المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإساءة كما يصورها القرآن الكريم دراسة موضوعية

حذيفة مجدى المصري

صفحة ٤ من ١٣

44 قال ا: "ردنا عمييـ حيث اد عى كٍ ا بلب برىاف: (قُلْ فَمِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) ؟ فمك كنتـ أحبابو ما عذ بكـ (بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّم نْ وَمَقَ ) تجرم عميكـ أحكاـ العدؿ كالفضؿ (يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ) إذا أتكا بأسباب المغفرة أك أسباب العذاب، (وَلِم وِ مُمْكُ الس مَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَيُمَا وَا ِلَيْوِ الْمَصِيرُ ) أم: فأم شيء خصكـ بيذه الفضيمة، كأنتـ مف جممة المماليؾ كمف جممة مف يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكـ بأعمالكـ "ءُ). و قيل: "أرادكا أف اللهى تعالى لنا كالأب في العطؼ، كنحف كالأبناء لو في الق رب كالمنزلة، وقيل: إف الييكد كجدكا في التكراة يا أبناء أحبارم، فبد لي كا يا أبناء أبكارم، فمف ذلؾ قالكا: نحف أبناء الله، وقيل: معناه نحف أبناء رسؿ الله "ءِ). ِ-قاؿ تعالى: (وَقَالُواْ لَن يَدْوُلَ الْجَن ةَ إِلا مَن كَانَ ىُوداً أَوْ نَصَارَى تِمْكَ أَمَانِي يُمْ قُلْ ىَاتُواْ بُرْىَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [البقرة :ُُُ] . سبب نزول الآيةقيؿ: "نزلت في كفد نجراف ككانكا نصارل اجتمعكا مع الييكد في مجمس رسكؿ الله  فكذب بعضيـ بعضان في دعكاه قاؿ الله: (تِمْكَ أَمانِي يُمْ ) أم شيكاتيـ الباطمة التي تمنكىا عمى الله بغير حؽ قيؿٍ يعني يا محمد (ىاتُوا بُرْىانَكُمْ ) أم حجتكـ عمى دعكاكـ أف الجنة لا يدخميا إلا مف كاف ييكديًّ ا أك نصرانيًّ ا دكف غيرىـ (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) يعني فيما تدعكف"ءّ). معنى الآية: "ييبىيٍّفي تىعىالىى اغٍتًرىارى الٍيىييكدً كىالن صىارىل بًمىا ىيـٍ فًيوً، حىيٍثي اد عىتٍ كيؿُّ طىائًفىةو مًفى الٍيىييكدً كىالن صىارىل، أىن وي لىفٍ يىدٍخيؿى الٍجىن ةى إًلا مىفٍ كىافى عىمىى مًم تًيىا، كىمىا أىخٍبىرى الم وي عىنٍييـٍ فًي سيكرىةً الٍمىائًدىةً، أىن ييـٍ قىاليكا: (نَحْنُ أَبْناءُ الم وِ وَأَحِب اؤُهُ ) [ُٖ] أىخٍبىرىىيـٍ أىن وي ميعىذٍّبيييـٍ بًذينيكبًيًـٍ. كىلىكٍ كىانيكا كىمىا اد عىكٍا، لىمىا كىافى الأٍىمٍري كىذىلًؾى، كىكىمىا تىقىد ـى مًفٍ 1)) تيسير الكرالرحمن 1/227 . 2)) معالم التنزيل للبغوي 3/33 . 3) ) لبابالتأويل في معاني التنزيل للخازن 1/71.

عدد الصفحات ٥٠

45 دىعٍكىاىيـٍ، أىن وي لىفٍ تىمىس ييـي الن اري إًلا أىي امنا مىعٍديكدىةن، ثيـ يىنٍتىقًميكفى إًلىى الٍجىن ةً، كىرىد عى مىيٍيًـٍ تىعىالىى فًي ذىلًؾى، كىىىكىذىا قىاؿى لىييـٍ فًي ىىذًهً الد عٍكىل التًي اد عىكٍىىا بًلبى دىلًيؿو كىلاى حيج ةو كىلاى بىيٍّنىةو، فىقىاؿى: تًمٍؾى أىمانًيُّييـٍ "ءُ). وعند الطبري في تفسيره قال: "لف يدخؿ الجنة إلا مف كاف ييكديان ، كقالت النصارل: لف يدخؿ الجنة إلا مف كاف نصرانيان . كأما قكلو: (من كان ىوداً ) [ُُُ] جمع ىائد، كما جاء عكط جمععائط، كعكذ جمع عائذ، كحكؿ جمع حائؿ، فيككف جمعا لممذكر كالمؤنث بمفظ كاحد؛ كاليائد: التائب الراجع إلى الحؽ "ءِ). ّ-قاؿ تعالى: (وَقَالُواْ لَن تَمَس نَا الن ارُ إِلا أَي اماً م عْدُودَةً قُلْ أَت وَذْتُمْ عِندَ المّوِ عَيْداً فَمَن يُوْمِفَ المّوُ عَيْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَمَى المّوِ مَا لاَ تَعْمَمُونَ ) [البقرة :َٖ ]. سبب النزول"اخٍتيمًؼى فًي سىبىبً نيزيكلًيىا، فىقًيؿى: إًف الن بًي  قىاؿى لًمٍيىييكدً: ءمىفٍ أىىٍؿي الن ارً قىاليكا: نىحٍفي ، ثيـ تىخٍميفيكنىا أىنٍتيـٍ. فىقىاؿى: ءكىذىبٍتيـٍ لىقىدٍ عىمًمٍتيـٍ أنا لا نخمفكـ) فنزلت ىذه الآية، ك عىفً ابٍفً عىب اسو: "قىدًـى رىسيكؿي الم وً  الٍمىدًينىةى كىالٍيىييكدي تىقيكؿي: إًن مىا ىىذًهً الدُّنٍيىا سىبٍعىةي آلاىؼو، كىا ًن مىا ييعىذ بي ال ن اسي فًي الن ارً لًكيؿٍّ أىلٍؼً سىنىةو مًفٍ أىي اـً الدُّنٍيىا يىكٍـه كىاحًده فًي الن ارً مًفٍ أىي اـً الآٍخًرىةً، كىا ً ن مىا ىًيى سىبٍعىةي أىي اـو، فىأىنٍزىؿى الم وي الآٍ يىةى " ءّ). معنى الآية: "أم لف ندخؿ النار إًلا أيامان قلبئؿ، ىي مدة عبادة العجؿ، أك سبعة أياـ فقط ءقيؿٍ أىت خىذٍتيـٍ عًندى الله عىيٍدان ) أم قؿ ليـ يا محمد عمى سبيؿ الإًنكار كالتكبيخ: ىؿ أعطاكـ الله الميثاؽ كالعيد بذلؾ؟ فإذا كاف قد كعدكـ بذلؾ (فَمَنْ يُوْمِفَ الله عَيْدَهُ ) لأف الله لا يخمؼ الميعاد (أَمْ تَقُولُونَ عَمَى الله مَا لاَ تَعْمَمُونَ ) أم أـ تكذبكف عمى الله فتقكلكف عميو ما لـ يقمو، فتجمعكف بيف جريمة التحريؼ لكلبـ الله، كالكذب كالبيتاف عميو جؿ كعلب"ءْ). 1)) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/266 . 2) ) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 2/428 . 3) ) أخرجو الطبري في تفسيره 2/175 . 4) ) صفوة التفاسير للصابو1/63 .

عدد الصفحات ٥١

46 ومن معاني ىذه الآية: أن الييود كانوا يقولون "ىذه الدنيا سبعة آلاؼ سنة، كا نما نعذ بي بكؿٍّ ألؼ سنةو يكمان كاحدان ثـ ينقطعي العذابي بعد سبعةً أياـو ، كىـ يعنكف بذلؾ أربعيف يكمان التي عبد فييا آباؤىـ العجؿ، حيث قالت الييكد: إف رب نا عتب عمينا في أمرنا، فأقسـ ليعذبنا أربعيف يكمان فمف تمسنا النار إلا أربعيف يكمان تحمة القسـ، فقاؿ الله عز كجؿ تكذيبان ليـ: ( قُلْ ) يا محمد ( أَت وَذْتُمْ عِنْدَ الم وِ ) ألؼ استفياـ دخمت عمى ألؼ الكصؿ، عند الله ء عىيٍدنا ) مكثقان أف لا يعذبكـ إلا ىذه المدة (فَمَنْ يُوْمِفَ الم وُ عَيْدَهُ ) ككعده، قاؿ ابف مسعكد: عيدان بالتكحيد، يدؿُّ عميو قكلو تعالى (إِ لا مَ نْ ات وَ ذَ عِ نْ دَ الر حْ مَ نِ عَ يْ دَ اً ) [مريـ :ٕٖ]يعني: قكلو لا إلو إلا ا( أَمْ تَقُولُونَ عَمَى الم وِ مَا لا تَعْمَمُونَ )"ءُ). إف قكليـ (لن تمسنا النار) "دؿ عمى اعتقاد مقرر في نفكسيـ يشيعكنو بيف الناس بألسنتيـ قد أنبأ بغركر عظيـ مف شأنو أف يقدميـ عمى تمؾ الجريمة كغيرىا ؛ إذ ىـ قد أمنكا مف المؤاخذة إلا أيامن ا معدكدة تعادؿ أياـ عبادة العجؿ أك أيامن ا عف كؿ ألؼ سنة مف العالـ يكـ كا ف ذلؾ عذاب مكتكب عمى جميعيـ فيـ لا يتكقكف الإقداـ عمى المعاصي لأجؿ ذلؾ، فبالعطؼ عمى أخبارىـ حصمت فائدة الإخبار عف عقيدة مف ضلبلاتيـ. كلمكقع ىذا العطؼ حصمت فائدة الاستئناؼ البياني إذ يعجب السامع مف جرأتيـ عمى ىذا الإجراـ "ءِ). إف المتأمٍّؿ في المثاليف الثاني كالثالث سيجد مدل الإساءة التي كقع فييا أىؿ الكتاب، كذلؾ مف خلبؿ التألٍّي عمى الله تعالى، كالإفتراء عميو سبحانو، كأنيـ بتمؾ المزاعـ يسمبكف الله حق و في محاسبة الناس، كمعاقبة المسيء، كا ثابة الطائع، فحكمكا في الآية الثانية أف الجن ة حكره ليـ، كقضكا في الثالثة أف النار محرمةه عمييـ سكل بضعة أياـ قلبئؿ، كىذا لا شؾٌّ افتراءه عمى الله تعالى، كنسبة أمرو لو لـ ينسبو إلى نفسو، حيث أن يـ كادكا يجعمكف مف أنفسيـ آلية يقضكف كيحكمكف بما يشاءكف. 1) ) معالم التنزيل 1/116 . 2) ) التحرير والتنوير 1/579 .

عدد الصفحات ٥٢

47 ْ-قاؿ تعالى: (وَقَالَتِ الْيَيُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ المّوِ ... ) [التكبة:َّ] . سبب نزول الآية"عىفً ابٍفً عىب اسو قىاؿى: أىتىى رىسيكؿى الم وً  سىلبـي بٍفي مًشٍكىـو كىنيعٍمىافي بٍفي أىكٍفىى كىميحىم دي بٍفي دًحٍيىةى كىشىاسي بٍفي قىيٍسو كىمىالًؾي بٍفي ضىيٍؼو، فىقىاليكا: كىيٍؼى نىت بًعيؾى كىقىدٍ تىرىكٍتى قًبٍمىتىنى ا كىأىنٍتى لاى تىزٍعيـي أىف عيزىيٍرنا ابٍفي الم وً؟ فىأىنٍزىؿى الم وي تىعىالىى فً ي ذىلًؾى مًفٍ قىكٍلًيًـٍ كىقىالىتً الٍيىييكدي عيزىيٍره ابٍفي الم وً " ءُ). معنى الآية: "كىذا إغراءه مف الله تعالى لممؤمنيف عمى قتاؿ المشركيف الكفار مف الييكد كالنصارل، لمقالتيـ ىذه المقالة الشنيعة، كالفًرٍية عمى الله تعالى، فأما الييكد فقالكا في العيزىير: ءإنو ابف الله)، كأم ا النصارل فقالكا: ءالمسيح ابف الله) ، تعالى الله عف ذلؾ عمكان كبيران "ءِ). اوْتَمَفَ أَىْلُ الت ْوِيلِ فِي الْقَانِلِ : (عُزَيْرٌ ابْنُ الم وِ )، فَقَالَ بَعْضُيُمْ : "كىافى ذىلًؾى رىجيلبن كىاحًدنا ، ىيكى فًنٍحىاصي ىيكى ال ذًم قىاؿى : (إِن الم وَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) [آؿ عمراف :ُُٖ] وَقَالَ آوَرُونَ : بىؿٍ كىافى ذى لًؾى قىكٍؿى جىمىاعىةو مًنٍييـٍ "ءّ). تظير الإساءة في ىذا المثاؿ مف خلبؿ نسبة الكلد ،أك الإبف إلى الله تعالى، كىذا مف أشدٍّ أنكاع الإساءة التي تيسيء إلى ذات الله تعالى، لأف الله تعالى كاحده أحده لـ يمد كلـ يكلد . ٓ-قاؿ تعالى: (وَقَالَتِ الْيَيُودُ يَدُ المّوِ مَغْمُولَةٌ غُم تْ أَيْدِييِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَن كَثِيراً مِّنْيُم م ا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ر بِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَيُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُم مَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّمْحَرْبِ أَطْفَ َىَا المّوُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَالمّوُ لاَ يُحِب الْمُفْسِدِينَ ) [المائدة:ْٔ] . سبب نزول الآية"عىفً ابٍفً عىب اسو ،قىكٍليوي : "(وَقَالَتِ الْيَيُودُ يَدُ الم وِ مَغْمُولَةٌ غُم تْ أَيْدِييِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) قىاؿى : لىيٍسى يىعٍنيكفى بًذىلًؾى أىف يىدى الم وً ميكثىقىةه ، كىلىكًن ييـٍ يىقيكليكفى : إًن وي بىخًيؿه أىمٍسىؾى مىا عًنٍ دىهي ، تىعىالىى الم وي عىم ا يىقيكليكفى عيميكًّا كىبًيرنا فأنزؿ الله ىذه الآية "ءْ) . 1) )أخرجو ابن أبي حاتم في تفسيره 6/1781 . 2) ) انظر تفسير القرآن العظيم 4/134 . 3) ) جامع البيان11/408 . 4) ) أخرجو الطبري في تفسيره 8/553 .

عدد الصفحات ٥٣

48 معنى الآية"كاليد المغمكلة: الممسكة المنقبضة، كعف ماذا عىنكا أنيا ممسكة، فيو قكلاف : أحدىما: عف العطاء، والثاني: ممسكة مف عذابنا، فلب يعذبنا إًلا تحمٌة القسـ بقدر عبادتنا العجؿ. وفي قولو تعالى: (غُم تْ أَيْدِييِمْ ) ثلبثة أقوال: أحدىا: غمت في جينـ، والثاني: أي مسكت عف الخير، والثالث: جيعًمكا بيخلبء، فيـ أبخؿ قكـ"ءُ). في ىذا المثاؿ يتبي في لنا الكصؼ الخبيث الذم قالو الييكد، كىذا ليس بغريب عمييـ، فيـ دائمان يعممكف عمى نشر الإشاعات بيف الناس، كقكليـ ىذا كاف مف أسباب لعنة الله تعالى عمييـ . ٔ-قاؿ تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ ال ذِينَ قَالُواْ إِن المّوَ ىُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَانِيلَ اعْبُدُواْ المّوَ رَبِّي وَرَب كُمْ إِن وُ مَن يُشْرِكْ بِالمّوِ فَقَدْ حَر مَ المّوُ عَمَيوِ الْجَن ةَ وَمَ ْوَاهُ الن ارُ وَمَا لِمظ الِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) [المائدة:ِٕ] . (لَقَدْ كَفَرَ ال ذِينَ قالُوا إِن الم وَ ىُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) المسيحيون في ىذا العصر فرق ثلبث: الكاثكليؾ كالأر ثكذكس كالبركتستانت ءأم إصلبح النصرانية) كىذا المذىب الأخير حدث مف نحك أربعة قركف كصار ىك المذىب السائد في أعظـ الأمـ مدنية كارتقاء كالكلايات المتحدة كانجمترا كألمانيا، كقد أزاؿ ىذا المذىب كثيرا مف التقاليد كالخرافات النصرانية التي كانت قبمو كاستبدؿ بيا تقاليد أخرل، كمع كؿ ىذا فيؤلاء المصمحكف لـ يستطيعكا أف يرجعكا المسيحية إلى التكحيد الصحيح الذم ىك ديف المسيح كديف سائر الأنبياء، فلب يزالكف يقكلكف بالتثميث ءأم أف الله تعالى ثالث ثلبثة) كيعدكف المكحٍّ د غير مسيحي كما تقكؿ بذلؾ الفرقتاف الكبيرتاف الأخرياف. كجميع فرؽ النصارل في ىذا العصر تقكؿ: "إف الله ىك المسيح بف مريـ كا ف المسيح ابف مريـ ىك الله، كلكف النصارل القدماء لـ يككنكا متفقيف عمى ىذه العقيدة إذ كاف بعضيـ 1) ) زاد الدس 1/565 .

عدد الصفحات ٥٤

49 يفسر الآب كالابف كركح القدس بأنيا الكجكد كالعمـ كالحياة كالقكؿ بيا لا ينافى تكحيد الخالؽ كما أنو يكجد الآف في نصارل أكركبا كغيرىـ مكحدكف يعتقدكف أف المسيح نبي كرسكؿ لا إلو"ءُ). كلذلؾ لما ذكر تعالى أخذ الميثاؽ عمى أىؿ الكتابيف، كأنيـ لـ يقكمكا بو بؿ نقضكه، ذكر أقكاليـ الشنيعة، فذكر قكؿ النصارل القكؿ الذم ما قالو أحده غيرىـ، بأف الله ىك المسيح ابف مريـ، ككجو شبيتيـ أنو كلده مف غير أب، فاعتقدكا فيو ىذا الاعتقاد الباطؿ مع أف حكاء نظيره، خيمًقىت بلب أـ، كآدـ أكلى منو، خمؽ بلب أب كلا أـ، فيلب ادعكا فييما الإليية كما ادعكىا في المسيح؟ فدؿ عمى أف قكلىيـ اتباعي ىكل مف غير برىافو كلا شبيةو، فرد اللهي عمييـ وبأدلةو عقمية كاضحة فقاؿ: ( قُلْ فَمَن يَمْمِكُ مِنَ الم وِ شَيْنًا إِنْ أَرَادَ أَن يُيْمِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُم وُ وَمَن فِي الأرْضِ جَمِيعً ا)[ُٕ]ءِ). "فالنصارى -عمييـ لعنة الله -مف جيميـ ليس ليـ ضابطه، كلا لكفرىـ حده، بؿ أقكالييـ كضلبلييـ منتشره، فمنيـ مف يعتقده إلينا، كمنيـ مف يعتقده شريكان، كمنيـ مف يعتقده كلدنا. كىـ طكائؼ كثيرة ليـ آراء مختمفة، كأقكاؿ غير مؤتمفة، كلقد أحسف بعضي المتكمميف حيث قاؿ: لك اجتمع عشرة مف الن صارل لافترقكا عمى أحد عشر قكلان "ءّ). وقد أوبر الشعراوي في تفسيره عن معنى ىذه الآية فقال: "لقد زعمكا أف الله ىك المسيح عيسى ابف مريـ كفي ىذا اجتراء عمى مقاـ الألكىية المنزىة عف التشبيو كعف الحمكؿ في أم شيء. كفي ىذا القكؿ الكريـ بلبغ ليؤلاء أف أحدان لا يستطيع أف يمنع إىلبؾ الله لعيسى كأمو كجميع مف في الأرض ، فيك الحؽُّ الممؾ الخالؽ لمسمكات كالأرض ، كما بينيما يخمؽ ما يشاء كما يريد ، فإف كاف قد خمؽ المسيح دكف أب؛ فقد جاءنا البلبغ مف قبؿ بأنو 1) ) تفسير الدراغي لأحمد بن مصطفى الدراغي 6/82 . 2) ) تيسير الكريم الرحمن 1/226 . 3) ) تفسير القرآن العظيم 2/479 .

عدد الصفحات ٥٥

50 سبحانو خمؽ آدـ بدكف أب كلا أـ، كخمؽ حكاء دكف أـ، جمت عظمتو كقدرتو لا يعجزه شيء ، ك ا ف عيسى  مف البشر قابؿ لمفناء ككؿ البشر"ءُ). ووجو كفرىم : "أن يـ جعمكا المخمك ؽى المربكبى ىك الله الخالؽ الرب لكؿ شيء، كىك كفره مف أقبح أنكاع الكفر، كىذا كا ف لـ يكف قكؿ أكثر النصارل فإنيـ بانتمائيـ إلى النصرانية كقكليـ بيا كانخراطيـ في س مؾ مبادئيا كتعاليميا يؤاخذكف بو؛ لأف الرضا بالكفر كفر "ءِ). ٕ-قاؿ تعالى: (ل قَدْ كَفَرَ ال ذِينَ قَالُواْ إِن المّوَ ثَالِثُ ثَلبَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـوٍ إِلا إِلَـوٌ وَاحِدٌ وَا ِن ل مْ يَنتَيُواْ عَم ا يَقُولُونَ لَيَمَس ن ال ذِينَ كَفَرُواْ مِنْيُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [المائدة:ّٕ] . "الذين قالوا أن الله ثالث ثلبثة ىم المرقكسية، كفيو إضمار معناه: ثالث ثلبثة آلية؛ لأنيـ يقكلكف: الإليية مشتركة بيف الله تعالى كمريـ كعيسى، ككؿ كاحد مف ىؤلاء إلو فيـ ثلبثة آلية، يبيف ىذا قكلو عز كجؿ لممسيح: ءأأنت قمت لمناس اتخذكني كأمي إلييف مف دكف الله)؟ءالمائدة، ُُٔ)، كمف قاؿ: (إن اللهَ ثالثُ ثلبثة ) كلـ يرد بو الإليية لا يكفر، فإف اللهى يقكؿ: ءما يككف مف نجكل ثلبثة إلا ىك رابعيـ )[المجادلة: ٕ]، كقاؿ لأبي بكر :(ما ظنك باثنين الله ثالثيما) ءّ). ثـ قاؿ رد ان عمييـ: (وَمَا مِنْ إِلَوٍ إِلا إِلَوٌ وَاحِدٌ وَا ِنْ لَمْ يَنْتَيُوا عَم ا يَقُولُونَ لَيَمَس ن ال ذِينَ كَ فَرُوا مِنْيُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) خص الذيف كفركا لعممو أف بعضيـ يؤمنكف "ءْ). وجاء في معنى ىذه الآية: ٔ- "أف الذيف قالكا ىذا القكؿ ىـ اليعقكبية فرد اللهي ذلؾ بحجةو قاطعةو مما ييقرُّكف بو؛ فقاؿ: (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرانيلَ اعْبُدُوا الم وَ رَبِّي وَرَ ب كُمْ ) أم إذا كاف المسيح يقكؿ: يا رب كيا الله فكيؼ يدعك نفسو أـ كيؼ يسأليا ؟ ىذا محاؿ (إِن وُ مَنْ يُشْرِكْ بِالم وِ ) قيؿ: 1) ) تفسير الشعراوي لمحمد متولي الشعراوي 5/3034 2) ) أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير لأبي بكر الجزائري 1/612 . 3) ) رواه البخاري في صحيحو 6/66، ح4663 . 4) ) معالم التنزيل 3/82 .

عدد الصفحات ٥٦

51 ىك مف قكؿ عيسى. كقيؿ: ابتداء كلبـ مف الله تعالى. كالإشراؾ أف يعتقد معو مكجدا"ءُ). ٕ- "أف الن صىارىل كانكا يىقيكليكفى بًالث لبىثىةً، كىانيكا يىقيكليكفى: ا بٍف، كأب، كركح الٍقيدس، كىىىذىا معنى قىكٍلو - تىعىالىى -: (لقد كفر ال ذين قَالُوا إِن الله ثَالِثُ ثَلبَثَةٍ )"ءِ). ٖ-"لما كي لد عيسى  لـ يبؽ صنـه إلا خر لكجيو فاجتمعت الشياطيف إلى إبميس فأخبركه فذىب فطاؼ أقطار الأرض ثـ رجع فقاؿ ىذا المكلكد الذم كلد مف غير ذكر أردت أف أنظر إليو فكجدت الملبئكة قد حفت بأمو، فميتخمؼ عندم اثناف مف مردتكـ فمما أصبح خرج بيما في صكرة الرجاؿ فأتكا مسجد بني إسرائيؿ كىـ يتحدثكف بأمر عيسى كيقكلكف مكلكد مف غير أب، فقاؿ إبميس ما ىذا ببشر كلكف الله أحب أف يتمثؿ في امرأة ليختبر العباد ، فقاؿ أحد صاحبيو ما أعظـ ما قمت كلكف الله أحب أف يتخذ كلدا كقاؿ الثالث ما أعظـ ما قمت كلكف الله أراد أف يجعؿ إليا في الأرض ، فألقكا ىذا الكلبـ عمى ألسنة الناس ثـ تفرقكا فتكمـ بو الناس"ءّ). وىذه الآية تتعمق بمس لة ميمة جداً لا بُ د من طرحيا وىي: لفظ «المُشْرِك» ىل يتناول أىل الكتاب؟ "فالأكثركف يقكلكف إف الكتابة تشمؿ لفظ المشرؾ، كيدؿُّ عميو كجكه: أحدىا: قكلو تعالى: (وَقَالَتِ الييود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ) [َّ]، ثـ قاؿ بعد ذلؾ (سُبْحَانَوُ عَم ا يُشْرِكُونَ ) [ُّ] الييكدم ، كالن صراني مشرؾه. وثانييا: قكلو تعالى: (إِن الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِوِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) [ ْٖ] (1) الجامع لأحكام القرآن 6/249 . (2) تفسير القرآن للسمعا 1/506 . (3) زاد الدس 2/402 .

عدد الصفحات ٥٧

52 الييكدمٍّ كالن صرانيٌ ليس بشرؾ، لكجب أف يغفره الله تعالى في الجممة، كذلؾ باطؿه، فعممنا أف كفرىما شرؾه. وثالثيا: قكلو تعالى: (ل قَدْ كَفَرَ الذينَ قَ الُ وا إِن الله ثَالِثُ ثَلبَثَةٍ ) [ّٕ]"ءُ). ولي وقفة مع قول الذين كفروا أن الله عز وجل ثالث ثلبثة: "كىذا ييسم ى بالتثميث كىك إم ا أف يككف تثميثان في الصفات، كىك باطؿه؛ لأف ذلؾ ىك الحؽ، كىك مذىب أىؿ السنة كالجماعة، فلب يمكفي جعمو سببان لمكفر، كا م ا أف يككف تثميثان في الذ كات، كذلؾ ىك الشرؾ، فثبت أف الذمي مشرؾه، كالمشرؾ يجب قت الو؛ لقكلو تعالى: (وَقَاتِمُواْ المشركين) [ّٔ]" ءِ). ٖ-قاؿ تعالى: (ل قَدْ سَمِعَ المّوُ قَوْلَ ال ذِينَ قَالُواْ إِن المّوَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْمَيُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ) [آؿ عمراف :ُُٖ]. سبب نزول الآية"عىفً ابٍفً عىب اسو، قىاؿى: دىخىؿى أىبيك بىكٍرو بىيٍتى الٍمدارًسً فىكىجىدى مًفٍ يىييكدى أينىاسنا كىثًيرنا قىدً اجٍتىمىعيكا إًلىى رىجيؿو مًنٍييـٍ ييقىاؿي لىوي: فىنٍحىاصي كىكىافى مًفٍ عيمىمىائًيًـٍ كىأىحٍبىارًىًـٍ كىمىعىوي حى بٍره ييقىاؿي لىوي أيشٍيىعي ، فىقىاؿى أىبيك بىكٍرو : كىيٍحىؾىيىا فىنٍحىاصي، ات ؽً الم وى بًالٍحىؽٍّ مًفٍ عًنٍدًهً تىجًديكنىوي مىكٍتيكبنا عًنٍدىكيـٍ فًي الت كٍرىاةً كىالإًٍنٍجًيؿً فىقىاؿى فىنٍحىاصي: كىالم وً يىا أىبىا بىكٍرو مىا بًنىا إًلىى الم وً مًفٍ فىقٍرو كىا ًن وي إًلىيٍنىا لىفىقًيره، كىمىا نىتىضىر عي إًلى يٍوً كىمىا يىتىضىر عي إًلىيٍنىا، كىا ًن ا عىنٍوي لأىىغٍنًيىاءي، كىلىكٍ كىافى عىن ا غىنًيًّا مىا اسٍتىقٍرىضى مًن ا كىمىا يىزٍعيـي صىاحًبيكيـٍ، يىنٍيىاكيـٍ عىفً الرٍّبىا كىييعٍطًيىنىا، كىلىكٍ كىافى غىنًيًّا عىن ا مىا أىعٍطىانىا الرٍّ بىا، فىغىضًبى أىبيك بى كٍرو، فىضىرىبى كىجٍوى فىنٍحىاصى ضىرٍبنا شىدًيدنا كىقىاؿى: كىال ذًم نىفٍسًي بًيىدًهً لىكٍلاى ال ذًم بىيٍنىنىا كىبىيٍنىؾى مًفى الٍعىيٍدً لىضىرىبٍتي عينيقىؾى يىا عىديك الم وً. فىأىكٍذًبيكنىا مىا اسٍتىطىعٍتيـٍ إًفٍ كينٍتيـٍ صىادًقًيفى. فىذىىىبى فىنٍحىاصي إًلىى رىسيكؿً الم وً صىم ى اللهي عىمىيٍوً كىسىم ـى فىقىاؿى: يىا ميحىم دي أىبٍصًرٍ مىا صىنىعى بًي صىاحيبيؾى ، فىقىاؿى رىسيكؿي الم وً  لأًىبًي بىكٍرو«مىا حىمىمىؾى عىمىى مىا صىنىعٍتى؟»فىقىاؿى: يىا رىسيكؿى الم وً، إًف عىديك الم وً قىاؿى قىكٍلان عىظًيمنا، يىزٍعيـي أىف الم وى فىقًيره كىأىن ييـٍ عىنٍوي أىغٍنًيىاءي، فىمىم ا قىاؿى ذىاؾى غىضًبٍتي لًم وً مًم ا 1) ) اللباب في علوم الكتاب 4/52 . 2) ) الدرجع السابق 12/275 .

عدد الصفحات ٥٨

53 قىاؿى، فىضىرىبٍتي كىجٍيىوي، فىجىحىدى ذىلًؾى فىنٍحىاصي كىقىاؿى: مىا قيمٍتي ذىلًؾى ، فىأىنٍزىؿى الم وي تىعىالىى فًيمىا قىاؿى فىنٍحىاصي رىدًّا عىمىيٍوً كىتىصٍدًيقنا لأًىبًي بىكٍرو: (لَقَدْ سَمِعَ الم وُ قَوْلَ ال ذِينَ قَالُوا إِن الم وَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ )"ءُ) . معنى الآية: "ذكر تعالى قبيح قكؿ الكفار كلا سيما الييكد ، وقال أىل التفسير : لما أنزؿ الله (مَنْ ذَا ال ذِي يُقْرِضُ الم وَ قَرْضاً حَسَناً ) [ِْٓ] مف الييكدإف الله فقير كنحف أغنياء يقترض منا. كا نما قالكا ىذا تمكييا عمى ضعفائيـ ، لا أنيـ يعتقدكف ىذا ؛ لأنيـ أىؿ كتاب. كلكنيـ كفركا بيذا القكؿ؛ لأنيـ أرادكا تشكيؾ الضعفاء منيـ كمف المؤمنيف ، كتكذيب النبي . أم إنو فقير عمى قكؿ محمد؛ لأنو اقترض منا (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) سنجازييـ عميو ، كقيؿ : سنكتبو في صحائؼ أعماليـ ، أم نأمر الحفظة بإثبات قكليـ حتى يقرؤكه يكـ القيامة في كتبيـ التي يؤتكنيا ؛ حتى يككف أككد لمحجة عمييـ"ءِ). ٗ-قاؿ تعالى: (... وَقَالَتْ الن صَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ المّوِ ذَلِكَ قَوْلُيُم بِ َفْوَاىِيِمْ يُضَاىِؤُونَ قَوْلَ ال ذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَمَيُمُ المّوُ أَن ى يُؤْفَكُونَ ) [التكبة:َّ] . معنى الآية"ىذا الإد عاء فيو مساس بجلبؿ الله تعالى، فالإنساف يتخذ كلدان لعدة أسباب؛ إم ا لأنو يريد أف يبقى ذًكٍره في الدنيا بعد أف يرحؿ، كالله سبحانو دائـ الكجكد؛ كا م ا لكي يعينو ابنو عندما يكبر كيضعؼ، كالله سبحانو كتعالى دائـ القكة؛ كا م ا ليرث مالو كما يممؾ، كالله تبارؾ كتعال ى يرث الأرض كمف عمييا. كا م ا ليككف عزكةن لو، كالله جؿ جلبلو عزيز دائمان. كىكذا تنتفي كؿ الأسباب التي يمكف أف تؤدم إلى ىذا الادعاء. كلا يعقؿ أف يرسؿ الله سبحانو رسكلان ليبيف لمناس منيج الحؽ فإذا بو يقكؿ لمناس: إن و ابف الله. إذف فيـ لـ يؤمنكا الإيماف الكامؿ بالله"ءّ). 1) ) أخرجو ابن أبي حاتم في تفسيره 3/828 . 2) ) الجامع لأحكام القرآن 4/294 . 3) ) تفسير الشعراوي 8/5032 .

عدد الصفحات ٥٩

54 "الذيف نسبكا الكلد لله سبحانو كتعالى عف ذلؾ عمكان كبيران ثلبثة أصناؼ مف الناس الييكد، كالنصارل، قاؿ تعالى: (وَقَالَتِ الْيَيُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الم وِ وَقَالَتِ الن صَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الم وِ ذَلِكَ قَوْلُيُمْ بِ َفْوَاىِيِمْ ...)[َّ]، كما قاؿ تعالى عنيـ: (وَيَجْعَمُونَ لِم وِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَوُ وَلَيُمْ م ا يَشْتَيُونَ )" [ النحؿٕٓ] ءُ). قال قتادة والسدي: "ضاىت النصارل قكؿ الييكد مف قبؿ، فقالكا: المسيح ابف الله، كما قالت الييكد: عزير ابف الله. كقاؿ مجاىد: يضاىئكف قكؿ المشركيف مف قبؿ الذيف كانكا يقكلكف اللبت كالعزل كمناة بنات الله. كقاؿ الحسف: شبٌو كفرىىـ بكفر الذيف مضكا مف الأمـ الكافرة كما قاؿ في مشركي العر ب: (كذلك قال الذين من قبميم مثل قوليم تشابيت قموبيم)" [البقرة :ُٖٖ]" ءِ). وزعم النصارى - أعداء الله - أف المسيح ابف الله قالكا: "لأف عيسى كي لً دى بدكف أب، كلا يمكف أف يككف كى لده بدكف أب، فلب بد أف يككف ابف الله، قاؿ تعالى ردان عمييـ ءذلؾ قىكٍليييـ بًأىفٍكىاىًيًـٍ ) أم ذلؾ القكؿ الشنيع ىك مجرد دعك ل بالمساف مف غير دليؿ كلا برىاف يتضمف معنييف: أحدىما إًلزاميـ ىذه المقالة كالتأكيد في ذلؾ، كالثاني أنيـ لا حجة ليـ في ذلؾ، كا ًنما ىك مجرد دعكل كقكلؾ لمف تكذبو: ىذا قكلؾ بمسانؾ (يُضَاىِنُونَ قَوْلَ الذين كَفَرُ واْ مِن قَبْلُ ) أم يشابيكف بيذا القكؿ الشنيع قكؿ الم شركيف قبميـ: الملبئكة بنات الله (تَشَابَيَتْ قُمُوبُيُمْ ) [ُُٖ](قَاتَمَيُمُ الله أنى يُؤْفَكُونَ) دعاء عمييـ باليلبؾ أم أىمكيـ الله كيؼ ييصرفكف عف الحؽ إلى الباطؿ بعد كضكح الدليؿ حتى يجعمكا لله كلدان "ءّ). فيذه كقفات مف خلبؿ آيات القرآف الكريـ ظير فييا مدل الإساءة التي كقعت مف أىؿ الكتاب لمذات الإليية . 1) ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي 19/16 . 2) ) معالم التنزيل 4/38 . 3) ) صفوة التفاس1/493 .

عدد الصفحات ٦٠

55 ثانياً: إساءةُ المشركين إلى الذات الإليية بالقول: إف المشركيف مف العرب كانت ليـ العديد مف الإساءات القكلية كالفعمية، فمـ يكتفكا بالإساءة إلى الديف الإسلبمي، أك إلى النبي  بؿ تطاكؿ بيـ الأمر أن يـ أساءيكا إلى ا تعالى كذلؾ مف خلبؿ قكليـ أف الملبئكة بنا تي الله تعالى، كسكؼ نتناكؿ أرب ع آيات عمى ذلؾ: ُ- قاؿ تعالى: (وَيَجْعَمُونَ لِمّوِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَوُ وَلَيُم م ا يَشْتَيُونَ ) [النحؿ: ٕٓ] . معنى الآية"نزلت في خزاعة ككنانة ؛ فإنيـ زعمكا أف الملبئكة بنات الله ، فكانكا يقكلكف الحقكا البنات بالبنات، ءسيبٍحىانىوي ) نزه نفسو كعظميا عما نسبكه إليو مف اتخاذ الأكلاد. (وَلَيُمْ مَا يَشْتَيُونَ ) أم يجعمكف لأنفسيـ البنيف كيأنفكف مف البنات"ءُ). وفي معنى ىذه الآية قال ابن كثير (رحمو الله): "أخبر تعالى عنيـ أن يـ جعمكا الملبئكة الذيف ىـ عباد الرحمف إناثا، كجعمكىا بنات الله، كعبدكىا معو، فأخطأكا خطأن كبيرنا في كؿ مقاـ مف ىذه المقامات الثلبث، فنسبكا إليو تعالى أف لو كلدان ، كلا كلد لو! ثـ أعطكه أخس القسميف مف الأكلاد كىك البنات، ك ىـ لا يرضكنيا لأنفسيـ، كما قاؿ :(أَلَكُمُ الذ كَرُ وَلَوُ الأنْثَى تِمْكَ *إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) [ٕٔ ٕٕ]كقاؿ ىاىنا (وَيَجْعَمُونَ لِم وِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَوُ ) أم: عن قوليم وا فكيم (أَلا إِن يُمْ مِنْ إِفْكِيِمْ لَيَقُولُونَ *وَلَدَ الم وُ وَا ِن يُمْ لَكَاذِبُون* أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَمَى الْبَنِينَ *مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون)" [ُُٓ -ُْٓ]"(ٕ). ِ- قاؿ تعالى: (أَفَ َصْفَاكُمْ رَب كُم بِالْبَنِينَ وَات وَذَ مِنَ الْمَلآنِكَةِ إِنَاثاً إِن كُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ) [الإسراء :َْ]. معنى الآيةءقكلو تعالى: (أف صفاكم ربكم بالبنين) "نزلت في مشركي العرب الذيف قالكا الملبئكة بنات الرحمف "ءّ)، كىذه الآية خطاب لمقائميف بأف الملبئكةى بناتي الله سبحانو 1) ) الجامع لأحكام القرآن 10/116 . 2) ) تفسير القرآن العظيم 4/577. 3) ) زاد الدس 5/37.

عدد الصفحات ٦١

56 كالإصفاءي بالشيء جعميو خالصان كاليمزةي للئنكار كالفاء لمعطؼ عمى مقدر يفسرٌه المذككري أم أفىض مكـ عمى جنابو فخصٌكـ بأفضؿ الأكلاد عمى كجو الخيمكص كآثرى لذاتو أخس يا كأدناىا كما في قكلو سبحانو: (أَلَكُمُ الذكر وَلَوُ الانثى)، كقكلو تعالى: (أَمْ لَوُ البنات وَلَكُمُ البنون) كقد قصد ىينا بالتعرض لعنكاف الربكبية تشديدي النكير كتأكيديه كأشير بذكر الملبئكة عمييـ السلبـ كا يرادً الإناث مكافى البنات إلى كفٍرة ليـ أخرل كىي كصفييـ ليـ عمييـ السلبـ بالأنكثة التي ىي أخسُّ صفات الحيكاف كقكلو تعالى : (وجعموا الملبنكة الذين ىُمْ عِبَ ادُ الرحمن إناثاً ) (إِن كُمْ لَتَقُولُونَ ) بمقتضى مذىبًكـ الباطؿً الذم ىك إضافةي الكلدً إليو سبحانو يقادىر قدريه في استتباعً الإثـً كخىرٍقًو لقضايا العقكؿ بحيث لا يجترئ عميو أحده حيث يجعمكنو تعالى مف قبيؿ الأجساـً المتجانسةً السريعةً الزكاؿ كليس كمثمو شيء كىك الكاحد القياري الباقي بذاتو ثـ تضيفكف إليو ما تكرىكف مف أخس الأكلادً كتفضٍّمكف عميو أنفسىكـ بالبنيف ثـ تصًفكف الملبئكةى الذيف ىـ مف أشرؼ الخلبئؽً بالأنكثة التي ىي أخسُّ أكصاؼ الحيكاف )ءُ). ويُلبحظ: "أف القسـ الذم اد عى أف لله البنيف فيـ أىؿ الكتاب؛ إنيـ قالكا ذلؾ: (وَقَالَتِ الييودُ عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ وَقَالَتْ الن صَ ارى المَ سيحُ ابنُ اللهِ ) [َّ] كأف مف جعمكا لله البنات، فيـ بعض العرب الذيف كانكا يعتقدكف أف الملبئكة بنات الله (أَفَ َصْفَاكُمْ رَب كُم بالبنين واتوذ مِنَ المَ لبنكةِ إِنَاثاً ) [َْ] (أَصْطَفَى البنات عمى البنين مَا لَكُمْ كَيْفَ تَ حْكُمُونَ )" [ُّٓ - ُْٓ]" ءِ). ّ-قاؿ تعالى: (وَجَعَمُوا الْمَلبَنِكَةَ ال ذِينَ ىُمْ عِبَادُ الر حْمَنِ إِنَاثاً أَشَيِدُوا وَمْقَيُمْ سَتُكْتَبُ شَيَادَتُيُمْ وَيُسْ َلُونَ ) [الزخرؼ :ُٗ] . معنى الآية يي خبري تعالى عف شناعة قكؿ المشركيف، الذيف جعمكا لله تعالى كلدان ، كىك الكاحد الأحد، الفرد الصمد، الذم لـ يتخذ صاحب ة كلا كلدان، كلـ يكف لو كفكا أحد، 1) ) انظرإرشاد العقل السليم 5/173 . 2) ) تفسير الشعراوي 6/3833 .

عدد الصفحات ٦٢

57 وا ن ذلك باطلٌ من عدة أوجو: منيا: أف الخمؽ كميـ عباده، كالعبكدية تنافي الكلادة. ومنيا: أف الكلد جزء مف كالده، كالله تعالى بائف مف خمقو، مبايف ليـ في صفاتو كنعكت جلبلو، كالكلد جزء مف الكالد، فمحاؿ أف يككف لله تعالى كلد. ومنيا: أن يـ يزعمكف أف الملبئكة بنات الله، كمف المعمكـ أف البنات أدكف الصنفيف، فكيؼ يككف لله البنات، كيصطفييـ بالبنيف، كيفضميـ بيا؟! فإذان يككنكف أفضؿ مف الله، تعالى الله عف ذلؾ عمكا كبيران . ومنيا: أف الصنؼ الذم نسبكه لله، كىك البنات، أدكف الصنفي ف ليـ، حتى إنيـ مف كراىتيـ لذلؾ (إِذَا بُشّرَ أَحَدُىُمْ بِمَا ضَرَبَ لِمر حْمَنِ مَثَلب ظَل وَجْيُوُ مُسْوَد ا ) مف كراىتو كشدة بغضو، فكيؼ يجعمكف لله ما يكرىكف؟ ومنيا: أف الأنثى ناقصة في كصفيا، كفي منطقيا كبيانيا، كليذا قاؿ تعالى: (أَوَمَنْ يُنَش ُ فِي الْحِمْيَةِ ) أم: يجمؿ فييا، لنقص جمالو، فيجمؿ بأمر خارج عنو؟ (وَىُوَ فِي الْوِصَامِ ) أم: عند الخصاـ المكجب لإظيار ما عند الشخص مف الكلبـ، (غَيْرُ مُبِينٍ ) أم: غير مبيف لحجتو، كلا مفصح عما احتكل عميو ضميره، فكيؼ ينسبكنيف لله تعالى؟ ومنيا: أن يـ جىعىميكا الٍمىلبئًكىةى ال ذًيفى ىيـٍ عًبىادي الله إًنىاثنا، فتجرأكا عمى الملبئكة، العباد المقربيف، كرقكىـ عف مرتبة العبادة كالذؿ، إلى مرتبة المشاركة لله، في شيء مف خكاصو، ثـ نزلكا بيـ عف مرتبة الذككرية إلى مرتبة الأنكثية، فسبحاف مف أظير تناقض مف كذب عم يو كعاند رسمو. ومنيا: أف الله رد عمييـ بأنيـ لـ يشيدكا خمؽ الله لملبئكتو، فكيؼ يتكممكف بأمر مف المعمكـ عند كؿ أحد، أنو ليس ليـ بو عمـ؟! كلكف لا بد أف يسألكا عف ىذه الشيادة، كستكتب عمييـ، كيعاقبكف عميياءُ). 1) ) انظرتيسير الكريم الرحمن 1/763 .

عدد الصفحات ٦٣

58 ٗ-قاؿ تعالى: (أَمْ لَوُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) [الطكر:ّٗ] . معنى الآية: قاؿ الله عز كجؿ منكران عمى مشركي مكة فيما نسبكه إليو مف البنات، كجعميـ الملبئكة إناثان، كاختيارىـ لأنفسيـ الذككر عمى الإناث، بحيث إذا بيشٍّر أحديىـ بالأينثى ظؿ كجيو ميسكدان كىك كظيـ، ىذا كقد جعمكا الملبئكة بنات الله ، كعبدكىـ مع الله تعالى، فقاؿ: (أَمْ لَوُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) كىذا تيديد شديد ككعيد أكيدءُ). "كذلؾ ىذا إنكار عمييـ حيف جعمكا لله ما يكرىكف، كقكلو: (فاستفتيم ألربِّ كَ البناتُ وليم البنون)[الصافات:ُْٗ]"ءِ)، كفي ىذه الآية "إيماء إلى أف مف كاف ىذا رأيو لا يعدُّ مف العقلبء فضلبن عف الترقٍّ ي إلى عالـ الممككت، كسماع كلبـ رب العزة كالجبركت "ءّ). ٘- سب الله تعالى: قاؿ تعالى: (وَلاَ تَسُب واْ ال ذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ المّوِ فَيَسُب واْ المّوَ عَدْواً بِغَيْرِ عِمْمٍ كَذَلِكَ زَي ن ا لِكُلِّ أُم ةٍ عَمَمَيُمْ ثُم إِلَى رَبِّيِم م رْجِعُيُمْ فَيُنَبِّنُيُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَمُونَ ) [الأنعاـ:َُٖ]. سبب نزول الآيةءكىافى الٍميسٍمًميكفى يىسيبُّكفى أىصٍنىاـى الٍكيف ارً ، فىيىسيبُّ الٍكيف اري الم وى عىدٍكنا بًغىيٍرً عًمٍـو ، فىأىنٍزىؿى الم وي : ءكىلاى تىسيبُّكا ال ذًيفى يىدٍعيكفى مًفٍ ديكفً الم وً فىيىسيبُّكا الم وى عىدٍكنا بًغىيٍرً عًمٍـو ) ءْ). معنى الآية: "ينيى الله المؤمنيف عف أمر كاف جائزان ، بؿ مشركعان في الأصؿ، كىك سب آلية المشركيف، التي اتخذت أكثانان كآليةن مع الله، التي يتقرب إلى الله بإىانتيا كسبٍّ يا، كلكف لما كاف ىذا السبُّ طريقان إلى سبٍّ المشركيف لرب العالميف، الذم يجب تنزيو جنابو العظيـ عف كؿ عيب، كآفة، كسب، كقدح -نيى الله عف سب آلية المشركيف، لأنيـ يحمكف لدينيـ، كيتعصبكف لو، لأف كؿ أمةو زي ف اللهي ليـ عممى يـ، فرأكه حسنان ، كذبكا عنو، كدافعكا بكؿ 1) ) انظر تفسير القرآن العظيم 7/437 . 2) ) معالم التنزيل 7/393 . 3) ) تفسير الدراغي 27/35 . 4) ) أخرجو الطبري في تفسيره 9/482 .

عدد الصفحات ٦٤

59 طريؽ، ح تى إن يـ، ليسبُّ كف اللهى رب العالميف، الذم رسخت عظمتو في قمكب الأبرار كالفجار، إذا سب المسممكف آليتيـ"ءُ). وقد ذكر الشعراوي في تفسيره كلبماً جميلبً فقال: "لقد قاؿ الحكماء: النصح ثقيؿ فلب نرسمو جبلبن كلا تجعمو جدلان، كالحقائؽ ميرٌة، فاستعيركا ليا خفة البياف. كالخفة في النصح تؤلؼ قمب المنصكح، كحسبؾ منو أف تخمعو عما ألؼ كأحبٌ. إلى ما لـ يتعكد، فلب يككف خمعو مما ألؼ بأسمكب عنيؼ. كلذلؾ يعممنا الحؽ ىذه القضية حيف ندعك الخصكـ إلى الإيماف بو، كىؤلاء الخصكـ يتخذكف مف دكف الله أندادان؛ أم جعمكا لله كمعو شركاء "ءِ). *** *** المطمب الثاني: الإساءة إلى الذات الإليية بالفعل. تعددت أساليب الإساءة الفعمية إلى الذات الإليية مف خلبؿ الأفعاؿ كالأعماؿ المسيئة إلى الله عزٌ كجؿ كالتي ذكرىا القرآف الكريـ في العديد مف الآيات، وسوف نتناول بعض الإساءات الفعمية بالدليل القرآني مع التوضيح: أولاً: عبادةُ الأصنام: قاؿ تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ المّوِ مَا لاَ يَضُر ىُمْ وَلاَ يَنفَعُيُمْ وَيَقُولُونَ ىَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ المّوِ قُلْ أَتُنَبِّنُونَ المّوَ بِمَا لاَ يَعْمَمُ فِي الس مَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَوُ وَتَعَالَى عَم ا يُشْرِكُونَ ) [يكنس:ُٖ] . معنى الآية: أم يعبد ىؤلاء المشرككف الأصناـ التي لا تضرىـ إف عصكىا كترككا عبادتيا كلا تنفعيـ إف عبدكىا لأنيا حجارة كجماد لا تضر كلا تنفع كا ف العبادة أعظـ أنكاع التعظيـ فلب تميؽ إلا بمف يضر كينفع كيحيي كيميت كىذه الأصناـ جماد كحجارة لا تضر كلا تنفع كىيىقيكليك فى ىؤيلاءً يعني الأصناـ التي يعبدكنيا (شُفَعاؤُنا عِنْدَ الم وِ ) قاؿ أىؿ المعاني: 1) ) تيسير الكريم الرحمن 1/268 . 2)) تفسير للشعراوي 6/3857 .

عدد الصفحات ٦٥