الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 62 المبحث السادس رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ
عدد الصفحات ٨٢الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 63 رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ قال الهمذاني :« وقوله: ﭽﭟﭠﭼ(1) الجمهور على رفعهما على الابتداء ، و في الخبر وجهان: أما عند صاحب الكتاب فمحذوف، كأنه قيل: و فيما فرض عليكم السارق و السارقة أي : حكمهما، و أما عند غيره : فالخبر ﭽﭡﭢﭼ(2) ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط ؛ لأن الألف و اللام فيهما بمعنى الذي و التي، كأنه قيل: و الذي سرق و التي سرقت فاقطعوا أيديه ما، إذ ليس يقصد به سارق بعينه، و لا سارقة بعينها ، و لا مقال في أن الاسم الموصول يتضمن معنى الشرط لما فيه من الإبهام إذا كانت الصلة فعلاا أو ظرفاا، و نصبهما عيسى بن عمر بإضمار فعل، أي: اقطعوا السارق و السارقة »(3). اختلف النحاة في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ: أما سيبويه فقد منع دخولها ، و تأول ما جاء ظاهره على هذا ، و جعل المرفوع ﭽﭟﭠﭼ و نحو ذلك خبرا ا لمبتدأ محذوف ، و جعل الجملة التي دخلت عليها الفاء استئنافاا للكلام ، و ليست خبراا للمبتدأ. فقال: «وقد يحسن و يستقيم أن تقول : عبدُ الله فاضربه ، إذا كا ن مبنياا على مبتدأ مظهر أو مضمر ، فأما في المظهر فقولك : هذا زيد فاضربه ، و ا ن شئت لم تظهر (هذا) ، و يعمل كعمله إذا أظهرته ، و ذلك قول ك: الهلالُ واللهِ فانظر إليه ، كأنك قلت : هذا الهلالُ ، ثم جئت بالأمر، ومما يدلك على حسن الفاء ههنا أنك لو قلت : هذا زيدٌ فحسنٌ جميلٌ ، كان كلاماا جيداا ، و من ذلك قول الشاعر : (4) (1 )سورة المائدة الآية 38 . (2 )سورة المائدة الآية 38 . (3 )الفريد 2/37 . (4 )البيت من الطويل وهو من الخمسين التي لا يعرف لها قائل وخولان: اسم قبيلة من مذحج باليمن. فتاتهم؛ الفتاة: الشابة من النساء. أكرومة: كريمة من الكرم، كأضحوكة من الضحك، وأعجوبة من العجب. الحيين: تثنية حي، وهي البطن من بطون العرب، والمراد هنا: حي أبيها، وحي أمها. خلو: خالية من الأزواج. وهو من شواهد: شرح المفصل 1/250، 251، 5/14، شرح التسهيل 1/331، الدر المصون 5/581، 8/493، اللباب 7/321، المحرر الوجيز 4/518، البحر المحيط 3/490، 491، التحرير و التنوير 18/145، المستقصي
عدد الصفحات ٨٣الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 64 و قائلةةةةولا خةةةةوح ف فةةةةانك فتةةةةات م و أكرومةةةةةةو الحيةةةةةةي خال ةةةةةةو كمةةةةةةا يةةةةةةا »(1) فـ(خولان ) خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: هذه خولان ، و مدخول الفاء استئناف للكلام لا الخبر. و قال :« وأما قوله ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣﭼ(2)، و قوله تعالى: ﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ(3)فإن هذا لم يبن على الفعل، و لكنه جاء على مثل قوله تعالى:ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋﭼ(4) ثم قال بعد ﭽ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﭼ(5).... كأنه لما قال جل ثناؤه: ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭼ(6) قال: في الفرائض الزانية و الزاني ، أو: الزانية و الزاني في الفرائض ، ثم قال: ﭽ ﭝ ﭼ، فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع ، كما قال : و قائلو لا: خوح ف فانك فتات م (7) ...»(8). فهو لا يجيز وقوع الخبر فعلاا مقترنا ا بالفاء، و يجيز ذلك في الجملة الاسمية الواقعة خبرا ا. حيث قال في موضع آخر:«تقول: هذا الرجل فاضربه ، إذا جعلته وصفاا، و لم تجعله خبراا، و كذلك: هذا زيد فاضربه ، إذا كان معطوفاا على (هذا) أو بدلاا، و تقول: اللذين يأتيانك فاضربهما ، تنصبه كما تنصب (زيداا)، و ا ن شئت رفعته على أن يكون مبنياا على مظهر أو مضمر، و ا ن شئت كان مبتدأ؛ لأنه يستقيم أن تجعل خبره من غير الأفعال بالفاء، ألا ترى أنك لو قلت: الذي يأتيني فله درهم ، و الذي يأتيني فمكرمٌ محمودٌ ، كان حسناا، و لو قلت: زيدٌ في أمثال العرب 2 /343 ، أوضح المسالك 2/143 شرح الأشموني 1/431، شرح التصريح 1/445 .التصريح 1/299، والأشموني394/1/189"، والهمع1/110، والدرر1/79،، والخزانة: 1/218،3/395،4/421، 552، والعيني2/529 . (1 )الكتاب1/138، 139 . (2 )سورة النور الآية 2 . (3 )سورة المائدة الآية 38 . (4 )سورة محمد الآية 15 (5 )سورة محمد الآية 15 . (6 )سورة النور الآية 1 . (7 )هذا صدر بيت، وعجزه قوله وأك رفومَوف الحيَّي خال و كَمَا ايَا . (8 )الكتاب1/142، 143 .
عدد الصفحات ٨٤الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 65 فله درهم ، لم يجز، و ا نما جاز ذلك؛ لأن قوله: الذي يأتيني فله درهم ، في معنى الجزاء ، فدخلت الفاء في خبره كما تدخل في خبر الجزاء »(1) وقد تذبذب رأي المبرد في هذا الموضع فتارة يوافق سيبويه في منع دخول الفاء على خبر المبتدأ، حيث قال:« ولو رفع رافع على معنى (الذي ) كان جيداا؛ لأن تصييرها على معنى (الذي) لا يخرجها من الجزاء ، ألا ترى أنك تقول: الذي يأتيك فله درهم ، فلولا أن الدرهم يجب بالإتيان لم يجز دخول الفاء، كما لا يجوز: زيدٌ فله درهم، و عبد الله فمنطلق، و قال الله عز و جل: ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢﭼ(2) فقد علمت أن الأجر إنما وجب بالإنفاق، فإذا قلت: الذي يأتيك له درهم ، لم تجعل الدرهم له بالإتيان » (3). وتارة يحذف، ف قال في موضع آخر:«فأما قولﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ(4)وكذلكﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣﭼ(5)فليس على هذا، والرفعُ الوجه؛ لأن معناه الجزاء ، كقوله: الزانيةُ أي التي تزني، فإما وجب القطع للسرق والجلد للزنا، فهذا مجازاة، ومن ثم جاز: الذي يأتيني فله درهمٌ ، فدخلت الفاء؛ لأنه استحق الدرهم بالإتيان، فإن لم ترد هذا المعنى قلت : الذي يأتيني له درهمٌ، لا غير، لم يستحق شيئاا، كما تقول: زيد له درهم، ولا يجوز: زيدٌ فله درهمٌ، أو هذا زيدٌ فحسن جميلٌ، جاز على أن (زيداا) خبرٌ ، وليس بابتداءٍ، و للإشارة دخلت الفاءُ، وفي القرآن: ﭽﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦﭼ، دخلت الفاء؛ لأن الثواب دخل للإنفاق ، وقد قرأت القراءُ: ﭽ الزَّانايَوَ ﭜ ﭝﭼ ﭽوالسَّ ارا قَ والسَّ ارقَ وَ فَ اق طَ عوا ﭼ بالنصبِ ، على وجه الأمر، والوجه الرفعُ، والنصبُ حسنٌ في هاتين الآ يتين، وما لم يكن فيه معنى جزاء فالنصبُ الوجهُ »(6). (1 )الكتاب1/139، 140 . (2 )سورة البقرة الآية 274 . (3 )المقتضب3/195، 196 . (4 )سورة المائدة الآية 38 . (5 )سورة النور الآية 2 . (6 )الكامل في اللغة و الأدب 2/196، 197 .
عدد الصفحات ٨٥الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 66 أمّا توجيه الرفع في قوله تعالى: ﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ: فالظاهر على رأي المبرد أن الطلب خبر، ودخلت الفاء في الخبر، لشبه ال موصول بالشرط، لأن (أل) موصولة، وأما سيبويه فالخبر عن ده محذوف تقديره: مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، ثم حذف المضاف (حكم) وأقيم المضاف إليه مقامه، والفاء حرف استئناف، وجملة الطلب استئنافية لبيان الحكم، فلم تقع خبراا عنده، كما هو الظاهر. و ما ذهب إليه المبرد هو توجيه الكوفيي ن للرفع في الآي ة، حيث قال الفراء :« وقوله ﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ مرفوعان بِما عاد من ذكرهما ، والنصبُ فيهما جائز، كما ي جوز : أزيدٌ ضربته ؟ و: أزيداا ضربته ؟ وا نما تختار العرب الرفع فيﭽﭟﭠﭼ؛ لأنهما غير مو قَّتين، فوجِّها توجيه الجزاء كقولك: م نْ سرق فاقطعوا يده، فـ (م نْ ) لا يكون إلا رفعا ا، ولو أردت سا رقاا بعينه أو سارقة بعينها كان النصبُ وجه الكلام ، ومثله :ﭽﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭼ(1) وفي قراءة عبد الله ﴿والسَّاراقفو َ والسَّاراقَاتف فَاق طَعفوا أَي مَانَ مَا﴾(2)» .(3) وهو ما اختاره الزجاج (4). أما الأخفش فظاهر كلامه في موضع أنه موافق لسيبويه حيث قال:«وأما قولهﭽﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣﭼ وﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ فزعموا - والله أعلم - أن هذا على الوحي، كأنه يقول : ومِمّا أ قُصُّ عليكمُ الزانيةُ والزان ي، والسارقة والسارقُ ، ثم جاء بالفعل من بعد ما أوجب الرفع على الأول على الابتداء ، وهذا على المجاز ، كأنه قال : أمرُ السارقِ والسارِقة وشأنُهما مما ن قُصَّ عليكم ، ومثله قوله ﭽ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﭼ(5) ثم قال بعد ﭽ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﭼ كأنه قال: و مِمّا أقُصُّ عليكُمْ م ث لُ الجنة ، ثم أقبل يذكر ما فيها بعد (1 )سورة النساء الآية 16. (2 )قراءة عب د الله بن مسعود و ا براهيم النخعي ، انظر : معاني القرآن و ا عر ابه للزجاج 2/172، الكشاف 1/664، البحر المحيط 3/488، المحرر الوجيز 2/188، الدر المصون 4/257، 4/264، الدر المنثور 3/73، 5/296، اللباب 7/318، 324، الجامع لأحكام القرآن 6/167 . . . (3 )معاني القرآن للفراء 1/306 . (4 )انظر معاني القرآن للزجاج 1/172 . (5 )سورة محمد الآية 15 .
عدد الصفحات ٨٦الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 67 أن أوجب الرفع في الأول على الابتداء ، وقد قرأها قوم نصبا ا إذ كان الفعل يقع على ما هو من سبب الأول، وهو في الأ مر والنهي ، وكذلك ما وقع عليه حرف الاستفهام نحو قوله:ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ(1) وا نما فُعِل هذا في حروف الاستفهام ؛ لأنه إذا كان بعده اسم وفعل، كان أحسن أن يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فان بدأت بالاسم؛ أضمرت له فعلاا حتى تحسن الكلام به، و ا ظهار ذلك الفعل قبيح» (2) وقال:« وما ذكرنا في هذا الباب من قوله :ﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ وقوله ﭽ ﭛ ﭜ ﭝ ﭼ ليس في قوله: ﭽ ﭡ ﭼ وﭽ ﭜ ﭝ ﭼ خبر مبتدأ ؛ لأن خبر المبتدأ هكذا لا يكون بالفاء ، فلو قلت : عبدُ اللهِ ف ي نْط لِقُ ، لم يحسن، و ا نما الخبر هو المضمر الذي فسرت لك من قوله : "ومما نقص عليكم " وهو مثل قوله (3): و قائلةةةةةةولا خةةةةةةوح ف فةةةةةةانك فتةةةةةةات م و أكرومةةةةةةةةةةو الحيةةةةةةةةةةي خال ةةةةةةةةةةو كمةةةةةةةةةةا يةةةةةةةةةةا كأنه قال: هؤلاءِ خ ولانُ ، كما تقول: الهلالُ فانظرْ إليهِ ، كأنك قلت: هذا الهلالُ فانظُر إليه، فأضمر الاسم »(4) بينما ظاهر كلامه في موضع آخر يفيد القول بزيادتها ، حيث قال: «وأما ابتداء(إن) في هذا الموضوع فكمثل ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﭼ(5)،يجوز ابتداء مثل هذا إذا طال الكلام في مثل هذا الموضع»(6) . كما نقله عنه كثير من النحاة، منهم الزجاج الذي نقله عنه رادًّا له بقوله:«ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﭼ ودخلت الفاء في خبر (إِنَّ )، ولا يجوز إنَّ ز يْداا فمنط لِق ؛ لأنﭽ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﭼ فيه معنى الشرط والجزاء ، ويجوز أ ن يكون ت م ام الك لا مِ: ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ (1 )سورة القمر الآية 24 . (2 )انظر معاني القرآن للأخفش 1/84 . (3 )سبق تخريجه صـ 63 . (4 )انظر معاني القرآن للأخفش 1/86 . . (5 )سورة الجمعة الآية 8 . (6) معاني القرآن للأخفش 2/511،512 .
عدد الصفحات ٨٧الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 68 ﯦ ﯧ ﭼ، ك أ نَّه قيل : إنْ ف ر رْتُم من أ ي موتٍ كان مِنْ ق تْلٍ أ و غيره فإنه مُلا قِيكُمْ، ويكون (ف إِنَّهُ) استئنافٌ، بعد الخبر الأول »(1). وكذا ابن أبي الربيع الذي حكاه عنه و ردّه بقوله: « وخالف في هذا الأخفش، و قال: إن الفاء لا تدخل في خبر(إنّ) و ا ن كان في الصفة معنى الشرط، احتج عليه بقوله سبحانه: ﭽﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﭼ(2)، قال: إن الفاء زائدة ، و مذهبه أن الفاء تزاد في الخبر، و أكثر النحويين منعوا ذلك، و قالوا إن الزيادة في الحروف خروج عن القياس ، فلا تُدّعى إلا بدليل لا يحتمل التأويل»(3). كما نقله عنه ابن مالك و ضعفه؛ لأنه لم يرد به سماع ، كما أضعف احتجاجه بالبيت:(4) و قائلةةةةولا خةةةةوح ف فةةةةانك فتةةةةات م و أكرومةةةةةةةةو الحيةةةةةةةةي خال ةةةةةةةةو كمةةةةةةةةا يةةةةةةةةا و لا في قول الآخر: (5) أرَواح مةةةةةةةةةةةةةةةةةةود ا أم كةةةةةةةةةةةةةةةةةةور أنةةةةةةةةةةةةةةةةةت فةةةةةةةةةةةةةةةةةان ر ي ا ت ةةةةةةةةةةةةةةةةةير لأن معنى الأول: هذه خولان، ف ـ (خولان ) خبر مبتدأ محذوف، ومعنى الثاني: انظر أنت، فـ (أنت) فاعل فعل محذوف، على أن زيادة الفاء في مثل هذا قد سهلها كون الخبر أمرا ا، كما سهلها كون العامل مفرّغا ا في نحو: زيدا ا فاضرب، و: ﭽ ﯥ ﯦﯧﭼ(6)؛لأن الأمر يطرق إلى ما يعلق به معنى المجازاة، فالقائل: زيدا ا فاضرب، كأنه قال: ما يكون من شيء (1) معاني القرآن و ا عرابه للزجاج 5/171 . (2 )سورة البروج الآية 10 . (3) البسيط في شرح جمل الزجاجي 2/573،574 . (4 )سبق تخريجه صـــ 63. (5 )البيت من الخفيف، و هو لعدي بن زيد في : الكتاب 1/140، النكت للأعلم 1/266،أمالي ابن الشجري 1/134، عيون الأخبار 3/131،الشعر و الشعراء 150، طبقات فحول الشعراء 1/140،الرد على النحاة 1/21، الأزمنة و الأمكنة 1/498، المحكم 10/471، الجنى الداني 71، اللسان 13/421، و بلا نسبة في: الخصائص 1/133،الشعر و الشعراء 1/219،كشف المشكل 2/421،511، شرح التسهيل 1/331، حاشية الشهاب 6/367، المغني 1/220، الهمع 3/126 . (6 )سورة الشرح الآية 8 .
عدد الصفحات ٨٨الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 69 فزيداا اضرب، وما يكن من شيء فزيد اضربه، فلا يلزم من جواز هذا جواز: زيد فمنطلق ؛ إذ ليس الخبر أمرا ا، فيطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة»(1) بينما وافقه الفارسي الذي حكى رأي الأخفش موافقاا له بقوله:«وأمّا قوله: ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﭼ(2) فقد جوّز أبو الحسن فيه: أن تكون الفاء فيه زائدة، وحكى أبو يعلى (3) عن أبي عثمان(4) مثل ذلك، ووجه ذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء وزيادة ، فلمّا لم يكن للعطف مذهب من حيث لم يستقم عطف الخبر على مبتدئه، لم يصحّ حمله على العطف، ولم يستجز حمله على أنها للجزاء ؛ لبُ عد ذلك في اللفظ والمعنى».(5) وظاهر كلام ابن السراج أنه يجيز القول ب زيادتها في هذا الموضع ، بقوله:« والأخفش يجيزه على أن تكون الفاء زائدة وقال: قول الله :ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﭼ ولكن زدت (إنَّ ) توكيداا، وقال : لو قلت: إن هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة كان صالحاا؛ لأ نك إذا قلت: إن الذي يأتينا فله درهم، فمعناه: الذي يأتينا فله درهم ، ولا يحسن ليت الذي يأتينا فله درهم ، ولا لعل الذي يأتينا فنكرمُه؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون في معنى المجازاة، ولا يحسنُ : كأنَّ الذي يأتينا فله درهم ؛ لأن معنى الجزاء إنما يكون على ما يأتي لا على ما كان، فإن قدرت فيه زيادة الفاء جاز على مذهب الأخفشِ »(6) . (1 )شرح التسهيل 1/330، 331 . (2 )سورة الجمع ة الآية 8 . (3 ) هو :محمد بن أبي زرعة الباهلي النحوي أبو يعلى،أحد أصحاب المازني. صنف نكتا على كتاب سيبويه. ولد يوم دخول صاحب الزنج البصرة، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائتين، انظر ترجمته في بغ ية الوعاة 1/104. (4 ) بكر بن محمد بن بقية- وقيل: ابن عدي - بن حبيب الإمام أبو عثمان المازني . مازن بني شيبان، ابن ذهل - وقيل: مولى بني سدوس،وهو بصري روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد، وعنه المبرد والفضل بن محمد اليزيدي وجماعة. و كان إماماا في العربية متسعا في الرواية،مات في سنة تسع - أو ثمان - وأربعين ومائتين ، ترجمته في بغية الوعاة 1/463. (5 )الحجة للقراء السبعة 1/42 . (6) الأصول في النحو لابن السراج 2/168 .
عدد الصفحات ٨٩الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 70 بينما ذهبابن قتيبة إلى غير ذلك فلم يقل بزيادة الفاء ، بل ذهب إلى القول بزيادة (إنّ ) فيها، و جعل منه قول الله - تعالى -:ﭽ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﭼ(1). كما قال بزيادتها في قول الشاعر :(2) إ الخليفةةةةةةةةةةةةو إ سَةةةةةةةةةةةةر َلَه ساةةةةةةةةر الَ مَلَةةةةةةةة لا اةةةةةةةة ها تفرج ةةةةةةةةى ال خَةةةةةةةةواتيمف (3) أما رأي الكوفيين في توجيه إعراب ﭽﭟﭠﭼ فقد أجاز الفراء النصب ، إلا أن الوجه عنده الرفع ، حيث قال :« وأمّا قوله ﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ فوجه الكلام فيه الرفع ؛ لأنه غير موقت فرفع كما يرفع الجزاء، كقولك: من سرق فاقطع وا يده ، وكذلك قوله :ﭽ ﯘ ﯙ ﯚﭼ(4) معناهُ والله أعلم : من قال الشعر اتّبعه الغاوون ، ولو نصبت قوله: ﭽﭟﭠﭼ بالفعل كان صوابا ا» (5) وقال في موضع آخر:«وقولهﭽﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭼ مرفوعان ب ما عاد من ذكرهما ، والنصب فيهما جائز كما ي جوز أزيدٌ ضربته، وأزيداا ضربته، وا نما تختار العرب الرفع في ﭽﭟﭠﭼ؛ لأنهما غير مو قَّتين، فوج ها توجيه الجزاء كقولك: م نْ سرق فاقطعوا يده، فـ (من) لا يكون إلا رفعاا، ولو أردت سا رقاا بعينه أو سارقة بعينها ك ان (1 )سورة الكهف الآية 30 . (2) البيت من البسيط، وهو لجرير في ديوانه ص 672، الكشاف3/149، البحر المحيط 6/333، اللباب 14/41، الدر المصون 8/243، التحرير و التنوير 28/219، 30/34، مفاتيح الغيب 23/212،وخزانة الأدب 10/364، 368، وبلا نسبة في : معاني القرآن للفراء 2/140، 2/218، معاني القرآن للزجاج 3/418، شرح الرضي على الكافية 4/395 شرح التسهيل 2/20، المحرر الوجيز 4/112، مفاتيح الغيب 21/460، حاشية الشهاب 6/286، الجامع لأحكام القآن 12/23، أخبار أبي القاسم الزجاجي 1/39،أمالي الزجاجي 62، تذكرة النحا ة 130، الخزانة 10/389، 390، 391، 392 . (3) تأويل مشكل القرآن 1 /157. (4 )سورة الشعراء الآية 224 . (5 )معاني القرآن للفراء 1/242 . .
عدد الصفحات ٩٠الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 71 النصب وجه الكلام، ومثله:ﭽﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭼ(1) وفي قراءة عبد الله ﴿وَالسَّاراقفو َ والسَّاراقَاتف فَاق طَعفوا أَي مَانَ ف مَ ا﴾(2)» (3). ولذا قد قال بأن دخول الفاء في الآية :ﭽ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﭼ(4) لوقوعها بعد موصول فقد ضارع الجزاء فيجاب عنه بالفاء .(5) وقد وافق الرازي (6) رأي الفراء مستدلاا على معنى الشر ط و الجزاء في الآ ية بأمور، هي: «الأول: أن الله تعالى صرح بذلك وهو قوله : ﭽ ﭣ ﭤ ﭥﭼ وهذا دليلٌ على أن القطع شُ رِّ ع جزاءا على فعل السرقة، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط، والثاني: أن السرقة جنايةٌ، والقطع عقوبةٌ، وربط العقوبة بالجناية مناسبٌ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يد ل على أن الوصف علةٌ لذلك الحكم، والثالث: أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدةا، ولو حملناها على سارقٍ معينٍ صارت مجملةا غير مفيدةٍ، فكان الأول أولى »(7). كما بالغ في ردِّ ه لرأ ي سيبويه و وصفه بالرداءة فقال :«وأما القول الذي ذ هب إليه سيبويه فليس بشيءٍ، ويدل عليه وجوهٌ: الأول: أنه طعن في القرآن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن جميع الأمة، وذلك باطلٌ قطعاا، فإن قال لا أقول: إن القراءة بالرفع غير جائزةٍ ولكني أقول: القراءة بالنصب أولى، فنقول: وهذا أيضاا (1) سورة النساء الآية 16 . (2) قراءة عب د الله بن مسعود و ا براهيم النخعي، انظر : معاني القرآن و ا عرابه للزجاج 2/172، الكشاف1/664، البحر المحيط 3/488، المحرر الوجيز2/188، الدر المصون4/257،4/264، الدر المنثور3/73،5/296، اللباب 7/318،324، الجامع لأحكام القرآن 6/167 . (3 )معاني القرآن للفراء 1/306 . . (4 )سورة الجمعة ا لآية 8 . (5 ) انظر معاني القرآن للفراء 2/105، 3/155 . (6 )أبو عبد محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التيمي البكري، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة منها تفسير القرآن الك ريم، وكانت ولادة فخر الدين في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين، وقيل ثلاث وأربعين وخمسمائة، بالري. وتوفي يوم الاثنين، وكان عيد الفطر، سنة ست وستمائة بمدينة هراة ، ترجمته في بغية الوعاة 4/248 . (7 )اللباب7/319 .
عدد الصفحات ٩١الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 72 رديءٌ؛ لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمرٌ منكرٌ وكلامٌ مردودٌ. والثاني: أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القُرَّاء م نْ قرأ (واللَّ ي ا يَأ تايَانا ا مان كفم ) بالنصب، ولمَّا لم يوجد في القراء أحدٌ قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول. الوجه الثالث: أنا إذا قلنا ﭽﭟﭠﭼ مبتدأٌ، وخبره هو الذي نضمره، وهو قولنا : فيما يتلى عليكم، فحينئذٍ قد تمت هذه الجملة بمبتدأها وخبرها، فبأي شيءٍ تتعلق الفاء في قوله: ﴿ ﭡ ﭢ ﴾ فإن قال: الفاء تتعلق بالفعل ال ذي دل عليه قوله: ﭽﭟﭠﭼ يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه ، فنقول: إذا احتجت في آخر الأمر إلى أن تقول: ﭽﭟﭠﭼ تقديره: من سرق، فاذكر هذا أولاا حتى لا تحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته ، والرابع: أنا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك على كون السرقة علةا لوجوب ا لقطع، وا ذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى، ثم هذا المعنى متأكدٌ بقوله :ﭽﭣ ﭤ ﭥﭼ فثبت أن القراءة بالرفع أولى ، الخامس: أن سيبويه قال: هم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى، فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقاا على ذكر وجوب القطع، وه ذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاا إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارقٌ، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقاا، ومعلومٌ أنه ليس كذلك، فإن المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة والمبالغة في الزج ر عنها، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة قطعاا والله أعلم »(1). إلا أن سيبويه لم يطعن على القراءة بالرفع و لم يتهمها باللحن بل رأى أن الفاء لا تدخل على خبر المبتدأ، و لذا وجه الآية على النصب، و رأى أن الوجه في هذا الأسلوب في غير القرآن هو النصب .(2) ولذا نجد أبا حيان قد أغلظ و بالغ أيضاا في الرد على الرازي و الطعن في علمه، فقال: (1 )مفاتيح الغيب11/352 . (2 )انظر الكتاب1/142، 143، 144 . .
عدد الصفحات ٩٢الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السادس - رأي سيبويه في حكم دخول الفاء على خبر المبتدأ 73 «والعجب من هذا الرجل ، وتجاسره على العلوم حتى صنف في النحو كتاباا سماه المحرر وسلك فيه طريقة غريبة بعيدة من مصطلح أهل النحو، ومن مقاصدهم، وهو كتاب لطيف محتوٍ على بعض أبواب العربية ، وقد سمعت شيخنا أبا جعفر بن الزبير يذكر هذا التصنيف ، ويقول: إنه ليس جارياا على مصطلح القوم، وأن ما سلكه في ذلك من التخطيط في العلوم، ومن غلب عليه فن ظهر فيما يتكلم به من غير ذلك الفن، أو قريباا منه من هذا المعنى، ولما وقفت على هذا الكتاب بديار مصر رأيت ما كان الأستاذ أبو جعفر يذم من هذا الكتاب، ويستنزل عقل فخر الدين في كونه صنف في علم وليس من أهله ، وكان أبو جعفر يقول: لكل علم حد ينتهي إليه، فإذا رأيت متكلما في فن ما ، ومزجه بغيره ، فاعلم أن ذلك إما أن يكون من تخليطه وتخبيط ذهنه، وا ما أن يكون من قلة محصوله، وقصوره في ذلك العلم»(1) (1 )البحر المحيط3/ 493 ، و لكن يبدو أن أبا حيان قد بالغ في ذم الرازي و النيل من قدره ، فالرازي لم يكن بهذا الضعف كما ذكر أبو حيان، ففي وفيات الأعيان 4/248 :« يقال: إن له شرح ال مفصل في النحو للزمخشري، وشرح الوجيز في الفقه للغزالي، وشرح سقط الزند للمعري، وله مختصر في الإعجاز، ومؤاخذات جيدة على النحاة، وله طريقة في الخلاف، وله في الطب شرح الكليات للقانون، وصنف في علم الفراسة، وله مصنف في مناقب الشافعي، وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصاني فه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة فإن الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أو لمن اخترع هذا الترتيب في كتبه، وأتى فيها بما لم يسبق إليه. وكان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العربي والعجمي، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن إجابة، ومناقبه أكثر من أن تعد، وفضائله لا تحصى ولا تحد ».
عدد الصفحات ٩٣الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السابع –رأي سيبويه في رافع المبتدأ. 74 المبحث السابع رأي سيبويه في رافع المبتدأ
عدد الصفحات ٩٤الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السابع –رأي سيبويه في رافع المبتدأ. 75 رأي سيبويه في رافع المبتدأ قال الهمذان ي: «الحمد) رفع بالابتداء.....والابتداء عامل معنوي......و المعنوي ضربان: أحدهما: عامل الرفع في الاسم المبتدأ و هو تعريه من العوامل الظاهرة، و ما يجري مجراها نح و: إن زيد قام، و الآخر: عامل الرفع في الفعل المضارع، و هو وقوعه موقع الاسم، و سيبويه لا يثبت من العامل المعنوي إلا هذين»(1). اتفق النحاة على رفع المبتدأ أو الخبر ولكن اختلفت آراؤهم في رافع المبتدأ أو الخبر، ولم ينقل الهمذاني في مسألتنا هذه غير رأي سيبويه في رافع المبتدأ، فلم ينقل لنا الخلاف الوارد في ذلك عن النحاة. وفيما يلي عرض لآراء النحاة في تلك المسألة : الرأي الأول: مذهب سيبويه وجمهور البصريين (2) أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ. قال سيبويه« :فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: زيد ضربته، فلزمته الهاء، و ا نما تريد بقولك مبني عليه الفعل أنه في موضع(منطلق)إذا قلت: عبد الله منطلق، فهو في موضع هذا الذي بني على الأول و ارتفع به، فإنما قلت: عبد الله، فنسبته له ثم بنيت عليه الفعل و رفعته بالابتداء »(3) . وقال في موضع آخر« فالمبتدأ كل اسم ابتدئ ليبنى عليه كلام، و المبتدأ و المبني عليه رفع، فالابتداء لا يكون إلا بمبني عليه، فالمبتدأ الأول، و المبني ما بعده عليه، فهو مسند و مسند إليه، واعلم أن المبتدأ لابد له من أن يكون المبني عليه شيئ ا هو هو أو يكون في مكان أو زمان، وهذه الثلاثة يذكر كل و احد منها بعد ما يبتدأ، فأما الذي يبنى عليه شيء هو هو فإن المبنى عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وذلك قولك: ع بد الله منطلق، (1 )الفريد 1/161. (2 )انظر الأصول1/58، و اللمع ص 110، وشرح المفصل 1/84، وشرح ألفية ابن معطى 2/816، واللباب 1/128، والمساعد 1/205، و الهمع 1/359 . (3 )الكتاب1/81.
عدد الصفحات ٩٥الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السابع –رأي سيبويه في رافع المبتدأ. 76 ارتفع (عبد الله) لأنه ذكر ليبنى عليه (المنطق)، وارتفع (المنطلق) لأن المبني على المبتدأ بمنزلته »(1) . كما ذهب الأخفش إلى أن الابتداء هو الرافع لكل من المبتدأ و الخبر حيث قال:« وأما قوله:ﭽﭖ ﭗﭼ(2) فرفعه على الابتداء، و ذلك أن كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده، فهو مرفوع ، و خبره إن كان هو هو فهو أيضا مرفوع، نحو قوله: ﭽﭑ ﭒ ﭓﭼ(3) وما أشبه ذلك، و هذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها، فإنما رفع المبتدأ ابتداؤك إياه، و الابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم، كما كانت (إن ) تنصب الاسم و ترفع الخبر، فكذلك رفع الابتداء الاسم و الخبر، و قال بعضهم: رفع المبتدأ خبره، و كُلٌّ حَسَنٌ، و الأول أقيس»(4). وذهب بعضهم إلى أن المبتدأ والخبر مرفوعان بالابتداء. وقد نسبه الأنباري للبصريين(5) وذكره ابن عصفور (6)وابن مالك (7)بلا نسبة. و قد وافق ابن جني رأي سيبويه حيث قال: «اعلم أن المبتدأ كل اسم ابتدأته و عريته من العوامل اللفظية و عرّضته لها، و جعلته أولا لثان ، يكون الثاني خبر ا عن الأول و مسند ا إليه، و هو مرفوع بالابتداء، تقول: زيد قائم، و محمد منطلق، فـ(زيد ) و(محمد) مرفوعان بالابتداء، و ما بعدهما خبر عنهما»(8). واحتج العكبري لرأي سيبويه بثلاثة أوجه:«أحدها: أن الابتداء معنى يختص بالاسم، فكان عاملا كالفعل بيان أنه معنى، أن الابتداء ما ذكرنا من كونه أولا مقتضي ا ثاني ا- وهذا (1 )الكتاب2/126،127 . (2 )الفاتحة آية2 . (3 )الفتح آية 29 . (4 )معاني القرآن للأخفش ا /9، و انظر الأصول 1/60، التبيين224، الارتشاف 3/858، شفاء العليل 1/272، المساعد 1/59، الهمع 1/311 ووافقه أبو علي الشلوبين في التوطئة 216، و قد نسب هذا الرأي في شرح التسهيل 2/854 لابن السراج، و رأيه غير ذلك ، انظر الأصول في النحو لابن السراج 1/58 . (5 )انظر الإنصاف1/44. (6 )انظر شرح الجمل 1/341. (7 )ينظر: شرح التسهيل 1/270 . (8 )اللمع29.
عدد الصفحات ٩٦الباب الأول– الفصل الأول – المبحث السابع –رأي سيبويه في رافع المبتدأ. 77 وصف وجودي- واللفظ إنما عمل لاختصاصه، فيجب أن يعمل المعنى لاختصاصه أيض ا، والوجه الثاني: أن كون الاسم أولا مسند ا إليه، أصل في الجملة، فوجب أن يكون مرفوع ا بذلك كالفاعل، فإنه ارتفع بالفعل لهذين الوصفين ، والوجه الثالث: أن المبتدأ معمول، وكل معمول لا بد له من عامل، والعامل لا يخلو من أن يكون الابتداء كما ذكرنا أو واحد ا مما ذكر من المذاهب، وكلها ما عدا الأول باطل»(1) . بينما ذهب المبرد إلى أن الابتدا ء يرفع المبتدأ، و يرفع الخبر بالابتداء و المبتدأ مع ا، فقال: «فأما رفع المبتدأ فبالابتداء، و معنى الابتداء: التنبيه و التعرية عن العوامل غيره، وهو أول الكلام»(2). و تبعه ابن السراج حيث قال «وهما مرفوعان أبدا، فالمبتدأ رفع بالابتداء، والخ بر رفع بهما، نحو قولك: الله ربنا، ومحمد نبينا »(3). الرأي الثاني أن المبتدأ أو الخبر مرفوعان بالتجرد للإسناد. والمراد بالتجرد هنا: تعريته عن العوامل اللفظية، والتعرية عن العوامل اللفظية معنى من معاني الابتداء. وقد نسب أبو حيان هذا المذهب للجرمي والسيرافي (4)، وكثير من البصريين (5). وكان ابن كيسان يرد قول من زعم أن الت عرية هي العاملة: كما نقل عن ابن السيد قوله: «إن العامل إذا عمل بظهوره شيئا لم يعمل بسقوطه، قال و العوامل ترفع و تنصب و تخفض، فسقوط أيها أوجب الرفع، فإذا كان سقوط الرافع هو الذي أوجب الرفع، فهو إذن يعمل عملا واحد ا و جد أو عدم، فلا ينبغي أن يسمى عاملا ؛ لأنه لم يرد شيئا كان معدوما قبل ظهوره... فيلزم على هذا ألا تكون التعرية وحدها هي العاملة، و لزم أن يكون ثَ م عامل غير التعرية »(6). (1 )التبيين1/127. (2 )المقتضب4/126. (3 )الأصول1/58، و نسب للزجاج: انظر شفاء العليل 1/272 . (4 )شرح كتاب سيبويه 1/46 وهو اختيار الزمخشري، انظر شرح المفصل 83،84 . (5 )انظر ارتشاف الضرب 2/28، والتذييل3/261، وشفاء العليل1/272 . (6) الحلل في إصلاح الخلل148 ، باختصار.
عدد الصفحات ٩٧