المفصل 1 ٌنظر: سعٌد حوى ، الأساس فً التفسٌر ، ج11 ، ص629 2 ٌنظر: سٌد حوى ، الأساس فً التفسٌر ، ج11 ، ص668 الفراهً ، عبد الحمٌد ،1388 هـ ) ، دلابل النظام ،(ط1) ، المطبعة الحمٌدٌة ، ص753 الفراهً ، دلابل النظام ، ص724 ٌنظر: الفراهً ، دلابل النظام ، ص12 5

عدد الصفحات ٣٢

قال تعالى " : كتاب أحكمت آٌاته ثم فصلت من لدن حكٌم خبٌر " فهذه إشارة إلى أصل راسخ فً ترتٌب الآٌات والسور"1 .الثالث: نوع العلاقة بٌن السور " فكما أن الآٌة التً نزلت من بعد وضمت بما تناسبها فكذلك بعض السور ضمت ببعضها وهنا ٌجب أن نمٌز بٌن السورة المستقلة والسورة التابعة ، وربما تكون التوابع متعددة وربما تكون للتابعة تابعة أخرى ثم بعد التابعة ترى الاتصال بٌن المستقلتٌن سواء كان الاتصال بٌن التابعة والمستقلة الآتٌة لها أم لم ٌكن .. وربما تكون السورتان المتصلتان مستقلتٌن من جهة والمتبوعة والتابعة من جهة أخرى ... ثم لا بد مع استقلبل السورتٌن المتصلتٌن من كون المتقدمة أولى بالتقدم2. ثالثاً: نظام الموضوعات فً القرآن كانت رإٌة الفراهً ترتكز بصورة أوضح على نظام الآٌات داخل السورة ، ونظام السور داخل القرآن ، وهذا واضح فً تعرٌفه للنظام ، أما فٌما ٌتصل بنظام موضوعات القرآن داخل القرآن فقد ذكر بعض القواعد المفرقة تحت عناوٌن متعددة جمعتها فً النقاط الآتٌة:  لاحظ الفراهً أن للقرآن طرٌقة محددة فً ترتٌب موضوعاته حٌث ٌقول:" إن الأمر الواحد ربما ٌإتى به كالعمود وربما كالتبع ، وحٌناً ٌورد مجملبً وحٌناً مفصلبً ، ومرة ٌقدم وأخرى ٌإخر ، وتارة ٌفرد وتارة ٌقترن ، فتلك أربع تقسٌمات ، تحت كل واحد قسمان فالجملة ثمانٌة أبواب ،ولكن القسمة ثنابٌة لا ثمانٌة ..."3 .  بٌن الفراهً أن ملبحظة هذا الترتٌب ٌدل على الحكمة حٌث ٌقول:" إن الربط الذي وجدت فً موضع ، تجده فً عدة مواضع ثم تفكر فً مناسبة هذا الربط ، فتهتدي إلى حكمته مثلب ترى ذكر الصلبة مع الزكاة والربا مع الصدقة وإنفاق المال وبذل النفوس والصلبة ، وترى الصبر مع الصلبة والجهاد ومجانبة الهوى وترى الصلبة مع الجود والنسك والنحر ، وترى التقوى مع الإٌمان والشرابع والقسط وترى القسط مع التوحٌد والمعاد والشرابع .. وؼٌر ذلك من الأمور التً ٌظهر التناسب بٌنها ثم تجد فً بعض المواضع ما بٌن هذا التناسب فهذا لا ٌدلك على النظام إلا وٌدلك معه على أبواب الحكمة.."4 الفراهً ، دلابل النظام ، ص91 1 الفراهً ، دلابل النظام ، ص83 2 3 الفراهً ، دلابل النظام ، ص53 . 4 الفراهً ،دلابل النظام ،ص28 .

عدد الصفحات ٣٣

 ثم ذكر نموذجاً على الحكمة المستنبطة من الترتٌب ، حٌث ٌقول:" ذكر الصلبة مع الزكاة معاً وتقدٌم الصلبة مرة والزكاة أخرى علمنا اللزوم بٌنهما ومن اقتران القرٌنٌن فهم كونهما مماثلب مثلب مرة قرن الصلبة مع المواساة وأخرى قرن الإٌمان والمواساة ففهمنا كون الصلبة والإٌمان من باب واحد كقوله تعالى : (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلٌِّنَ (43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكٌِنَ 44) ،إِنَّهُ كَانَ لاَ ٌُؤْمِنُ بِاللََِّ الْعَظٌِمِ وَلاَ ٌَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكٌِنِ أَرَأٌَْتَ الَّذِي ٌُكَذِّبُ بِالدٌِّنِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي ٌَدُعُّ الٌَْتٌِمَ2 ) )فعلمنا أن الإٌمان بالله والمعاد والصلبة والمواساة كلها من باب واحد1." نجد أن الفراهً قد أصل لبعض القواعد المتعلقة بالروابط بٌن الموضوعات ، ومثّل على تكرار الاقتران بٌن موضوعٌن فؤكثر ودلالة هذا التكرار ، وقد سبق وأن أشار بعض العلماء إلى هذه الرابطة وبٌّنوا الحكمة منها ، ومنهم على سبٌل التمثٌل: ـ الجاحظ ، حٌث ٌقول:" وفً القرآن معان لا تكاد تفترق مثل الصلبة والزكاة ، والجوع والخوؾ ، والجنة والنار ، والرؼبة والرهبة ، والمهاجرٌن والأنصار ، والجن والإنس".2 ـ الزركشً ،حٌث ٌقول:" وعادة القرآن العظٌم إذا ذكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً ووعٌداً لٌكون ذلك باعثاً على العمل بما سبق ، ثم ٌذكر آٌات التوحٌد والتنزٌه ، لٌعلم عظم الآمر والناهً".3 ـ الرازي ،حٌث ٌقول فً تفسٌره لسورة المابدة :" اعلم أن عادة الله تعالى جارٌة فً هذا الكتاب الحكٌم أنه إذا ذكر أنواعاً كثٌرة من الشرابع والتكالٌؾ والأحكام ، أتبعها إما بالإلهٌات ، وإما بشرح أحوال الأنبٌاء ، أو بشرح أحوال ٌوم القٌامة لٌصٌر ذلك مإكداً لما تقدم ذكره من التكالٌؾ والشرابع ".4 ـ ابن عاشورفً تفسٌره للبٌة (95) من سورة النساء :" عادة القرآن فً تعقٌب النذارة بالبشارة دفعاً للٌؤس من الرحمة عن أنفس المسلمٌن ." 5 1الفراهً ، دلابل النظام ، ص63 . 2 الجاحظ ، عمرو بن بحر بن محبوب ، البٌان والتبٌٌن ، دار ومكتبة الهلبل ، بٌروت ، ج1 ، ص42 . 3 الزكشً،بدر الدٌن محمد بن عبد الله، البرهان فً علوم القرآن ، تحقٌق : محمد أبو الفضل ابراهٌم ، مكتبة دار التراث ، القاهرة ، ص40 4 الرازي ، ضٌاء الدٌن عمر1989) ، تفسٌر فخر الدٌن الرازي ، (ط1) دار الفكر. ، ج12، ص129 . 5 ابن عاشور ، محمد الطاهر1984) ، التحرٌر والتنوٌر ، الدار التنوسٌة للنشر. ، ج5 ، ص169 .

عدد الصفحات ٣٤

وٌلحظ أن كلبم العلماء جاء فً سٌاق الإشارة إلى أن للقرآن عادة محددة فً ترتٌب موضوعاته ، وهذا ٌدل على أن الروابط بٌن الموضوعات على مستوى القرآن كانت حاضرة عند العلماء ، إلا أنهم اكتفوا بالإشارة إلٌها والتمثٌل على بعض ما ٌندرج تحتها. المطلب الثانً: تحدٌد مفهوم العلاقات التكاملٌة بٌن موضوعات القرآن أولا: تعرٌف العلاقة والتكامل والموضوع لغة أولا : العلاقات جمع عَلبقة ، وهً مؤخوذة من الجذر الثلبثً عَلِقَ ، قال ابن فارس فً أصل هذه الكلمة:" العٌن واللبم والقاؾ أصل كبٌر صحٌح ٌرجع إلى معنى واحد ، وهو أن ٌناط الشًء بالشًء العالً"1 ، وفً عمدة الحفاظ :" وأصل العَلَقِ: التَّشبُّثُ بالشًء" 2 وقٌل العلَق اللزوم" عَلَّق الشًءَ بالشًَّءِ ومنه وعلٌه تَعلٌِقاً : لَزِمَه" 3. والتعلّقُ : ترتٌب شًء على شًء . ومنه تعلٌق المشروط على شرط 4 ، فٌتضح من مجموع هذه المعانً أن العلبقة هً الروابط التً تجمع بٌن أمرٌن فؤكثر. ومن استعمالاتها على سبٌل التمثٌل5 :  العَلقُ : هو أن ٌمر بالشوكة أو ؼٌرها فتعلق بالثوب فتخرقه  العَلَقُ : دود ٌتعلقُ بالحلق  والعِلقُ: الشًء النفٌس الذي به ٌتعلق صاحبه  العَلٌقُ : ما ٌعلّقُ على الدابة من القضٌم . 1زكرٌا، أحمد بن فارس ،1979) ، معجم مقاٌٌس اللؽة ، تحقٌق : عبد السلبم هارون ، دار الفكر للطباعه والنشر والتوزٌع ،ج4،125ـ130. 2السمٌن الحلبً،احمد بن ٌوسؾ،1996) عمدة الالفاظ فً تفسٌر أشرؾ الالفاظ ، (ط1) تحقٌق : محمد باسل عٌون السود ، دار الكتب العلمٌة : بٌروت ـ لبنان ، ج3 ، ص110ـ111 . 3الزبٌدي ، محمد مرتضى1965) ، تاج العروس من جواهر القاموس ، تحقٌق : عبد الستار احمد فراج ، مطبعه حكومة الكوٌت ، ج26 ،ص181ـ201 4السمٌن الحلبً ، عمدة الحفاظ ، ج3 ، ص111 . 5السمٌن الحلبً، عمدة الالفاظ ، ج3 ، ص111. ابن فارس، معجم مقاٌٌس اللؽة ،ج4،125ـ130. الجوهري ، اسماعٌل بن حماد ،(1990)،الصحاح تاج اللؽة وصحاح العربٌة ، (ط4) تحقٌق :أحمد عبد الؽفور عطار، دار العلم للملبٌٌن : بٌروت ـ لبنان ،ج4،ص217 ـ220 .

عدد الصفحات ٣٥

 العَلٌقةُ : مركوب ٌبعثه الإنسان مع ؼٌره فٌعلقُ أمره به  العَلوقُ: الناقة التً ترأم ولدها فتعلقُ به ، وٌقال للمنٌة :علوقُ. والعلوق من النساء : المحبة لزوجها  العَلَق: الدم الجامد ،نه ٌَعلَقُ بالشًء.  عَلِقَ الشوكُ الثوبَ ، وبه ، وعَلِقَ الظبًُ بالحِبَ الة ، وعلقت الأنثى بالجنٌن ، أي نشِب فٌه واستمسك به. وعَلِقَ فلبن بفلبن: خاصمه. وهو أٌضاً الهوى ٌقال : قد عَلِقَ قلبه بمن ٌهواه. وعَلِقَ دمُ فلبن بفلبن ، إذا كان قاتله . عَلِقَ ٌفعل كذا ، كؤنه ٌتعلّق بالأمر الذي ٌرٌده.  العُلقة: شجر ٌبقى فً الشتاء تَعلق بهالابلُ فتستؽنً به .  والعَلبقة: الخصومة ، والعلبقة:الحب اللبزم ، العلبقة: ما تَعَلَّقَ به الرَّجُلُ من صِناعةٍ وؼٌَرِها  (فتذروها كالمعلقة) أي التً لا تكون أٌَّما ولا ذات بعل ، كؤنّ أمرها ؼٌر مستقر ثانٌا :التكاملٌة: مصدر الفعل كَمُلَ ، وهً فً اللؽة تدل على أمرٌن اثنٌن: الأول: ٌبٌنه ابن فارس حٌث ٌقول:" الكاؾ والمٌم واللبم أصل صحٌح ٌدل على تمام الشًء . ٌقال كَمَل الشًء وكَمُل فهو كاملُ ، أي تامّ قال تعالى (الٌَْوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دٌِنَكُمْ ) "1 وٌقال كَمُل الشًء : تمتاجزاإه أو صفاته2. الثانً: ٌبٌّنه اصفهانً فً المفردات حٌث ٌقول :" كمال الشًء حصول ما فٌه الؽرض منه" 3. ومثال ذلكوَالْوَالِدَاتُ ٌُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلٌَْنِ كَامِلٌَْنِ ) تنبٌهاً أن ذلك ؼاٌة ما ٌتعلق به صلبح الولد . وفً قوله (لٌَِحْمِلُوا أَوْزَارهمْ كَامِلَة) تنبٌهاً أنه ٌحصل لهم كمال العقوبة. والجمع بٌنهما ظاهر ، فتمام الشًء ٌإدي إلى حصول الؽرض منه. ومن الاستعمالات على سبٌل التمثٌل 4:  كَمَلَ الشهر : تمَّ دوره . فهو كاملُ  كَمُل لنا الملك وكَمًل لنا ما نرٌد بؤن كفٌنا من كنّا نخافه  الكامِلُ: البحر الخامس (من بحور العروض) سمًّ كامِلبً لأنه كمُلت أجزاإه وحركاته ، وكان أكمل من الوافر لأنّ الوافر توفّرت حركاته ونقصت أجزاإه .  ورجل كامل : جامع للمناقب 1 ابن فارس ،مقاٌٌس اللؽة ، ج5 ،ص139 . 2 مجمع اللؽة العربٌة ،2004) ، المعجم الوسٌط ، (ط4) مكتبة الشروق الدولٌة، ص 3الاصفهانً،الحسٌن بن محمد ، المفردات فً ؼرٌب القرآن ، مكتبة نزار مصطفى الباز، ج1،ص569 . 4 الزمخشري ، جار الله محمود1998) ، أساس البلبؼة ، (ط1) تحقٌق : محمد باسل عٌون السود ، دار الكتب العلمٌة : بٌروت ـ لبنان، ج2 ،146. مجمع اللؽة العربٌة ، المعجم الوسٌط ، ،ص798. الجوهري، الصحاح تاج اللؽة وصحاح العربٌة ، ج5، ص423. ابن فارس ، معجممقاٌٌس اللؽة ، ج5 ، ص139 .

عدد الصفحات ٣٦

 أعطِهِ هذا المال كَمَلبً : أي كُلهُ  التكامل ( فً عرؾ الاقتصاد ) هو الجمع بٌن صناعات مختلفة ٌكمل بعضها بعضاً ، وتتعاون فً الوصول إلى ؼرض واحد. ثالثاً : الموضوع ، من الوضع ، ٌقول ابن فارس:" والواو والضاد والعٌن : أصل واحد ٌدل على الخفض للشًء وحطه" 1، وفً المفردات وعمدة الحفاظ " الوضع أعم من الحط2 ومن الاستعمالات على سبٌل التمثٌل 3:  وضعفلبن الشًءَ : ألقاه من ٌده وحطّه.  رفع السلبحَ ثم وضعه : ضربَ به  وضع الشًءَ إلى الأرض : أنزله  وضع الشًء فً المكان : أثبته فٌه  وَضَعَ الجِناٌَةَ عَنهُ وَضعاً : أسقَطَهَا عَنهُ ، وكذلك الدٌن  وَضَعَ الشًَّءَ وّضعاً : اختَلقَهُ  وَضَعَتِ المرأة ، أي ولدت  وَضَعَ منه فلبنُ ، أي حطَّ من درجته  الموضع : المكان  الوَضٌِعُ : الدنًء من الناس  الموضوع : المادة التً ٌَبنى علٌها المتكلم أو الكاتب كلبمه  لهُ فً قَلبً مَوضِعَةُ ، ومَوقِعَةُ ، أي مَحَبَّةُ  هَلُمَّ أواضِعكَ الرَّأيَ ، أي أطلِعكَ على رأًٌ وتُطلِعنًِ على رَأٌِكَ. والموضوع اصطلبحاً : "هو محل الؽرض المختص به وقٌل هو الأمر الموجود فً الذهن". 4 1ابن فارس ، معجممقاٌٌس اللؽة ،ج6،ص117 2 ٌنظر: الأصفهانً ،المفردات فً ؼرٌب القرآن. السمٌن الحلبً ، عمدة الحفاظ. 3الجواهري ،الصحاح تاج اللؽة وصحاح العربٌة ، ج 3، ص439،. مجمع اللؽة العربٌة ، المعجم الوسٌط ، ص1039، الزبٌدي ، تاج العروس من جواهر القاموس ، ج 22، ص335 . 4الأصفهانً ،المفردات فً ؼرٌب القرآن ، ص681.

عدد الصفحات ٣٧

ثانٌاً: مفهوم العلاقات التكاملٌة بٌن موضوعات القرآن خلصنا فً المطلب الأول الذي ٌبحث فً المفاهٌم المتقاربة مع مفهوم العلبقات التكاملٌة إلى أن المنهجٌات التً تبحث فً الروابط بٌن مكونات القرآن وإن لم تخرج بمنهج كلً ٌفسر الترتٌب القرآنً للموضوعات بجوانبه الثلبثة التً حددناها ، إلا أنها أسهمت بمجموعها فً بناء جزء كبٌر من هذا المنهج ، ولكن بقٌت الأسبلة الأساسٌّة الثلبثة التً ٌطرحها الترتٌب القرآنً للموضوعات تحتاج منا إلى إجابة تأصٌلٌة متكاملة تمكننا من إعادة بناء نموذج محدد منضبط ٌفسر لنا هذا الترتٌب ، وهً: 1. لماذا رتبت الموضوعات فً مجموع الآٌات بصورة مزجٌة ابتداء؟ 2. لماذا رتبت الموضوعات فً مجموع الآٌات فً سور ، لكل سورة موضوعات معٌنة وترتٌب مختص بها؟ 3. لماذا رتب مجموع السور وفق تسلسل مؽاٌر لتسلسل النزول؟ وقد اطلعت فً فترة الدراسة على فكرة طرحها الدكتور سلٌمان الدقور والموسومة بـ [ ثم تبٌنتها منه ، وقرآنٌة القرآن " مصطلح ٌبحث فً الطرٌقة التً بناها القرآن فً اشتمال موضوعاته الربٌسة على هذا الشكل التً هً علٌه. وهً ترتكز على قوله تعالى: " لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16) إِنَّ عَلٌَْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ( 17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ( 18) ثُمَّ إِنَّ عَلٌَْنَا بٌََانَهُ 19) [57] هذه الآٌات تشكل مفتاحاً منهجٌاً ٌوجهنا إلى منهج التعامل مع القرآن فهماً وعملبً1. 1 لٌس من مقصد الرسالة التحقق من الأساس الذي قامت علٌه هذه الفكرة ، إلا أن هذه الفكرة بشكل عام تقوم على اعتماد معنى التألٌف لقوله تعالى :" وَقُرْآَنَهُ " ، وقد ذكر المفسرون فً قوله تعالى :" وَقُرْآَنَهُ " معنٌن اثنٌن: الأول: بمعنى التلبوة. الثانً: بمعنى التؤلٌؾ أو النظام. والقول الثانً ٌإٌد ما ذهب إلٌه الدكتور سلٌمان فً هذه الفكرة. ٌنظر: الطبري ،محمد بن جرٌر ، جامع البٌان عن تؤوٌل القرآن ، (ط2) تحقٌق : محمود شاكر، مكتبة ابن تٌمٌة : القاهرة ، ج7 ص413 . و ابن كثٌر، اسماعٌل (2000) ، تفسٌر القرآن العظٌم ، (ط1)تحقٌق مصطفى السٌد محمد وآخرون ، موسسة قرطبة و مكتبة أولاد الشٌخ للتراث ج14، ص197 ،الالوسً ، شهاب الدٌن السٌد ، روح المعانً فً تفسٌر القرآن العظٌم والسبع المثانً ، دار احٌاء التراث العربً : بٌروت ـ لبنان ج29 ، ص142، الرازي ، ضٌاء الدٌن عمر1989) ، تفسٌر فخرالدٌن الرازي ، (ط1)دار الفكر ، ص224،ج30 ، الثعالبً،جواهر الحسان فً تفسٌر القرآن، مإسسة الأعلمً للمطبوعات : بٌروت ـ لبنان ، ج4 ، ص367 ، البقاعً ، نظم الدرر ج21 ، ص100. الفراهً ،عبد الحمٌد ، نظام القرآن وتفسٌر الفرقان ، ص226ـ 233.

عدد الصفحات ٣٨

ٌقوم هذا المفتاح على النهً عن العجلة بالقرآن ، والمقصود من العجلة بالقرآن ما جاء فً سورة طه :" وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن ٌُقْضَىٰ إِلٌَْكَ وَحٌُْهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنًِ عِلْمًا " (طه:114) وهو انقضاء وحٌه ، أي اكتمال نزوله ، فالنبً كان ٌستعجل انقضاء وحً القرآن ، ولعل ذلك كان رؼبة فً هداٌة الناس ، إلا أن القرآن جاء لٌوجه النبً إلى أن منهج القرآن فً الهداٌة من خلبل القرآن إنما ٌتحقق من خلبل أربعة عناصر أساسٌّة:  الأول فً قوله تعالى :" إِنَّ عَلٌَْنَا جَمْعَهُ ": أي أن الله عز وجل سٌجمع فً هذا القرآن كل ما ٌحتاجه الإنسان من معان وموضوعات.  الثانً فً قوله تعالى:" وَقُرْآنَهُ ": أي أن هذا الجمع سٌرتب وفق نسق خاص هو ما علٌه القرآن الآن.  الثالث فً قوله تعالى:" فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ": أي أن المطلوب من الإنسان أن ٌتبع هذا النسق الذي انتظم فً ضوء الموضوعات.  الرابع فً قوله تعالى:" ثُ مَّ إِنَّ عَلٌَْنَا بٌََانَهُ ": أي أن اتباع هذا النسق هو ما ٌحقق بٌان القرآن، وبٌان القرآن ٌتحقق فً أمرٌن: بٌان مقاصده ومفاهٌمه من خلبل تدبره وفهمه ، وبٌان أثره ونتٌجته من خلبل تطبٌقه "1 . واتباعاًلقرآنٌة القرآن قام الدكتور سلٌمان بضبط هذا الاتباع وفق خطوتٌن أساسٌتٌن2 : أ. تحدٌد موضوعات القرآن الأساسٌة. ب. الكشؾ عن منهج القرآن فً ترتٌبها. ثم حدد الأسس التً ٌقوم علٌه منهج التعرؾ على ترتٌب موضوعات القرآن وفق ثلبث قراءات: أولاً: القراءة الأفقٌّة: هذه القراءة تهدؾ إلى الإجابة عن السإال الأول الذي ٌطرحه الترتٌب القرآنً للموضوعات وهو: لماذا جاءت الموضوعات القرآنٌة فً مجموع الآٌات بصورة مزجٌة ابتداء؟ وللئجابة عن هذا السإال فإننا نحتاج أن نجٌب عن سإال آخر ٌسبقه وهو: لماذا جاءت عناصر الموضوع الواحد متفرقة؟ والإجابة تتمثل فً أن كل عنصر من هذه العناصر له علبقة وارتباط مع موضوعات السورة التً جاء فٌها ، وٌلزم من ذلك أن الموضوع الواحد مرتبط من خلبل عناصره مع بقٌة الموضوعات القرآنٌة التً 1 سلٌمان الدقور ،كتاب التدرب على التدبر ، كتاب مخطوط. 2 سلٌمان الدقور ، كتاب التدرب على التدبر ، كتاب مخطوط.

عدد الصفحات ٣٩

جاء معها ، ولما تفرقت عناصر كل الموضوعات لزم من ذلك أن هناك علبقات أساسٌة تجمع هذا المزٌج الموضوعً بمجموعه. لذلك فإن القراءة الأفقٌة تبحث فً مجموع الآٌات القرآنٌة والتً ٌبلػ عددها (6236) آٌة ، من جهة تفكٌك هذا المجموع ، بضبط موضوعات القرآن الأساسٌّة ، ومن ثم رسم خارطة تفصٌلٌة تعكس شكل ترتٌبها وامتزاجها ببعضها البعض فً القرآن كله ، وذلك بقصد الوقوؾ على شكل هذا الامتزاج ومن ثم استنباط العلبقات التً تجمع هذا المزٌج بمجموعه وتحدٌد دورها فً هداٌة الإنسان . ثانٌاً: القراءة العمودٌّة: أما هذه القراءة فإنها تجٌب عن السإال الثانً الذي ٌطرحه الترتٌب القرآنً للموضوعات وهو: لماذا رتّب هذا المزٌج الموضوعً فً سور محددة؟ ولماذا اختصت كل سورة منها بموضوعات معٌنة وبترتٌب مختص بها؟ جزء من الإجابة عن هذا السإال ٌكمن فً القراءة الأفقٌة ، فلما كان تفرق عناصر الموضوعات فً مجموع السور ٌدلنا على أن الموضوعات القرآنٌة مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثٌقاً ، نلحظ أن الذي أظهر هذا الارتباط هو حدود السور القرآنٌة ، ولما لم ٌتفرق عناصر كل موضوع من الموضوعات فً كافة السور القرآنٌة ، لزم من ذلك اختصاص سور دون أخرى بعدة موضوعات ، مع الإشارة إلى أن السور التً تفرق فٌها عناصر الموضوع الواحد قد اختصت كل واحدة منها بترتٌب خاص ، فؤضحت السور القرآنٌة بحدودها تضبط فهمنا لمجموع الموضوعات القرآنٌة ، وهذا ٌدلنا على مستوى ثان من العلبقات بٌن هذه الموضوعات. لذلك فإن الوصؾ الأدق لوحدة السورة القرآنٌة أن نسمٌها بـ (المجال المعرفً) ، وذلك باعتبار أن حدود السورة القرآنٌة توجهنا إلى منهج قراءة مجموع الموضوعات التً جاءت فٌها. ثالثاً: القراءة التجمعٌّة: هذه القراءة تجٌب على السإال الثالث الذي ٌطرحه الترتٌب القرآنً وهو: لماذا رتبت هذه السور وفق هذا التسلسل الذي جاءت علٌه؟ وجزء من الإجابة على هذا السإال ٌكمن فً القراءة الأفقٌة والقراءة العمودٌة ، فلما كان ترتٌب الموضوعات القرآنٌة بصورة مزجٌّة ٌدلنا على وجود علبقات بٌن الموضوعات ، ولما كان ترتٌب هذا المزٌج فً (114) سورة قرآنٌة ٌدلنا على مستوى ثان من العلبقات بٌن الموضوعات ، فإن ترتٌب الـ (114) سورة وفق الشكل الذي جاءت علٌه والمؽاٌر لتسلسل تنزل القرآن فً زمن النبً ٌدلنا على مستوى ثالث من العلبقات بٌن هذه الموضوعات ٌضبط فهمنا لمجموع القرآن الكرٌم.

عدد الصفحات ٤٠

وإذا قابلنا بٌن هذه القراءات الثلبث وبٌن تنزل القرآن فً زمن النبً محمد صلى الله علٌه وسلم ، سنجد أنها متطابقة بصورة عجٌبة ، فقد اشترك تنزل القرآن ومن ثم ترتٌبه بعنصر أساسً وهو: المزج بٌن الموضوعات ، وسٌكون لهذا العنصر الدور الأبرز فً توضٌح تنزل القرآن ومن ثم ترتٌبه وفق هذا الشكل والذي ٌمكن أن نحدده فً ثلبثة أمور أساسٌة: 1. تنزل القرآن فً زمن النبً الكرٌم على مدار ثلبثة وعشرٌن عاماً ، وجاء تفرقه ٌحاكً واقع الجٌل الأول ، فكان ٌُطرح سإال أو تحدث واقعة فٌتنزل القرآن لٌوجه الأمة المسلمة إلى الصراط المستقٌم، وجاء هذا النزول المفرّق فً صورة مزجٌة أي أن الموضوعات لم تتنزل بصورة مستقلة ومن ثم لما رتّبت فً القرآن أعٌد مزجها ، وكان لهذا الأمر دور فً ؼاٌة الأهمٌة فً تحدٌد صلة الموضوعات ببعضها البعض فً علبج قضاٌا محددة. 2. لقدكان القرآن ٌتنزل فً سٌاقات محددة ، فسٌاق الدعوة السرٌة مختلؾ عن الجهرٌة ، وسٌاق بناء المجتمع مختلؾ عن الؽزوات والحروب وهكذا ، فإن كل سٌاق مر به الجٌل الأول تنزل فٌه القرآن كان له دور فً فهم المتفرقات القرآنٌة ، وهذا كان له دور فً ضبط فهم الصحابة للموضوعات الواحدة التً تتنزل فً سٌاقات مختلفة. 3. ومن مجموع تلك التنزلات التً جاءت فً سٌاقات محددة كان الصحابة بصورة تلقابٌة ٌفهمون صلة الموضوعات المحددة فً قضٌة خاصة ومن ثم صلتها فً مختلؾ السٌاقات التً جاءت بها ، وهكذا بنً القرآن فً نفوس وعقول الصحابة بناءاً متكاملبً دفعهم إلى ترجمة هذا البناء فً الواقع بتلك الصورة التً تحققت فً زمنهم. هنا ندرك بصورة جلٌة المقصود من قوله تعالى:" ثُمَّ إِنَّ عَلٌَْنَا بٌََانَهُ " (القٌامة: 19) ، فبٌان القرآن فً زمن النبً تحقق من خلبل ثلبثة عناصر أساسٌة: الأول: تحدٌد دور التنزلات المتفرقة فً علبج قضاٌا محددة (القراءة الأفقٌة). الثانً: ضبط فهم توظٌؾ تلك التنزلات من خلبل تحدٌد أن لكل مجموعة من التنزلات سٌاقات توظٌفٌة محددة (القراءة العمودٌة). الثالث: من مجموع العنصرٌن الأول والثانً ٌتشكل البناء القرآنً كما أراده الله عز وجل (القراءة التجمٌعٌة). ولما كان التنزل الأول ٌحاكً واقعاً محدداً له ثوابته ومتؽٌراته ، فإن القرآن أعٌد تشكٌله بعناصره الثلبث وفق ترتٌب مؽاٌر لتنزله الأول ، لٌشكل النموذج الثابت والقادر على توجٌه الإنسان فً كل واقع ، هو ما علٌه من ترتٌب بدأ من زمن النزول على الرسول الكرٌم.

عدد الصفحات ٤١

وفً ضوء ما تقدم اتفقنا أنا والمشرؾ على تحدٌد مفهوم العلبقات التكاملٌة بٌن موضوعات القرآن على أنها : الروابط التً تجمع موضوعات القرآن وفق الشكل الذي جاءت علٌه من الفاتحة وإلى الناس. المبحث الثانً: تحدٌد موضوعات القرآن الأساسٌّة ٌقوم هذا المبحث على تحدٌد موضوعات القرآن الأساسٌّة ، وذلك من خلبل قراءة تقسٌمات العلماء لهذه الموضوعات قراءة تحلٌلٌة نقدٌة ، نحدد فً ضوبها الشروط التً ٌنبؽً أن تتوافر فً الموضوعات الأساسٌة ، لٌتسنى لنا بعد ذلك ضبط موضوعات القرآن الأساسٌة ، وذلك تمهٌداً لدراسة العلبقات التكاملٌة بٌنها. المطلب الأول : تقسٌمات العلماء والباحثٌن لموضوعات القرآن تناول العلماء مسؤلة تحدٌد موضوعات القرآن الكرٌم قدٌماً وحدٌثاً ، وتعددت زواٌا النظر فٌها ، وهذا ٌشكل نوعاً من الاهتمام فً الجانب الموضوعً للقرآن الكرٌم ، واتخذ هذا الاهتمام بعدٌن اثنٌن : الأول: تقدٌم موضوعات القرآن الكرٌم بشكل مُجمل . الثانً: تقدٌم موضوعات القرآن الكرٌم بشكل مفصّل. وبلػ عدد التقسٌمات التً اطلعت علٌها (26) تقسٌماً ، ستة عشر منها قدمت موضوعاتها بشكل مجمل ، وعشرة منها جاءت موضوعاتها بشكل مفصّل ، وسؤقدم هذه التقسٌمات بمجموعها مصنفة وفقاً للبعتبارات التً وضعت فً ضوبها. ولما ظهر لً بعد البحث أنها تشترك فً عدة ملحوظات ربٌسة آثرت أن أجعل الدراسة النقدٌة فً المطلب الثانً تجنباً للتكرار. وٌمكن تصنٌؾ هذه التقسٌمات وفقاً لستة اعتبارات ، وهً : الاعتبار الأول: النظر فً الآٌات القرآنٌة آٌة آٌة : وأقصد به تلك الموضوعات التً حددها العلماء والباحثون وفقاً لاستقراء آٌات القرآن كلها ، ولٌس المقصود من ذلك أن التقسٌمات الأخرى لم تقم على الاستقراء ، ولكن هذه المإلفات كان مقصدها ابتداء إنشاء مإلفات تقسم الآٌات كلها وفقاً لموضوعاتها ، فكان النظر فً القرآن آٌة آٌة . وهذه المإلفات ـ عموماً ـ لم تقصد أن تبرز موضوعات القرآن الأساسٌّة بقدر ما كان اهتمامها ٌصبُّ فً خدمة الدارسٌن والباحثٌن عن الآٌات التً تتعلق بالموضوع الواحد ، لذلك اتجهت إلى تبوٌب هذه

عدد الصفحات ٤٢

الموضوعات فً أقسام ربٌسة ثم فرعٌة وأحٌاناً ثانوٌة ، وفً بعض الأحٌان فككت الموضوعات إلى حد كبٌر تجاوز الألؾ موضوع، لذلك سٌعتمد عرضً لتلك التقسٌمات على تحدٌد الموضوعات الأساسٌة التً ذكرها العلماء ، ثم أمثّل على كل موضوع بجملة من الموضوعات التً تعكس تصور الباحثٌن عن حدود كل موضوع. ومن هذه المإلفات: أولاً: تحلٌل آٌات القرآن للمستشرق الفرنسً جول لابوم ، ونقله إلى العربٌة محمد فإاد عبد الباقً، تحت عنوان تفصٌل آٌات القرآن ، اعتمد مصنّفه على ترجمة معانً القرآن باللؽة الفرنسٌة للمستشرق البولندي كازمٌر سكً1 ، فقسم موضوعات القرآن إلى18) موضوعاً ربٌسٌاً وأدرج تحت كل موضوع منها جملة من الموضوعات الفرعٌة بلػ مجموعها (354) موضوعاً فرعٌاً ، على النحو الآتً2: 1. التارٌخ أبابٌل ، ٌؤجوج ومؤجوج ، ذو القرنٌن .. 2. محمد صلى الله علٌه وسلم شخصٌته ، المدٌنة ، المهاجرٌن .. 3. التبلٌغ الدعوة ، الأنبٌاء والمرسلون ، الاضطهاد بسبب العقٌدة .. 4. بنو إسرائٌل كلٌات ، أخلبقهم . 5. التوراة: كلٌات ، آدم ، ابراهٌم .. 6. النصارى كلٌات ، مرٌم ، عٌسى .. 7. ما بعد الطبٌعة الروح أو النفس ، فضل الله ، القضاء والقدر .. 8. التوحٌد صفات ذاته وصفات أفعاله ، الٌوم الآخر ، ملببكته .. 9. القرآن النسخ ،الأمثال ، لٌلة القدر .. 10. الدٌن الكتب المقدسة ، الإٌمان ، الشهداء ، الموت ، المإمنون ، الكافرون ، المنافقون .. 11. العقائد الوحً ، القضاء والقدر ، ٌوم الحساب ، الجزاء ، التوبة ، الاستؽفار .. 12. العبادات الصلبة ، الصٌام ، الحج ، المساجد ، مكة ، الرهبان .. 13. الشرٌعة القصاص ، العفو . 14. النظامالاجتماعً: الرجل ، النساء ، الأولاد ، الأمم ، الجٌش ، الظلم ، تعالٌم حربٌة .. 15. العلوم والفنون علم الفلك ، السموات ، علم الصحة ، البلبؼة ، العلم .. 1 ترتب على ذلك وقوعه فً الكثٌر من الأخطاء لٌس من مقصد الرسالة التفصٌل فٌها 2محمد عبد الباقً ،تفصٌل آٌات القرآن الحكٌم (ط1) ، مطبعة عٌسى البابً الحلبً وشركاه بمصر

عدد الصفحات ٤٣