طرق التفس 102 والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم، فاستمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها؛ لعلك أن تقبل منها بعضها. .«فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد شرفا، شرَّفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك. وإن كنت تريد مُجلْكا مَلَّكْناك. وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه ولا تستطيع أن ترده عن نفسك؛ طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه؛ فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، ولعلَّ هذا الذي يأتي به شعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري يا بني عبد المطلب تقدرون منه على ما لا يقدر عليه أحد). حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه؛ قال رسول الله .«صلى الله عليه وسلم قال: نعم. .«قال قال: أفعل. ﭑﭒ ﭓ ﴿«فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى رسول الله صلى الله »﴾ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ عليه وسلم يقرؤها عليه. فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه؛ حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة؛ فسجد فيها.
عدد الصفحات ١٠٣طرق التفس 103 .«ثم قال فقام عتبة إلى أصحابه. فقال بعضهم لبعض يحلف بالله: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به؛ فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت لمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه؛ فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ؛ فإنْ تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فمُجلْكُجه مُجلْكُجكُجم، وعزُّه عزكُّم، كنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. فقال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم). رواه ابن إسحاق في السيرة قال: حدثنا يزيد بن زياد عن محمد بن كعب فذكره؛ وهذا مرسل حسن رجاله ثقات، وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، ويشهد له ما تقدّم من حديث جابر، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ حتى بلغ - »دلائل النبوة « عند البيهقي - فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن ﴾ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﴿ يكف عنه). من طريق معمر، عن »دلائل النبوة« والبيهقي»المستدرك«وروى الحاكم «أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم! إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتَعَرَّض لما قِبَله.
عدد الصفحات ١٠٤طرق التفس 104 قال: قد علمت قريش أني من أكثرها ما قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟!! فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وأنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه، فلما فكر، .»﴾ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴿قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت وهذا حديث إسناد متصل ورجاله ثقات إلا أنّه أُجعِلَّ برواية حماد بن زيد له عن أيوب عن عكرمة مرسلاً، وحمّاد أثبت من معمر في أيوب. وكذلك رواه معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة مرسلاً كما في تفسير عبد الرزاق. «(في حديث حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قالقال البيهقي: بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: اقرأ علي، فقرأ عليه: ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﴿ . ﴾ﮇﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ قال: أعد، فأعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن .)عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وما يقول هذا ب وهذه الحادثة مشهورة في كتب السير، وقد صححها الحاكم وحسّنها الألباني. والمقصود أنّ العرب قد اعترفوا للقرآن بأعلى رتب الفصاحة والبيان، وعجز المشركون عن معارضته والإتيان بمثله؛ مع حرصهم على ردّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بكلّ سبيل أمكنهم.
عدد الصفحات ١٠٥طرق التفس 105 وفيما تقدّم من الأدلة ما يكفي على أنّ العرب تعرف من خطاب القرآن ما يكفي لبيان الهدى، وإفهام المعنى، وقيام الحجة. وأن هذا القرآن قد تضمّن من حسن البيان، وتفنن الخطاب، وتنوع الأساليب، وضرب الأمثال التي تعرف العرب معانيها وتدرك مقاصدها ما يكفي ويشفي من يبتغي الهدى. فكان يكفيهم بما يعرفون من العربية أن يُجتلى عليهم القرآن تلاوة بيّنة؛ فتقوم ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮂ ﮃ ﴿عليهم الحجّة بذلك؛ كما قال الله تعالى: .﴾ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ .﴾ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴿وقال تعالى: وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمره به ربّه جلّ وعلا؛ فبلّغ البلاغ المبين؛ فآمن به مَنْ آمن عن معرفةٍ بالحقّ الذي أنزله الله عليه، ولم يُجعْرِضْ منهم مَن أعرض بسبب التباس في بيانه أو نقص في حجّته، بل لله الحجة البالغة والبيان التام، وإنما أعرضوا لكفرهم وعنادهم واستكبارهم من بعد ما تبينّ لهم الهدى. ومن دلائله إفادة القرآن للهدى وبيان الحقّ بما تعرفه العرب من سَنن كلامها أن القرآن يسمعه العالم والجاهل، والحاضر والبادي؛ فيفهمون من دلائل الخطاب ما يُجعرف أثره عليهم من المعرفة والدراية، والخشية والبكاء، كما قال الله تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟﭠ ﭡ ﴿ .﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ففاضت أعينهم من الدمع مما عرفوه من الحقّ الذي تلي عليهم إذْ كانت تلاوته تلاوة بيّنة كافية في تعريفهم الحق. بل ربّما تُجلي القرآن على الكافر فتفكّر فيه ثم أسلم لما تبينّ له من الحقّ كما أسلم بسبب ذلك فئام لا يحُجْصَون.
عدد الصفحات ١٠٦طرق التفس 106 ومن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث جبير بن مطعمٍ رضي الله عنه «أنه قال أسلمت يومئذٍ؛ فدخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلّرم يصليّر المغرب؛ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﴿فقرأ بالطّرور؛ فلماّر بلغ هذه الآية: .﴾ﭵ ﭶﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ . قال: كاد قلبي أن يطير، وذلك أوّرل ما وقر الإيمان في قلبي فهذه التلاوة البيّنة التي سمعها جبير بن مطعم وهو كافر كفته لمعرفة الحقّ وأثرّت فيه تأثيراً بالغاً حتى كاد قلبُجه أن يطير من قوة هذه المعرفة التي لم يحتج معها إلى تفسير غير تلاوة تلك الآيات تلاوة بيّنة فكانت سبب إسلامه. ﯧ ﯨ ﯩ ﴿وقال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلّم فيما أنزل إليه: ، والتفكّر دليل إلى استخراج المعاني وفقه المقاصد، وسبيل ذلك ﴾ﯪ ﯫ عند المخاطبين إنما هو معرفتهم باللسان العربي ودلائل خطابه. والقَصص بفتح القاف ليست جمع قِصَّة، وإنما هي مَصْدر قائم مقام المفعول، أي: اتل عليهم هذا البيان المفصَّل الذي لم يدع شيئاً مشتبهاً ولا ملتبساً، بل فرق بين أهل الحقّ وأهل الباطل بتفصيله الحسن البينّ في أعمال الفريقين وأحوالهما وجزائهما. ، وقال تعالى: ﴾ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴿كما قال تعالى: .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴿ : أَي: أحسنَ الْبَيَان، ﴾ﯔ ﯕ ﴿(قولُجه: قال أبو منصور الأزهري: والقاصُّ الَّذِي يَأْتيِ بالقِصَّة مِن فصها يُجقَال: قصصتُج الشيَّْء إِذا تَتَبعتُج أثَرَه شَيْئا .بعد شيَْء) ، وقوله: ﴾ﮭ ﮮ ﮯ ﴿ثم ذكر من الشواهد على ذلك قوله تعالى: . ﴾ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﴿
عدد الصفحات ١٠٧طرق التفس 107 فقَصّ الأثر تتبّعه حتى تعرف غايته وتتبينّ، وكذلك قَصُّ الحديثِ هو تتبّعه بتفصيل بينّ حتى تتضح غايته. وبيان الحقّ لهم بياناً مفصَّلاً متتَبّعاً شاملاً لا يشذّ عنه شيء في جمل يسيرة بيّنة أدعى لتوافرهم على التفكّر فيه وتدبّره. ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﴿وقد قال الله تعالى: ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ . ﴾ﯡ ﯢ فما تقتضيه هذه الآية ونظائرها من الأمر بالتدبر والتفكر وتوجيه الخطاب بذلك إلى قوم كفار لم يؤمنوا؛ دليل بينّ على أنّه أمر ممكن لهم بما يعرفون من العربية، لا يحتاجون فيه إلى علماء ليفقّهوهم في معانيه، ولا ليوضّحوا لهم ما هو واضح لديهم من دلائل الخطاب، ولا سيّما الأصول البيّنة المحكمة من الإيمان بالله والكفر بالطاغوت واتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتصديق بالبعث والحساب والجزاء، وغير ذلك من الأصول البيّنة في كتاب الله تعالى. والمقصود من كلّ ما تقدّم إقامة الدلائل على أن خطاب القرآن كان بلسان عربيّ مبين تعرف العربُج أساليبه ودلائله. (نزلَ القرآنُج الكريمُج والمخاطَبون بِهِ قومٌ عَرَبٌ، أولو قال أبو منصور الأزهري: بَيانٍ فاضلٍ، وفهمٍ بارع، أنزلهُج جَلّ ذِكْره بلسانم، وَصِيغَة كَلاَمهم الَّذِي نشؤوا عَلَيْهِ، وجُجبِلوا على النُّطْق بِهِ، فتدَرّبوا بِهِ يعْرفُجونَ وُججُجوه خطابه، ويفهمون فنون نظامه، وَلاَ يحَْتَاجُجونَ إِلىَ تعلُّم مُجشْكِلِه وغريب أَلْفَاظه حاجةَ المولَّدين الناشئين فِيمَن لاَ يعلم لسانَ الْعَرَب حَتَّى يُجعَلَّمَه، وَلا يَفهم ضرُجوبه وَأَمْثَالَه، وطُجرَقه وأساليبَه حتّى ا.هـ.يُجفَهَّمَها)
عدد الصفحات ١٠٨طرق التفس 109 الباب ال وقد اعتنى المفسون بتفسير القرآن بلغة العرب؛ ولا سيما ما حفظوه من أشعارهم؛ فكانوا يستعينون به على التفسير وعلى إعراب القرآن وحسن تلاوته. «قال عمر بن زيد: كتب عمر فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي، وتمعددوا فإنكم . رواه ابن أبي شيبة.معديون . «وقال أبيّ بن كعب رضي الله عنه رواه ابن وهب وابن أبي شيبة. «وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه رواه الحاكم والبيهقي من طريق أسامة بن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب زيد الليثي عن عكرمة عن ابن عباس، وهذا إسناد صحيح. «وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فضائل «، وأبو عبيد»فضائل الصحابة« رواه الإمام أحمدالقرآن، فينشد الشعر .»القرآن .(يعني أنه كان يستشهد به على التفسير)قال أبو عبيد: ومعرفة العلماء المتقدّمين من الصحابة والتابعين بفنون العربية تتفاضل، فبعضهم أوسع معرفة بها من بعض، وأكثر تمكناً من شواهدها وأدوات الاجتهاد فيها، وإن كانوا كلّهم من أهل طبقة الاحتجاج قبل سريان اللحن إلى كلام الناس وفشّوه فيهم بعد مخالطة العجم للعرب.
عدد الصفحات ١١٠طرق التفس 110 أن رجلاً قال للحسن البصري: يا أبا سعيد، والله ما »مصنّف ابن أبي شيبة«و . «أراك تلحن!! فقال فالصحابة رضي الله عنهم كانوا عرباً فصحاء وتفسيرهم القرآن بلغة العرب حجّة لغوية إذا صحّ الإسناد إليهم وأُجمن لحن الرواة، وكذلك كبار التابعين وأوساطهم ممن لم يعرف منهم اللحن. وكان الصحابة مع علمهم بالعربية وسلامة لسانم من العجمة واللحن، لهم عناية بالتفقّه في العربية وسؤال الفصحاء المعربين، وحفظ الحجج اللغوية والشواهد من الأشعار والخطب وغيرها. (كان زرّ بن حبيش أعرب الناس، وكان عبد اقال عاصم بن أبي النجود: . رواه ابن سعد.مسعود وتقدّم ذكر أمثلةٍ على حفظ ابن عباس رضي الله عنهما للشواهد الشعرية والحجج اللغوية. والعلماء الذين لهم عناية بتفسير القرآن بلغة العرب على طبقات: طبقة الصحابة رضي الله عنهم، وكان منهم علماء يفسّون الغريب الطبقة الأولى: ويبيّنون معاني الأساليب القرآنية بما يعرفون من لغتهم العربية التي يتحدّثون بها، وقد نزل القرآن بلغتهم، وكان لبعضهم مزيد عناية ومعرفة بفنون العربية وأساليبها، وحفظ شواهدها، وقد ذكرت من الأمثلة على ذلك فيما مضى ما يغني عن إعادته. طبقة كبار التابعين، وعامّتهم من أهل عصر الاحتجاج، وكان والطبقة الثانية: لبعضهم عناية بالتفسير اللغوي، وقد مضى ذكر بعض الأمثلة على تفاسيرهم اللغوية. هـ)، وهو تابعيّ ثقة 69 أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي (تومن هذه الطبقة: فصيح اللسان، عالم بالعربيّة، أدرك الجاهلية، وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يلْقه، روى عن عمر وعثمان وعليّ وجماعة من كبار الصحابة.
عدد الصفحات ١١١طرق التفس 111 وقرأ القرآن على عثمان وعليّ، وشهد وقعة الجمل مع عليّ، وصاحَبَه وانتفع به، وكان ذكيًّا فَهِماً، وشاعراً مجُجيداً، حاضر البديهة، حسن الجواب، قويَّ منزع الحُججَّة. (كان أولَّ مَن أسَّسَ العربيَّةَ، وفتحَ بابها، وأنج قال محمد بن سلام الجمحي: .سبيلها، ووضع قياسَها: أبو الأسود الدؤلي) وكان ذلك بأمر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وروي أنّ علياً هو الذي ابتدأ ذلك، ثم أمره أن ينحو نحوَه، ومن ذلك سُجمّيَ النحو نحواً. روى سعيد بن سَلْم بن قتيبة بن مسلم الباهلي عن أبيه عن جدّه عن أبي الأسود، قال: دخلتُج على عليّ فرأيته مطرقا، فقلت: فيم تتفكر يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت ببلدكم لحناً، فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية، فقلت: إن (الكلام كلُّه: اسم، فعلت هذا أحييتَنا، فأتيته بعد أيام؛ فألقى إليَّ صحيفة فيها: وفعل، وحرف؛ فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، . والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل) . ذكره (تَتَبَّعْهُج وزِدْ فيه ما وقع لك، فجمعت أشياء، ثم عرضتها عليه) ثم قال: .»تاريخ الإسلام«الذهبي (أَمَرَهُج علي رضي الله عنه بوضع النحو، فلما أراه أبو الأسود ما وقال الذهبي: ا.هـ.وضع، قال: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت، ومن ثَمَّ سُجمِّيَ النَّحْو نحواً) وكان ثقة مأموناً، حسن الرأي والتدبير، استخلفه ابن عباس على البصرة لما هـ 69تركها، وأقرّه علي بن أبي طالب، وبقي إلى أن مات في طاعون الجارف سنة في خلافة ابن الزبير. ولأبي الأسود أقوال في التفسير تُجروى عنه، وأبيات يُجستشهد بها، وما حُجفظ من أقواله وأشعاره قليل، وأكثر مَن يَروي عنه ابنه أبو حرب واسمه عطاء، ويحيى بن يَعْمَر، وأرسل عنه قتادة.
عدد الصفحات ١١٢طرق التفس 112 الذين أخذوا عن أبي الأسود الدؤلي، وهم جماعة من المعتن الطبقة الثالثة: بالعربية في عداد التابعين منهم: ابنه عطاء، ويحيى بن يَعْمَر العدواني (ت: نحو هـ) وعنبسة بن معدان المهري الملّقب 89هـ)، ونصر بن عاصم الليثي (ت 90 بعنبسة الفيل ونصر ويحيى معدودان من القرَّاء الفصحاء من أقران أبي عبد الرحمن السلمي. «قال يحيى بن عقيل الخزاعي بفتح الواو، ﴾ﮜ ﮝ ﴿يعمر؛ فما اختلفا إلا في حرفين؛ قال أبو عبد الرحمن: ﴾ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﴿بضم الواو، وقال أبو عبدالرحمن: [ وقال ابن يعمر .»[وقال ابن يعمر وأكثر من يُجروى عنه التفسير من أصحاب أبي الأسود: يحيى بن يعمر، وهو أوّل من نقط المصاحف، وقد أخذ النَّقْطَ عن أبي الأسود. . (أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر)قال هارون بن موسى: (كان من فصحاء أهل زمانه، وأكثرهم علماً باللغة مع الورع وقال ابن حبان: .الشديد، وكان على قضاء مرو، وولاه قتيبة بن مسلم) وهو الذي اجتمع مع عطاء بن أبي الأسود على إكمال ما نحاه أبو الأسود فأضافا إليه أبواباً من العربية. وقريب من هذه الطبقة ميمون الأقرن وقد اختُجلف فيه؛ فقيل إنه أخذ عن عنبسة، وقيل إن عنبسة أخذ عنه، ولا أعلم له أقوالاً مأثورة في التفسير، لكنّه كان من المبرّزين في العربية في زمانه. طبقة الآخذين عن أصحاب أبي الأسود، وعامّتهم من صغار الطبقة الرابعة: التابعين، وهم جماعة من علماء اللغة المتقدّمين الذين شافهوا الأعراب، وكانت عبد الله بن أبي ومن أهل هذه الطبقة:لهم عناية بتأسيس علوم العربية وتدوينها، هـ) وأبو 149هـ) وعيسى بن عمر الثقفي (ت 129إسحاق الحضرمي (ت
عدد الصفحات ١١٣طرق التفس 113 هـ154عمرو بن العلاء المازني التميمي (ت وهؤلاء كانوا مع علمهم بالعربية وفصاحتهم من القرّاء المعروفين، الذين تُجؤخذ عنهم القراءة، ولهم مصنفات كثيرة، في النحو وعلوم العربية، وتدوينات لما سمعوه من أخبار العرب وأشعارهم، لكن عامّة كتبهم مفقودة. أما أبو عمرو بن العلاء فكان من أوسع الناس معرفة بالقراءات والعربية، وأشعار العرب ولغاتهم وأخبارهم وأنسابهم، وكانت له كتب كثيرة لكنّه أحرقها. (قال لي أبو عمرو بن العلاء: لو تهيأ أن أفرغ ما في صدري قال الأصمعي: من العلم في صدرك لفعلت، ولقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كُجتبت ما قدر .الأعمش على حملها) (كان أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات، والعربية، والشعر، وقال أبو عبيدة: وأيام العرب، وكانت دفاتره ملءَ بيتٍ إلى السقف، ثم تنسَّك فأحرقها، وكان من .أشراف العرب ووجوهها، مدحه الفرزدق وغيره) وكان متواضعاً مع سعة علمه، سهلَ الحديث مع فصاحته لا يتكلّف غريب الألفاظ، ولا عسف المعاني، ولا يتمدّح بعلمه ولا يتفاخر به. (كان أبو عمرو بن العلاء يحُجسن علوماً إذا أحسن إنسانٌ فنًّا قال الأصمعي: منها قال: من مثلي! ولا يعتدّ أبو عمرو بذلك، وما سمعته يتمدّح قط، إلا أنَّ إنساناً لاحاه مرة فقال له . رواه الزجاجي في منّي، فإن رضيتَ ما قلتُج لك، وإلا فأوجدني عمَّن تروي) .»مجالس العلماء« .(إنما نحن فيمن مضى كبَقْل في أصول نخل طوال وقد اشتهر عنه أنه قال: وأما ابن أبي إسحاق فتوسّع في القياس وعلله، وتبحّر في النحو حتى بلغ فيه الغاية في زمانه.
عدد الصفحات ١١٤طرق التفس 114 (سمعت أبي يَسأل يونسَ عن ابن أبي إسحاق وعلمه؛ قال قال محمّد بن سلام: .« (كان ابن أبي إسحاق أشدَّ تجريداً للقياس، وكان أبو عمرو وقال محمد بن سلام: .أوسع علماً بكلام العرب ولغاتها وغريبها) وأمّا عيسى بن عمر فكان رأساً في النحو ذكيّا فهماً، وله مصنّفات في النحو لم ، وهما مفقودان، قال فيهما الخليل بن أحمد وهو »الإكمال« و»الجامع«يُجعرف منها إ تلميذه: ذه غ ذاك إك ف وقد شارك هذه الطبقة في الأخذ عن أصحاب أبي الأسود جماعةٌ من فقهاء التابعين منهم: محمد بن سيرين وقتادة وإسحاق بن سويد، لكن عناية أولئك بالعربية أظهر وأشهر. هـ) والمفضَّل بن 167: طبقة حماد بن سلمة البصري (ت والطبقة الخامسة هـ) وهارون 170هـ) والخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 168محمَّد الضَّبِّي (ت هـ) والأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد 170بن موسى الأعور (ت هـ ).177(ت وهؤلاء في عداد تلاميذ الطبقة الرابعة، ومنهم من شافه الأعراب وأخذ عنهم. أما حماد بن سلمة فكان قارئاً محدّثاً فقيهاً لغويّاً، وكان عالماً بالنحو، وهو سبب انصراف سيبويه إلى علم النحو. وأمّا المفضّل فكان من القراء المعروفين، والأدباء المشهورين، وهو صاحب المفضّليات. وأما الخليل بن أحمد فهو أوّل من ابتكر العروض، وصنّف المعجم، وقد بينّ فيه معاني بعض الآيات بما يعرفه من لغة العرب.
عدد الصفحات ١١٥طرق التفس 115 وأمّا هارون الأعور فكان قارئاً نحوياً له ذكر كثير في تفسير ابن جرير باسم هارون الأعور تارة، وتارة يسمّيه هارون النحوي، وهو ثقة في الحديث إلا أنه رُجمي بالقدر. وأما الأخفش الأكبر فكان أستاذاً في النحو والعربية وتفسير الأشعار. (هو أول من فس الشعر تحت كل بيت، وما كان الناس قال عنه المرزباني: .يعرفون ذلك قبله، وإنما كانوا إذا فرغوا من القصيدة فسوها) هـ)، وخلف 180طبقة سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر (توالطبقة السادسة: هـ) وعلي بن 183هـ) ويونس بن حبيب الضَّبِّي (ت 180بن حيّان الأحمر (ت: نحو هـ) ويحَيى 195هـ) وأبي فيد مؤرج بن عمرو السدوسي (ت189حمَزةَ الكِسَائِي هـ) ومحمد 202هـ)، ويحيى بن المبارك اليزيدي (ت200بن سلاَّم البصري (ت هـ)، وأبي 204هـ) والنضر بن شميل المازني (ت204بن إدريس الشافعي (ت هـ)، 209هـ) وأبي عبيدةَ مَعمر بن المثنَّى (ت207زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت هـ) وأبي عمرو إسحاق 211ومحمد بن المستنير البصري الملقّب بقُجطْرب (ت: بعد هـ)، والأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة البلخي 213بن مرار الشيباني (ت هـ)، وعبد الملك بن 215هـ)، وأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري (ت215(ت هـ).224هـ) وأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت216قُجرَيبٍ الأصمعي (ت وهؤلاء من أعلام اللغة الكبار، ولهم مصنّفات كثيرة، وفي مصنّفاتهم بيان لمعاني بعض الآيات وما يتصل بها من مسائل لغوية. ومنهم من صنّف في التفسير ومعاني القرآن كالكسائي، ويحيى بن سلام البصري، والفراء، وأبي عبيدة، والأخفش الأوسط. وهؤلاء عامّتهم من تلاميذ الطبقة الخامسة، ومنهم من تتلمذ على بعض أصحاب الطبقة الرابعة.
عدد الصفحات ١١٦طرق التفس 116 (سألت أبا عمرو عن ثمانية آلاف مسألة مما أحصيت عددهاكما قال الأصمعي: .»مجالس العلماء«. رواه الزجاجيمن أشعار العرب ولغاتها غير ما لم أُجحْصِ) وفي أواخر هذه الطبقة من أخذ عن أوائلها كما أخذ الأخفش الأوسط عن سيبويه، وأخذ الفرّاء عن الكسائي، وأخذ الأصمعي عن خلف الأحمر. ومن العلماء من يموت قبل أقرانه بمدّة، ومنهم من يُجعمَّر حتى يأخذ عنه تلاميذ تلاميذ أقرانه. وأهل هذه الطبقة عامّتهم من أهل السنة، وفيهم من المعتزلة: قطرب والأخفش الأوسط. واتهّم اليزيدي بميله إلى المعتزلة، ولا يُجؤثر عنه من قوله ما يحقق ذلك سوى قصيدة لم تثبت عنه. هـ)، وصالح 225طبقة إبراهيم بن يحيى اليزيديّ (ت والطبقة السابعة: هـ)، وأبي مِسْحَل عبد الوهاب بن حريش 225بن إسحاق الجرمي (ت هـ)، وأبي نصر 231هـ)، ومحمَّد بن زياد ابن الأعرابي (ت 230الأعرابي(ت هـ)، ومحمد بن سلام الجُجمَحِيّ 231أحمد بن حاتم الباهلي صاحب الأصمعي (ت هـ)، وعبد الله بن محمد التَّوَّزي 231هـ)، ومحمد بن سعدان الضرير (ت231(ت هـ)237هـ)، وعبد الله بن يحيى اليزيدي (ت233(ت هـ)، 240 طبقة أبي العَمَيْثَلِ عبد الله بن خُجلَيدِ الأعرابي (ت والطبقة الثامنة: هـ)، وأبي عثمان بكر بن محمد المازني 244ويعقوب بن إسحاق ابن السِّكِّيتِ (ت هـ)، وأبي حاتم 250هـ)، وأبي عكرمة عامر بن عمران الضبي (ت 247(ت هـ).255سَهْل بن محمد السِّجِسْتاني (ت هـ)، 275طبقة أبي سعيد الحسن بن الحسينِ السُّكَّري (ت والطبقة التاسعة: هـ)، وأبي حنيفة أحمد بن داوود 276وعبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري (ت هـ)، وإبراهيم 284هـ)، واليمان بن أبي اليمان البندنيجي (ت282الدينوري (ت
عدد الصفحات ١١٧طرق التفس 117 هـ)، وأبو 285هـ)، ومحمّد بن يزيدَ المبرّد (ت 285بن إسحاق الحربي (ت هـ)، والمفضَّل بن سلَمة الضَّبّي 291العباس أحمد بن يحيى الشيبا هـ).291(ت هـ)، ومحمد بن 304طبقة يَموتَ بنِ المزرَّعِ العَبْدِي (ت والطبقة العاشرة: هـ)، 310هـ) وكُجرَاع النَّمْلِ علي بنُج الحسَن الهُجنَائِي (ت 310جرير الطبري (ت هـ)، وإبراهيم بن 311وأبي علي الحسن بن عبد الله الأصفهاني المعروف بلُجغْدَة(ت هـ)، 315هـ)، والأخفش الصغير علي بن سليمان (ت311السَِّيِّ الزَّجَّاج (ت هـ)، ونفطويه إبراهيم بن 321وأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت هـ).323محمد بن عرفة الأزدي (ت هـ)، 328 طبقة أبي بكر محمد بن القاسم ابن الأنباري (توالطبقة الحادية عشرة: هـ)، وأبي جعفر أحمد بن محمّد 330وأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني (ت هـ)، 340هـ)، وعبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي (ت 338النحّاس(ت هـ)، وعبد الله بن جعفر ابن درستويه 345وغلام ثعلب أبي عمر الزاهد (ت هـ)، وأبي علي إسماعيل بن القاسم 351هـ)، وأبي الطيّب اللغوي (ت347(ت هـ).356القالي (ت هـ) 366 طبقة القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني (توالطبقة الثانية عشرة: هـ)، وأبي منصورٍ محمد بن أحمد 368وأبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي (ت هـ)، وأبي علي 370هـ)، والحسين بن أحمد ابن خالويه (ت370الأزهَرِي (ت هـ)، وعلي بن 379هـ)، وأبي بكر الزبيدي (ت377الحسن بن أحمد الفارسي (ت هـ)، وأبي 388هـ)، وأبي سليمان حمَْد بن محمد الخَطَّابي (ت 384عيسى الرمَّاني (ت هـ)، 393هـ)، وأبي نصر الجوهري(ت392الفتح عثمان بن جني الموصلي (ت هـ).395وأحمد بن فارس الرازي (ت
عدد الصفحات ١١٨طرق التفس 118 فهؤلاء الأعلام من أكثر من أخذت عنهم علوم العربية، على اختلاف أوجه عناياتهم اللغوية بالقرآن الكريم؛ فمنهم من يغلب عليه العناية بالنحو والإعراب، ومنهم المشتهر بالقراءات وتوجيهها، ومنهم المعتني بمعاني المفردات والأساليب، ومنهم المشتغل بالتصريف والاشتقاق، إلى غير ذلك من أوجه العناية اللغوية بالقرآن الكريم. ومنهم من يفرد لعنايته بالقرآن مصنّفات مفردة، ومنهم من يعرض لها في كتبه اللغوية. وتقصّ كتبهم وآثارهم وأخبارهم أمر يطول، وحسبنا في هذا المقام ذكر أسمائهم لتردّدها في كتب التفسير واللغة. وهم على درجات متفاوتة في إتقان العلوم، وحسن الأثر، ولزوم السنة، بل منهم من رمي بالاعتزال والاشتغال بعلم الكلام؛ فيُجقبل من كلامهم ما أحسنوا فيه وأجادوا، ويردّ منه ما غلطوا فيه مما نصروا به بدعهم، أو ردّوا به شيئاً من الحقّ عامدين أو متأوّلين. ثمّ خلفهم في كلّ قرن جماعة من العلماء، اقتفوا آثارهم، واعتنوا بعلومهم، وجمعوا وصنّفوا، وبحثوا وحرّروا، وأفادوا ما أفادوا.
عدد الصفحات ١١٩