طرق التفس 215 وحسن التضمين، والتعريض والكناية، والإفراط في الصفة، وحسن التشبيه، وإعنات الشاعر نفسه وهو ما سمّي فيما بعد بلزوم ما لا يلزم. وهذه الأنواع منها يتعلّق بالمعاني، ومنها ما يتعلّق بالألفاظ، وقد ذكر لعدد من تلك الأنواع أمثلة من القرآن والحديث وأقوال الصحابة والبلغاء. وما ذكره في كتابه من الأنواع شامل لفروع علم البلاغة غير مختصة بما اصطلح عليه عند المتأخّرين بالبديع. هـ) وقيل 337 لأبي الفرج قدامة بن جعفر البغدادي (ت . نقد الشعر، 2 هـ)، وكان فيلسوفاً نصرانياً فأسلم على يد المكتفي بالله، وبرع في الأدب328(ت ونقد الشعر، وتقدّم في علم المنطق، وقد أدرك ابنَ قتيبة وأبا سعيد السكري والمبرّد وثعلب وطبقتهم، وعمل كاتباً في دواوين الخلافة بدار السلام مدّة طويلة من عمره، وكانت للخلفاء العباسيين عناية ظاهرة بالأدب والشعر، وله كتب كثيرة وهي »الخراج وصناعة الكتابة «، و »جواهر الألفاظ «، و »نقد الشعر «من أشهرها زهر «، و»صناعة الجدل«مطبوعة، وله كتب أخرى غير مطبوعة - فيما أعلم - منها . »الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام« و»السياسة« و»نزهة القلوب« و»الربيع أنواعاً من البديع لم يذكرها ابن »نقد الشعر«وقد ذكر قدامة بن جعفر في كتابه المعتزّ، ومما زاده: الترصيع، والتتميم، والتكافؤ، وصحة التقسيم، وصحة المقابلة، وغيرها. وكثير من هذه التسميات جارية مجرى الاصطلاح الذي قد لا يتبينّ معناه إلا بالوقوف على شرحه ومثاله. هـ)، وهو كتاب 388، لأبي علي محمد بن الحسن الحاتمي (ت. حلية المحاضة3 بديع في بابه، يدلّ على عنايته ببديع الشعر وكثرة اشتغاله به، وقد ذكر في كتابه هذا من أنواع البديع ما لم يذكره ابن المعتزّ ولا قدامة بن جعفر، وكان مما زاده: الترديد، والتسهيم، والتتبيع، والتبليغ، والاستطراد، والحشو البديع، وغيرها.
عدد الصفحات ٢١٦طرق التفس 216 ، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري . كتاب الصناعتين 4 هـ)، وأراد بالصناعتين صناعة الكتابة وصناعة الشعر، واشتمل 395(ت: بعد كتابه على عشرة أبواب في علم البلاغة، وأفرد منها باباً في البديع ذكر منه خمسة وثلاثين نوعاً. وأبو هلال العسكري معتزليّ متفنّن في العلوم إلا أنّ العناية بالشعر غلبت عليه. ، لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي . العمدة في محاسن الشعر وآدابه5 هـ) وقد ذكر في كتابه هذا أنواعاً كثيرة من البديع463(ت ، للأمير أبي المظفّر أسامة بن مرشد ابن منقذ . البديع في نقد الشعر 6 هـ)، وكان شاعراً أديباً حسن الذوق والمعرفة بالشعر، ذكر 584الشيزري(ت عن نفسه أنه يحفظ عشرين ألف بيت من الشعر الجاهلي، وكان من أمراء الحرب في زمانه قاد الحملات ضدّ الصليبيين، وقاتل قتال الأبطال، وله أخبار مأثورة، ووقائع مذكورة، وأشعار مستحسنة، واختيارات مستعذبة، وكتب كثيرة من ، »البديع في نقد الشعر «، و »العصا«، و »لباب الآداب «، و »المنازل والديار «أشهرها وهي كتب مطبوعة، وله غيرها مما لم يطبع. وقد ذكر في كتابه هذا من أنواع البديع ما لم يُجذكر في الكتب قبله، وكان حسن الانتقاء للأمثلة والشواهد، بصيراً بلطائف المعاني ومآخذ الشعراء وعلل الاختيار، على أنّ ابن أبي الإصبع المصري قد انتقده انتقاداً شديداً. ، لأبي الفتح نصر الله بن محمد ابن الأثير . المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر7 هـ)، وكان وزيراً كاتباً، وله كتب أخرى في الترسّل 637الجزري الموصلي(ت والكتابة ونقد الشعر، وقد اشتهر كتابه كثيرة من البديع. ، لأبي محمد عبد . تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن8 هـ)، وكتابه هذا من أجلّ654العظيم بن عبد الواحد ابن أبي الإصبع المصري(ت
عدد الصفحات ٢١٧طرق التفس 217 (ولقد وقفت من هذا العلم على أربعكتب البديع وأجمعها، وقد قال في مقدّمته: ا.هـ.كتاباً منها ما هو منفرد به، وما هذا العلم أو بعضه داخل في بعضه) وقد عني بهذا العلم عناية بالغة حتى جعله وظيفة عمره، وذكر في مقدّمة كتابه أنه جمع فيه ستين نوعاً من أنواع البديع أضافها إلى الثلاثين المتحصّلة من جمع ابن المعتزّ وقدامة بن جعفر؛ فصار مجموع أنواع البديع في كتابه هذا تسعين نوعاً، شرحها ومثّل لها، وحرّر كتابه وحبرّه؛ فكان من أجمع كتب البديع وأنفعها، غير أنّ ما ذكره من أنواع البديع منه ما هو معدود من علم البيان، ومنه ما هو معدود من علم المعاني، ولم يشتهر فصل على المحسّنات المعنوية واللفظية. ثمّ إنّ ابن أبي الإصبع لم يزل مشتغلاً بالبديع مدة طويلة من عمره في شبيبته ومشيبه، وذكر أنه ذاكر به عقلاء العلماء، وأذكياء الفضلاء، ونبلاء البلغاء، وكلّ من له عناية بتدبّر القرآن. أنه تحصّل له مما جمع ممن تقدّمه خمسة وستون »بديع القرآن«وذكر في مقدّمة كتابه نوعاً، واستنبط هو واحداً وثلاثين نوعاً؛ فبلغ المجموع مائة وستة وعشرين نوعاً من أنواع البديع، ثمّ أفرد ما يختص بالقرآن منها فكان مائة نوع وثمانية أنواع. (فاستنبطت واحداً وثلاثين باباً لم أُجسبق في غلبة ظنّي إلى شيء منها، إلا أن قال: يوجد في زوايا الكتب شيء من ذلك لم أقف عليه؛ فأكون أنا ومن سبقني متواردين ا.هـ.عليه، وما إخال ذلك إن شاء الله تعالى) (سُجلّم له منها عشرون، وباقيها مسبوق إليه أو متداخل قال صفيّ الدين الحليّ: عليه، وكتابه المسمّى ا.هـ.النقل دون النقد) وتعداد الأنواع التي ذكرها يطول، وكثير منه يحتاج إلى شرح وتمثيل.
عدد الصفحات ٢١٨طرق التفس 218 ولابن أبي الإصبع عناية ظاهرة بالبديع ولطائف معاني القرآن، وله كتاب أي فواتح القرآن، »الخواطر السوانح في كشف أسرار الفواتح«يطبع فيما أعلم سماّه . »معترك الأقران في إعجاز القرآن« و»الإتقان«وقد لخّصه السيوطي وله أبيات حسنة في وصف بديع القرآن من قصيدة له في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله: وآيت أت تف بأس وفي نظم محاس ه فصاغ بمعن فيحل ويُضح يُعظّرم وج ب للمؤيد باللهَّ يحيى بن حمزة . الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز،9 هـ)، وقد ضمّنه أنواعاً كثيرة من البديع 745العلويّ (ت ، لمحمد بن قرقماس بن عبد الله . زهر الربيع في شواهد البديع 10 هـ)، وهو كتاب لطيف ذكر فيه ثلاثة وأربعين باباً من أبواب 882الناصري(ت البديع، ومثّل لها بأمثلة من نظمه. لزين الدين مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي . القول البديع في علم البديع،11 هـ) من فقهاء الحنابلة المعروفين، وله كتاب1033(ت جماعة من الفقهاء. فهذه أشهر الكتب في البديع، وأكثرها في بديع الشعر، ومنهم من يمثّل لبعض الأوجه من الآيات والأحاديث وأقوال الفصحاء.
عدد الصفحات ٢١٩طرق التفس 219 ولبعض مَن كتب في علوم البلاغة عناية بذكر أنواع البديع على تفاوت بينهم أسرار «هـ) في كتابه 471في ذلك، فذكر بعضَ أنواعه عبد القاهر الجرجاني(ت من غير أن يميّزه بقسم. »البلاغة هـ) وهو تلميذ 626ثم أتى بعده أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي(ت ، وحصر فيه البلاغة »مفتاح العلوم«، فألّف كتابه»حلية المحاضرة«الحاتمي صاحب في علمي المعاني والبيان إلا أنّه ألحق بهما محلقاً في الفصاحة والمحسنات المعنوية ناية الإياز في دراية «واللفظية؛ وذكر منها تسعة وعشرين نوعاً استمدها من كتاب للفخر الرازي؛ فكان هذا الفصل ممهّداً لتقسيم علوم البلاغة إلى ثلاثة »الإعجاز أقسام: المعاني والبيان والبديع. ثمّ أتى بدر الدين محمد بن محمد بن عبد الله ابن مالك الطَّائي الأندلسي هـ)، المعروف بابن الناظم، وهو ابن صاحب الألفية المشهورة في النحو؛ 686(ت ، فكان أوّلَ من عُجرف أنّه صرّح بجعل »المصباح في المعاني والبيان والبديع«فألّف كتابه علم البديع قسيماً لعلمي المعاني والبيان، ثم اشتهر هذا التقسيم في كتب البلاغة. البديعيات البديعيات جمع بديعية، وهي القصيدة المرصّعة بأنواع البديع. وكان الشعراء المحدثون في القرن الثاني والثالث والرابع على تنافسهم في البديع وأنواعه لم يُجعرف عنهم أنم تصدّوا لنظم أنواع البديع بأمثلتها في قصائد مقصدها التعريف بأنواع البديع، وإنما كان الذي فشا فيهم الإكثار من البديع في تحلية قصائدهم التي لها مقاصد أخرى، حتى أتى يحيى بن عبد المعطي الزواوي »البديع في علم البديع«هـ) فنظم أنواع البديع وشواهده في منظومة سماّها 628(ت قال في مطلعها: يق مقال أتي أض
عدد الصفحات ٢٢٠طرق التفس 220 قصيدة من ستةه670 - ثمّر نظم أمين الدين علي بن عثمان السليماني الإرب وثلاثين بيتا ضمّنها أنواعاً من البديع، قال في مطلعها: بع ح ح لي ص هـ) بديعية 750- ثمّ ابتكر صفيّ الدين عبد العزيز بن سرايا الطائي الحليّ(ت الكافية البديعية «هـ) سماّها 696في المديح النبوي عارض بها بردة البوصيري (ت ، وهي مائة وخمسة وأربعون بيتاً تشتمل على مائة »في علوم البلاغة ومحاسن البديع وواحد وخمسين نوعاً من أنواع البديع، ومطلعها: إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم واقرا الس وشرََحَ بديعيته هذه في كتاب طبعه مجمع اللغة العربية بدمشق. وهي قصيدة فيها فوائد بديعية إلا أنه شانا بالغلو في المدح فلذلك ينبغي أن يحذر مما فيها من مجاوزة الحدّ في مدح النبي صلى الله عليه وسلم. وبديعية الحليّ شاعت وذاعت في عصره وبعد عصره وعارضها جماعات من الشعراء حتى جاوزوا المائة، ومنهم من زاد عليه في أنواع البديع. ومن أشهر ما عورضت به بديعية الحليّر: ، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي، . بديعية ابن جابر1 الحلة السيرا«وتعرف أيضاً ببديعية الأعمى، لأنه كان كفيف البصر، وقد سماّها ، وهي معدودة من أجود البديعيات نظماً حتى فضّلها بعضهم »مدح خير الورى على بديعية الحليّ، ومما قال فيها: عُج بي عَلَيهِم فَعُجبي مِن جَفاءِ فَتىً ج دَع عَنكَ سَلمى وَسَل ما بِالعَقيق جَرى وَأُمَّ سَ
عدد الصفحات ٢٢١طرق التفس 221 وكان له صديق كالأخ أو هو أقرب من حسن ملازمته له في أسفاره ورحلاته، هـ)، 779وقيامه بشؤونه، ومؤانسته له، اسمه أحمد بن يوسف الرعيني الأندلسي(ت فاصطحبا في رحلاتهما من الأندلس إلى الشام مروراً بمصر يسمعان القراءات والحديث ويدرسان النحو وعلوم العربية، حتى عُجرفا بالأعمى والبصير، وكان ابن طراز الحلة وشفاء «يوسف أديباً ناقداً، فشرح بديعية صديقه في كتاب حافل سماّه ، وهو مطبوع.»الغلة ولم يتفرَّقا حتى تزوّج ابنُج جابر بعد استقراره في حلب، فغادرها ابن يوسف ومات قبله بسنة. التوصل «، وسماّها ه789. بديعية عز الدين علي بن الحسين الموصلي (ت2 ، والتزم فيها أن يودع كل بيت اسم النوع البديعي »بالبديع إلى التوسل بالشفيع الذي فيه، بالتورية أو الاستخدام أو التنبيه، لكنّه أنك بهذا الالتزام قصيدته وأذهب رونقها، ومطلعها: براع عب الفتح الإليّ في « سماّها، ه794. بديعية شهاب الدين أحمد العطار (ت 3 .»مطارحة ا ، وهي ه807. بديعيَّة عيسى بن حجاج بن عيسى بن شداد السعدي (ت 4 رائية، شرحها مجد الدين إسماعيل الحنفي شيخ الحافظ السخاوي ه828. بديعيات زين الدين شعبان بن محمد بن داوود الآثاري الموصلي (ت5 وهي ثلاث بديعيات: كبرى ووسطى وصغرى ، وسماهاه837. بديعية أبي بكر علي بن حجة الحموي (ت6 ، وهو »خزانة الأدب وغاية الأرب «بكر مطبوع.
عدد الصفحات ٢٢٢طرق التفس 222 نظم البديع في مدح«، وقد سماهاه911. بديعية جلال الدين السيوطي (ت7 .»خير شفيع ، وقد شرحت بديعيتها ه923. بديعية عائشة بنت يوسف الباعونية (ت8 .»الفتح المبين في مدح الأم«في كتاب سمّته ، ه1005. بديعية الحميدي، وهو عبد الرحمن بن أحمد بن علي الحميدي (ت9 .»فتح البديع بشرح تمليح البديع بمدح الشفيع«وسماها . بديعية ابن معصوم، وهو علي بن أحمد بن محمد ابن معصوم الهندي 10 وقد اشتملت على مائتي نوع من البديع، وله شرح حافل عليهاه1119(ت ، وهو مطبوع. »أنوار الربيع في أنواع البديع«سماه فهذه عشر بديعيات، وأكثرها لها شروح مطبوعة، وأقرب فوائدها التعريف بأنواع البديع بالشرح والتمثيل، وأما نظم عامة تلك البديعيات فهو منتقد عند أهل البلاغة من جهة ضعف صنعة الشعر فيها وكثرة إناك الأبيات بتكلّف البديع، وكون الألفاظ قائدة للمعاني على عكس غاية البيان، وقد يُجنتخب من بعض تلك البديعيات أبيات حسنة قليلة في جنب كثير لا يستساغ، مع ما في بعضها من الغلوّ في المدح إلى درجة وصف النبي صلى الله عليه وسلم ببعض خصائص الربوبية، وسؤاله الحاجات، وهذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله. فائدة علم البديع للمف ينبغي أن يكون للمفسّ نصيب وافرٌ من علوم البلاغة، ومنها علم البديع، وهو من العلوم التي لا يحاط بها لتفاضل القرائح والفهوم في إدراك أنواعه وأمثلته، ولذلك لم يزل العلماء يزيد بعضهم على بعض فيها؛ حتى إنّ ابن أبي الإصبع لما بلغ مائة وعشرين نوعاً أمسك الفكر عن التوغّل في أنواع البديع، وزاد عليه صفيّ الدين الحليّ ثلاثين نوعاً.
عدد الصفحات ٢٢٣طرق التفس 223 (فلكوقال أبو يعقوب السكاكي بعد أن ذكر تسعة وعشرين نوعاً من البديع: ا.هـ.أن تستخرج من هذا القبيل ما شئت، وتلقب كلا من ذلك بما أحببت) ولم يزل أهل البديع يزيد بعضهم على بعض في أنواعه حتى أوصلها ابن معصوم إلى مائتي نوع في بديعيته. وقد يتواردون على أنواع من البديع فيختفلون في تسميته وحقيقته واحدة. وقد يظهر للناظر الفَطِن من أنواع البديع ما لا يده في كتب البديع، على أنيّ أوصي المفسّ بأن يأخذ من أنواع البديع بما ظهر نفعه وتيسّ فهمه، وأن لا يتوغّل فيه توغّل المتكلّفين. وليكن غرض المفسّ منه ما يعينه على استخراج الأوجه التفسيرية والمعاني اللطيفة، لأنّ علم البديع إذا أوتي الناظرُج فيه حسنَ ذوق، ولطافة ذهن، وقدرة على الاستخراج والتبيين توصّل به إلى أوجه بديعة في التفسير قد لا يتفطّن لها كثير من الناس، فتفيده في التدبّر واستحضار معاني الآيات ولوازم المعاني. فائدة هذا العلم وسأضرب أمثلة بعون الله تعالى على نوعين من أنواع البديع تبينّ للمفسّر: ، وهو افتعال من الحبك، وهو شدّة الإحكام في حسن النوع الأول: الاحتباك وبهاء، وكلّ ما أُججيد عمله فهو: محبوك، وتقول العرب: فرس محبوكة إذا كانت تامّة الخلق شديدة الأسر، ومنه يقال: لشدّ الإزار وإحكامه: الاحتباك. والمراد بالاحتباك عند أهل البديع أن يقابَل بين جملتين مقابلة غير متطابقة؛ فيحذف من الجملة الأولى ما يقابل الثانية، ويحذف من الثانية ما يقابل الأولى، فتدلّ بما ذكرت على ما حذفت، ويحتبك اللفظ والمعنى بإياز بديع.
عدد الصفحات ٢٢٤طرق التفس 224 ، وهو من أجود»الحذف المقاب«هـ795ولذلك سماّه بدر الدين الزركشي(ت وله أمثلة كثيرة في القرآن: أنواع البديع المعنوي، ، فدلّ على ﴾ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴿ قول الله تعالى: منها: الاحتباكِ في هذهِ الآيةِ المقابلةُج بين جزاء وحال، والمتبادر إلى الذهن أن يُجقابَل بين جزاء وجزاء، وأن يقابل بين حال وحال؛ فالخروج عن المتبادر لا يكون إلا لفائدة بلاغية؛ فكان تقدير الكلام على هذا المعنى: أفمن يأتي خائفاً يوم القيامة ويلقى في النار خير أمّ من يأتي آمناً ويدخل الجنّة. والناظر في أمثلة الاحتباك التي يذكرها بعض المفسّين وأهل البديع يتبينّ له تقسيم الاحتباك إلى درجتين: إمكان احتباك ثنائي التركيب، ومثاله ما تقدّم. • واحتباك ثلاثي التركيب، وهو بديع جداً، ومن أمثلته قول الله تعالى في سورة • . ﴾ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ﴿الفاتحة: ففي هذه الآية نوع عزيز من أنواع الاحتباك أشار إليه ابن عاشور رحمه الله. التقابلَ في هذه الآية ثلاثي التركيب ففيه: وشرَْحُج كلامه: أنّ مقابلة بين الإنعام والحرمان.1 ومقابلة بين الرضا والغضب2 ومقابلة بين الهدى والضلال3 ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴿وتقدير الكلام بما يتّضح به هذا المعنى: الذين حرموا ﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﴿ فهديتَهم ورضيت عنهم ﴾ﭭ ﭮ الذين حرموا نعمتك وغضبت عليهم. ﴾ ﭲ ﭳﭴ﴿نعمتك وضلّوا، البرهان في «وقد اعتنى بهذا النوع جماعة من العلماء كبدر الدين الزركشي في كتابه ، وجلال الدين السيوطي في »نظم الدرر«، وبرهان الدين البقاعي»علوم القرآن
عدد الصفحات ٢٢٥طرق التفس 225 ، وابن عاشور»روح المعا«، والألو»معترك الأقران« و»الإتقان« و»التحب« ، وأُجفردت»الإدارك لفنّ الاحتباك«؛ وأفرده البقاعي بمؤلّف سماّه »التحرير والتنوير« فيه رسائل علمية في هذا الع ، ويسميه بعض أهل البديع صحة التقسيم، وهو النوع الثاني: حسن التقسيم على نوعين: لفظي ومعنوي وقد يتمعان. تقسيم الكلام إلى جمل يسيرة متسّقة متآلفة. فالتقسيم اللفظي: ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﴿ومنه قوله تعالى: . ﴾ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ومن أمثلة هذا النوع في الشعر قول الخنساء في رثاء أخيها صخر: حمَ شَ وهذا البيت فيه مع التقسيم اللفظي بديع لفظي آخر وهو الترصيع. هو استيفاء أقسام المُجقسَّم نصّاً أو تنبيهاً، وهو كثير جداً في والتقسيم المعنوي: القرآن الكريم. ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﴿ومن أمثلته قول الله تعالى: ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ .﴾ﭹﭺ فإنّره استوفى ذكر أقسام أمّرة الاستجابة فجعلها على ثلاثة أقسام: المحسنين. .1 والمقتصدين. 2 وظالمي أنفسهم، وهم الذين لديهم أصل الإيمان لكنّهم مقترفون لذنوب .3 يتوبوا منها
عدد الصفحات ٢٢٦طرق التفس 226 ولا تخرج أقسام أتباع الرسل عن هذه الأقسام الثلاثة، ولكلّ قسم حظّه من الاصطفاء بقدر حظّه من الاستجابة. .﴾ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴿ قول الله تعالى: ومن أمثلته أيضاً: فاستوفت الآية أقسام حالات العبد. والتقسيم له أصل في النصوص، ومن دلائله حديث أبي هريرة رضي الله عنه، «قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ﭖ ﭗ ﭘ ﴿بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ، ﴾ﭛ ﭜ ﭝ﴿، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴾ﭙ ﭚ ، قال: مجدني ﴾ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴿ قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: قال: هذا بيني وبين عبدي، ﴾ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴿عبدي؛ فإذا قال: ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﴿ولعبدي ما سأل، فإذا قال: . رواه قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل﴾ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ مسلم في صحيحه. فهذا الحديث نصّ على التقسيم، وهو تقسيم معنوي جليل القدر. (في هذا الحديث تنبيه على ما في نظم فاتحة الكتاب من خصوصية قال ابن عاشور: ا.هـ.التقسيم إذ قسم الفاتحة ثلاثة أقسام. وحسن التقسيم من المحسنات البديعية) ومما ينبغي أن يُجعلم أنّ التقسيم المعنوي منه ظاهر وخفيّ. - فالتقسيم الظاهر ما تقدّمت أمثلته، وهو ما ذُجكرت أقسامه نصّا أو كان التنبيه فيه على ما حذف ظاهراً. - والتقسيم الخفيّ ما احتيج فيه إلى استنباط واستخراج، وله دلائل تدلّ عليه، وهو باب عظيم من أبواب تدبّر القرآن، وأمثلته في القرآن كثيرة جداً، يتفاضل العلماء في استخراجها، وإدراك موارد التقسيم فيها.
عدد الصفحات ٢٢٧طرق التفس 227 ومن أكثر من رأيت له عناية بهذا الباب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فله براعة ظاهرة في استخراج هذا الأنواع، والكشف عن موارد التقسيم وبيانا، إلا أنّ كلامه في بعض المواضع كالتنبيه وفتح الباب للمتأمّل حتى يدرك ما وراء عبارته. (العلم النافع هو أصل : »أمراض القلوب وشفائها«ومن ذلك قوله في رسالة الهدى، والعمل بالحق هو الرشاد، وضد الأول هو الضلال، وضد الثاني هو الغيّ، ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﴿والضلال: العمل بغير علم، والغي: اتباع الهوى، قال تعالى: فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر) ﴾ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ا.هـ. فهذا الكلام يُجستفاد منه التنبّه لما في الآية من تقسيم معنويّ خفيّ، وقد بينّ مورد التقسيم، وهو العلم والعمل، وهذا المورد أصل لكثير من التقسيمات المعنوية في القرآن الكريم. فيه استيفاء الردّ على الإيرادات ﴾ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴿فقوله تعالى: المحتملة لمنكري خبره صلى الله عليه وسلم عن المعراج. ينفي عنه القول بغير علم. ﴾ﭕ ﭖ﴿فقوله: ينفي عنه إرادة الإخبار بخلاف الحقّ الذي يعلمه. ﴾ﭘ ﭙ ﭚ﴿وقوله: فإذا كان ما يعلمه حقاً، وأخبر بهذا الحقّ؛ فلا بدّ أن يكون كلامه حقّاً؛ فقامت الحقّر لا يتخلّرف عن الخبر إلا بأحد أمرين: الحجّة بصدقه؛ لأنّ أن يكون المُجخبر غير عارف بالحقّ، وهذا هو الضلال. • أو أن يكون عارفاً به لكن لا يريد الإخبار به، وهذا هو الغيّ. • فاستوفى بهذا التقسيم الحجّة على صدق خبره صلىّ الله عليه وسلم. للإشارة إلى أنّكم تعرفون صدقه، وعقله، ﴾ﭗ﴿وزادهم بيانا بذكره بلفظ ورشده، وأنه ليس بالمتّهم عندكم، وقد لبث فيكم عمراً تدعونه الصادق الأمين؛
عدد الصفحات ٢٢٨طرق التفس 228 فهو صاحبكم الذي تعرفونه، وما ضلّ، وما غوى ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﴿- ونظير هذا قوله تعالى: . ﴾ﯬ ﯭ ﯮ فجمع الله تعالى في هذه الآية التكفّل بما يحتاجه الداعي إليه، وهما يرجعان إلى أمرين: الهداية والنصر؛ فبالهداية يعرف الحقّ من الباطل، ويسير على الصراط المستقيم، وبالنصر يعان على عدوّه ويتمّ له مقصده، وتحسن عاقبته. وتقديم الهداية على النصر في هذه الآية من باب تقديم العلم على العمل، لأن الهداية من ثمرات العلم، والنصر من ثواب العمل. ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﴿ومن ألطف الأمثلة على التقسيم المعنوي قوله تعالى: • ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ .﴾ﯕ ﯖ فجمع الله في هذه الآية أصلي علم السلوك، وهما: البيّنات والهدى، وحاجة • الناس إليهما ماسّة، بل هي أشدّ من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأنّه لا نجاة من العذاب ولا طمع في الثواب إلا بهما؛ فمن كتمهما كان أقبح وأضرّ ممن يمنع الطعام والشراب مع تيسّه. وكتمان البينات يكون بإخفاء الحقّ ولبسه بالباطل، وتضليل الناس، وصدّهم • عن الحق. وكتمان الهدى يكون بترك العمل بالحقّ. • فلا يعرف الناس حقاً يتبيّنون به الصواب من الخطأ، ولا يرون قدوة يأتسون بها، ويبصرون صلاح حالها؛ فيقع الناس في عمياء بين دعاة فتنة يضلّونم، أو علماء سوء تدعوهم ألسنتهم إلى الحق، وتدعوهم أفعالهم إلى الباطل.
عدد الصفحات ٢٢٩طرق التفس 229 ولذلك كانت هذه الآية من أشدّ الآيات على العلماء لأنّم يدركون أنّه لا نجاة لهم إلا بالعلم والعمل؛ فبالعلم الصحيح يتحقّق التبينّ ويُجعرف الحقّ من الباطل، وبالعمل بهذا العلم يتحقّق الهدى؛ فإنّ العالم لا يكون مهتدياً حتى يعمل بعلمه. فرجع مورد التقسيم إلى أصلي العلم والعمل. والأمثلة على هذا النوع كثيرة جداً، والموفّق اللبيب يستخرج بهذا النوع علماً غزيراً مباركاً، ولو أُجفرد فيه مؤلَّف لكان مجلداً كبيراً. والمقصود في هذا المقام التنبيه إلى فائدة علم البديع للمفسّ، وذكر بعض الأمثلة الموضّحة لفائدته من غير تطويل.
عدد الصفحات ٢٣٠طرق التفس 230 ف النوع العا تناسب الألفاظ والمعاني في القرآن الكريم علم لغوي لطيف المأخذ، عزيز المنال، يلتئم من معرفة صفات الحروف، ودرجاتها، وتناسب ترتيبها، ومراتب الحركات، مع العلم بالاشتقاق، والتصريف، والأشباه والنظائر والفروق اللغوية، وقد اعتنى به جماعة من المفسّين لفائدته في إحسان تبليغ معاني القرآن، وتقريب دلائل ألفاظه، وهو معين على إدراك التناسب بين بعض الأقوال الصحيحة، والترجيح بين بعض الأوجه التفسيرية. (أكثر المحققين من علماء العربية والبيان يثبتون قال شيخ الإسلام ابن تيمية: .المناسبة بين الألفاظ والمعاني) وهذا العلم من العلوم التي لم ينضج التأليف فيها بعد، ولم تزل معالمه بحاجة إلى تشييد وتجديد، وكثير من أبوابه ومسائله بحاجة إلى تأصيل وتفصيل. ومما يذكره العلماء في مسائل هذا العلم ما هو ظاهر يدركه من له فقه في العربية، وذوق في حسن بيانا، ومنه ما يحتاج في معرفته إلى تفكّر ونظر دقيق في الألفاظ وتركيبها ونظائرها وصفات حروفها وتناسب حركاتها. ن لهذا العلم أصول مأثورة عن بعض علماء اللغة المتقدمين كالخليل بن أحمد وسيبويه ومن في طبقتهما. ثم ابن قتيبة وأبي العباس المبرّد وثعلب ومن في طبقتهم. ثمّ أبي القاسم الزجاجي وأبي سعيد السيرافي وأبي منصور الأزهري وأبي علي الفارسي ومن في طبقتهم.
عدد الصفحات ٢٣١