المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدلالة الزمنية للفعل المضارع في سورة التوبة

هداية نعيم محمد أبو زاكية

صفحة ٦ من ٧

51 1 ـقوله تعالى : "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ "1 . وفي قوله:" أَن يُطْفِئُوا: بيان أن أهل الكتاب يريدون أن يبطلوا دين الله بألسنتهم وتكذيبهم إياه ،فلم يستطيعوا أن يبطلوه فيما مضى ولاهم مبطلوه الآن ولكن يريدون أن يحققوا هذا الفعل في الزمن المستقبل المستمر ولكنه لن يتحقق.2 وفي قوله "أَن يُتِمَّ " إحالة لتحقيق الفعل السابق في المستقبل القريب وذلك لأن إرادة الله عز وجل هي المتحققة في الفترة الزمنية نفسها ؛ فالفعلان السابقان يدلان على الزمن المستقبل المستمر. 2ـ قوله تعالى : "مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْ كُفْرِ ۚ أُولَ ئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ "3 . ويروى أن من أسباب نزول هذه الآية أنه لما أسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرّحم وأغلظوا عليه ، فقال العباس : "مالكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ، فقال له علي : ألكم محاسن ، فقال العباس : نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ، فأنزل الله عزّ وجل هذه الآية" .4 أي ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله والمقصود بالمساجد البيت الحرام ، قال الحسن إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها . 1 التوبة32. 2 معالم التنزيل ،1/31. 3 التوبة15. 4 معالم التنزيل ، 1/31.

عدد الصفحات ٨١

52 فعمارة المشركين للمسجد الحرام كانت قبل نزول هذه الآية وحتى قبل نزول الإسلام بزمان واستمرت حتى وقت نزول هذه الآية وبعدها ، ولكن بين الله ـ عزوجل ـ أن ما يقومون به من عمارة بحسب رأيهم ليس هو العمارة وا نما عمارة المساجد تكون بعبادة الله وتوحيده بها . ونلاحظ هنا من هذه القرينة الحالية المستقاة من تفسير الآية وسبب نزولها أن العمارة التي تحدث عنها الله عز وجل غير مقيدة بزمن فهي غير مقترنة بزمن محدد في الماضي ولا بالحال ولا بالمستقبل وا نما تعبر عن مطلق الزمان . الدلالة السابعة: المستقبل البعيد . هو ما دلّ على حدث يرجى حدوثه في الزمن المستقبل ولكن نسبة حدوثه ضئيلة جدا . الماضي الحال المستقبل ومن القرائن اللفظية المعبرة عن هذا الزمن في سورة التوبة أداة التّرجّي (لعلّ )، فهي تفيد توقع شيء من المستقبل مشكوك فيه أو مظنون ، وعليه فإنها توجه المضارع جهة المستقبل البعيد. ومن أمثلة ذلك في سورة التوبة قوله تعالى : "وَا ِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ "1. إن نقض كفار قريش عهدهم بطعنه م في دينكم ، فلا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، وهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد . 1 التوبة12.

عدد الصفحات ٨٢

53 وقوله "لعلهم ينتهون " أي لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم ، فهذه الطريقة وا ن بدت صارمة قد تردعهم وقد لا تردعهم وهذا دلالة على شدة جحودهم وعنادهم وعداوتهم لدين الحق .1 الدلالة الثامنة المستقبل المطلق. هو ما دل على حدث يتوقع حدوثه بفترة زمنية غير محددة من الزمن المستقبل. ولا خلاف أنّ لا الناهية تحصر الفعل المضارع في الاستقبال ، فهي أحد أحرف النّصب كما أنها لا ترد إلا مع الفعل المضارع لتنهى الم خاطب عن القيام بفعل في المستقبل. وبما أنّ النهي جاء في سياق توجيهات الله عز وجل وأحكامه وسننه فهو نهي مطلق غير مقيد بجهة زمنية محددة. ومن أمثلة ذلك في سورة التوبة: 1ـ قوله تعالىوَلاَ تُصَل عَلَى أَحَد مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ "2 . يأمر الله ـ عزوجل ـ نبيه في هذه الآية ألا يصلي على المنافقين ، ولا يقف على قبر أحد منهم وذلك لأنهم كفروا وماتوا وهم فاسقون ، فما صلى النّبي صلى الله عليه وسلم على منافق ولا قام على قبره حتى قبض .3 1 معالم التنزيل ، 1 /15. 2 التوبة81. 3 أنوار التنزيل ،1/111.

عدد الصفحات ٨٣

51 فجاء الأمر في قوله " ولا تصل " وفي قوله " ولا تقم " في الزمن المستقبل المطلق فلا احتمال لوقوعه أبدا . 2.قوله تعالى "فَلاَ تُع جِب كَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ " 1 . وفي قوله " فَلاَ تُعْجِبْكَ " أي لا تستحسن ما أنعم الله عليهم من الأموال مطلقا ؛ لأن العبد إذا كان من الله في استدراج كثّر الله ماله وولده ليعذبه بهما في الدنيا ويعذبه بهما في الآخرة .2 فجاء الفعل في سياق أسلوب النّهي فالله عز وجل ينهانا عن القيام بفعل في الزمن المستقبل لعلمه الغيبي بأنفسنا ، فلا احتمال لوقوع فعل الإعجاب في الزمن المستقبل مطلقا . 3. قوله تعالىإِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَح زَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّ هِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيز حَكِيم "3 . في هذه الآية إعلام من الله ـ عزّ وجلّ ـ أنه المتكفل بنصر رسوله وا عزاز دينه ، إذ أخرجه الكفار من مكة حين مكروا به ، وأرادوا تبييته وهموا بقتله ، وكان مع النبي ـ عليه 1 التوبة77. 2 أنوار التنزيل ،1/118. معالم التنزيل ،1/71. 3 التوبة11.

عدد الصفحات ٨٤

57 الصلاة و السلام ـ صاحبه أبو بكر فحزن أبو بكر على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال : إن أقتل فأنا رجل واحد وا ن قتلت هلكت أمة ، فنهى النّبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن ، وذلك لثقته بتأييد الله ونصره .1 وفي قوله " لا تحزن " دلالة على وقوع الفعل في زمن الحال ، فجاء النّهي لعدم استمراره في الزمن المستقبل ،فلا احتمال لوقوع هذا الفعل في الزمن المستقبل مطلقا ، وذلك لثقة المؤمن بتأييد الله ونصره والرضا بقضائه وقدره مهما كان ، فهو أعلم بالخير . 4. قوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَا ِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْ تَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِْيمَانِ و من يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "2 1 الجواهر الحسان،2/7. أنوار التنزيل ، 1/117. معالم التنزيل ، 1/11. 2 التوبة23.

عدد الصفحات ٨٥

56 قيل نزلت هذه الآية في قصة العباس وطلحة وامتناعهما عن الهجرة ، وقيل نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة ، فنهى الله عن ولايتهم واتخاذهم بطان ة وأصدقاء يفشون إليهم أسرارهم ويؤثرون البقاء معهم على الهجرة وذلك لأنهم اختاروا طريق الكفر وفضلوه على الإيمان ، إذ كان في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا من مهاجر .1 وهذا دلالة على النهي عن اتخاذ المنافقين أولياء في قوله تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَا ِخْوَ انَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِْيمَانِ " جاء في الزمن المستقبل بشكل مطلق ، فلا احتمالية لوقوعه أبدا لأنه في ذلك الوقت لم يقبل الإيمان إلا من مهاجر كما ذكرنا سابقا . 1 معالم التنزيل ،1/ 21.

عدد الصفحات ٨٦

55 الدلالة التّاسعة الزمن المطلق . الماضي الحال المستقبل هو ما يدل على حدث جرى مجرى الحقيقة أو الطبيعة أو العادة فيتسع ولا يتقيد بزمن . ومن القرائن اللفظية التي تحيل المضارع إلى الزمن المطلق (لا الناّفية ) ،و قد ذكر النّحاة القدماء أنَّ لا النّافية تخلص المضارع للمستقبل ، ومن ذلك قول سيبويه :" وتكون (لا) نفيا لقوله يفعل ولم يقع الفعل ، فتقول لا يفعل " 1،ويوضح ذلك ما قاله الزّمخشري :"لا لنفي المستقبل في قولك لا تفعل "2 ، وقد تبنى هذا الرأي عدد من المحدثين مثل تمام حسان ،و كمال رشيد ، و مهدي المخزومي...و غيرهم . أمّا إبراهيم مصطفى فلا يراها مقتصرة على الاس تقبال وا نما فيها من الشمول والاتساع ما يستوعب كل الأزمنة : فيقول " والنّافية للمضارع هي أكثر أنواع لا استعمالا ، ونصف ما ورد في القرآن الكريم من هذا النّوع ، ويلاحظ في نفي المضارع أنّك تقول : لم يتكلم فالنّفي للماضي ، وما يتكلّم فالنّفي للحال ، ولن يتكلّم فهو للمستقبل ، فإذا قلت لا يتكلّم كان النّفي أوسع وأشمل "3. ومن الشواهد التي تثبت صحة رأيه في سورة التوبة ، ما يلي : 1 الكتاب ،1/ 222. 2 شرح المفصل ،8 /118. 3 إحياء النّحو ، ص52.

عدد الصفحات ٨٧

58 1ـ قوله تعالىقـُ لْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَا ِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَال اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَه دِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " 1 . يوجّه الله ـ عزّ وجلّ ـ في هذه الآية خطابا للمتخلفين عن الهجرة على لسان نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن ينتظروا وعيدهم حينما يقضي الله بفتح مكة ،وذلك إذا كانت أموالهم أعز عليهم من الله ورسوله عندما قالوا :" إن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا "، والله لا يوفّ ق الخارجين عن الطاعة ولا يرشدهم .2 يمثل قوله تعالىوَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " قاعدة من القواعد الربانية الثابتة فهي لا تتغير على مرّ الزّمان فينفي الله عز وجل حدوث فعل الهداية مطلقا للقوم الفاسقين العاصين المخالفين لتعاليم الله ـ عزّ وجل ـ فالفعل (لا يهدي) شمل كل الأزمان ، فالله ـ عزّ وجلّ ـ لا يهدي فاسقا أبدا على مر الزّمان . 2ـ قوله تعالىقَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُ ونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ " 3 1 التّوبة21. 2 أنوار التنزيل ، 1/111. معالم التنزيل ، 1/27. 3 التّوبة12.

عدد الصفحات ٨٨

51 نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله بقتال الروم فغزا بعدها غزوة تبوك ، وقيل في : "لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ " أي لا يؤمنون كإيمان المؤمنين ، أي لا يدينون دين الحق وهو الإسلام . 1 وا ذا ما أردنا أن نحدد زمن الأفعال لاَ يُؤْمِنُونَ " و" وَلاَ يُحَرِّمُونَ " و "وَلاَ يَدِينُونَ " ، نطرح تساؤلا ، هل المقصود في ذلك أنهم لا يؤمنون ولا يحرمون ولا يدينون في زمن الحال فقط (أي وقت نز ول هذه الآية )؟هل هذا يعني أنهم كانوا يدينون دين الحق في الزّمن الماضي ؟لم أمر الله عز وجل بقتالهم في المستقبل القريب لو كان عدم إيمانهم منحصر ا فيما مضى من الزمن إلى وقت نزول الآيات؟ ألا يدل ذلك على أن هذه الأفعال ملازمة لهم على مر الزمان ؟ كل هذه الأسئلة تقو دنا إلى إجابة واحدة وهي أنّ هذه الأفعال حدثت وتحدث في مطلق الزمان فهي غير محددة في زمن معين فإنها شملت كل الزمان . 3ـ قوله تعالىيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَْحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَك نِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَاب أَلِيم " 2 . قال في الآية السابقة ابن عمر: "كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز ، وا ن كان مدفونا ، وكل مال لا تؤدي زك اته فهو كنز ، وا ن لم يكن مدفونا" .3 1 أنوار التنزيل ، 1/151. معالم التنزيل ، 1/81. الجواهر الحسان ،2/65. 2 التّوبة32. 3 معالم التنزيل ،1/31.

عدد الصفحات ٨٩

81 وجاء الفعل في سياق من التعميمات والقواعد الإلهية فكل من يكنز أمواله ولا ينفقها فله عذاب أليم على مر الزمان ، فزمان حدثي الكنز وعدم الإنفاق زمن غير محدد فهو زمن مطلق . 4 . قوله تعالى"لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلاً وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَ ئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ "1 . يتحدث اـ عز وجل ـ في هذه الآية عن المشركين الذين نقضوا العهد ، فيخبرنا الله ـ عز وجل ـ بأنهم لو ظهروا لا يبقون على المؤمنين ؛ وذلك لأن الله ـ عز وجل ـ أعلم بما في صدورهم .2 فالفعل " لايرقبون " فعل ملازم للمشركين فهو غير محدد بزمان وا نما يدل على مطلق الزّمان . 5. قوله تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَ اللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "3 . أخبرنا ا ـ عز وجل ـ في هذه الآية أن عمارة المشركين للمسجد الحرام بالسقاية لا تنفعهم مع الشرك بالله فلا يستوي ذلك ويتعاد ل مع الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، فذلك خير مما هم عليه. 1 التوبة11 2 أنوار التنزيل ، 1/315. معالم التنزيل ، 1/16. 3 التوبة11.

عدد الصفحات ٩٠

81 وفي قوله " لايستثنون " نفي مطلق، فعدم المساو اة بين المؤمن والكافر أمر يشمل كل الأزمان فهو غير مرتبط بزمن بعين ه، وا نما يعبر عن مطلق الزمان . وكذلك قوله " لا يهدي القوم الظالمين " قاعدة من القواعد الإلهية الثابتة غير مرتبطة بزمن بعينه فلا يهدي الله ظالما أبدا عبر مطلق الزمان . كما جاءت في سورة التوبة أفعال مضارع ة دالة على الزمن المطلق لم تقترن بقرينة لفظية؛ فكان للقرينة الحاليّة دور بارز في تحديدها كما هو مبين فيما يلي : 1ـقوله تعالى :"إلاَ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِ رُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "1 . يأمر الله بإتمام عهد من بقي على العهد ولم ينقضه من المشركين وذلك لأن ا يحب الذين يتقونه ويخشونه . ونلاحظ هنا أنّ الفعل "يحب" لم يقترن بقرينة لفظية تحدد زمنه ، إلاّ أنّ ه جاء في سياق يعرض قاعدة من القواعد الربانية السائرة ع لى مر الزم ان ، فحب الله للمتقين مطلق غير مرتبط بزمن بعينه ، فكان للقرينة الحالية هنا دور بارز في تحديد المعنى . 2 ـ قوله تعالى كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْد عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُ حِبُّ الْمُتَّقِينَ "2. 1 التوبة1 . 2 التوبة5.

عدد الصفحات ٩١

82 يتساءل اـ عز وجل ـ عن عهد المشركين عند الله ورسوله ، أي لا يكون لهم عهد أبدا وهم يغدرون وينقضون العهد ثم استثنى المعاهدين عند المسجد الحرام . 1 فاـ عز وجل ـ يحب المتقين الذين يتقونه ويخشونه وهذه قاعدة إلهية فالله يحب المتقين على مر الزمان ، فلم يقترن حدث الحب بزمن بعينه ، وا نما عبر عن مطلق الزمان . 1 أنوار التنزيل ، 1/316. معالم التنزيل ، 1/11. الجواهر الحسان ،2/38.

عدد الصفحات ٩٢

83 الخاتمة : خلصت الدّر اسة إلى جملة من النّتائج والتّوصيات ، أجملها في الآتي : أولا: النّتائج: 1. أن الفعل المضارع غير مقترن بدلالة زمنية بعينها ضمن السياق اللغوي ، إذ رأينا تعدد دلالاته في سورة التوبة تبعا لارتباطه بالقرائن اللفظية أو الحالية. 2. لا يكتفي الفعل المضارع بارتباطه بالقري نة اللفظية وحدها ليدل على زمن بعينه في السياق اللغوي ، إذ لا بد من تضافر القرينة اللفظية مع القرينة الحالية لتحديد الزمن المطلوب. 3. للجهات الزمنية دور بارز في التحديد الزمني الدقيق للحدث في السياق اللغوي 4. أن القر ينة اللفظية (لا النافية) لا تحصر الفعل المضارع في الدلالة على الزمن المستقبل في سياق سورة التوبة ؛إذ إنها تتسع لتشمل الأزمنة كلها ليدل الفعل من خلالها على مطلق الزمان.

عدد الصفحات ٩٣

81 ثانيا: التّوصيات تساهم دراسة الدلالات الزمنية للأفعال وتحديد الجهات الزمنية لها في تطوير مفهوم الزمن في النّ حو العربي ، وخروجه عن بوتقة الزمن الفلسفي الذي اعتمده القدماء في التقسيم الزمني للفعل. وبناء على ذلك فإن الباحثة توصي بالأمور الآتية: 1. توجيه طلبة العلم بالدراسة البحثية لمفهوم الدلالة الزمنية في سياقات مختلفة. 2. تقعيد القرائن الحالية المعبرة عن الدلالات الزمنية وجهاتها 3. ضرورة تطبيق الدراسات اللغوية على القرآن الكريم؛ لأنه أ رقى النصوص اللغوية وأكثرها بيان ا.

عدد الصفحات ٩٤

87 قائمةالمصادر والمراجع ـ القرآن الكريم . ـ الأثري ، محمد بهجة ، أعلام العراق ، الدار العربية ، بيروت ، ط 1 ،1422هـ. ـ الأزهري ، خالد عبد الله، شرح التصريح على التوضيح على ألفية ابن مالك، تحقيق عيسى البابي الحلبي، (د,ت ). ـ الألوسي ، شهاب الدين (ت 128 هـ )، روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني، دار الفكر للطباعة والنشر ، 1994. ـ الألوسي، شهاب الدين (ت 128 هـ، غرائب الاغتراب ، ( د.ت). ـ الألوسي، محمود شكري ( ت 1342 هـ ) ، المسك الأذفر ، مطبعة الآداب ، بغداد ، 1930 . ـالأنباري، أبو البركات (ت 588هـ)، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، تحقيق إبراهيم السامرائي، مكتبة الأندلس، بغداد ، ط2 ، 1980م. ـ الأنصاري، أحمد مكي ، أبو زكريا الفراء ومذاهبه في النحو واللغة ، مطبوعات المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم، القاهرة ، 1924. ـ برجشتراسر، التطور النحوي في اللغة العربية، تحقيق رمضان عبد التواب، مطبعة الخانجي بالقاهرة، 1402هـ – 1912م. ـ البطاط ، هاني ، مقولة الزمن (القرينة والدلالة دراسة لسانية) ، مجلة جامعة الخليل للبحوث ، المجلد الرابع ، العدد 1، 2009.

عدد الصفحات ٩٥

86 ـالبغدادي، أبو بكر أحمد بن الفضل ( ت423 هـ )، تاريخ بغداد أو مدينة السلام منذ تأسيسها حتى نهاية 423 هـ ،دار الفكر، بيروت، (د.ت). ـ البغوي، معالم التنزيل ، تحقيق محمد عبد الله النمر، دار طيبة، (د،ت) . ـ البيضاوي، أنوار الت نزيل وأسرار التأويل ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (د،ت). ـ الثعالبي، الجواهر الحسان في تفسير القرآن ، تحقيق أبو محمد الغماري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2004. ـ جحفة، عبد المجيد، دلالة الزمن في العربية ( دراسة النّسق الزّمني للأفعال )، دار توبقال للنشر، ط1، 2002. ـ حسام الدين، كريم زكي، الزمان الدلالي، (دراسة لغوية لمفهوم الزمان في الثقافة العربية )، دارغريب للطباعة والنشر، ط2، 2002. ـ حسان، تمام، اللغة العربية معناها ومبناها، دار الثقافة، الدار البيضاء ـ المغرب ، ط 1994م ـ حسان، تمام، مناهج البحث في اللغة، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط2، 1984 . ـ الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم الأدباء، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، مطبوعات دار المأمون، ج20، 1932 ـ 1931 م. ـ الحوفي، أحمد محمد ، الزّمخشري، مطبعة لجنة البيان العربي ، ط2 ، 1922. ـ الخالدي ، كريم حسين ناصح و زنكنة ، شيماء رشيد محمد ، الخلاف في الزمن في ضوء السياق والحال وأسباب النزول ، مجلة كلية التربية الأساسية ،العدد 85 ،2012 .

عدد الصفحات ٩٦