المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدلالة الزمنية للفعل المضارع في سورة التوبة

هداية نعيم محمد أبو زاكية

صفحة ٥ من ٧

77 والشواهد كثيرة على ذلك في سورة التوبة ، ومنها : 1 ـ قوله تعالى :"إلاَ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَم يَنقُصُوكُم شَيْئًا وَلَم يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "1 إنّ الله بريء من المشركين إلاّ المعاهدين في مدة عهدهم، وقيل: الاستثناء منقطع، أي أن الله بريء منهم ولكن الذين عاهدتم فثبتوا على العهد فأتموا إليهم عهدهم. وقوله: "ثم لم ينقصوكم" يدل على أنه كان من أهل العهد من خان بعهده ، ومنهم من ثبت على الوفاء، فأذن الله سبحانه لنبيه صلّى الله عليه وسلّم في نقض عهد من خان، وأمر بالوفاء لمن بقي على عهده إلى مدته، ومعنى " لم ينقصوكم " أي من شروط العهد شيئا، " ولم يظاهروا " أي لم يعاونوا أحدا عليكم .2 فالعهد كان في الزمن الماضي والوفاء به كان في الفترة الزمنية نفسها (مدة العهد) ، فلماذا لم يستخدم الله عزّ و جل صيغة الماضي " وما نقصوكم وما ظاهروا عليكم أحدا" ؟ وذلك لأن حدث العهد وقع في تلك اللحظة التي تعاهدوا بها ، أما الوفاء به وعدم نقصه و خيانته و حدث مطلق طوال فترة العهد الماضية . 2 ـ قوله تعالى : "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَم يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ "3 1 التوبة1 . 2 البغوي ،الحسين بن مسعود(ت716هـ) ،معالم التنزيل ، تحقيق محمد عبد الله النمر ، دار طيبة ، (د.ت) ،ج1 ، ص13. الكشّاف ، ص231. البيضاوي ، أنوار التنزيل وأسرار التأويل ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، (د.ت) ،ج1 ،ص317. 3 التوبة16.

عدد الصفحات ٦٥

76 وفي قوله تعالى: "لم يتخذوا " بيان أنهم لم يتخذوا من دون الله ورسوله أولياء أو خديعة أو خيانة 1 في الزمن الماضي مطلقا ، " ولم يتخذوا " معطوفة على "جاهدوا " ، فلم لم تأت بصيغة الماضي ؟فتكون : "الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وما اتخذوا " ؟ وذلك لأن حدث الجهاد وقع في ساعته الماضية ، وانتهى أما حدث عدم الولاء لغير الله والخيانة فهو أمر مطلق في الزمن الماضي . 3 .قوله تعالى :"إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَم يَخ شَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَ ئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ "2 قال ابن عباس : "لما أسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرّحم ، وأغلظ علي رضي الله عنه له القول . فقال العباس: مالكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟فقال علي رضي الله عنه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إنا لنعمر المسجد الحرام ،ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج "3 فأنزل الله عز وجل قوله " ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله.. " والآية التي تليها . والمقصود بعمارة المسجد أي عمارته بالدخول فيه والعبادة والذكر والتقرب إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ فلا يعمر المسجد الحرام المشركون بل يعمره من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله .4 1 معالم التّنزيل ،1 /11. الكشّاف ،2/211. الثعالبي ،عبد الرحمن ،الجواهر الحسان في تفسير القرآن ، تحقيق أبو محمد الغماري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ج1،ص11. 2 التوبة18. 3 معالم التّنزيل ،1 /22. 4 معالم التّنزيل ،2 / 21ـ21.

عدد الصفحات ٦٦

75 قيل: "ما من مؤمن إلا وقد خشي غير الله، وما زال المؤمنون والأنبياء يخشون الأعداء من غيرهم " 1 ،فالمعنى ولم يخش إلا الله مما يعبد؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الأوثان ويخشونها ويرجونها ، وقال بعض المفسرين : "أي لم يخف في باب الدين إلا الله"2 فالمقصود بالخشية خشية التعظيم والعبادة ؛أي أنه لم يخش غير الله مطلقا في ما مضى من الزمان فكانت خشيته لله وعبادته له وحده مطلقة في الزمن الماضي. 4.قوله تعالى "لقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة و يَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَم تُغ نِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَْرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ "3 يبيّن الله ـ عزّ وجلَّ ـ في هذه الآية أنّ ه نصر المؤمنين في وقائع كثيرة لم تصل فيها أعدادهم كما كانت في حنين إذ" قيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل: أحد عشر ألفا وخمسمائة. وقيل: ستة عشر ألفا. فقال بعضهم: لن نغلب اليوم عن قلة"4 .فوكلوا إلى هذه الكلمة، فكان لهم من الهزيمة في الابتداء إلى أن تراجعوا، فكان نصرهم بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبين الله عز وجل في هذه الآية أن الغلبة إنما تكو ن بنصر الله لا بالكثرة 5 ،فلم تغنهم كثرتهم عن الله ولا في أي مدة زمنية من الغزوة مهما صغرت ،ولم تكن سببا لنصرهم على الإطلاق ، فنفي حدث إغناء الكثرة المسلمين عن الله ـ عزّ و جلّ ـ لم يقع في وقت محدد من غزوة حنين ، وا نّ ما كان بشكل مطلق. 1 الكشّاف ،2/213. 2 الجواهر الحسان ،2 /11. 3 التوبة27 4 معالم التّنزيل ، 2 /31. 5 الجواهر الحسان ،1/11.

عدد الصفحات ٦٧

78 5 .قوله تعالى: " ثمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّم تَرَو هَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَ لِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ "1 . يوضّح الله ـ عزّ وجلّ ـ لنا في هذه الآية أنّ ه أنزل على المسلمين في غزوة حنين ما يسكنهم ويذهب خوفهم، حتى اجترؤوا على قتال المشركين بعد أن ولّ وا، وهم الملائكة الذين قوّوا المؤمنين بتثبيت قلوبهم ، و أضعفوا الكافرين بزعزعة قلوبهم ومن غير قتال، لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر.2 وفي قوله : "لم تروها " انتفاء لحدث الرؤية ــ رؤية المؤمنين للملائكة التي أنزلها الله ـــ على سبيل الإطلاق . 5. قوله تعالىوَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَا ِن لَّم يُع طَو ا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ " 3. وصف الله قوما من المنافقين بأنهم عابوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تفريق الصدقات، وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم، فإن أعطاهم النبي قليلا أو كثيرا في وقت معين مما مضى من الزمان رضوا بحكمه وبدينه ، وا ن لم يعطهم مطلقا سخطوا عليه ونقموا على دينه4 ،فجاء النفي لحدث العطاء نفيا مطلقا ، أي أن الفعل لم يتحقق في أي فترة من الزّمن. 1 التوبة : 26. 2 معالم التّنزيل ، 2/ 31. 3 التوبة87 . 4 الكشّاف ،1 /288.

عدد الصفحات ٦٨

71 الدلالة الثانية: الماضي القريب من الحال . الماضي الحال المستقبل هو ما يدل على حدث وقع وانتهى في الزمن الماضي في فترة زمنية قريبة من زمن الحال . والقرينة اللفظية التي تتصل بالفعل الم ضارع للدلالة على هذا الزمن هي (لمّا) فتكون صيغة الفعل (لمّا يفعل) للدلالة على هذا الزّمن. 1 وقدذكر النّحاة أنّ ( لما ) هي حرف نفي وجزم وقلب أيضا إلا أنها تختلف عن (لم ) بأنها نفي لـ (قد فعل) بخلاف (لم ) التي هي نفي لـ (فعل ) ، ومن ذلك ما قاله الزّمخشري : :" لم ولما لقلب معنى المضارع إلى الماضي ونفيه ، إلا أن بينهما فرق ا وهو أن لم يفعل نفي فعل ، ولما يفعل نفي قد فعل "2. وعليه فإن (لمّ ا )تختلف في دلالتها الزمنية عن (لم ) بأنها تقرّ ب الزمن الماضي من الحال وذلك لأن (قد ) تقرّ ب الزمن الماضي من الحال ، فيكون زمن الفعل المضارع بعدها ماضيا مقرب ا من الحال .3 وقد وردت هذه الصيغة في سورة التوبة مرة واحدة في قوله تعالى : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَع لَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ "4 . 1 مغني اللبيب ، ص368. انظر فيهمع الهوامع 1/ 8. 2 المفصل ،8/111. 3 مغني اللبيب، ج1،ص365. 4 التوبة16

عدد الصفحات ٦٩

61 يستنكر الله ـ عز وجل ـ من أفعال المنافقين فلن يتركوا من غير أن يبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب. وقوله تعالى :" ولما يعلم الله" أي "لم ير الله " 1وجود ذلك أو لما يعلم الله ذلك "وجودا كما علمه أزلا " 2 طوال هذه الفترة الماضية فعدم رؤية الله ـ عزّ وجل ـ الأفعال التي تمحص المؤمن من المنافق لعدم وجودها ممتدة من الزمن الماضي إلى زمن الحال ( زمن الخطاب ) بالنسبة إليهم . الدلالة الثالثة : الماضي المتجدد. الماضي المتجدد الحاضر المستقبل هو ما حدث في الزمن الماضي وانتهى ، وتكرر وقوعه في الزمن الماضي مرات عديدة . ومن القرائن اللفظية التي تحدد هذا الزمن عند مجيئها الفعل الناقص (كان)، إذ تدل كان الناقصة على الفعل المضارع فتحول دلالته من الحال إلى ا لمضي وتكسبه جهة التجدد.3 ولقدوقع خلاف بين النّحاة حول حقيقة كان من حيث التمام والنقصان ، فرأى الكوفيون أنها أفعال عادية تامة تفيد الحدث والزّمن كبقية الأفعال، ولكنها لا تنفك عن منصوب يأتي بعدها فاعلها يكون حالا، فقد أشار الأنباري في إنصافه أن الكوفيين ر أوا في " 1 معالم التّنزيل ،1/18. 2 الجواهر الحسان ، ص11. 3 اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 211.

عدد الصفحات ٧٠

61 كان وأخواتها أفعالا دالة على الكون وهو حدث ، مسندة إلى مرفوعها وهو فاعل ، لا تنفك عن منصوبها وهو حال " 1بحسب رأيهم ، وتبنّ ى هذا الرأي من المحدثين إبراهيم السامرائي ومهدي المخزومي . أما سيبويه وغالبية البصريين فيرونها أفعالا ناقصة لأنها تخلو من الحدث وتكتفي بالدلالة على الزمن ،وتمام الفعل يكون باقتران الحدث بالزمن 2، وتبع هذا المذهب من المحدثين تمام حسان الذي ينفي فعلية كان لافتقارها للحدث ، واعتبرها أدوات تفيد الجهة في الزمان فيقول " ومن هذا نرى أن جميعها ـ يقصد كان وأخواتها ـ تفيد الزمان ، ولا يفيد واحد منها معنى الحدث وجميعها يضيف إلى معنى الزمن أحد معاني الجهة "3 والجهة التي تفيدها كان إذا سبقت صيغة (يفعل ) هي التجدد كما ذكر تمام حسان. ومن شواهد ذلك في سورة التوبة : 1ـقوله تعالى : "اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَن سَ بِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا 1 الأنباري ، الإنصاف في مسائل الخلاف ، المكتبة التجارية ، مصر، 1161،ج2 ، ص111. 2 همع الهوامع ،1/ 113. 3 اللغة العربية مبناها ومعناها، ص 131.

عدد الصفحات ٧١

62 يَع مَلُونَ" 1 . أي أن المشركين نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ، فمنعوا النّاس من الدخول في دين الله بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان كما ورد عن مجاهد ، وبإمدادهم الأموال من أهل الطائف ليقووهم على حرب رسول الله كما ذكر ابن عباس .2 أي أنَّ هذه الأفعال السيئة بصورها المختلفة التي قام بها المشرك ون بنقضهم العهد الذي بينهم وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تجدد حدوثها في الزمن الماضي ، ففي قوله "ما كانوا يعملون " ذم لأفعالهم الماضية المتجددة . 2ـ قوله تعالى "يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَ ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُم تَك نِزُونَ " 3 . توضح الآية عقاب مانعي الزكاة يوم القيامة ، إذ تدخل كنوزهم وأموالهم التي جمعوها في نار جهنم ، فتحرق بها جباه كانزيها التي قبضت عند رؤية الققراء وجنوبهم وظهورهم التي ولّ وها لهم ، وهذا جزا ؤ هم 4، فسيذوقون عذاب وعقاب ما كان يكنزون من الأموال بشكل متجدد في الزمن الماضي بالنسبة ليوم القيامة . 1 التّوبة1. 2 معالم التنزيل ،1 /16. الكشّاف ،2/231. 3 التّوبة37. 4 أنوار التّنزيل ،1 /117.

عدد الصفحات ٧٢

63 3 ـ قوله تعالىيَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَ جَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَع مَلُونَ "1 . يحذر ـ الله عز وجل ـ عباده المؤمنين من تصديق المنافقين إذا رجعوا إليهم متظاهرين بالتوبة ، فالله ـ عز وجل ـ أعلم بسرائرهم وسيجازيهم تبعا لأعمالهم التي قدموها في الحياة الدنيا.2 وقوله : " بما كنتم تعملون " دلالة على تجدد أعمالهم المنافقة في الزمن الماضي ، فهي تجر ي فيهم مجرى العادة ولذلك أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ بعدم قبول اعتذارهم وتوبتهم. 4ـ قوله تعالىسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِ مَا كَانُو ا يَك سِبُونَ "3 . بيّن الله ـ عز وجل ـ للمؤمنين موقف المنافقين بعد انتهاء غزوة مؤتة بأنهم سيحلفون أنهم ما قدروا على الخروج ،أي لتصفحوا عن لومهم فلا تكلموهم لأنهم رجس ، أي ذو أفعال قبيحة ،فجزاؤهم جهنم ،4 فهذا ما يستحقونه من جزاء على ما كانوا يحققون من مكاسب بنفاقهم وتخلفهم عن الجهاد ، فقوله بما كانوا يكسبون يدل على تجدد مكاسبهم في الزمن الماضي بالنسبة لانتهاء غزوة مؤتة . 1 التّوبة11. 2 معالم التّنزيل ،1/ 87. 3 التوبة17. 4 الكشاف ،2/ 258.

عدد الصفحات ٧٣

61 5 ـ قوله تعالىوَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَع مَلُونَ " 1 . قوله تعالى: " وقل اعملوا " خطاب للجميع، " فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم ، "وستردون إليه فينبئكم بأعمالكم في الحياة الدنيا والتي هي متجددة في الزمن الماضي بالنسبة ليوم القيامة.2 ففي قوله " بما كان يكسبون " دلالة على أنّ جزاءهم ليس نابع ا من فعل قاموا به مرة واحدة ، وا نما من تجدد كسبهم غير المشروع في الزمن الماضي . 8. قوله تعالىلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيً ا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَع مَلُونَ "3 . أي إنهم لا ينفقون في سبيل الله من صغيرة أو كبيرة ، ولا يجاوزون واديا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين إلا كتب لهم ليجاز يهم الله جزاء حسنا عليه 4،وذلك لحسن أعمالهم المتجددة التي قدّموها في الزمن الماضي . فقد تجددت أعمالهم الحسنة في الحياة الدنيا التي هي زمن ماض بالنسبة إلى زمن الآخرة . ويتبين لنا من دراسة الأفعال المضارعة "ما كانوا يعملون " "ما كنتم تعملون" ، "ما كانوا يكسبون " وتوضيح معاني أحداثها أنّها ارتبطت بقرينة حالية هي حديث الله ـ عزّ 1 التوبة117. 2 معالم التّنزيل ،1 / 12. 3 التّوبة121. 4 معالم التّنزيل ، 1 / 111.

عدد الصفحات ٧٤

67 وجلّ ـ عن أفعال عامة متكررة ومتجددة يختم به الآيات ووقعت في زمن مضى بالنسبة لما قبلها . الدلالة الرابعة : الماضي المقارب . الماضي الحاضر المستقبل هو ما قارب حدوثه في الزمن الماضي ولكنه لم يحدث. ومن القرائن اللفظية التي تجعل المضارع معبر ا عن هذا الزمن هو فعل المقاربة (كاد)،فأفعال المقاربة تفيد القرب في مفهوم الزّمن ، فقد قال ابن يعيش : " ألا ترى أنّ كا د وأخواتها إنما دخلت لإفادة معنى الزّمان في الخبر ، كما أنّ هذه الأفعال دخلت لإفادة معنى القرب من الخبر "1 وقد خصّ(كاد) بقوله :" إذا قلت كاد زيد يفعل أراد قرب وقوعه في الحال ، إلا أنه لم يقع بعد لأنك لا تقوله إلا لمن هو على حد الفعل كالدّاخل فيه لا زمان بينه وبين دخوله فيه"2. وعليه فإن كاد عندما تسبق الفعل المضارع تحول دلالته الزّمنية إلى الماضي مفيدا جهة المقاربة أي الماضي المقارب . وقد ورد هذا الزمن في سورة التوبة في قوله تعالى : "لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَْنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوف رَّحِيم "3 . 1 شرح المفصل ،5/117. 2 المرجع السابق ،5/131. 3 التّوبة115.

عدد الصفحات ٧٥

66 اختلف العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبي والمهاجرين والأنصار على أقوال فقال ابن عباس: كانت التوبة على النبي لأجل إذنه للمنافقين في القعود؛ و دليله قوله: " عفا الله عنك لم أذنت لهم " وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه. وقيل: توبة الله عليهم استنقاذهم من شدة العسرة . وقيل: خلاصهم من نكاية العدو، وعبر عن ذلك بالتوبة وا ن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه وهو الرجوع إلى الحال الأولى.1 وفيقوله تعالى: " الذين اتبعوه في ساعة العسرة " أي في وقت العسرة، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها. وقيل: ساعة العسرة أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة . 2 وفي قوله: " بعد ما كاد يزيغ " تدارك لقلوبهم حتى لم تزغ، أي وفقهم للتوبة ليتوبوا، أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا إذا اقترب الفعل "يزيغ " جدا من الوقوع في الزمن الماضي ولكنه لم يقع بأمر الله ، وعليه فإن الدلالة الزمنية له هي الماضي المقارب . الدلالة الخامسة: الحال التجددي أو الاستمر ر اي. الماضي الحاضر المستقبل هي ما يعبر عمّا يقع لحظة التكلم ويستمر حدوثه إلى المستقبل القريب أو البعيد. ومن القرائن اللفظية التي جعلها المحدثون التي توجه الفعل إلى جهة التجدد والاستمرار (ما المصدرية ) فإذا اقترنت هذه القرينة بالمضارع تكون دلالته الزمنية دلالة الحال الاستمراري . 1 روح المعاني ،11/ 75. 2 المرجع السابق ،11/78.

عدد الصفحات ٧٦

65 وقد تحدث ابن هشام عن نوعين من ما المصدري ة : الزمانية ، وغير الزمانية ، فالأولى لاتهمنا في هذه الدراسة ، والثانية هي التي توجه الفعل جهة التجدد والاستمرار. "وهي التي ينسبك منها ومن فعلها مصدرا مؤولا لا يصلح ظرفا ، وا نما يقع في أبواب النّحو الأخرى" .1 ومن الشواهد على ذلك في سورة التوبة 1. قوله تعالى : "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَ هًا وَاحِدًا لاَّ إِلَ هَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُش رِكُونَ "2 . اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب إذ أطاعوهم في كل شيء ، فاستحلوا ما حرّم الله ، وحرّموا ما أحل الله ، كما اتخذوا عيسى ابن مريم إلها خلافا لما أمروا به من عبادة الله وحده ، فتعالى الله عمّا يشركون به من آلهة .3 وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال : " أتى رسول الله عزّ وجلّ جماعة من اليهو د : سلام بن مشكم ، والنعمان بن أوفى ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصّيف ، فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لاتزعم أن عزيرا ابن الله ؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية والآية التي سبقتها ليخبرنا عن عقيدة اليهود والنّصارى .4 1 مغني اللبيب ،1/311ـ111. 2 التوبة31. معالم التنزيل ،1/ 38. 4 المرجع السابق ، ص36.

عدد الصفحات ٧٧

68 فا ـ عزّ وجل ـ وصفهم بالمشركين لاتخاذهم الأحبار أربابا من دونه ، فقالوا " اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ " فحدث اتخاذهم الأحبار من دون الله وقع في الزّمن الماضي والفعل" عَمَّا يُشْرِكُونَ " يدل على الزمن الحال المستمر لأنه سبق بما المصدرية . ولكن ليس من المفترض أن فعل الشرك يحدث في زمن الحال بل إنّه حدث من لحظة اتخاذهم الأحبار الرهبان أربابا من دون الله، أي إنه بدأ من الزّمن الماضي واستمر إلى زمن الحالي المستمر إلى المستقبل . فالمتأمل في المعنى يجد أن الفعل "يشركون " يجب أن يزامن الفعل "اتخذوا " وذلك لأنّ الله عز وجل منزه عن شركهم من اللحظة ال تي أشركوا بها أي من لحظة اتخاذهم الرهبان أربابا . وعليه فإن الفعل (يشركون ) جمع بين زمانه وزمان الفعل اتخذوا فبدأ الشرك من الماضي وقد يصل إلى المستقبل لذا فهو يعبر عن مطلق الزمن . ونستطيع أن نعلل انصراف الفعل عن دلالته بوجود قرينة حالية هي تزامن الفعل المضارع المسبوق بـ(ما) مع فعل مضى يؤديان نفس المعنى . وبناء على هذه القرينة الحالية المستقاة من تفسير الآية وسياق نزولها يتبين لنا أن الدلالة الزمنية للفعل "يشركون " في الزّمن المطلق . 2. قوله تعالىوَمِنَ الأَْعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِ رِ وَيَتَّخِذُ مَا " يُنفِقُ " قُرُبَات عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَة لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُور رَّحِيم "1 . 1 التوبة11.

عدد الصفحات ٧٨

61 يتحدث الله ـ عزّ وجلّ ـ عن الأعراب وقيل هم بنو مقرن من مزينة ، وقيل أسلم وغفار وجهينة ، فهؤلاء ينفقون في سبيل الله إيمانا به وليس خوفا أو رياء طالبين بذلك القربة إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ ودعاء النبي واستغفاره .1 وقوله : مَا " يُنفِقُ " أي ما ينفقون من أموال وصدقات في سبيل الله بشكل مستمر فتبدأ النفقة من الحال وتستمر . الدلالة السّادسة : المستقبل القريب . الماضي الحاضر المستقبل هي ما يدل على حدث يتوقع حدوثه في زمن المستقبل الأقرب إلى الحاضر. ومن القرائن اللفظية التي تدل على زمن الاستقبال إذا اتصلت بالمضارع : 1 ـحرف السين، فهو حرف مختص بالفعل المضارع وبدلالته على المستقبل وهو حرف تنفيس واستقبال ومعنى التنفيس " تخليص المضارع من الزّمن الضيق وهو الحال إلى الزّمن الأوسع وهو الاستقبال " 2فالمضارع يحتمل الزمنين ، ولكن اقترانه بهذه القرينة يخصصه للاستقبال ويترك معه في ذلك سوف ، إلا أن السين تحيل الفعل إلى المستقبل القريب ، وسوف تحيله إلى المستقبل البعيد . 3 ومن الشواهد على ذلك في سورة التوبة 1 أنوار التنزيل،1/111. 2 همع الهوامع ،2/ 52. 3 الكتاب ،1/ 233. انظر فيشرح المفصل ، 8/ 118.

عدد الصفحات ٧٩

51 قوله تعالى وَمِنَ الأَْعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَات عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَة لَّ هُمْ سَيُد خِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُور رَّحِيم "1 . وقوله تعالى : "سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ " أي سيدخلهم الله ـ عزّ وجل ـ في جنته في الحياة الآخرة 2 فهذا الفعل سيحدث في الزمن المستقبل القريب على اعتبار أنّ يوم الساعة قريب . 2ـ إذا سبق بظرف يدل على المستقبل : ومنه قوله تعالى : "يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَ ذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ "3 . فسبق الفعل (يحمى) بظرف زمان يدل على يوم القيامة فالفعل يحمى سيحدث في الزمن المستقبل القريب على اعتبار أن يوم الساعة قريب . والفاء في الفعل "فتكوى " فاء عاطفة أي أن فعل الكوي أيضا سيحدث في الزمن المستقبل القريب ، أي يوم قيام الساعة . 3 ـ إذا سبق بأن ، فهو أحد أحرف ال نّصب فقد جاء في الهمع :" ومن شأن النّاصب أن يخلص المضارع إلى الاستقبال "4. ومن الشواهد على ذلك 1 التّوبة11. 2 الكشاف ،2/281. 3 التّوبة37. 4همع الهوامع ،2 / 1.

عدد الصفحات ٨٠