أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 128 أصبح الوفاء به مستحيلا لسبب أجنبي عن المدين . ومنه فإن المشرع الجزا ئري إضافة إلى عدم تعريفه القوة القاهرة لم يعط عنها أي مثال مكتفيا بتحديد أثرها المتمثل في انقضاء الالتزام .( علي خوجة، 9119، ص2.) ثانيا: تعريف الظروف الطارئة: على العكس من القوة القاهرة التي ورد اسمها في نصوص القانون المدني دون تعريفها أو ذكر حالاتها، نجد ا لظروف الطارئة مذكورة بما يشبه التعريف حينما نص عليها المشرع الجزائري في المادة 012 فقرة : 6 من القانون المدني باعتبارها استثناء على القوة الملزمة للعقد، مبينا معالمها وشروطها حيث جاء في الفقرة 6 منالمادة 012 من القانون المدني :" غير أنه إذا طرأت حوادث استثن ائية عامة لم يكن في الوسع توقعها ، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلا، صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاض ي تبعا للظروف وبعد مراعاة لمصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك". وعلى ضوء ذلك عرف الفقه القانوني الظروف الطارئة بأنها :" تلك الحوادث الاستثنائية العامة وغير المتوقعة التي تمس كافة الناس أو طائفة من الناس بجميع أفرادها ، ويؤدي هذا الحادث إلى جعل تنفيذ الالتزام مرهقا لا مستحيلا ".( بلحا ، ص222). ورغم أن المشرع الج زائري لم يبي ن صراحة نطاق العقود التي تشملها نظرية الظروف الطارئة، ولكن من خلال ما ورد في الفقرة 6 من المادة012 من القانون المدني سالف الذكر، يتبين أن مجال تطبيق نظرية الظروف الطارئة هو العقود المستمرة في الزمن تفصل بين تاريخ إبرامه و بين تنفيذ الالتزامات الناشئة عنه مدة من الزمن تسمح بتغير الظروف التي أبرم فيها العقد ، سواء كان ت عقودا زمنية محضة يظهر الزمن عنصرا في محلها كعقد الإيجار ، أو عقودا فور ية من حيث أصلها ولكن تنفيذها متراخ في الزمن مثل عقد المقاولة .( فيلالي، د .ت، ص 626 وهامشها رقم96 ()مرقس، ص 611.) وعليه، من خلال النظر في تعريف القوة القاهرة والظروف الطارئة وموقعهما من القانون المدني الجزائري يتبين لنا أن القوة القاهرة تشمل كل أنواع الالتزامات في حين أن نظرية الظروف الطارئة تتعلق بالالتزامات العقدية حصرا، إضافة إلى
عدد الصفحات ١٣٠أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 129 أن تعريف القوة القاهرة والظروف الطار ئة يظهر منه وجود اختلاف من حيث الشروط والآثار وهو ما نراه في الفرعين المواليين. الفرع الثاني : شروط تحقق القوة القاهرة ونظرية الظروف الطارئة من خلال هذا الفرع نتناول الشروط التي يتطلبها تحقق القوة القاهرة وتطبيق نظرية الظروف الطارئة حتى يتبين لنا الفرق بينهما بشكل أدق. أولا : شروط تحقق القوه القاهرة : من خلال التعريف الذي ذكرناه للقوة القاهرة يتضح لنا أن شروطها هي عدم التوقع وعدم القدرة على مواجهتها أو التصدي لها، وأنها تؤدي إلى جعل تنفيذ العقد مستحيلا . 9- عدم إمكانية التوقع: ويقصد به في نطاق العقود أن كلي الطرفين لم يكن يتوقع وقت إبرام العقد أن يقع حادث مفاجئ أو تحل به قوة قاهرة وأن يكون عدم التوقع بالنسبة لجميع الناس وليس المدين فقط .( قدادة، ص926.) 2- عدم إمكانية الدفع: أي أن يكون الحادث المفاجئ مانعا من كل مقاومة و لا يمكن التصدي له أو التخلص من آثاره، لأنه لو استطعنا مواجهته لما أصبح قوة قاهرة .( قدادة، ص926.) وفي كلي الشرطين السابقين يكون المعيار المتبع في تحديدهما معيارا موضوعيا غير ذاتي، فلا يؤخذ بعين الاعتبار الظروف الشخصية للمتعاقد بل يعتمد القاض ي على معيار الرجل العادي في النظر : هل كانت القوة القاهرة متوقعة أو غير متوقعة وهل كان ب الإمكان دفعها والتصدي لآثارها أو لا؟ 3- أن يكون الأمر خارجا عن إرادة الأطراف : هذا الشرط مرتبط ارتباطا وثيقا بالشرطين السابقين لأن علم أحد العاقدين باحتمال وقوع القوة القاهرة أو تأكده منها كمن كان يعلم بقرارات حكومية معينة ستوقف نشاطا معينا أو تمنعه أو علمه بنشوب حرب في منطقة أو أي قوة قاهرة أخرى تؤثر على تنفيذ العقد وأقبل على التعاقد دون علم المتعاقد الآخر، يجعله مقصرا ومسؤولا عن التعويض لأن العلم ينفي شرط إمكان التوقع ومن كان له التوقع أمكن له دفع الحادث.( علي خوجة، ص 62،62.) 7- أن يصبح تنفيذ الالتزام مستحي : هذا الشرط امتداد لل شرط الثاني المتعلق بعدم إمكانية دفع القوة القاهرة، ذلك أن عدم القدرة على التصدي للقوة
عدد الصفحات ١٣١أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 130 القاهرة يعني عجز المدين عن القيام بالتزامه بصفة نهائية وهو ما يعبر عنه باستحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة، لأن الاستحالة النسبية أو المؤقتة تجعل القوة القاهرة ممكنة الدفع .( زكي، 0232، ص029.) وننتقل إلى الشروط المطلوبة في نظرية الظروف الطارئة. ثانيا: شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة : من خلال التعريف المذكور سابقا للظروف الطارئة وأيضا ما ورد في الفقرة 6 من المادة 012 من القانون المدني يتبين لنا شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة هي: 9- أن نكون أمام عقد متراخي التنفيذ : ذكرنا في بداية المبحث أن نظرية الظروف الطارئة جاءت استثناء من مبدأ القوة الملزمة للعقد ، وأنها جاءت لحل الإشكال الناجم عن وقوع حادث استثنائي أثناء تنفيذ العقد يؤدي إلى جعل تنفيذ العقد مرهقا للمدين ويهدده بخسارة فادحة ، وهو ما يتنافى مع العقود الفورية التي تنفذ فور إبرامها، لذلك وكما بينا في عنصر تعريف الظروف الطارئة من أن نطاق تطبيقها هو العقود الزمنية أو العقود الفورية متراخية التنفيذ، ولكن يجب أن لا يكون تر اخي التنفيذ ناجما عن تماطل المدين وخطئه .( قدادة، ص000.) 2- أن يكون الظرف استثنائيا : يقصد بالظرف الاستثنائي الحادث غير المألوف الذي لا يقع عادة، بينما يرى البعض أن صفة الاستثنائية تكون في آثار الحادث وليس فقط في الحادث نفسه، وكلا الأمرين صحيح، فالعبرة تكون في الآثار الاستثنائية للحادث كما قد تكون بالحادث نفسه إذا كان استثنائيا .( فيلالي، ص621.) 3- أن يكون الظرف عاما لا يمكن توقعه وقت العقد : يقصد ب عمومية الظرف الطارئ أن لا يكون الحادث الاستثنائي خاصا بالمدين بل يجب أن يشمل عموم الناس ، أو على الأقل جميع أفراد طائفة معينة كالأطباء أو المقاولين ..الخ. إضافة إلى ذلك يجب أن لا يكون أطراف العقد يتو قعون هذا الحادث وقت إبرام العقد، ويتثبت القاض ي من ذل ك وفق قاعدة موضوعية لا ذاتية هي ( إمكانية التوقع ) وقت إبرام العقد بمعيار الرجل العادي .( مرقس، ص 610.) ومن خلال تناولنا للشروط المطلوبة في القوة القاهرة والظروف الطارئة نجد أنها تتفق في أهم شرطين وهما اعتبار الأمر الذي حدث عاما غير متوقع الحدوث
عدد الصفحات ١٣٢أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 131 مع عدم إمكانية دفعه إضافة إلى اعتماد المعيار الموضوعي، إلا أن هناك شرطا في القوة القاهرة غير وارد في الظروف الطارئة بل لعله المعيار الراجح في التمييز بينهما وهو أن الظروف الطارئة لا يشترط فيها أن يصبح الالتزام مستحيلا ، بل على العكس يجب أن تؤدي فقط إلى إرهاق المدين، وهو ما يتضح أكثر من خلال بيان آثار القوة القاهرة والظروف الطارئة على الالتزام. الفرع الثالث : الأثر المترتب على ثبوت القوة القاهرة وتطبيق نظرية الظروف الطارئة نرى أولا الأثر المترتب على ثبوت القوة القاهرة ثم الأثر المترتب عن تطبيق نظرية الظروف الطارئة: أولا : الأثر المترتب على ثبوت القوة القاهرة : إذا ثبت للقاض ي أن قوة قاهرة جعلت تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلة حكم بانفساخ العقد وإرجاع الطرفين إلى ما كانا عليه قبل التعاقد، ولكن المدين يعفى من تعويض الدائن بسبب عدم تنفيذ الالتزام التعاقدي وذلك لا نتفاء الخطأ العقدي في حقه لانقطاع العلاقة السببية، طبقا لمفهوم المادتين 023 و612 من القانون المدني التي تؤكد أن الالتزام ينقض ي إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلا لسبب أجنبي عن إرادته. ولكن هذا الإعفاء من المسؤولية لا يمتد إلى التقصير الحاصل من المدين قبل حدوث القوة القاهرة، فالمدين المتأخر عن تنفيذ التزامه رغم أعذاره إذا حلت به قوة قاهرة لم يعفه ذلك من التعويض عن تقصيره لأنه لو نفذ التزامه في موعده لما أدركته القوة القاهرة .( بلحا ، ص221( ) زكي، ص 021.) والأصل بعد انفساخ العقد أن ي عود الطرفان إلى ما كانا عليه قبل التعاقد بانقضاء الالتزام المستحيل والالتزام المقابل له طبقا للمواد 090 و099 من القانون المدني ، فإن ذلك لا يسري على جميع العقود، حيث إن العقود الزمنية والعقود متراخية التنفيذ التي تكون فيها الأداءات متقابلة تؤدى بشكل مجزأ أو مستمر يقتص ر أثر الفسخ فيها على ما بعد الحكم بالفسخ، مع الحكم بالتعويض المعادل إذا كان لذلك وجه .( زكي، ص 022.) ولكن المشرع أجاز الاتفاق بين المتعاقدين أن يتحمل المدين تبعة القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ طبقا للمادة 022 فقرة 0 من القانون المدني الجزائري.
عدد الصفحات ١٣٣أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 132 وننتقل الآن ف ي العنصر الموالي لنرى آثار الأخذ بنظرية الظروف الطارئة وتطبيقها . ثانيا: آثار تطبيق نظرية الظروف الطارئة : طبقا لنص المادة 012 فقرة 6 من القانون المدني الجزائري: إذا ثبت للقاض ي توفر شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة يقوم برد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، و للقاض ي بذلك سلطة تعديل أحكام العقد، حيث له أن يحكم بالإنقاص من التزامات المدين أو يزيد من التزامات الدائن المقابلة لالتزام المدين وقد يكتفي القاض ي بوقف تنفيذ العقد حتى يزول الظرف الطارئ . ويرى جانب من الفقه أن القاض ي يستطيع أن يحكم بفسخ العقد فيما تبقى منه إذا تبين له أن الاستمرار في التنفيذ غير مجد أو أن تحقيق التوازن العقدي غير ممكن.( فيلالي، ص620)،( زكي، ص 022.) وعليه يتضح لنا من هذا العنصر أن الفرق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة من حيث آثارهما يتجلى في أن قواعد القوة القاهرة تحمي المدين الذي استحال تنفيذ التزامه بإعفائه منه، في حين تسعى ق واعد نظرية الظروف الطارئة إلى الحفاظ على العقد ما وسع القاض ي ذلك. ويضاف إلى هذا الفرق فرق آخر هو جواز اتفاق المتعاقدين على تحمل المدين تبعة القوة القاهرة طبقا للمادة 022 من القانون المدني ، في حين نص المشرع الجزائري في المادة 012 فقرة 6 من القانون المدني بخصوص نظرية الظروف الطارئة أنه يقع باطلا كل اتفاق مخالف للأحكام الخاصة بالظروف الطارئة، وهو فرق كان على المشرع تداركه لأنه لا مبرر له، فكلتا الفكرتين نص عليهما المشرع لحماية الطرف الضعيف في العقد .( بولحية، 0226، ص00.) وبعد هذا البيان الموجز للتفرقة بين القوة القاهرة والظروف الطارئة ننتقل في المطلب الثاني من هذا المبحث لنرى أين نضع الآثار المترتبة عن إجراء ات مجابهة جائحة كورونا فيما يخص عقود الإيجار: هل هي قوة قاهرة أو ظرف طارئ؟ المطلب الثاني تكييف أثر جائحة كورونا على عقود اليجار بين القوة القاهرة والظروف الطارئة
عدد الصفحات ١٣٤أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 133 سبق أن بينا في مقدمة المبحث جراء ات التي اتبعتها الحكومة في مواجهة جائحة كورونا والنصوص التنظيمية التي صدرت بهذا الخصوص وذكرنا أن أهمها كان توقيف العديد من الأنشطة، وهذا الإ جراء حين النظر إليه بصفة مجردة لا يمكن أن نعتبره بصفة مطلقة قوة قاهرة أو ظرفا طارئا، حيث يجب أن نعالج كل نوع من أنواع العقود ونرى أثر الإ جراء ات الحكومية على الالتزامات المترتبة عنها بناء على المعيار المميز للقوة القاهرة بجعلها تنفيذ الالتزام التعاقدي مستحيلا وهي تسري على كل أنواع العقو د، إضافة إلى المعيار الذي نستثني به نظرية الظروف الطارئة من التأثير على العقود الفورية لا قتصار تطبيقها على العقود الزمنية أو متراخية التنفيذ . و عقد الإيجار طبقا للمادة 132 من القانون المدني الجزائري هو العقد الذي بمقتضاه يمكن المؤجر المستأجر من الانتفاع بش يء لمدة معينة مقابل بدل إيجار معلوم فعقد الإيجار من العقود الزمنية أو عقود المدة ، أي أن المدة عنصر من عناصر ركن المحل في عقد الإيجار إلى جانب العين المؤجرة وبدل الإيجار، حيث يحدد بدل الإيجار في مقابل المدة التي ينتفع بها المستأجر بالعين المؤجرة فتكون كل وحدة من الزمن تقابل جزءا من بدل الإيجار .( شيهاني، 9102، ص01.) والإيجار المدني قد يكون للاستعمال السكني، وهذا لا تتأثر أحكامه بالإ جراء ات المتبعة لمكافحة فيروس كورونا؛ لأن العقد ساري المفعول ولم تؤدّ هذه الإ جراء ات لتوقفه، كما قد يكون محلا لعقد الإيجار رخصة ب يع المشروبات لأجل ممارسة نشاط مقهى ورخصة استغلال خطوط النقل الحضري ونقل المسافرين أو حتى الحافلات ، وقد يكون الإيجار منصبا على محل يخصص لممارسة التجارة لفائدة المستأجر وهو ما يسمى بالإيجار التجاري . وهذا النوع من الإيجارات هو أكثرها تأثرا بالإ جراء ات المتخذة من طرف الحكومة؛ لأن قرار تعليق الأنشطة التجارية والمهنية جعل التجار في حالة عدم قدرة على الانتفاع بالعين المؤجرة على النحو المذكور في العقد ويصبح بدل الإيجار للفترة التي يقع فيها الغلق مدفوعا دون مقابل. وهنا هل تعتبر القرارات الحكومية الناتجة عن إجراء ات مجابهة فيروس كورونا بالنسبة لعقد الإيجار ظرفا طارئا أخل بالتوازن العقدي لطرفي العقد، أم قوة قاهرة تؤدي إلى انفساخ العقد؟
عدد الصفحات ١٣٥أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 134 هنا نرى أنها لا تشكل قوة قاهرة لأن المستأجر كان قد تمكن من حيازة العين المؤجرة والانتفاع بها ، ولكنه لم ينتفع بالعين المؤجرة خلال مدة مع ينة من العقد ويكون غالبا قد دفع بدل الإيجار عنها مسبقا، ولكنه يكون هاهنا قد تضرر لعدم استيفائه كامل المنفعة من العين المؤجرة نظرا للظرف الطارئ غير المتوقع ساعة إبرام عقد الإيجار ، وهو ظرف عام على الجميع ولا يؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزام بدفع بدل الإيجار و لكنه مرهق للمستأجر باعتبار أن المنفعة غير محصلة من العين المؤجرة، ومنه ستظهر العديد من النزاعات يحتا القاض ي فيها لإعمال اجتهاده في ضوء المادة 012 من القانون المدني التي قد تبدو للوهلة الأولى غير كافية لعلا الحالات المتأثرة بالإ جراء ات المتبعة لمكافحة فيرو س كورونا نظرا لخصوصية الظرف الطارئ الناتج عن إجراء ات مواجهة الجائحة. وهو ما يقودنا نحو ما سنتناوله في المبحث الثاني من سلطة القاض ي على النزاعات المطروحة أمامه، وهل تكفي القواعد العامة الواردة في القانون المدني؟ المبحث الثاني سلطة القاض ي في النزاعات الناش ئة عن تأثر عقد اليجار بجائحة كورونا انتهينا في المبحث الأول إلى أن الإ جراء ات التي اتخذتها الحكومة في مواجهة جائحة كورونا تعتبر بالنسبة لعقود الإيجار أقرب ما يكون ظرفا طارئا يؤدي إلى اختلال التوازن التعاقدي بين المؤجر والمستأجر ، ولكنها تتميز بخصوصية تميزها عن نظرية الظروف الطارئة العادية، وعلى ذلك قد تنشأ نزاعات قضائية بهذا الخصوص لا سيما في الإيجارات ذات بدل الإيجار المرتفع والمثبتة بعقود رسمية وهو الغالب في الإيجارات الموجهة للاستغلال كمحلات تجارية أو كمقرات شركات تجارية لأن ال رسمية شرط في العقود المقدمة ضمن ملف التسجيل والقيد في السجل التجاري . والطرف المتضرر في العلاقة بين المؤجر والمستأجر في ظل جائحة كورونا غالبا هو المستأجر، حيث إنه منع من الانتفاع بالعين المؤجرة مدة طويلة قد يكون دفع مسبقا بدل إيجارها أو على وشك دفعه إذا كانت مدة العقد مثلا سنتين أو ثلاثة والدفع بشكل سنوي كما جرت عليه العادة، وقد أغلقت المحلات ومنعت الأنشطة التجارية، لذلك إذا اختار المستأجر اللجوء إلى القضاء فإن طلبه ينصب
عدد الصفحات ١٣٦أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 135 على تخفيض بدل الإيجار أو إعفائه من دفعه عن الفترة التي أغلق فيها المحل أو استرجاع ما دفع مسبقا عن المدة التي توقف فيها النشاط ، أو اعتبارها بدل إيجار عن فترة لاحقة لم يسدد بعد بدل إيجارها. ونعالج في مطلب أول رقابة القاض ي على توفر شروط نظرية الظروف الطارئة في ظل جائحة كورونا، وفي مطلب ثان الحلول التي قد يحكم بها القاض ي. المطلب الأول رقابة القاض ي على توفر شروط نظرية الظروف الطارئة في ظل جائحة كورونا يتعين على القاض ي حين النظر في الدعوى التأكد أولا من توفر شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة سالفة الذكر، فإذا كان شرط العقد الزمني وأن يكون الحادث استثنائيا عاما أمرا مفروغا منه، تظهر ضرورة التأكد من شرط عدم التوقع وقت إبرام العقد؛ ففيروس كورونا ظهر في الصين في ديسمبر 9102 وبدأ في الانتشار حول العالم في شهر جانفي 9191 وبدأت الحالات الأولى في الجزائر بالظهور منتصف فبراير 9191 حيث ظهر استفحال الأمر في بداية مارس 9191 أين باشرت الحكومة جراء ات الأولية التي أدت إلى صدور حزمة من القرارات في شكل مراسيم تنفيذية خاصة بالحجر الصحي ، وما يترتب عليه من تعليق الأنشطة التجارية، ومنه فالعقود المبرمة بعد 91 مارس9191 لا يحتج بالظروف الطارئة فيها، أما العقود التي أبرمت قبل ذلك بأيام أو أسابيع فإن القاض ي يطبق فيها معيار الرجل العادي، أي أنه في توقيت إبرام العقد هل كان الرجل العادي يمكن أن يتوقع ضرب حجر صحي ومنع الأنشطة التجارية بسبب جائحة كورونا؟ وأخيرا يتعين على القاض ي أن يت أكد أن الالتزام الواقع على المستأجر صار مرهقا ومهددا له بخسارة فادحة ، ولو لم يكن مستحيلا وهو أمر بيّن فيما تعلق بآثار جائحة كورونا لأن توقف الأنشطة أدى إلى خسائر فادحة، وهنا ينظر القاض ي للخسارة التي أصابت المستأجر بسبب عقد الإيجار بغض النظر عن ذمته المالية، لأن المعيار المطبق هنا موضوعي وليس شخصيا .( بوغرارة، 9191، ص693 .)
عدد الصفحات ١٣٧أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 136 المطلب الثاني الحلول التي يحكم بها القاض ي بخصوص تعديل عقد اليجار المتأثر بجائحة كورونا إن القاض ي في المسائل المدنية والتجارية وإن لم يكن ملزما بتكييف الأطراف لنزاعهم وطلباتهم إلا أنه لا يجوز له أن يقض ي بأكثر مما طلبه الخصوم، وعلى ذلك فليس له فسخ العقد ما لم يطلب الأطراف الفسخ وتوفرت أسبابه وما لم يصبح الالتزام مستحيلا . وعليه حين يعرض على القاض ي طلب المستأجر بتطبيق نظرية الظروف الطارئة يكون أمامه مجموعة من الخيارات تحت إطار واحد هو رد الالتزامات إلى الحد المعقول، ويكون القاض ي هنا محكوما بضابط مراعاة مصلحة الطرفين معا طبقا لنص الفقرة 6 من المادة 012 من القانون المدني ( أقصاص ي، 9102، ص062 .)وسنناقش هذه الخيارات مع تطبيقها على عقد الإيجار المتأثر بإجراء ات مجابهة جائحة كورونا. الفرع الأول : إنقاص التزامات المستأجر أو زيادة التزامات المؤجر قيام القاض ي بالحكم بإنقاص التزامات المستأجر هو التفسير الأقرب لفكرة رد الالتزام المرهق للحد المعقول طبقا لنص المشرع في الفقرة 6 من المادة 012 من القانون المدني ( بوغرارة، ص 693)، حيث ينظر القاض ي في العقد المعروض عليه ويرى كيف ينقص من التزامات المستأجر في مواجهة المؤجر، وأهم مظهر لذلك هو تخفيض بدل الإيجار إلى حين زوال الظرف الطارئ للمستأجر، أو حتى إعفاؤه منه لفترة محددة مثلا عدد أشهر الغلق . وهنا تظهر عدة إشكالات أهمها أن المستأجر يكون عادة قد دفع جزءا معتبرا من بدل الإيجار للمؤجر والتي قد تكون سنة مقدما لعقد مدته سنتين، وربما دفع بدل الإيجار كله، فكيف يخفض القاض ي هنا من التزامات المستأجر؟ هل يحكم على المؤجر بإرجاع جزء مما قبضه إذا كان قد دفع كل بدل الإيجار مسبقا؟ للقاض ي سلطة تقديرية في ذلك . ويرى الفقه إمكانية لجوء القاض ي إلى زيادة التزامات الدائن إذا لم يستطع إنقاص التزامات المدين ( بوغرارة، ص693)، وتطبيق ذلك في عقد الإيجار يكون في
عدد الصفحات ١٣٨أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 137 الحالة التي يكون فيها المستأجر قد أدى بدل الإيجار مسبقا ولم يشأ القاض ي الحكم على المؤجر بإرجاع جزء منه، وتكون زيادة التزامات المؤجر حين الحكم بتمديد عقد الإيجار مدة إضافية دون بدل إيجار لتخفيف الضرر الذي لحق بالمستأجر نتيجة الغلق الذي أدى إلى عدم انتفاعه بالعين المؤجرة . كما يستطيع القاض ي بما خوله له القانون من سلطة تقديرية أن يجد حلا مركبا، حيث يستطيع أن يحكم بتمديد عقد الإيجار لمدة لاحقة على انتهائه تساوي المدة التي توقف فيها النشاط التجاري بسبب إجراء ات مواجهة جائحة كورونا ولكن ليس دون بدل إيجار بل بفرض بدل إيجار مخفف، وذلك حتى يضمن للمستأجر تعويض بعض خسائره ويحافظ على مصلحة المؤجر . الفرع الثاني : توقيف سريان العقد أو حل العقد يلجأ القاض ي إلى ذلك حين يتبين له من القضية المعروضة أمامه أنه لا جدوى من الحلول السابقة فيلجأ إلى الحكم بتوقيف العقد لمدة معينة ( أقصاص ي، ص011 .)ويتصور ذلك في عقد الإيجار المتأثر بجائحة كورونا سيكون بأثر رجعي باعتبار فترة الغلق الناتجة عن توقيف الأنشطة التجارية كأن لم تكن، فلا تحتسب من المدة المنصوص عليها في عقد الإيجار، وهذا الحل شبيه بتمديد عقد الإيجار الذي ذكرناه في العنصر السابق . ولكن قد يطلب المستأجر إنهاء التعاقد، لرفض المؤجر لطلباته أو قد يكون طلب إنهاء العقد من المؤجر في معرض رده ، فيعرض على المستأجر إنهاء العقد وفسخه، وهنا قد يقبل المستأجر بالمبدأ ونصبح أمام انحلال العقد بالاتفا ق أو ما يعرف بالتقايل، فإما أن يتفق الطرفان على آثار انحلال العقد لا سيما رجوع الطرفين إلى ما كانا عليه قبل التعاقد واستحالته في العقود الزمنية مما يتوجب على الطرفين الاتفاق عليه، ولا يملك القاض ي حينها سوى التصديق على إرادة الأطراف، وإما أن لا يقع اتفاق بي نهما، فيحكم القاض ي بتعويض عادل مع مراعاة ظروف الطرفين وحالة العين المؤجرة. وفي جميع الأحوال يبقى الواقع يفرض عدة إشكالات حتى لو حكم القاض ي بأي حل من هذه الحلول ، ولعل أبرز إشكال هو قيمة بدل الإيجار المصرح بها في العقد والتي عادة ما تكون غير حقيقية، وبالتالي يتوجب على المستأجر هنا أن يثبت القيمة الحقيقية ويقع حينها في إثبات خلاف ما هو ثابت بالكتابة الرسمية ، وهو ما
عدد الصفحات ١٣٩أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 138 يتطلب دليلا له قوة أو إقرارا من المؤجر بالقيمة الحق يقية أو توجيه اليمين الحاسمة، وهي كلها أمور تجعل اللجوء إلى القضاء أمرا صعبا على المستأجر. خاتمة: تم التطرق من خلال هذا البحث إلى تأثر عقود الإيجار بجائحة كورونا بسبب الإ جراء ات التي اتبعتها الحكومة والقرارات التي اتخذتها في سبيل الوقاية والحد من انتشار الو باء. حيث توصلنا إلى أن التأثير الحاصل على عقود الإيجار ليس في الجائحة في حد ذاتها بل في قرارات توقيف الأنشطة التجارية. وتبين لنا أن الأثر القانوني للقرارات المتخذة لمواجهة جائحة كورونا يأخذ شكل القوة القاهرة إذا أصبح تنفيذ الالتزام مستحيلا أو شكل الظرف ال طارئ في العقود الزمنية مع بقاء تنفيذ العقد ممكنا، حيث وصلنا إلى أن نظرية الظروف الطارئة هي التي تطبق على عقود الإيجار المتأثرة . كما أكدنا أن هذا القول يؤخذ بتحفظ، وأن على القاض ي أن يجتهد في تطبيق نظرية الظرو ف الطارئة بما يتواءم و خصوصية جائحة كورونا وما ترت ب عنها من إجراء ات، وعرضنا ما يمكن له أن يحكم به من حلول إذا ما عرضت عليه النزاعات الناشئة عن عقود الإيجار المتأثرة، وهي حلول تتراوح بين إنقاص التزامات المستأجر أو زيادة التزامات المؤجر أو الذهاب إلى توقيف العقد أو حلّه مع الحكم بتعويض عادل ما لم يتفق طرفا العقد على آثار انحلاله . وهنا نؤكد على ما ذكرناه في متن البحث من أن اللجوء إلى القضاء لحل النزاعات الناتجة عن تأثير جائحة كورونا على عقود الإيجار قد لا يحدث بسبب خوف الأطراف من القضاء وطول إجراء اته من جهة وجهلهم به من جهة أخرى، حيث تعتبر الحلول الودية هي الأقرب والأفضل للأطراف ولكنها لا تكون بالضرورة مرضية للمستأجر الذي يظل الطرف الأضعف في العقد من حيث الأصل . لذلك تظهر لنا عدم كفاية قواعد القانون المدني في معالجة هذه الإشكالات، ونوص ي بضرورة إعداد نص خاص ي عنَى بحل الإشكالات المترتبة عن آثار إجراء ات مجابهة فيروس كورونا. قائمة المراجع : أولا : النصوص القانونية:
عدد الصفحات ١٤٠أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 139 0- أمر22-22 المؤرخ في92/12/0222 المتضمن القانون المدني المعدل والمتمم. 9- المرسوم التنفيذي 91-32 المؤرخ في 90 مارس9191 يتعلق بتدابير الوقاية من فيروس كورونا كوفيد-02 ومكافحته المعدل والمتمم. ثانيا: الكتب: 0- بلحا العربي، مصادر الالتزام في القانون المدني الجزائري، المصادر الإرادية العقد والإرادة المنفردة، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، د.ط، د.ت. 9- خليل أحمد حسن قداداة، الوجيز في شرح القانون المدني الجزائري،0، مصادر الالتزام، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط 2،9102 . 6- سليمان مرقس، نظرية العقد، دار النشر للجامعات المصرية، د.ط، 0223. 1- علي فيلالي، الالتزامات النظرية العامة للعقد، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، د.ط، د.ت. 2- محمود جمال الدين زكي، الوجيز في نظرية الالتزام، 0 مصادر الالتزام، لجنة التأليف والطباعة والنشر، القاهرة، مصر، د.ط، 0232 . ثالثا: رسائل التخر : 0- بولحية جميلة، نظرية الظروف الطارئة في القانون المدني الجزائري دراسة مقارنة، مذكرة ماجستير في الحقوق تخصص العقود والمسؤولية، كلية الحقوق جامعة الجزائر، 0226 . 9- عليخوجة خيرة، القوة القاهرة في القانون المدني الجزائري، مذكرة ماجستير في الحقوق تخصص العقود والمسؤولية، كلية الحقوق جامعة الجزائر، 9119. رابعا: المقالات : 0- أقصاص ي عبد القادر،" نظرية الظروف الطارئة وأثرها على تنفيذ الالتز ام التعاقدي"، المجلة الأفريقية للدر اسات القانونية والسياسية، جامعة أحمد دراية، أدر ار، الجزا ئر، المجلد 19، العدد19، ديسمبر9102، ص-ص:092-019. 9- بوغرارة الصالح،" انتشار فيروس كورونا سبب أجنبي لدفع المسؤولیة "بين تطبیق نظر یتي القوة القاهرة والظروف الطارئة"، حوليات جامعة الجزائر 0،المجلد: 61، عدد خاص :القانون وجائحة كوفید 02، جويلية9191،ص-ص: 602-660. 6- خالد علي سليمان بنأحمد،" الفرق بين القوة القاهرة والظروف الطارئة دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي"، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، جامعة آل البيت، الأردن، 9103، المجلدالأول، العدد9، ص-ص: 032-022. خامسا: المطبوعات العلمية الجامعية: 1- شيهاني سمير، محاضرات في عقد الإيجار موجهة لطلبة الماستر تخصص عقود ومسؤولية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة البويرة، السنة الجامعية 9101/9102.
عدد الصفحات ١٤١أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 140 التكييف القانوني لجائحة كورونا بين القوة القاهرة وحالة الطوارئ الصحية وتأصيله القانوني والدستوري في النظام القانوني الجزائري دباهة فاطمة جامعة ابن خلدون تيارت كلية الحقوق والعلوم السياسية/ مخبر البحث في تشريعات حماية النظام البيئي / fatma.baha@univ-tiaret.dz ملخص الدراسة: إنّ الانتشار السريع الذي شهده وباء كورونا في العالم أدى بمنظمة اليحة العالمية إلى تصنيفه على أنّه حالة طوارئ صحية تشكل خطرا يهدد اليحة العمومية العالمية ويثير قلقا دولياًّ ، وقد انعكست آثاره على العديد من ميادين الحياة الحساسة، ومن بينها ميدان القضاء وما تسبب فيه الوباء من تعطيل لحقوق المتقاضين أمام هذا المرفق بسبب الحجر، الأمر الذي استلزم ضرورة تكييف الجائحة بمثابة قوة قاهرة تمنع من سقوط حقوق المتقاضين في الطعون لفوات المو اعيد. كما لجأت العديد من المؤسسات التشريعية في الدول إلى الاتجاه بذات اتجاه منظمة اليحة العالمية وذلك بتكييف كورونا كحالة طوارئ صحية، وسنت لمكافحتها قوانين طوارئ تضمنت العديد من التدابير الوقائية التي تمس من حقوق وحريات الأفراد بغرض تحقيق الأمن العام الصحي ، في حين اكتفت السلطات العامة الجزائرية لمواجهة الجائحة بتدخل الحكومة فقط، لتشريع هذه التدابير بموجب مراسيم تنفيذية دون تدخل من البرلمان أو من قبل رئيس الجمهورية، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى دستورية وقانونية هذه التنظيمات. الكلمات المفتاحية: جائحة كو رونا. القوة القاهرة . الطوارئ اليحية. التأصيل الدستوري. مقدمة: تربع وباء كورونا فيروس كوفيد 02 على قمة التصعيد الدولي العالمي في فترة زمنية وجيزة مقارنة بآثاره المتعددة على مختلف مجالات الحياة، مؤدي ا ذلك إلى
عدد الصفحات ١٤٢أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 141 ضرورة التدخل المستعجل من طرف كافة الدول للأخذ با لتدابير الوقائية وفرض إجراء ات الحجر الصحي المنزلي والإنقاص قدر الإ مكان من التجمعات البشرية . وقد تسبب هذا الوباء في شل مختلف قطاعات الحياة الحساسة والمرافق المجتمعية، حيث أدى إلى غلق الجامعات والمدارس والمساجد ومختلف المؤسسات العمومية الهامة في العالم، مما أثر ذلك سلبا على اقتصاد الدول وعلى مختلف المعاملات التجارية والإدارية والمدنية دوليا ومحل يا ، وكان لقطاع القضاء نصيبه من التأثر ؛ حيث فرض وباء كورونا ضرورة تعطيل عمل المحاكم لمدد معينة وتأجيل نظر الدعاوى وتضييق العمل القضائي ليشمل فقط القضاء المستعجل والجنايات فيما يخص الموقوفين للنظر . غير أنّ الإ شكال الذي طرح في هذا المجال هو: ما مدى تأثير هذا التعطيل على المواعيد الإ جرائية المحددة قانونا لحفظ الحقوق الموضوعية والمقررة للطعون بأشكالها؟ ومدى اعتبار وباء كوفيد 02 قوة قاهرة لاعتباره استثناء يمنع من سقوط حقوق المتقاضين؟ وما مدى ضرورة إعلان حالة الطوارئ اليحية لمجابهة آثار هذا الوباء القانونية؟ أدّ ى اجتاح وباء كورونا دول العالم ومن بينها الجزائر، إلى إحداث أثر بالغ في جميع الميادين ومن أهمها الميدان القانوني بتأثيره على الآجال في التصرفات القانونية والخصومات القضائية، فالمبدأ العام في القانون المدني إنّ العقد شريعة المتعاقدين حيث يجب تنفيذه وفقا لم ا تم الاتفاق عليه دون جواز نقضه من أحد أطرافه أو من قبل القاض ي، طالما لم يطرأ على العقد ظروف طارئة أو قوة قاهرة تستدعي ضرورة تعديل الالتزامات فيما بين المتعاقدين بالتخفيف أو الإ عفاء (012، القانون المدني الجزائري ). وكما يحتمل أن تطرأ الظروف الطارئة على التصرفات القانونية، فإنّه يمكن كذلك أن يمتد أثرها على المواعيد الإ جرائية، وترتب آثارا قانونية معينة . وتبعا لذل ك يتم التساؤل في هذا المقام عن إمكانية تكييف وباء كورونا كقوة قاهرة، لمجابهة مشكلة استمرار سريان المواع يد الإ جرائية خلا ل فترة ال وباء، أم أنّ الأمر يتطلب ضرورة إعلان حالة الطوارئ اليحية بنص صريح يتضمن تمديد أو تعليق المواعيد القانونية ، وماذا عن تأصيلها الدستوري؟ وهو ما سيتم مناقشته فيما يلي:
عدد الصفحات ١٤٣أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 142 المبحث الأول: التكييف القانوني لجائحة كورونا كقوة قاهرة وآثاره على سير الآجال القانونية ال جرائية إنّ مصطلح القوة القاهرة كظرف استثنائي كثيرا ما تم اعتماده في القانون والقضاء المقارن ليرتب آثار ا قانونية معينة (و092)، لذلك يتم التساؤل في هذا المقام عن مفهوم القوة القاهرة؟ والفرق بينها وبين الظروف الطارئة؟ وما هي الآثار القانونية التي يرتبها هذا ا لظرف الاستثنائي على المواعيد الإ جرائية ؟ وهل يمكن وصف وباء كورونا وتكييفه قانونا على أنّه قوة قاهرة؟ المطلب الأول : مفهوم القوة القاهرة والتمييز بينه ا وبين الظروف الطارئة لم يعرف المشرع الجزائري القوة القاهرة بالرغم من أنّه أشار إليها في العديد من النصوص القانونية في التشريع المدني والإجرائي (699)، وترك ذلك لاجتهاد كل من الفقه والقضاء (الفرنس ي، 0222، صفحة 612)،وقد أجمعا في تعريفهما للقوة القاهرة على أنّها كل حادث استثنائي خارجي مستقل عن إرادة المتعاقدين وغير ممكن توقعه أصلا ويستحيل دفعه ، و يمنع بشكل مطلق تنفيذ م جموع الالتزامات العقدية أو واحد منها (البكري، صفحة 66) (فهمي،9102، صفحة39) (المزوزي، صفحة 22)، ويؤدي إلى إعفاء المدين من المسؤولية ووقف المواعيد الإ جرائية . في حين نجد أن قانون الالتزامات والعقود المغربي قد عرف القوة القاهرة في المادة 932 على أنها :" كل أمر لا يستطيع الإنسان توقعه كالظواهر الطبيعية، الفيضان، الجفاف، الحرائق، غارات العدو وفعل السلطة، ويكون من ش أنه أن يجعل تنفيذ الالتزام عملا مستحيلا، ولا يعتبر من القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه ما لم يقم الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه وكذلك لا يعتبر من قبيل القو ة القاهرة السبب الذي ينتج عن خط أ سابق للمدين"، وما يؤخذ على هذا التعريف التعداد الذي أوردته المادة حول تطبيقات القوة القاهرة مما يوحي أنّه حصر الصور ولم يوردها على سبيل المثال . وتتميز القوة القاهرة عن الظروف الطارئة التي نصّ عليها المشرع في المادة 107 منالقانون المدني، بالرغم من أنهما يعتبران من صور السبب الأجنبي، من حيث التأثير على تنفيذ الالتزام وسلطة القاض ي في ذلك،حيث إن الظرف الطارئ ينجرّ عنه إرهاق المدين في تنفيذ التزامه، ما يجعل تدخّل القاض ي مهمّا لردّ هذا الالتزام
عدد الصفحات ١٤٤أثر جائحة كورونا على التشريعات بين المستجدات والمتطلبات أعمال مؤتمر 143 للحد المعقول، وبالتالي يتمّ في هذه الحالة توزيع عبء الظرف الطارئ بين الدائن والمدين، في حين تجعل القوة القاهرة تنفيذ الالتزام مستحيلا تماما (طبي، 09 يونيو 9191). كما ويختلفان كذلك في مدى تعلقهما بالنظام العام، فأحكام الظروف الطارئة من النظام العام لا يجوز الاتفاق على مخالفتها كما جاء في القانون المدني المادة 012...": ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ". في حين في نظرية القوة القاهرة أجاز المشرع الاتفاق مسبقا على تحمل المدين لتبعتها إذ تنص المادة 022/9 علىأنه:" يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسؤولية" . المطلب الثاني : الآثار القانونية للقوة ا لقاهرة المترتبة على المواعيد ال جرائية نصت المادة 699 من ق إ م و إ على أنّ:" كل الآجال المقررة في هذا القانون من أجل ممارسة حق، أو من أجل حق الطعن، يترتب على عدم مراعاتها سقوط الحق، أو سقوط ممارسة حق الطعن، باستثناء حالة القوة القاهرة أو وقوع أحداث من شأنها التأثير في السير العادي لمرفق العدالة . يتم تقديم طلب رفع السقوط إلى رئيس ا لجهة القضائية المعروض أمامها النزاع، يفصل فيه بموجب أمر على عريضة غير قابل لأي طعن، وذلك بحضور الخصوم، أو بعد صحة تكليفهم بالحضور ". وعليه متى ثبت أن القوة القاهرة هي السبب في عدم مراعاة الآجال المقررة قانونا ، فإنّ ه تلافيا لسقوط حقوق المتقاضين أو سقوط مما رستهم لحقوقهم في الطعن فإنّه يكون بإمكانهم طلب رفع السقوط إ لى رئيس الجهة القضائية المعروض أمامها النزاع . غير أنّ المشرع الجزائري في هذا النص لم يبين ما إذا كان يترتب على القوة القاهرة انقطاع الميعاد أو وقفه؟ ذلك أنّ انقطاع الميعاد، يترتب عليه أنّ الميعاد ق د بدأ في السريان وانقطع، وعليه فإن المدة السابقة تزول ولا يعاد سريان الميعاد إلا بعد إعادة تبليغ الإ جراء إلى صاحب الصفة، مثلما عليه الحال إذا تم تبليغ الحكم إلى المحكوم عليه، وأثناء سريان ميعاد الطعن توفي فينقطع الميعاد، ولا يعاد سريانه إلا بعد تبليغ الحكم من جديد إلى الخلف العام. وأمّا وقف الميعاد، فيترتب عليه أنّه وبعد زوال حالة القوة القاهرة فإنّه يعاد سريان الميعاد ويؤخذ بعين الاعتبار المدة السابقة على الوقف، ويستأنف الميعاد سيره في حدود ما تبقى من الميعاد، حيث يجب أن يرفع
عدد الصفحات ١٤٥