المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

طرق التفسير

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٨ من ٢١

طرق التفس 119 الباب الثامن: اأنواع العناية اللغوية بالاألفاظ القراآنية لتفسير القرآن بلغة العرب مسارات متعدّدة وأوجه متنوّعة عُجني العلماء بها قديماً وحديثاً حتى أفردوا في كلّ وجه منها مصنفات كثيرة؛ وتتابعوا على دراسة أمثلتها، وتحرير مسائلها، وتأصيل قواعدها؛ حتى غدا كلّ واحد من تلك الأوجه علماً قائماً بنفسه مستوياً على سوقه، له أبوابه ومسائله، وأصوله وضوابطه، ومؤلفاته وأئمّته. وقد تأمّلت أنواع عناية العلماء اللغوية بالألفاظ القرآنية فوجدتها على نحو عشرة أنواع؛ منها ما هو وثيق الصلة بالتفسير اللغوي، ومنها ما يكون على أصناف يدخل بعضها في التفسير اللغوي، وبعضها يعدّ رافداً من روافده، ومنهلاً من مناهله. وسيكون الحديث في الفصول القادمة عن هذه الأنواع، وشرح فائدتها للمفسّ بالتمثيل والتبيين، وبيان عناية العلماء بها، وسرد المؤلفات فيها، مع ما يحضرني من الفوائد والتنبيهات، والله المستعان وبه التوفيق.

عدد الصفحات ١٢٠

طرق التفس 120 ف النوع الاأول: بيان معاني المفردات والاأ وهو أشهر تلك الأنواع وأنفعها، وأشدّها صلة بالتفسير، إذ يكون به الكشف عن معنى اللفظ، ومعرفة مقاصد الأساليب، وأكثر عناية السلف اللغوية كانت بهذا النوع. ومن مسائل هذا النوع ما يتّفق عليه العلماء، ومنها ما يختلفون فيه، وللاختلاف أسبابه وآثاره؛ فمن ذلك أن تكون اللفظة من المشترك اللفظي فيفسّها بعضهم بمعنى من معانيها، ويفسّها آخرون بمعنى آخر، ثمّ يختلف المفسّون بعد ذلك؛ فمنهم من يختار أحد الأقوال لقرينة مرجّحة، ومنهم من يذهب إلى الجمع بين تلك المعاني. إذا أمكن- أولى من الترجيح ما لم يكن لاختيار أحد المعاني قرينة -والجمع ظاهرة، أو مناسبة بيّنة. على قولين:﴾ ﮓ﴿ومن أمثلة ذلك اختلافهم في معنى أدبر، وقد روي عن عليّ بن أبي طالب، وهو إحدى الروايتين عن القول الأول: ابن عباس ومجاهد، وقال به قتادة وزيد بن أسلم وابنه عبدالرحمن. أقبل، وهو الرواية الأخرى عن ابن عباس ومجاهد، وروي عن والقول الثاني: الحسن البصري وسعيد بن جبير. وقد حكى جماعة من علماء اللغة القولين، واستشهد أبو عبيدة للقول الأول بقول عَلْقَمَة التميمي: حت وانج وللقول الثاني بقول عِلْقَة بن قرط التيميّ: ق م

عدد الصفحات ١٢١

طرق التفس 121 وحكى القولين جماعة من المفسّين، واختار بعضهم المعنى الأول كما فعل البخاري وابن جرير. (وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: معنى قال ابن جرير: فدلّ بذلك على أن القسم ﴾ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﴿ ذلك: إذا أدبر، وذلك لقوله: ا.هـ.بالليل مدبرًا، وبالنهار مقبلا) (وعندي أن المراد بقوله:واختار بعضهم المعنى الثاني كما فعل ابن كثير إذ قال: إذا أقبل، وإن كان يصحّ استعماله في الإدبار، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ ﴾ﮓ﴿ كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: ا.هـ.)﴾ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴿ (يقال: ومن العلماء من اختار الجمع بين القولين كما فعل الزجاج إذ قال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ا.هـ.ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره) وأما البخاري فله منهج دقيق في الاختيار والترجيح يعتمد غالباً على جانب الرواية؛ فإذا ثبت القول لديه عن ابن عباس أو مجاهد أو غيرهما صرّح باسمه، وإذا لم يثبت عنده من جهة الرواية لكنّه أرجح من غيره رواية ومعنىً ذكره من غير نسبة كما فعل هنا، ولقرينة أخرى وهي أنّ الفراء قد حكى اجتماع المفسّين على هذا القول، وزيّف شاهداً احتجّ به بعض أصحاب القول الثاني، وحكاية الإجماع وإن والله -لم تصح إلا أنّا تفيد تغليب هذا القول من جانب الرواية، فلهذين السببين اختار البخاري هذا القول.-تعالى أعلم ؛ اجتمع المفسون على ﴾ ...ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴿ (وقوله عز وجل:قال الفراء: : أدبر.﴾ﮓ﴿أن معنى : دنا من أوله وأظلم، وكان أبو البلاد ﴾ﮓ﴿ وكان بعض أصحابنا يزعم أن النحوي ينشد فيه:

عدد الصفحات ١٢٢

طرق التفس 122 عس ك يريد: إذْ دنا، ثم يلقي همزة إذْ، ويدغم الذال في الدال، وكانوا يرون أنَّ هذا ا.هـ.البيت مصنوع) وقد انفرد الفراء بدعوى الإجماع هذه، وخالفه جماعة من علماء اللغة من غير اعتماد على الشاهد الذي ردّه. ومما ينبغي أن يُجعلم أنه ليس كلّ ما تحتمله اللفظة من المعاني في اللغة يصحّ أن تُجفسَّ به في القرآن. لفظومن أمثلة ذلك: تبينّ الحق بعد إشكاله، وعلى المكان المطمئن بين ربوتين، وعلى مِقْطَرة السجان، وعلى اللَّبَن المتفلق الذي تميز ماؤه، وعلى الداهية. ولكلّ معنى من هذه المعاني شواهد صحيحة مبثوثة في كتب اللغة. ومثل هذه الألفاظ التي تطلق على أكثر من معنى يؤخذ بما يحتمله السياق منها، ثمّر يكون النظر فيها على مراتب: النظر في دلالة النص أو الإجماع على اختيار بعض تلك المعاني؛ فما المرتبة الأولى: دلّ عليه النصّ أو الإجماع وجب المصير إليه وطرح كلّ ما خالفه. النظر في الأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين فيؤخذ ما قالوا به المرتبة الثانية: منها، وينظر في أقوالهم حسب قواعد الجمع والترجيح. وينظر كذلك في المعاني التي يحتملها السياق مما لم يذكروه بشرط أن لا تعارض ما قالوه، ولا تعارض نصّاً ولا إجماعاً في موضع آخر. النظر في أقوال المفسّين من علماء اللغة فما قالوا به مما لا يعارض والمرتبة الثالثة: المرتبتين الأولى والثانية فمقبول إلا أن تكون له علّة لغوية.

عدد الصفحات ١٢٣

طرق التفس 123 النظر في دلالة المناسبة، وهي أن يكون أحد المعاني أنسب لمقصدوالمرتبة الرابعة: الآية من المعاني الأخرى. النظر في توارد المعاني، وهي أن يحتمل التركيب معاني متعددة المرتبة الخامسة: لأحوال متغايرة؛ فيؤخذ بالمعنى الأول للحالة الأولى وبالمعنى الثاني للحالة الثانية وهكذا. ويب على من يفسّ القرآن بلغة العرب أن يراعي أصولَ التفسير ومراتب الاستدلال وقواعد الترجيح، ولا يحلّ له أن يفسّ القرآن بمجرّد الاحتمال اللغوي من غير مراعاة ما تقدّم، وليُجعلمْ أن من أسباب الانحراف في التفسير الأخذ بمجرّد الاحتمال اللغوي، وقد اغترّ بذلك بعض من اشتغل بالتفسير من أصحاب الأهواء، وفتنوا ببعض ما خرجوا به من أقوال لمّا رأوا القرآن حمّالاً ذا وجوه، وأعجبتهم أقوالهم، وما أشربوا من أهوائهم، فضلّوا وأضلوا. والكلام في تفسير المفردات يطول، وفيه مباحث كثيرة، وقواعد تفصيلية تُجبحث في مظانّا، وعسى الله أن ييس دورة علمية لبسط الحديث عنها. وأما الأساليب فمعرفة معانيها ومقاصدها له أثر بالغ في التفسير، وإن لم يكن في الجملة لفظ يستدعي التفتيش عن معناه في كتب اللغة، فمعرفة معنى الأسلوب قدر زائد على معرفة معاني الألفاظ المفردة، ولا يستقيم فهم معنى الآية إلا بمعرفة معنى ولذلك أمثلة كثيرة:الأسلوب؛ فإذا تبينّ معنى الأسلوب تبينّ معنى الآية للمتأمّل، فسّ بالتعجب وفسّ بالاستفهام، ﴾ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﴿ قوله تعالى: منها: وللسلف واللغويين قولان مشهوران في هذه الآية عمادهما على تفسير معنى الأسلوب. فسّ هذا ﴾ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﴿قوله تعالى: ومنها: الأسلوب بالنفي وفسّ بالشرط، وللمفسّين كلام طويل في هذه الآية عماده على تفسير هذا الأسلوب.

عدد الصفحات ١٢٤

طرق التفس 124 ومما ينبغي أن يُجتنبّه له أن المفسّ قد يصيب في معرفة الأسلوب ثمّ يقع الخطأ تقرير المعنى على ذلك الأسلوب، ولذلك أمثلة في كتب التفسير، منها ما ذكره شيخ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﴿الإسلام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: .﴾ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ (أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار، وهم مقرون بأنه لم يفعل قال: هذا إله آخر مع الله. ومن قال من المفسين إن المراد: هل مع الله إله آخر؟ فقد غلط؛ فإنم كانوا ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﴿يعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى: ا.هـ.)﴾ﭰ ﭱ والأساليب القرآنية كثيرة متنوّعة، والغرض من هذا الشرح الموجز والتمثيل المقتضب التعريف بهذا النوع من أنواع التفسير اللغوي. وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه لجلالة قدره وعظم نفعه، بل عامّة كتب غريب القرآن من هذا النوع، وكثير من كتب معاني القرآن تعرض له، ويُجعْنَى به كثير من المفسّين في تفاسيرهم، وإن اختلفت مراتب عنايتهم به. عبد الله بن يحيى اليزيدي، وابن قتيبة، وابن عزيز وممن صنّرف في غريب القرآن: السجستاني، وأبو عمر الزاهد غلام ثعلب، وأبو عبيد الهروي، ومكي بن أبي طالب القيسي، والراغب الأصفهاني، وأبو جعفر الخزرجي، وابن الجوزي، وابن المنيرّ، وأبو حيّان الأندلسي، والسمين الحلبي، وابن الملقّن، وابن الهائم وغيرهم كثير. الكِسائي وكتابه مفقود، والفراء، وممن صنّرف في معاني القرآن من علماء اللغة: وأبو عبيدة، والأخفش الأوسط، وأبو عبيد القاسم بن سلام وكتابه مفقود، والزجاج، والنحاس. وما كتبه هؤلاء العلماء من التفسير اللغوي كان محلّ عناية كثير من المفسّين ممن جاء بعدهم.

عدد الصفحات ١٢٥

طرق التفس 125 ف النوع الثاني: بيان معاني الحروف علم معاني الحروف من العلوم اللغوية المهمّة للمفسّ، وهو مفيد في حلّ كثير من الإشكالات، واستخراج الأوجه التفسيرية، ومعرفة أوجه الجمع والتفريق بين كثير من أقوال المفسين. والغفلة عن معاني الحروف قد توقع في خطأ في فهم معنى الآية، وقد يقع ذلك لبعض كبار المفسّين. قال مالك بن دينار: كنا نعرض المصاحف أنا والحسن وأبو العالية الرياحي ونصر بن عاصم الليثي وعاصم الجحدري، قال: سأل رجل أبا العالية عن قول الله ما هو؟﴾ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴿عز وجل .«فقال أبو العالية « :﴾ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴿فقال الحسن: مَهْ! ليس كذلك، رواه عبد الرزاق.يسهو عن ميقاتها حتى تفوت (لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقالقال الزركشي: ا.هـ.صلاتهم وفهم أبي العالية قد يصحّ على معنى السهو عن معنى الصلاة وإرادتها بالقلب، ولو صلاها بجوارحه مع المسلمين كما يصليّ المنافقون من غير إرادة التقرّب إلى الله تعالى بالصلاة، بل قلوبهم في غفلة عن ذلك، وإنما يصلون رياءً، كما قال عبد الرحمن .«بن زيد بن أسلم وأما مجرّد السهو في الصلاة فليس مما يتناوله الوعيد في الآية.

عدد الصفحات ١٢٦

طرق التفس 126 اأمثلة لدرا ﴾ﮪ ﮫ﴿ا اختلف اللغويون في معنى الباء في (بسم الله) على أقوال أقربها للصواب أربعة وهي أشهر ما قيل في هذه المسألة، وإليك بيان هذه الأقوال:أقوال، ، وهو قول أبي حيان الأندلسي، والسمين الحلبي، القول الأول: الباء للاستعانة وقال به جماعة من المفسّين. ، وهو قول الفراء، وابن قتيبة، وثعلب، وأبي بكر والقول الثاني: الباء للابتداء الصولي، وأبي منصور الأزهري، وابن سيده، وابن يعيش، وجماعة. ، واختاره ابن عاشور. والقول الثالث: الباء للمصاحبة والملابسة ، أي أبدأ متبركاً، وهذا القول مستخرج من قول والقول الرابع: الباء للتبرك بعض السلف في سبب كتابة البسملة في المصاحف، وأنا كتبت للتبرّك، وهذا المعنى يذكره بعض المفسين مع بعض ما يذكرونه من المعاني. والأظهر عندي أن هذه المعاني الأربعة كلها صحيحة لا تعارض بينها، وما ذكر من اعتراضات على بعض هذه الأقوال فله توجيه يصحّ به القول. ومن ذلك اعتراض بعضهم على معنى الاستعانة بأنّ الاستعانة تكون بالله وليست باسم الله؛ قالوا: الأشهر أن يقول المستعين إذا أراد الاستعانة: أستعين بالله، ولا يقول: أستعين باسم الله. وهذا الاعتراض يدفعه أنّ الذي يذكر اسم ربّه لا ريب أنّه يستعين بذكر اسمه على ما عزم عليه؛ فمعنى الاستعانة متحقق. فهو يستعين بالله تعالى حقيقة، ويذكر اسمه متوسّلاً به إلى الله تعالى ليعينه؛ وهذا هو مراد من قال بمعنى الاستعانة.

عدد الصفحات ١٢٧

طرق التفس 127 وقد أرجع سيبويه معاني الباء إلى أصل واحد وهو الإلزاق؛ فقال في الكتاب .(وباء الجر إنما هي للإلزاق) وهذا مقبول من حيث الأصل لكن يُجعبرَّ عن المعنى في كلّ موضع بما يناسبه، ولذلك استبدل ابن عاشور عبارة الإلزاق في هذا الموضع بالمصاحبة والملابسة وذكر أنا مترادفة، ومن أهل اللغة من يذكر بينها فروقاً دقيقة. والإلزاق ينقسم إلى حسيّ ومعنوي؛ فالحسيّ للمحسوسات نحو: أمسكت بالقلم، والمعنويّ نحو: قرأتُج بِنَهَمٍ. ثمّ يتفرَّع على الإلزاق الحسي والمعنوي أنواع أخرى؛ فقد يكون للاستعانة وقد يكون للتبرك، وقد يكون للاستفتاح، وقد يكون لغير ذلك، وقد تجتمع بعض هذه المعاني. فما اجتمع منها من غير تنافر فيصحّ القول به، ولذلك يصحّ أن يستحضرَ المبسملَ عندَ بسملته هذه المعاني جميعاً، ولا يد في نفسه تعارضاً بينها. والغرض من التفصيل في هذه المسألة أن يتبينّ طالب علم التفسير أنّ من الأقوال في معاني الحروف ما يتمع ولا يتنافر، وهذه قاعدة مهمة في التفسير ولها تطبيقات كثيرة في مسائل التفسير. ﰏ ﴿ومن أمثلة ذلك الجمع بين أقوال العلماء في معنى الباء في قوله تعالى: . ﴾ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ فقيل: الباء للاستعانة، وقيل: للمصاحبة، وقيل: للملابسة، وقيل: للسببية، وقيل: للتبرّك. وهذه كلها معانٍ صحيحة لا تعارض بينها. لكن مما يُجنبَّه عليه ضعف بعض الأقوال التي قيلت في معنى الباء في قوله تعالى: . ﴾ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿ فقيل: زائدة، وقيل: هي للقسم؛ وقيل: للاستعلاء.

عدد الصفحات ١٢٨

طرق التفس 128 فأمّا القول بالزيادة فضعيف جداً، وكذلك القول بأنّا للقسم، والقسم يفتقر إ جواب، ولا ينعقد إلا معلوماً. وأما القول بالاستعلاء فيكون صحيحاً إذا كان معنى الاستعلاء عند التسمية مطلوباً؛ كالتسمية عند الرمي، وفي أعمال الجهاد، وسائر ما يطلب فيه الاستعلاء .﴾ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴿كما قال الله تعالى: وهذا المعنى لا يُجراد إذا كانت التسمية لما يراد به التذلل لله تعالى والتقرّب إليه كما في التسمية لقراءة القرآن. وبهذا تعلم أن معاني الحروف تتنوّع بحسب السياق والمقاصد وما يحتمله .)1(الكلام، وليست جامدة على معانٍ معيَّنة يكرر المفسّ القول بها في كلّ موضع ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﴿ا ﴾ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ اختلف في معنى ؛ والمعنى: إن الله يعلم كلَّ ما تعبدون القول الأول من دونه من حجر أو شجر أو نجم أو نار أو جنّ أو إنس؛ فكلّ ما يُجعبد من دون الله تعالى فالله محيط به علماً. وإيماء هذا المعنى أنّ الله يعلم حال تلك المعبودات ونقصها وفقرها إليه وأنّا لا تستحقّ من العبادة شيئاً، وأنّ كلّ من أشرك بالله شيئاً في عبادته فهو بعلم الله وسيجازيه على شركه. ، والنفي متجّه لنفع تلك المعبودات؛ فكأنّا لمّا لم تنفعهم والقول الثا شيئاً نزّلت منزلة المعدوم، ومن حسن بيان العرب تنزيل عديم الفائدة منزلة عديم الوجود، وهذا فيه تبكيت عظيم الأثر على قلوب المشركين. ) هذه المسألة مستلة من مسائل تفسير سورة الفاتحة من كتاب1(

عدد الصفحات ١٢٩

طرق التفس 129 ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴿ وهذا المعنى نظير قول الله تعالى: .﴾ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﴿وقول الله تعالى: .﴾... ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ .«وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكهّان ، والاستفهام إنكاري، ووالقول الثالث أيّ شيء تدعون من دون الله؟ قول ابن جرير الطبري وجماعة من المفسين فسّوا الآية على هذا القول الأول المعنى، وذكره أبو سعيد السيرافي في شرح كتاب سيبويه. ذكره أبو البقاء العكبري وأبو حيّان الأندلسي والسمين الحلبي والقول الثاني وابن عاشور وشرحه شرحاً حسناً، واختاره الأستاذ محمود صافي. ذكره سيبويه عن الخليل بن أحمد، وقال به أبو علي الفارسي والقول الثالث والراغب الأصبهاني وأبو البقاء العكبري وجماعة. ﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿ا في هذه المسألة أقوال لأهل العلم: ﴾ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴿« القول الأول ﯙ ﴿، وقوله تعالى: ﴾ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﴿وقوله تعالى: .﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿؛ فكذلك قول الله تعالى: ﴾ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ وهو أظهر المعاني في مثل هذا السياق، وهذا القول هو معنى قول جماعة من المفسّين، وهو معنى رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول « قال﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿ الله تعالى:

عدد الصفحات ١٣٠

طرق التفس 130 . رواه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتمفإذا جاء قدره خلوا عنه «وقال المعتمر بن سليمان: سمعت ليثا يحدث، عن مجاهد أنه قال له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه . رواه ابن جرير.يريده إلا قال: وراءك! إلا شيئا يأذن الله فيه فيصيبه . رواه ابن جرير « قال﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿وقال إبراهيم النخعي: وابن أبي حاتم، وهو مخرّج على أنّ وروي معنى هذا القول عن عليّ بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي أمامة وعكرمة وغيرهم. « القول الثا قول الفراء وأبي عمر الزاهد غلام ثعلب، وذكره أبو حيان، وجماعة من المفسين. «وقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جب رواه ابن جرير.أمر ا .(فيكون تقدير الكلام: هذا الحفظ مما أمرهم الله به)قال ابن الجوزي: « القول الثالث عنه عبد الرزاق وابن جرير، ورواية عن مجاهد من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه، وقال به الخليل بن أحمد، ومقاتل بن سليمان، وهارون الأعور، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والمبرّد في المقتضب، وأبو البقاء العكبري، وجماعة. وهذا القول صحيح، ويتفرّرع إلى معنيين: أن تكون الباء سببية؛ فيكون بمعنى القول الثاني، وهذا معنى قول - أحدهما ذلك الحفظ من أمر الله وبأمره وبإذنه عز وجلَّ؛ كما تقول ﴾ﮧ﴿(والفرّاء: ا.هـ.للرجل: أجيئِك مِنْ دعائِك إِيَّاي وبدعائِك إيَّاي) أن تكون الباء للتعدية، أي يحفظونه بما مكَّنهم الله به من أسباب الحفظ.- والآخر:

عدد الصفحات ١٣١

طرق التفس 131 بمعنىالقول الرابع: من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما. (معنى ذلك: وذكره ابن جرير الطبري عن بعض نحاة البصرة، وأنم قالوا: يحفظونه عن أمر الله، كما قالوا .عري، ومن عري وهذا القول يرجع إلى معنى القول الثاني، وهو كقوله تعالى حكاية عن الخضر: .﴾ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ﴿ في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: (له معقِّبات من أمر الله القول الخامس: يحفظونه)، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال في قوله تعالى: « ﴾ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ﴿ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال ابن وهب: أخبرني الحارث بن نبهان عن عطاء بن السائب عن ابن عباس .«قال وقال أيضا: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله ابن عباس : من أمر الله ﴾ﮥ ﮦ ﴿: ورقباء، ﴾ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﴿«أنه كان يقرأ .»﴾ﮧ﴿ رواه ابن جرير، وروى نحوه «وقال خصيف عن مجاهد عن ابن جريج عن ابن عباس، وهو منقطع. والتقدير على هذا القول له معقبات من أمر الله يحفظونه، ومتعلق الحفظ محذوف لإرادة العموم في كل ما يحتاج فيه إلى الحفظ. والتحقيق أنّ هذه المعاني كلّها صحيحة، واختلافها كاختلاف الأقوال الصحيحة في المشترك اللفظي، وكاختلاف القراءات.

عدد الصفحات ١٣٢

طرق التفس 132 واختلاف التنوّرع تقبل الأقوال فيه بثلاثة شروط أن يكون القول في نفسه صحيحاً.- أحدها: أن تكون دلالة الآية عليه دلالة صحيحة من جهة اللغة.- والثاني: أن يصحّ عن السّلف. - والثالث: وشرح الأقوال الخمسة وبيان الفروق بينها، ودلالة الآية عليها يطول، لكن مما ، والمراد ﴾ﮠ ﮡ﴿ينبّه عليه أثر الاختلاف في مرجع الضمير في قوله تعالى: .﴾ﮧ﴿بالمعقبات، ومعنى الحفظ في قوله تعالى: ففيه قولان: حفظ عناية ووقاية.أحدهما: ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﴿ حفظ رقابة وكتابة كما في قول الله تعالى: والآخر: .﴾ﮄ ﮅ ﭤ ﭥ ﭦ ﴿ مثل قوله: ﴾ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﴿(قال ابن جريج: قال: الحسنات من بين يديه، والسيئات من خلفه، الذي عن يمينه ﴾ﭧ ﭨ ﭩ . رواه ابن جرير.يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات) وكلّ قول من هذين القولين ومن الأقوال في المسألتين الأخريين يخرّج عليه ما يناسبه من الأقوال في معنى وقد كثرت الأقوال في تفسير هذه الآية لسعة معانيها، وتعدد دلائلها، وعامّتها أقوال صحيحة، إلا ما ذكر عن بعضهم من أنّ في الآية نفياً محذوفا والتقدير: (لا يحفظونه من أمر الله) وهذا القول ذكره أبو إسحاق الزجاج عن بعض أهل اللغة، وهو تحريف لا يصحّ، ولا يُجؤثر عن أحد من السلف، وإنما قاد إليه استشكال معنى الحفظ من أمر الله على القول بأنّ

عدد الصفحات ١٣٣

طرق التفس 133 والصواب أنه لا إشكال فيه؛ فكلّ الأقدار من أوامر الله تعالى الكونية، والأوامر الكونية قد أجرى الله فيها سنن التدافع، كما تدفع الأمراض بالتداوي والرقى؛ ويتّقى البرد باللباس، والحرّ بالظلال والأكنان، وقد روى الترمذي وابن ماجة وغيرهما من حديث الزهري عن أبي خزامة عن أبيه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ .«قال وروي نحوه من حديث كعب بن مالك وحكيم بن حزام وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين. ولمّا بلغ عمر نزول الوباء بالشام ونادى بالرحيل قال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ «فقال عمر لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة؛ أليس إن . رواه البخاري.رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر ا «وقال كعب الأحبار ذلك شياطين، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم . رواه ابن جرير.وعوراتكم إذا لتُخُطِّفتُم فالمعقّبات التي يدفع الله بها الشرور وتحفظ بني آدم كثيرة، وهي مأمورة بالحفظ، كما أمر الله الجفن أن يحفظ العين، لكن إذا قضى الله أمراً يصيب العبد فلا رادّ لقضائه، ولا تنفعه حفظته إذا نزل به قضاء الله.

عدد الصفحات ١٣٤

طرق التفس 134 عناية المف وقد اعتنى المفسّون ببيان معاني الحروف عناية حسنة لاتّصالها بالتفسير، ولا سيّما بعض من كتب في معاني القرآن كالفراء والأخفش وابن قتيبة والزجاج والنحاس وغيرهم. ولابن جرير وابن عطية والقرطبي وأبي حيان وأبي السعود والألوسي وابن عاشور عناية حسنة بالتنبيه على معاني الحروف في التفسير. اأنواع الموؤلّفات سلك العلماء طرقاً متنوعة في التأليف في شرح معاني الحروف، وسأوجز الحديث عن أشهر تلك الأنواع: ، وهو أوّل ما ظهر من الكتابة في النوع الأول: إدراجها في كتب الوجوه والنظائر معاني الحروف، وسبب ذلك أنّ الحروف ترد على وجوه متعددة من المعاني، غير أنّ ومن أشهر الكتب المؤلفة هذا النوع من التأليف لا يختص بالحروف ولا يتقصّاها؛ في هذا النوع: هـ)، وقد 150 لمقاتل بن سليمان البلخي(ت »الوجوه والنظائر « كتاب .1 ذكر فيه معاني بعض الحروف مثل و هـ)، وقد ذكر 170 لهارون بن موسى النحوي(ت »الوجوه والنظائر « .2 فيه معاني بعض الحروف ومنها وغيرها، وفيه اعتماد كبير على كتاب مقاتل، وزيادة عليه. هـ)، وقد ذكر فيه معاني 200 ليحيى بن سلام البصري(ت »التصاريف« .3 بعض الحروف مثل معا

عدد الصفحات ١٣٥