طرق التفس 231 لكن كلام هؤلاء الأعلام في هذا العلم إنما هو إشارات متفرقّة لا تبلغ أن يستفاد هـ) فحاول كشف 392من مجموعها مادّة كتاب، حتّى أتى أبو الفتح ابن جنّي(ت »الخصائص«مكنونات هذا العلم والتنقيب عن أصوله، وإبراز معالمه؛ فكتب (هذا غَورٌ من العربية لا باباً سماه يُجنتَصف منه، ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه، وإن كان غُجفْلاً مسهوًّا إلى آخر ما قال في هذا الباب.عنه) ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﴿ (من ذلك قول الله سبحانه:وقال في بيان بعض أنواع مسائله: أي: تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى تهزّهم ﴾ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ هزًّا، والهمزة أخت الهاء؛ فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنم خصّوا هذا المعنى بالهمزة لأنا أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهزِّ؛ لأنَّك قد تهزّ ما لا بالَ له كالجذع وساق الشجرة، ونحو ذلك. ومنه النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من ا.هـ.بالعسف؛ فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين) (وهذا النحو من الصنعة موجود في أكثر الكلام وفرش ثم قال في آخر هذا الباب: اللغة، وإنما بقي من يثيره ويبحث عن مكنونه، بل مَنْ إذا أوضح له وكشفت عنده ا.هـ.حقيقته طاع طبعه لها فوعاها وتقبلها. وهيهات ذلك مطلبًا، وعزَّ فيهم مذهبًا) ثمّ أتبع هذا الباب باباً طويلاً سماّه: (إمساسَ الألفاظ أشباه المعاني) وهو من أنواع تناسب الألفاظ والمعاني. »معجم المقاييس«هـ) صاحب395وكان في عصره أحمد بن فارس الرازي(ت وغيرها، وله في هذا العلم كلام حسن »الصاحبي في فقه اللغة « و»مجمل اللغة «و متفرّق في كتبه.
عدد الصفحات ٢٣٢طرق التفس 232 هـ) فتكلم في أمثلة لهذا العلم بكلام728ثمّ أتى شيخ الإسلام ابن تيمية(ت بديع في عدد من كتبه، واستعمله في الترجيح بين بعض الأوجه التفسيرية، والتنبيه على علل بعضها. هـ) أنّه سأله عن هذا العلم، فشرح 751وقد ذكر تلميذه النجيب ابن القيّم (ت له فيه فصلاً عظيم النفع، وقد وقع هذا الشرح من تلميذه موقعاً حسناً؛ فأخذه وحبرّه، وزاد في أمثلته، وفرّع عليه، حتى فتح له في هذا العلم أبواب لطيفة بديعة، ثم »جلاء الأفهام«وتمنّى أنْ يؤلّف فيه كتاباً مستقلاً، وذكر فيه كلاماً مطوّلاً في كتابه (وهذا أكثر من أن يحاط به، وإن مدَّ الله في العمر وضعت فيه كتاباً مستقلاً إن قال: شاء الله تعالى، ومثل هذه المعاني تستدعي لطافة ذهن ورقة طبع، ولا تتأتَّى مع غلظ القلوب، والرضا بأوائل مسائل النحو والتصريف، دون تأمّلها وتدبّرها والنظر إلى حكمة الواضع، ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدقّ على ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴿أكثر العقول، وهذا باب ينبّه الفاضل على ما وراءَه ا.هـ.)﴾ﮰﮱ وكان الذي جرّه إلى هذا الاستطراد شرح معنى الميم (وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم كزيادتها فيها وبينّ مآخذها وعللها ثمّ قال: في زُجرْقُجم لشديد الزرقة، وابنم في الابن، وهذا القول صحيح ولكن يحتاج إلى تتمة، وقائله لحظَ معنى صحيحاً لا بد من بيانه، وهو أنَّ الميم تدل على الجمع وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك، وهذا مطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أساطين العربية وعقد له أبو الفتح بن جني بابا في الخصائص، وذكره عن سيبويه، واستدلَّ عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى، ثم قال كنت برهة يرد علي اللفظ لا أعلم موضوعه وآخذ معناه من قوة لفظه ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا منه الإسلام هذا عن ابن جني؛ فقال
عدد الصفحات ٢٣٣طرق التفس 233 ثم ذكر لي فصلاً عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنم في الغالب يعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف، والمتوسطة للمتوسط: فيقولون• ويقولون• الشيء صلباً ولا يمتنع على كاسره. ثم يقولون: عزَّه يَعُجزُّه إذا غَلَبَه، قال الله تعالى في قصة داود عليه السلام: • " .﴾ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ﴿ والغلبة أقوى من الامتناع؛ إذ قد يكون الشيء ممتنعاً في نفسه، متحصناً من عدوّه، ولا يَغْلِب غيرَه؛ فالغالب أقوى من الممتنع؛ فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع؛ فأعطوه أضعف الحركات، والممتنع المتوسط بين . إلى آخر ما قال، وهو فصل طويل. المرتبتين؛ فأعطوه حركة الوسط) وهذا نوع من أنواع تناسب الألفاظ والمعاني. (الألفاظ مشاكلة للمعاني التي هي أرواحها، يتفرَّس وقال ابن القيّم أيضاً: الفطنُج فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسّه كما يتعرّف الصادقُج الفراسةَ صفاتِ الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته، وقلت يوما لشيخنا أبي العباس بن تيمية قدس الله روحه وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه ثم أكشفه؛ فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه. فقال لي رحمه ا وتأمَّل حرف ضيق النفس؛ فآذَنَ امتدادُج لفظها بامتداد معناها ولن بعكس ذلك؛ فتأمَّله فإنه معنى بديع.
عدد الصفحات ٢٣٤طرق التفس 234 بحرف﴾ﯗ ﯘ ﯙ﴿ وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل؛ فصار من صيغ العموم؛ فانسحب ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﴿على جميع الأزمنة وهو قوله عز وجل: كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات أو زمن من الأزمان ﴾ﮰ ﮱ وقيل لهم: تمنوا الموت فلا يتمنونه أبدا. وحرف الشرط دلَّ على هذا المعنى، وحرف لاتساع معنى النفي فيها. فقصر من سعة النفي وقرَّب لأن قبله: ﴾ﭣ ﭤ﴿وقال في سورة البقرة: لأن﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﴿ لأن كان ليست بدالة على حدث، وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث؛ فكأنه يقولُج عزَّ وجلَّ إن كان قد وجبت لكم ﭣ ﴿الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله فتمنوا الموت الآن ثم قال في الجواب: ا.هـ. فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا)﴾ﭤ ائتلاف الاألفاظ والمعاني عند اأهل البديع مما ينبغي التنبّه له أنّ أهل البديع لهم عناية بما يقارب هذا العلم في اسمه ويخالفه في بحث مسائله؛ ففي عدد من كتب البديع باب وجعل له أنواعاً، ثمّ تبعه »نقد الشعر«من ذكر هذا الباب قدامة بن جعفر في كتابه جماعة من أهل البديع، فزادوا عليه فيها، وضمّ بعضهم إلى أنواعه أنواعاً أخرى، ومنهم من يسمّيها وكلّ تلك المباحث غير داخلة فيما نحن بصدده من ذكر مناسبة الألفاظ في صفات حروفها وترتيبها وحركاتها وطريقة نطقها للمعاني الدالة عليها وإن لم تكن في جمل مفيدة.
عدد الصفحات ٢٣٥طرق التفس 235 وسألخّص ما ذكره أهل البديع في باب تصوّر ما يريده أهل البديع، ويُجعرف اختلافُجه عن موضوع علم التناسب بين الألفاظ والمعاني. فما ذكره أهل البديع والمعاني من جهة مقدار الدلالة فيهما، ولذلك يقسّمونا إلى إياز ومساواة وإطناب، يتفرّرع على هذه الدرجات أنواع أخرى: كالإشارة والإرداف والمقابلة وغيرها. و فهي أن تدلّ بألفاظ قليلة على معنى كثير لا تقتضيه دلالة أ. فأمّرا الإشارة، الألفاظ بوضعها، ولكن بتنبيهها وإشارتها. فأشارت هذه الألفاظ اليسيرة ﴾ﯠ ﯡ ﯢ﴿ومثاله قوله تعالى: الردّر على النصارى الذين غلوا في عيسى إلى معانٍ كثيرة، ودلّت على حجج بليغة في وأمّره وادّرعوا فيهما الألوهية: احتياجهما إلى الطعام كسائر البشر، والمحتاج لا يصلح أن يكون إلهاً.- منها: أن لهما ما لآكل الطعام من الجوف والقنوات التي يتصرف فيها الطعام - ومنها داخل الجسم، وأنّ الذي قَدّر لهما تصريف الطعام في أجسادهما إنما هو الله، وأنّ الذي لا يستطيع أن يدبّر تصريف الطعام الذي يأكله في جسده كيف يستطيع تدبير شؤون الخلق؟!! أنّ آكل الطعام عرضة للجوع والأمراض، وقد قيل: - ومنها ف يك أن آكل الطعام محتاج إلى إخراج فضلاته، والإله الحقّ إنما هو القدوس - ومنها: السلام المتنزّه عما لا يليق بجلاله وعظمته. فانظر كيف دلّت هذه الإشارة الوجيزة على معانٍ كثيرة وحجج بليغة.
عدد الصفحات ٢٣٦طرق التفس 236 ومثال هذا النوع في الشعر قول حجل بن نضلة: ج إن بن فقوله: (عارضاً رمحه) وقوله: (فيهم رماح) فيهما إشارة إلى ما ورائهما من المعاني التي ترك الشاعرُج ذِكْرَها، واكتفى بالتنبيه عليها. فقد عرّفها أبو هلال العسكري بأن تكون المعاني بقدر الألفاظ، ب: وأمّرا المساواة؛ والألفاظ بقدر المعاني، لا يزيد بعضها على بعض، وهو المذهب المتوسط بين الإياز .﴾ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴿والإطناب، ومثّل له بقوله تعالى: ومثّل له قدامة بن جعفر بقول امرئ القيس: ف وإن تبعَثُ وإن تقتلونَ وإن تقص فهو أن تدلّ على معنى بلفظ غير مباشر الدلالة عليه يكون ج: وأمّرا الإرداف، كالمرادف للعبارة الأصلية، وقد مثّل له قدامة بن جعفر بقول عمر بن أبي ربيعة: بعي أبوه فعبرّ عن طول عنقها بلفظ مرادف، وهو بُجعْد مهوى القرط. فهي أن تُجوائم بين لفظين لمناسبة معنوية على جهة المقابلة، ومثاله: د. وأمّرا المقابلة فقابل الركون بالمسّ؛ وبينهما ﴾ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴿قوله تعالى: مناسبة معنوية من جهة أنّ الراكن إلى شيء أوّل ما يتحقق به ركونه إليه هو مماسّته له، وكان السامع يتوقّع الإخبار عماّ يحصل بهذا الركون؛ فناسب أنّ يكون جزاء الراكنِ أن تمسّه النار لا أن يمسّ هو ما يطمئنّ إليه، وفي الآية مقابلة أخرى بديعة وهي مقابلة الفعل بالفعل جزاء وفاقاً؛ فلما ابتدأوا الركون بكونم الفاعلين في ﴾ﮜ ﮝ﴿، كان من جزائهم أن تبدأهم النار بالمسّ، ولذلك قال ﴾ﮘ ﴿
عدد الصفحات ٢٣٧طرق التفس 237 ولم يقل ولأهل البديع في هذا الباب تفصيل طويل، ومما ذكروه في هذا الباب ما هو حَسَنٌ ظاهر الحسن، ومنه ما فيه نظر. والمقصود التنبيه على الفرق بين ما أراده أهل البديع ببحثهم والمعنى وإن كان بعضهم قد يُجدخل فيه ما يَدخُجل في هذا العلم كقول ابن أبي الإصبع (ومن ائتلاف اللفظ مع المعنى أن يكون اللفظ جزلاً إذا كان المعنى فخماً، المصري: .ورقيقاً إذا كان المعنى رشيقاً، وغريباً إذا كان المعنى غريباً بحتاً) اأنواع م النظر في أقوال العلماء في مسائل تناسب الألفاظ والمعاني يدلّر على أنهّرا على ثلاثة : أنواع تناسب صفات الحروف وترتيبها للمعنى المدلول عليه باللفظ، النوع الأول: حتى كأنّا تحكي المعنى بجَرْسها وطريقة نطقها. تناسب الحركات ومراتبها، ودلالتها على الفروق المتناسبة بين والنوع الثاني: دلائل الألفاظ على المعاني. مناسبة أحرف الزيادة في الجملة لمعنى الكلام. والنوع الثالث: وهذه الأنواع متآلفة غير متزايلة، فقد تجتمع كلها في جملة واحدة، وإنما الغرض من التقسيم بيان طرق العلماء في الحديث عن كلّ نوع منها. وقد يظهر للناظر في مجموع كلامهم من التأصيل والزيادة ما يظهر. ولا أدّعي أنّ هذه الأنواع حاصرة لأنواع التناسب، لكنّها بحسب ما وقفت عليه، وقد يقع للمستزيد أنواع أخرى بحسب نظره وتأمّله.
عدد الصفحات ٢٣٨طرق التفس 238 وسأمثّرل لكلّر نوع بما يبيّرنه إن شاء الله تعا النوع الأول: تناسب صفات الحروف وترتيبها. وهذا النوع هو أخصّ أنواع التناسب وأنفعها، وله أمثلة ظاهرة الدلالة على المراد، وقد قيل: (الألفاظ في الأسماع كالصور في الأبصار). ولبعض العلما عناية بهذا النوع، ومن أمثلة ما ذُكِرَ فيه: (إذا قيل: الصمد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان معنى • بمعنى المصمت وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار؛ فهو صحيح فإن الدال أخت التاء؛ فإن الصمت السكوت وهو إمساك. وإطباق للفم عن الكلام. قال أبو عبيد: المصمت الذي لا جوف له وقد أصمته أنا وباب مصمت قد أبهم إغلاقه. والمصمت من الخيل البهيم أي لا يخالط لونه لون آخر ومنه قول ابن عباس: إنما حرم من الحرير المصمت فالمصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الأكبر، وليست الدال منقلبة عن التاء، بل الدال أقوى، والمصمد أكمل في معناه من المصمت، وكلما قوي الحرف كان معناه أقوى؛ فإن لغة العرب في غاية الإحكام والتناسب ولهذا كان الصمت إمساك عن الكلام مع إمكانه والإنسان أجوف يخرج الكلام من فيه لكنه قد يصمت بخلاف الصمد فإنه إنما استعمل فيما لا تفرق فيه كالصمد، والسيد، والصَّمْد من الأرض، وصماد القارورة ونحو ذلك؛ فليس في هذه الألفاظ المتناسبة أكمل من ألفاظ ا.هـ.على ما يناسبها من الحروف، والمعاني المدلول عليها بمثل هذه الحروف أكمل) (انظر إلى تسميتهم الغليظ الجافي بالعتل والجعظري وقال ابن القيّم رحمه الله: • ا.هـ.والجواظ كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني) (تأمل قولهم وقال أيضاً: • الشديدِ هذه الحروفَ الشديدةَ، ووضعوا للمعنى الخفيفِ هذه الحروفَ الهوائيةَ ا.هـ. التي هي من أخف الحروف)
عدد الصفحات ٢٣٩طرق التفس 239 ﯛ﴿ وقريب من ذلك ما قيل في لفظ • وأنّ صفات هذه الحروف وترتيبها مشعر بمعناها، حتى لو قُجدّر ﴾ﯜ ﯝ وجود مَن تطرق سمعَه هذه اللفظة لأوّل مرّة، وذُجكرت له في موضعها، لهداه جرْسُجها وتناسب حروفها إلى معرفة معناها، وأنّ أهل النار تتعالى أصواتهم فيها صراخاً وتألمّاً واضطراباً وطلباً للنجدة، ودلَّ ضم والفعل المضارع على التجدد؛ فصوّرت هذه الآية معنى بليغاً واختصرت شرحاً كثيراً للحال المخزية والمؤلمة للكفار في النار. ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﴿ وكذلك• كأنّا تحكي حال الصعود وضيق النَفَس به، وما يعالجه ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ الصاعدُج من الكرب والضيق. النوع الثاني: تناسب الحركات ومراتبها تقدّم ذكر ما نقله ابن القيّم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في دلالات مراتب الحركات ونَظَرُج العارف اللبيب في دلائل الحركات وترتيبها في اللفظة يهديه إلى تصوّر معناها في الذهن. (تأمّل قولهم قال ابن القيم رحمه الله: و ا.هـ.فطابق اللفظ المعنى) (وانظر إلى تسميتهم الطويل بالعَشَنَّق، وتأمَّل اقتضاء هذه الحروف وقال أيضاً: ومناسبتها لمعنى الطويل، وتسميتهم القصير بالبُجحْترُج، وموالاتهم بين ثلاث فتحات في اسم الطَّويل وهو العَشَنَّق، وإتيانم بضمتين بينهما سكون في البُجحْترُج؛ كيف يقتضي اللفظ الأول انفتاح الفم وانفراج آلات النطق وامتدادها، وعدم ركوب بعضها بعضا، وفي اسم البُجحْترُج الأمر بالضد.
عدد الصفحات ٢٤٠طرق التفس 240 وتأمَّل قولهم طُجوالا وكُجبارا؛ فأتوا بالألف التي هي أكثر مدا وأطول من الياء في المعنى الأطول؛ فإن زاد كِبرَ الشيء وثَقُجلَ مَوقِعُجه من النفوس ثقَّلوا اسمه فقالوا الباء. ا.هـ.ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه واستعصى على الضبط) النوع الثالث: مناسبة أحرف الزيادة في الجملة لمعنى الكلام ومن أحسن من وجدته تكلّم في هذا النوع مصطفى صادق الرافعي ، وذكر له أمثلة حسنة، »إعجاز القرآن والبلاغة النبوية «هـ) في كتابه 1356(ت (الكلمات التي يظن أنا زائدة في القرآن كما يقول النحاة، فإن فيه من منها قوله: ﭑ ﭒ ﭓ ﴿وقوله: ﴾ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﴿ذلك أحرفًا: كقوله تعالى: فإن النحاة يقولون إن﴾ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ و النظم ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لونًا من التصوير لو هو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته. تصوير لين النبي صلى الله عليه وسلم لقومه، وإن - فإن المراد بالآية الأولى: ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق، ثم كان الفصل بين الباء الجارة ومجرورها مما يلفت النفس إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى. تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين - والمراد بالثانية: مجيئه لبعد ما كان بين يوسف وأبيه عليهما السلام، وأن ذلك كأنه كان منتظرًا بقلق واضطراب تؤكدهما وتصف الطرب لمقدمه واستقراره، غنة هذه النون في الكلمة
عدد الصفحات ٢٤١طرق التفس 241 الفاصلة؛ وهي وعلى هذا يري كل ما ظن أنه في القرآن مزيد: فإن اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها، إنما هو نقص يل القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلا رجل يعتسف الكلام ويقتضي فيه بغير علمه أو بعلم غيره ... فما في القرآن حرف واحد إلا ومعه رأي يسنح في البلاغة، من جهة نظمه، أو دلالته، أو وجه اختياره، بحيث يستحيل ألبتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف نافر أو جهة غير محكمة أو شيء مما تنفذ في نقده ا.هـ.الصنعة الإنسانية من أي أبواب الكلام إن وسعها منه باب) � الباحث في هذا العلم تعترضه صعوبات كثيرة من أبرزها قلة مراجع هذا العلم، وندرة أمثلته المشروحة، ولذلك يحتاج الباحث فيه إلى • قريحة ونباهة تعينه على استخراج الأمثلة وشرحها وحسن البيان عنها. القول باطّراد ما ذكر من قواعد التناسب في جميع ألفاظ العربية، وهي قضيّة • كبيرة ما تزال محلّ نظر واجتهاد، وعندي أنّا نظير القول باطّراد معاني الاشتقاق، والسبيل إلى حلّر هذه المعضلة لا يتمّر إلا بأمرين: الكشف عن قواعد مطّردة تتبينّ بها أصول التناسب وتطبيقاته، ولو أحدهما: على وجه العموم. الكشف عن علل عدم الاطّراد؛ فإنّ لكثير من القواعد شواذّ وموانع والآخر: من استغراقها لما يندرج تحتها. ومما بُجذل من الجهود المشكورة في هذا العلم في هذا العصر كتاب الألفاظ لتصاقب المعا في جزأين، وقد حاول فيه إجراء دراسة تحليلية استقرائية للجذور الثلاثية، إلا أنّ القيود التي وضعها على مجال البحث جعلته ينحى منحى الانتقاء لا القيام بحقيقة
عدد الصفحات ٢٤٢طرق التفس 242 الاستقراء، وعذره أنّ الاستقراء التامّ يحُجتاج فيه إلى عمل مؤسسي يقوم عليه جماعة من الباحثين المتأهلين. ودراسته جديرة بالنظر، يمكن الاستفادة منها، والبناء عليها للوصول إلى تحقيق المراد من حسن التأصيل لهذا العلم. فائدة معرفة تنا ينبغي أن يكون المفسّ على قدر من المعرفة بتناسب الألفاظ والمعاني، ولو أنّ يتأمّل الأمثلة التي ذكرها العلماء، ويُجعمِل الذهن في نظائرها؛ فإنّه يستفيد بذلك من حسن البيان عن معاني القرآن، والتأثير على قلوب المتلقّين، ما لا يدركه بالعلوم الأخرى. ومن الأمثلة التي يتّضح بها المراد - إن شاء الله تعالى - تفس .﴾ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴿الله تعالى: فتأمَّلْ حروفَ الغرابة، والتشنيع، والجور، والنقصان، والاعوجاج. ذلك أنّ الضَّيز في اللغة يفسّ بالجور وبالنقص وبالاعوجاج، وهذه الأوصاف القبيحة قد جمعتها هذه القسمة الجائرة الناقصة المعوجّة. وأقوال السلف في تفسيرها قد انتظمت معانيها في اللغة: عوجاء، وقال به من أصحاب المعاجم اللغوية: ابن دريد وابن . فقال مجاهد:1 وابن سيده»معجم المقاييس«فارس جائرة، وقال به من أهل اللغة: أبو زيد الأنصاري، والجوهري، . وقال قتادة:2 ، وأنشد»التفقيه في اللغة«وابن فارس في مجمل اللغة، وأبو بشر البندنيجي في كتابه شاهداً له قول الشاعر:
عدد الصفحات ٢٤٣طرق التفس 243 فب بِ منقوصة، يقال: ضزته حقَّه أضيزه، وضأزتُجه أضأزه إذا . وقال سفيان الثوري:3 نقصته، وقال به من أهل اللغة: الخليل بن أحمد، وأنشد ابن الأنباري شاهداً عليه قول الشاعر: إن تن فحظ وهذه المعاني كلّها صحيحة في اللغة. لغات منها﴾ ﯞ﴿وفي قراءة نسبت إلى أبيّ بن كعب، وضَأزى، وضُجؤزى. وقد أفاد تركيب حروف هذه اللفظة، وغرابة استعمالها معنى الغرابة والتشنيع، وتقبيح هذه القسمة، وحكاية حقيقتها. وأفاد بناؤها الصرفي على مثال وهذا فيه تبكيت وتشنيع على المشركين إذْ بلغت قسمتهم ما لا أضأز منه؛ فهي قسمة ضيزى. ولو أدرت الألفاظ العربية لفظةً لفظةً لم تجد لفظاً أنسب من هذا اللفظ في هذا الموضع، مع موافقتها لفواصل الآي. (وفي القرآن لفظة غريبة هي من هـ): 1356قال مصطفى صادق الرافعي(ت أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه، وهي كلمة ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من ﴾ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴿ قوله تعالى: أغرب الحسن وأعجبه؛ ولو أردت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها؛ فإن السورة التي هي منها وهي سورة النجم، مفصلة كلها على الياء؛ فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل ثم هي في معرض الإنكار على العرب؛ إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنم جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله مع
عدد الصفحات ٢٤٤طرق التفس 244 ﴾ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ﴿ أولادهم البنات؛ فقال تعالى: فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنا تصور في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى؛ وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية. والعرب يعرفون هذا الضرب من الكلام، وله نظائر في لغتهم، وكم من لفظة غريبة عندهم لا تحسن إلا في موضعها، ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنا تؤكد المعنى الذي سبقت له بلفظها وهيئة منطقها، فكأن في تأليف حروفها معنى حسيا، وفي تآلف أصواتها معنى مثله في النفس؛ وقد نبهنا إلى ذلك في باب اللغة من تاريخ ا.هـ.آداب العرب) البلاغة «هـ) في كتابه 1425وقال عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني (ت (ونلاحظ أنّ اختيار كلمة : »العربية تُجؤدّي معناها له نُجكْتَتَان: معنوية، ولفظيّة. - أما المعنويّة فهي الإِشعار بقباحة التعامل مع الرّبّ الخالق بقسمة جائرة، يختار المشركون فيها لأنفسهم الذكور ويختارون فيها لربهّم الإِناث، عن طريق استخدام لفظ يدلُّ بحروفه على قباحة مُجسَماَّه. - وأمّا اللفظية فهي مراعاة رؤوس الآي، في الآيات قبلها، وفي الآيات بَعْدَها) ا.هـ.
عدد الصفحات ٢٤٥طرق التفس 245 خاتمة الحديث عن اأنواع العناية اللغوية بالاألفاظ القراآنية الناظر في الأنواع العشرة المتقدّم ذكرها يتبينّ له ما بذله علماء هذه الأمّة من جهد كبير في العناية بالقرآن العظيم على مرّ القرون، فأقاموا سنن البحث العلمي ودراسة المعاني والألفاظ، وهذه السنن ينبغي أن تكون دائمة متنامية في الأمة، وأن تتجدد بتجدد وسائل المعرفة وإمكانات البحث العلمي. وكثير من الأعمال المبذولة في كلّ علم قد يد المتأخر فيها فرصة لعمل يقوم به يفيد في تقريبها وتيسيرها للمتعلّمين، ويعين على تحقيق كثير من مسائلها. وما مضى من الشرح والبيان لتلك الأنواع إنما هو على سبيل التلخيص والإياز، وإنما ذكرت في كلّ نوع أمثلة يسيرة؛ لتقريب تصوّر تلك العلوم، وبيان طرق بحث مسائلها، وفائدتها للمفسّ. وهذه الأنواع منها ما هو داخل في صميم التفسير اللغوي، ومنها ما هو من أنواع عناية علماء اللغة بألفاظ القرآن الكريم، وله صلة بالتفسير اللغوي من أوجه متعددة. وليس بعد فتح الباب وتمهيد الطريق إلا السير فيه بجدّ، والأخذ من تلك العلوم بحظوظ وافرة؛ فإنّ المفسّ كلما ازداد نصيبه من العلوم اللغوية وحسنت معرفته ببحث مسائلها ازداد تحقيقه لمسائل التفسير، وحَسُجنَت معرفته بطرق التمييز بين الأقوال الصحيحة والخاطئة، وعرف كيف يخرّج أقوال السلف في التفسير على أصول لغوية صحيحة، وكيف يستخرج المعاني الدقيقة والأوجه التفسيرية اللطيفة، وتوسّعت معرفته بطرق الإبانة عنها. وأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد، والقبول والرشاد.
عدد الصفحات ٢٤٦طرق التفس 247 الباب التا للعلماء طريقان في التفسير اللغوي: طريق النقل عن العرب أو عن علماء اللغة المتقدّمين؛ فيذكرون الطريق الأول: القول عنهم في المسألة اللغوية، ومنهم من لا يفسّ القرآن، وإنما يكتفي بذكر ما يعرفه عن العرب في تلك المسألة. وقد اشتهر عن جماعة من علماء اللغة المتقدّمين أنم يتهيّبون تفسير القرآن مع سعة علمهم بلسان العرب، وكثرة ما حفظوه من أخبارهم وأشعارهم، ومعرفتهم بأوجه الإعراب والاشتقاق؛ فكانوا إذا سئلوا عن شيء من التفسير أو شرح الحديث ذكروا ما يعرفون من كلام العرب، وتوقّفوا عن التفسير ما لم يكن ظاهراً لهم بيّنا؛ كما يُجذكر ذلك عن يونس بن حبيب الضبّي، والأصمعي وغيرهما. (قال محمد بن سلام: سألت يونس عن هـ) : 370قال أبو منصور الأزهري فقال: يقال: كان في الأرض كلأ فاحتنكه ]﴾ﮞ ﮟ﴿[هذه الآية الجراد، أي: أتى عليه. ويقول أحدهم: لم أجد لجاماً فاحتنكتُج دابّتي، أي: ألقيت في حِنْكِها حَبْلاً .وقُجدْتها به) فذكر المعنيين عن العرب، وتورع عن تفسير الآية بأي منهما. وهذه الآية قد اختلف فيها العلماء على القولين المذكورين: فمن العلماء من اختار المعنى الأول؛ كما فعل الخليل بن أحمد، والبخاري، أ: .«وابن فارس، وابن سيده، وهو رواية عن مجاهد؛ قال
عدد الصفحات ٢٤٨