31 يتفق الكوفيون مع البصري ين على صيغتي ( فعل، يفعل)، ولكنهم يختلفون معهم في صيغة (افعل) التي استبدلوها بصيغة (فاعل)؛ فالفعل عند جمهور الكوفيين : ماض ومضار ع ،فقد أسقطوا فعل الأمر المعبر عنه بصيغة (افعل) ،لأنهم اعتبروه مقتطعا من المضارع ،فيقول الأزهري: "الفعل جنس تحته ثلاثة أنواع عند جمهور البصريين، ونوعان عند الكوفيين والأخف ش، بإسقاط الأمر بناء على أنَّ أصله مضارع "1 وقد اشترط الفراء في صيغة (فاعل) أن تكون عاملة لتكون فعلا دائما 2. ومن الملاحظ أنّ المدرسة الكوفية اعتمدت في تقسيماتها للفعل وتسمياتها لها على أساس فكرة الزّمن بشكل حصري، فلما كان الزمان ماضيا وحالا واستقبالا فكذلك الفعل ماض وحال ودائم وذلك لأنَّ " الفعل عندهم كفيل بالدلالة على الزّمن " 3 .وأسقطوا فعل الأمر لأنه لم يقع في زمن معين، ولا دليل على وقوعه في المستقبل إنما هو صيغة طلب قد يتحقق وقد لا يتحقق كما أنه من الناحية الشكلية مقتطع من المضارع . الفعل عند المحدثين لم يأت المحدثون جديدا في أقسام الفعل وتسمياته، وا نما رجّ حوا رأيا على رأي : إذ رأى تمام حسان أنَّ "النّحاة العرب على حق في تسميتهم المضارع مضارعا ، لأنَّ هذه التسمية ذات دلالة شكلية لا ز مانية، فهم يقولون أنما سّ مي المضارع مضارعا لمضارعته المشتق من حيث إعرابه وشكله ولو جرت التسمية في الماضي والأمر على هذا النّمط 1 الأزهري ، خالد عبد الله ، شرح التصريح على التوضيح على ألفية ابن مالك ، تحقيق عيسى البابي الحلبي ، (د,ـت ) ، ج1 ، ص11 . 2 الفراء ، معاني القرآن الكريم ،تحقيق محمد علي النجار ، الدار المصرية للتأليف والترجمة ،ج1 ، ص17 . 3 الزّمن النّحوي في اللغة العربية، ص12.
عدد الصفحات ٤٩11 لخلت اصطلاحات الزمن في اللغة العربية من عدوى التفكير في الزمان ولكان اللاحقون من النحاة أقدر على تخليص النحو من براثن الفلسفة " 1بحسب رأيه . ويبدو من هذا القول أنه يوافق البصريين، ولكن البصريين لم يكن لهم معيار ثابت في تقسيماتهم هذه، فما انطبق على الفعل المضارع، لم ينطبق على الفعل الماضي، وفعل الأمر كما ذكرنا سابقا. أما إبراهيم السامرائي فيرى أنَّ "الكوفيين أشدّ اتصالا بالعلم اللغوي من خصومهم البصريين في تقسيم الفعل، فقد قسموا الفعل باعتبار دلالته الزمنية إلى ماض ومستقبل ودائم" 2 ولذلك فإنه يراهم " على حقّ في إبعاد الأمر أن يكون قسيما للماضي والمضارع والمستقبل، وذلك لأن الأمر طلب، وهو حدث كسائر الأفعال، غير أنّ دلالته الزّمنية غير واضحة، ذلك أنَّ الحدث في هذا " الطلب " غير واقع إلا بعد زمان التكلم، وربما لم يترتب على هذا الطّلب أن يقع حدث من الأحداث" 3 . ومن الواضح من قول السامرائي أنه يوافق الكوفيين ، لأنهم اعتمدوا معيارا ثابتا في تقسيماتهم هذه وهو معيار الزمن ، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل الزمن ثابت في حالة الإفراد وفي السياق ؟ و يجيب عن هذا التساؤل السامرائي نفسه ، إذ ير ى :"أنَّ الصعوبة في هذا الأمر أنَّ أبنية الفعل العربي لا تفصح عن الزّمان كما تشير مصطلحاتها ... فالفعل في الاستعمال 1 حسان ، تمام ، مناهج البحث في اللغة، دار الثقافة ، الدار البيضاء ، ط2،1151، ص212 . 2 تنمية اللغة ، ص213. 3 السّامرائي ، إبراهيم ، الفعل زمانه وأبنيته ، مؤسسة الرسالة ،ط3،1183م، ص23.
عدد الصفحات ٥٠11 تهيأ له أن يجري في طريق آخر، فقد يشار ببناء فعل إلى غير الزّمن الماضي، كما يشار ببناء يفعل وفاعل إلى دقائق زمنية واضحة"1 . "على أننا يجب أن نشير إشارة عامّة إلى أنّ الفعل ثلاثة : ماض وحال ومستقبل، و أننا نستطيع أن نقرر أنّ صيغة (فعل) وا ن دلّت دلالات عدّة في الإعراب على الزمان، فهي في أغلب الأحوال تدل على حدث أنجز وتم في زمن ماض، و أن صيغة ( يفعل ) تتردد بين الحال والاستقبال، وا ن ذهبت في الاستعمال مذاهب أخرى “. 2 إذا فهو يتوافق معهم من الناحية الصرفية ( أي في حالة الإفراد) ، أما من الناحية النحوية (أي في السياق ) فيرى أن موافقتهم أمر تشوبه الصعوبة . أمّا مهدي المخزومي فيرى أنَّ الفعل في العربية ثلاثة أقسام :3 1 ـ ما كان على مثال (فعل) وهو ما يسّ مى بالفعل الماضي، وهو الذي يدل في أغلب استعمالاته على وقوع الحدث في الزمان الماضي، وله دلالات زمنية مختلفة. 2 ـ ما كان على (يفعل) وهو ما يسّ مى بالفعل المضارع، وهو الذي يدل في أغلب استعمالاته على وقوع الحدث في زمن التكلم. المرجع السابق،ص21. 2 تنمية اللغة ، ص213 3 المخزومي ،مهدي ، في النحو العربي قواعد وتطبيق على المنهج العلمي الحديث ،مطبعة مصطفى البابي الحلبي ، ط1،مصر،1166،ص21.
عدد الصفحات ٥١12 3 ـ ما كان على مثال (فاعل) وهو ما يسّ ميه البصريون اسم الفاعل ويسميه الكوفيون (الفعل الدائم )، وهو فعل حقيقة في معناه وفي استعمالاته، إلاّ أنه يدل في أكثر استعمالاته على استمرار وقوع الحدث ودوامه . ويتضح من تقسيمات مهدي المخزومي للفعل أنه يوافق الكوفيين ، إلاّ أن موافقته هذه أيضا من الناحية الصرفية ،إذ نستدل من قوله (في أغلب استعمالاته ) أن له استعمالات أخرى . أمّا كمال رشيد فيقول: "والسؤال الذي يطرح أيّ المدرستين أقرب إلى الصواب وأجدر بالاتباع، والسؤال بشكل آخر، لما كان لكل فعل صيغته وزمنه، أكان جديرا أن يسمى الفعل تبعا لصيغته أم تبعا لزمنه ؟ قد يكون الجواب السريع أن الأجدر أن تكون تسمية الفعل على أساس الزّمن الذي يفيده كما صنع الكوفيون ...ولكن هل تحتفظ هذه الصيغ بهذه الأزمنة دائما مفردة وفي الجملة؟ وهل تحتفظ بهذه الأزمنة في جميع الجمل ؟" 1. ويحاول أن يجيب عن تلك الأسئلة التي طرحها فيورد قوله تعالى: "لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد"2،إذ جاء الفعل المضارع هنا يدل على الزّمن الماضي ، ومعنى هذا أنّ الفعل " لا يحتفظ بدلالته الزّمنية داخل السياق، إن كان يحتفظ بها في حالة الإفراد "3 . ويقول في موضع آخر: " لقد كان بإمكان الكوفيين أن يكونوا محقّ ين لو احتفظت الصيغة بدلالتها، ولو أسعفتهم النّصوص القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العرب من شعر 1 الزّمن النّحوي في اللغة العربية، ص37. 2 الصمد3. 3 الزّمن النّحوي في اللغة العربية، ص36.
عدد الصفحات ٥٢13 ونثر ، وهم الذين يعتمدون السّماع في إقامة قواعدهم، ولما كان الأمر على غير ذلك وكانت الصيغة لا تثبت على دلالتها الزمنية، كان لا بدّ أن تقوم تسمية الفعل على أساس واحد "1 . إذن فهو يوافق الكوفيين في تسميتهم في الأفعال المفردة (صرفيا )، أما في السياق (نحويا ) فلا يرى في تسمياتهم مكانا من الصحة ، وذلك لأن الزّمن غير ثابت في السياق . وصحيح أن البصريين لم يجعلوا الزمن أساسا في تسمياتهم كالكوفيين، إلا أنهم لم يعتمدوا على أساس واحد أو معيار واحد في تسمياتهم، فسّ موا المضارع مضارعا على أساس الشكل والصيغة ( أي لمضارعته للاسم ) ،وسمّ وا الأمر أمرا على أساس المعنى فهو معنى من معاني الطلب للقيام بفعل قد يتحقق في الزّمن المستقبل وقد لا يتحقق، و سمى الماضي ماضيا على أساس الزمن ، إذ إنه يقع في حالة الإفراد في الزّمن الماضي وهم يوافقون بتسمية هذا الزمن الكوفيين. وخلاصة القول إن النّحاة القدماء البصريين والكوفيين على حد سواء في تقسيماتهم للفعل وتسمياتهم له لم يفرقوا بين الزمن الصرفي والزمن النّحوي ، فالزّمن الصرفي هو الزّمن في الفعل المفرد وزمن الصيغة المفردة للفعل، فالزّمن الصرفي مجاله صيغة الفعل أمّا الزّمن النحوي فمجاله السياق ومجاله الجملة العربية بأنواعها الخبرية والإنشائية ،وتتضافر معه القرائن اللفظية من لواصق وأدوات، والقرائن المعنوية التي تضبط معنى السياق، وقرائن حالية تعين المقام . 2 1 المرجع السابق ، ص36. 2 الزّمن النّحوي في اللغة العربية، ص76
عدد الصفحات ٥٣11 فقد نسبوا كل زمن إلى صيغة معينة دون النظر في معطيات السياق وربما كان ذلك لأن" الدلالات الزمنية في الجمل الخبرية المثبتة والمؤكدة لا تتأثر تأثرا كبيرا بمعطيات السياق".1 على الرغم من أنهم وجدوا صيغة (فعل ) تدل ع لى الزمن المستقبل في سياقات التحضيض أو الدعاء أو الشرط في الجمل الإ نشائية ،أي أنّ صيغة " فعل" تحولت من دلالاتها الزمنية التي قرنوها فيها "الزمن الماضي" إلى دلالة الفعل المضارع المقترنة فيها بحسب تعريفاتهم "الزمن المستقبل"،" ولما كانت قواعدهم عزيزة على أنف سهم لم يخطر ببالهم أن يعيدوا النظر في نظام الزّمن في ضوء مطالب السّياق"2كما يقول تمام حسان الأمر الذي دفع بعض المستشرقين إلى التشكيك في الفعل العربي كالمستشرق (زيجس بلاشير) الذي يرى أنّ" تصريف الفعل العربي فقير إذا ما قورن مثلا بتصريف الفعل في اللغات الهندية الأوربية "3 ،وأنَّ" لمفهوم الزمان وضعا غير متين "4، ويضحض هذا القول المستشرق (برجشتراسر ) الذي يرى أنّه مما يزيد اللغة العربية تمييزا عن سائر اللغات السّامية "تخصيص معاني أبنية الفعل وتنويعها، وذلك بواسطتين إحداهما : اقترانها بالأدوات، نحو ( قد فعل ) و ( قد يفعل ) و ( سيفعل )، وفي النفي ( لا افعل ) بخلاف ( ما فعل ) و ( لن يفعل )بخلاف : ( لا يفعل ) و ( ما يفعل )، والأ خرى : تقديم فعل ( كان ) على اختلاف 1 اللغة العربية معناها ومبناها، ص321 . 2 المرجع السابق، ص321 . 3 التطور النحوي في اللغة العربية ،لبرجشتراسر، تحقيق : رمضان عبد التواب، مطبعة الخانجي بالقاهرة، 1112هـ – 1182م ،ص36. 4 المرجع السابق ،ص06.
عدد الصفحات ٥٤17 صيغه، نحو ( كان قد فعل ) و( كان يفعل ) و( سيكون قد فعل ) إلى آخر ذلك، فكل هذا ينوع معاني الفعل، تنويعا أكثر بكثير مما يوجد في أية لغة كانت، من اللغات السامية" 1. ويبدو أنّ (براجشتراسر ) يشير بطريقة غير مباشر إلي الجهة الزمنية والتي هي "تحديد زمني جديد تفيده القرائن 2في السّياق3 كالقرب والبعد والانقطاع والاتصال والتجدد والاستمرار والبساطة والمقاربة والشرو ع.. أقسام الزمن عند المحدثين تقسم أزمنة اللغة العربية الرئيسة إلى ثلاثة أقسام وهي : ( الماضي ، و الحاضر ، و المستقبل ) تتفرع عند اعتبار الجهة إلى ستة عشر زمنا نحويا 4، كما هو موضح في المخطط الآتي: 1 المرجع السابق ص81. 2 القرينة : هي ظاهرة لفظية أو معنويةأو حالية يتم من خلالها التوصل إلى أمن اللبس في سياقات متقاربة. 3 الزّمن النّحوي في اللغة العربية، ص113. 4 انظر في اللغة العربية معناها ومبناها ص211
عدد الصفحات ٥٥16 الأزمنة في اللغة العربية الماضي الحال المستقبل العادي التّجددي الاستمراري البسيط القريب البعيد الاستمراري فالزمن الماضي له تسع جهات وهي : 1. الماضي البعيد المنقطع 2. الماضي القريب المنقطع 3. الماضي المتجدد 4. المنتهي بالحاضر 5. المتصل بالحاضر 2. الماضي المستمر البعيد المنقطع القريب المنقطع المتجدد المنتهي بالحاضر المقارب البسيط المستمر المتصل بالحاضر الشروعي
عدد الصفحات ٥٦15 8. الماضي البسيط 1. الماضي المقارب 9. الماضي الشروعي وأما زمن الحال فله ثلاث جهات وهي : 1. الحال العادي . 2. الحال التجددي 3. الحال الاستمراري وأمّا زمن الاستقبال فله أربع جهات وهي : 1. المستقبل البسيط 2. المستقبل القريب 3. المستقبل البعيد 4. المستقبل الاستمراري ونلاحظ أنّ هذا التقسيم هو تقسيم للأزمنة وليس تقسيم ا للأفعال ،أو للصيغ أي أن كل زمن من الأزما ن الثلاثة غير مرتبط وملتزم بصيغة معينة مثل ( فعل ) أو (يفعل ) إذ يعبر عن الزمن الواحد بصيغ مختلفة تحددها الجهات الزمنية .
عدد الصفحات ٥٧18 وتتضافر القرائن لتحديد زمن الصيغة وجهته ، وهذه القرائن هي 1 1. قرائن لفظية أ ـ اللواصق والأدوات الحرفية : مثل ( قد ، والسين ، وسوف ، و لام ونون التوكيد ، وما ، ولا، ولم ، ولما ، ولن) . ب ـ والنّ واسخ: مثل (إن وأخواتها ، وكان وأخواتها ، وكاد وأخواتها ). ج ـ الظروف الزمنية : مثل (الآن ) تدل على الحاضر ، و(غدا ) تدل على المستقبل. 2. قرائن حالية : وهي المعلومات الخارجية المستمدة من التاريخ والجغ رافيا ....وغيرهما . فالدلالة الزمنية تتنوّ ع من سياق إلى آخر لاعتمادها على القرائن اللفظية أو الحالية ، لأنّ النحو هو نظام العلاقات في السياق ، فالنظام اللغوي للسياق ممثل "بعناصره وموقع هذه العناصر والعلاقات القائمة بينها والآثار المترتبة على هذه العلاقات م ن أجل إنتاج المعنى" 2هو معنى الفعل في السياق ، فالزمن النحوي السياقي جزء من الظواهر الموقعية السياقية، لأن دلالة الفعل تتوقف على موقعه ، وعلى قرينته في السياق . 1 انظر في اللغة العربية معناها ومبناها ص221 2 اسم الفاعل بين الاسمية والفعلية ،ص12.
عدد الصفحات ٥٨11 ويتهيأ للفعل في السّياق ما لا يتهيأ له في حالة الإفراد، وذلك لأنّ مطالب السياق من حيث المعنى و الإعراب وترتيب العلاقات النّحوية وجمال الأسلوب، فقد ترد الأحداث الماضية بصيغة المضارع، وهذه الأمور لم تتحقق للفعل في حالة الإفراد .1 1 عزير ، كوليزار كاكل ،القرينة ،ط1 ،2111، ص171ـ177.
عدد الصفحات ٥٩71 الفصل الثالث : الدّلالة الزّمنية للفعل المضارع ـ تمهيد . ـ الدلالة الأولى : الماضي المطلق . الدلالة الثانية :الماضي القريب من الحال . الدلالة الثالثة : الماضي المتجدد . الدلالة الرابعة : الماضي المقارب . الدلالة الخامسة :الحال التّجددي أو الاستمراري . الدلالة السادسة :المستقبل القريب . الدلالة السابعة : المستقبل البعيد . الدلالة الثامنة : المستقبل المطلق . الدلالة التاسعة : الزمن المطلق .
عدد الصفحات ٦٠71 تمهيد اختلف النّحاة القدماء في دلالة الفعل المضارع الزّمنية ، فرآها بعضهم مقتصرة على الحال ، ورآها بعضهم الآخر مقتصرة على الاستقبال ، أمّا الجمهور فرآها صالحة لكليهما، ولا يخصّ صها لأحدهما إلاّ القرينة . وقد أجمل لنا السّيوطي في كتابه (همع الهوامع) آراء القدماء في الدّلالة الزّمنية للفعل المضارع في خمسة آراء : 1 أولها : أن تقتصر دلالته الزمنية على الحال ، وذلك لأنّ المستقبل غير محقق الوجود ، وتبنّ ى هذا الرأي ابن الطراوة . ثانيها : أن تقتصر دلالته الزمنية على الاستقبال ، وذلك لأنّه لا يوجد للحال صيغة لقصره ، لأنك بقدر ما تنطق بحرف من حروف الفعل صار ماضيا ، وتبنّ ى هذا الرأي الزّجاج، وردّ على هذا الرأي بأنّ المراد بالحال (الماضي غير المنقطع ) لا (الآن ) الفاصل بين الماضي والمستقبل . ثالثها : أنّه يدل زمنيا على الحال والاستقبال ، وذلك لأنّ إطلاقه على كل منهما ، لا يتوقف على مسوغ ، بخلاف إطلاقه على الماضي فإنه مجاز لتوقفه على مسوغ ـ والمقصود بالمسوغ هنا ( النّفي ) ـ وهذا هو رأي سيبويه والجمهور. 1 همع الهوامع ،1/5.
عدد الصفحات ٦١72 رابعهما : أّنه يدل على الحال حقيقة ، وعلى الاستقبال مجازا ، والدليل على ذلك دلالته على الحال عند تجرّده من القر ائن ودلالته على الاستقبال عند دخول القر ائن ـ وهي السين وسوف ـ وتبنى هذا الرأي الفارسي وابن أبي الرّ كب وأيدّه السيوطي . خامسهما : أّنه يدل على الاستقبال حقيقة ، وعلى الحال مجازا ؛ وذلك لأنّ أصل أحوال الفعل أن يكون منتظرا ، ثمّ حالا ، ثمّ ماضيا ، فالمستقبل أسبق ، فهو الأحق بالدلالة ، وتبنّ ى هذا الرأي ابن طاهر ، وردّ عليه بأنه لا يلزم من سبق المعنى . وتبيّن لنا مما سبق أنّ خلاف القدماء حول دلالة الفعل المضارع الزّمنية نابع من عدّة أسباب ، ومنها : حرصهم الشّديد على اقتران الحدث اللغوي المعبر عنه بصيغة ( يفعل) بزمن محدد ، فما الفعل إلاّ حدث مقترن بزمن ، فهناك علاقة وثيقة بين الحدث المعبّر عن ه بالصيغة والزّمن ،فالفعل الماض ي مقترن بالزّمن الماضي ، وفعل الأمر مقترن بزمن الاستقبال ، أمّ ا الفعل المضارع فهو مقترن بزمنين ، هما ( الحال والاستقبال ) . والسؤال الذي يطرح هنا ،هل يجوز للصيغة الواحدة أن تقترن بزمنين أو أكثر؟ هذا التساؤل كما أرى هو ما دفعهم إلى اللجوء إلى قضية المجاز ،فقالوا بأنّه صالح للحال حقيقة وللاستقبال مجازا أو العكس ، وهو ما دفع الجمهور ومنهم سيبويه لتبرير دلالته على المضي على سبيل المجاز ،بوجود مسوغ هو النفي ، إذ إن دلالته الّ ز منية على ( الحال والاستقبال ) صالحة في الجملة الخبرية ،وليس في الجمل الإنشائية ومنها ج ملة النّفي ، ويقول تمام حسّان في ذلك :"
عدد الصفحات ٦٢73 "فعندما نسبوا الحال أو الاستقبال دائما إلى صيغة يفعل ...نظروا في الجملة الخبرية المثبتة والمؤكدة ، فلم يجدوا هذه الدّلالات الزّمنية تتأثر تأثرا كبيرا بعلاقاتها في السّياق ، ولكنّهم عند نظرهم إلى الجملة المنفية وجدوا المضارع المنفي قد يدل على المضي ...ولما كانت قواعدهم التي وضعوها عزيزة على أنفسهم لم يخطر ببالهم أن يعيدوا نظام الزّمن في ضوء مطالب السّياق ، وساغ لهم في حرصهم على القواعد أن ينسبوا اختلاف الزّمن إلى الأدوات فقالوا: إنّ (لم) حرف قلب..." 1 . ومن أسباب ذلك أي ضا عدم تفريقهم بين زمن الفعل المفرد ( الزّمن الصرفي ) ،وزمن الفعل في الجملة وفي السّياق اللغوي ( الزّمن النّحوي )، فالزّمن الصّرفي يبدو قاطعا في دلالة كل صيغة على معناها الزّمني ، فصيغة (يفعل ) تفيد وقوع الحدث في زمن (الحال )بشكل قطعي،أمّا في السيّاق النّحوي فإن الفعل " وظيفة تؤديها الصيغة في السّياق"2 فقد يتخلّى عن دلالته ليفيد دلالات زمنية جديدة،3 كما سنرى في هذا الفصل وهذه الدّلالات لا بدّ لها من تحديد زمني دقيق معبر عنه بالجهات الزمنية المتعلقة بمعاني القرب والبعد والاتصال والانقطاع والشروع والمقابلة ...وغيرها . كما في معنى المضارع شيء من الشمول والاتساع ، فقد يدل على ما صار بمنزلة الطبيعة والعادة ، فيتسع ولا يتقيّد بزمن ، وهو ما يعرف بـ ( الزّمن المطلق ).4 1 اللغة العربية مبناها ومعناها ، ص213. 2 ،المرجع السابق ،ص211. 3 الزّمن النّحوي في اللغة العربية،ص 18. 4 إبراهيم مصطفى ، إحياء النّحو ، لجنة التأليف والترجمة والنّشر ، (د.ت) ، ص52.
عدد الصفحات ٦٣71 الدّلالة الزمنية للفعل المضارع الدلالة الأولى : الماضي المطلق . الماضي المطلق الحال المستقبل هو ما يعبر عن حدث وقع وانتهى في الزمن الماضي بشكل مطلق أي دون أن يتقيد بوقت محدد أو بفترة زمنية محددة من الزمن الماضي . ومن القرائن اللفظية أو الأدوات التي وجّ هت زمن الفعل المضارع إلى جهة الماضي البسيط في سورة التوبة هي حرف النفي (لم) ، فعندما تكون صيغة الفعل (لم يفعل) ،فإنه يدل على الماضي المطلق .1 وقد ذكر النّحاة القدماء أنّ (لم) حرف نفي وجزم وقلب ، فالنفي للمعنى ، والجزم للإعراب ، والقلب للدلالة الزمنية فتقلب دلالة الفعل المضارع الأصيلة ، وهي ( الحال أو الاستقبال ) إلى دلالة الفعل الماضي الزمنية الأصيلة وهي ( الماضي ) ، إي أن هذه القرينة تقلب زمن الفعل المضارع من الحال أو الاستقبال إلى الزمن الماضي .2 لم يفعل فعل (قلب الدلالة الزمنية من المضارع إلى الماضي) . (المضارع ) (قلب) (الماضي) 1 الزمن النحوي ، ص132. اللغة العربية مبناها ومعناها ،211 نحو الفعل ،31ـ31 2 المفصل ، 8/111. انظر في الأشباه والنظائر 2/112.
عدد الصفحات ٦٤