الباب الأول – الفصل الأول – المبحث الثالث عشر (رأي سيبويه في توجيه قراءة (الحمد ) بالرفع 158 وَيْْْْْلُ أ م َ هَْْْْا فْْْْي هَْْْْوَ اءَ الجَْْْْو َ طَ الَ بَْْْْة ولا كهْْْذا الْْْذي فْْْي ا َ رْ ضَ مَ طْ لُْْْوب الأصل: ويل لأمها، فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للام ثم أتبع اللام الميم. بينما حكم عليها ابن جني بالشذوذ، و ع دَ قراءة (الحمدُ لِلُّ ) بضم الدال و اللام، أسهل و ذلك من وجهين: «أحدهما: أنه إذا كان إتباع ا فإن أقيس الإتباع أن يكون الثاني تابع ا للأول؛ وذلك أنه جار مجرى السبب والمسبب، وينبغي أن يكون السبب أسبق رتبة من المسبب، فتكون ضمة اللام تابعة لضمة الدال كما نقول: م د وش د ، وش مَ وفّ رَ ، فتتبع الثاني الأول، فهذا أقيس من إتباعك الأول للثاني في اقت ل ادخ ل، ومع هذا فإن الإتباع -أعني: اقتل وبابه- لا يكاد يعتد؛ وذلك أن الوصل هو الذي عليه عقد الكلام واستمراره، وفيه تصح و جوهه ومقاييسه، وأنت إذا وصلت سقطتّ الهمزة، فقلت: فاقتل زيد ا، فادخل يا هذا، وليست كذلك ضمة الدال في م دَ، ولا فتحة الميم في ش مَ، ولا كسرة الراء في فّر ّ ؛ لأنهن ثوابت في الوصل الذي عليه معقد القول، وا ليه مفزع القياس والصوب(1)، فكما أن( مد ) أقيس إتباع ا من: اقتل؛ لما ذكرنا من الوصل المرجوع إليه المأخوذ بأحكامه، ولأن السبب أ يض ا أسبق رتبة من المسبب، فكذلك (الحمدُ لِلُ ) أسهل مأخذا من (الحَمْدَ لِلَّ) والآخر: أن ضمة الدال في (الحَ مْ دُ ) إعراب، وكسرة اللام في لِلَ َ بناء، وحرمة الإعراب أ قوى من حرمة البناء، فإذا قلت : (الحمد لِل ) فقريب أن يغلب الأقوى الأضعف، وا ذا قلت: (الحمدّ لِلّ ) جنى البناء الأضعف على الإعراب الأقوى، مضاف ا ذلك إلى حكم تغيير الآخر الأول، وا لى كثرة باب ع ن ق وط ن ب(2) في قلة باب( إبل، إطل) (3) فاعرفه، المعنى: وصف ع قاب ا تتبع ذئب ا لتصيده، فتعجب منها في شدة طلبها، ومنه في سرعته، وشد ة هروبه. و هو في الحيوان له، برواية: لا كالتي في هواء الجو طالبة... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب، و له في: الكتاب 2/294،4/147، الأصول1/405 وخزانة الأدب 4/90،91،92؛ وسر صناعة الإعراب ص 235؛ شرح الرضي على الكافية 2/177، شرح المفصل 2/116/مفاتيح الغيب26/114، وبلا نسبة في: مجاز القرآن 1/365، الحجة للقراء السبعة 6/340، التعليقة4/199، الدر المصون1/42، اللباب173، الجامع لأحكام القرآن 1/136، جامع البيان17/266، الخزانة 4/82،86، ورصف المباني 43؛ ولسان العرب 15/418. (1) أي : القصد (2 )الط ن ب: ط ن بالخّيام، وهي حبال ها التي تشد بها، انظر الصحاح 1/172، الأصول في النحو 3/181 . (3 )الإطل: الخاصرة
عدد الصفحات ١٧٨الباب الأول – الفصل الأول – المبحث الثالث عشر (رأي سيبويه في توجيه قراءة (الحمد ) بالرفع 159 ومثل هذا في إتباع الإعراب البناء ما حكاه صاحب الكتاب في قول بعضهم وقال: اضرب الساقين إمك هابل ، كسر الميم لكسرة الهمزة »(1) . إلا أنه قد علل لذلك موجه ا له في موضع آخر بقوله «:وقد دعاهم إيثار قرب الصوت إلى أن أخل وا بالإعراب فقال بعضهم: وقال اضرب الساقين إمك هابل وهذا نحو من(الحمد لِل ) و(الحمدّ لِلّ )، وجميع ما هذه حاله مما ق ر ّ ب فيه الصوت من الصوت جار مجرى الإدغام بما ذكرناه من التقريب ، وا نما احتطنا له بهذه السمة التي هي الإدغام الصغير؛ لأن في هذا إيذان ا بأن التقريب شامل للموضعين وأنه هو المراد المبغي في كلتا الجهتين، فاعرف ذلك »(2) . كما علل الرضي لقراءتي الضم و الكسر بقوله:«وا نما ضموا ذلكلكراهية الانتقال من الكسرة إلى الضمة وبينهما حرف ساكن وليس في الكلام مثله، كما ليس فيه (فّ ع ل ) فإذا كرهوا مثله وال ضمة عارضة للإعراب ، كما قالوا في أجيئك: أ جوءك فما ظنك بالكس ر والضم اللازمين؟ وكذا قالوا في: ( أنبّ ئ ك) وهو منحدّ ر من الجبل: (أنب ؤ ك) ومنحد ر على ما حكى الخليل »(3). وبالنظر نجد ما يجعل لقراءة ﭽالحَ مْ دَ للهَ ﭼو ﭽالحَ مْ دَللهَ ﭼ ما يقويها و يخرجها عن الشذوذ الذي رماهما به ابن جني: 1- و جود ما يعلل لها به عند العرب من طلب التجانس بين الحروف و دفع الثقل في النطق. 2- و جو د نظير لذلك في قراءة ﴿ مُرْدفَيْنَ ﴾ 3- ظاهر قول سيبويه إجازة نحو ذلك، فقد حكى قراءة ﭽمُرُدَفْيَنﭼ بقوله:« وحدثني الخليل وهارون أن ناس ا يقولون: ﭽمُرُدَفْيَنﭼ فمن قال هذا فإنه يريد : مرتدفين، وا نما أتبعوا الضمة الضمة حيث حركوا، وهي قراءة لأهل مكة كما قالوا: ر د يا فتى فضموا لضمة الراء. فهذه الراء أقرب »(4) . (1 )المحتسب1/37،38. وانظر الكتاب 24/146 (2 )الخصائص2/147. (3 )شرح الرضي على الشافية 2/262. (4 )الكتاب4/444، و انظر التعليقة5/170، الأصول3/409، شرح ابن يعيش على المفصل 5/551.
عدد الصفحات ١٧٩الباب الأول – الفصل الأول – المبحث الثالث عشر (رأي سيبويه في توجيه قراءة (الحمد ) بالرفع 160 4- وجود ما يقويها من كلام العرب بما استشهد به سيبويه و غيره من شعرهم. 5- وكما سبق في قراءة النصب فإذا كان للقراءة وجه في العربية توافقه فلا داعي لأن ترمى بالشذوذ أو منع الاحتجاج بها. 6- كما أن سيبويه لم يضعف قراءة النصب، و ا ن لم يذكر قراءة الكسر، فظاهر كلامه بما رواه عن العرب يشهد لها و يقويها.
عدد الصفحات ١٨٠الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الرابع عشر ( رأي سيبويه في مفعولي "حسب" في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) 161 المبحث الرابع عشر رأي سيبويه في مفعولي(حَسِبَ)في قوله تعالى: ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﭼ
عدد الصفحات ١٨١الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الرابع عشر ( رأي سيبويه في مفعولي "حسب" في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) 162 رأي سيبويه في مفعولي ( ح س ب ) في قوله تعالى: ﭽ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟﯠﭼ(1). قال الهمذاني« قوله تعالى:ﭽ ﯔ ﯕﭼ(أم) منقطعة بمنزلة (بل)، و معنى الهمزة فيها للتقرير و ا نكار الحسبان و استبعاده، و قيل: ا لميم من (أم) صلة، و التقدير: أ حسبتم، و المعنى: أظننتم أن تدخلوا، و(أن) و ما عملت فيه سدت مسد مفعولي الحسبان عند صاحب الكتاب (2)- رحمه -، و عند أبي الحسن(3) المفعول الثاني محذوف، أي: أم حسبتم دخول الجنة واقع ا أو حق ا... » (4). وقد ورد في هذه المسألة خلاف بين النحاة، و قد اقتصر الهمذاني على ما ورد عن سيبويه و الأخفش، و سنورد م ا فيها من خلاف: المذهب الأول: مذهب سيبويه. ما نص عليه سيبويه يفهم منه أنه يمنع حذف مفعولي ظن و حسب، و حجته كما يفيد ظاهر كلامه أن الفائدة لا تتحقق إلا بهما، و ذلك بقوله:«والمنصوبان بعد (حسبت) بمنزلة المرفوع و المنصوب بعد (ليس) و(كان)، و كذلك الحروف التي بمنزل ة (حسبت)، و(كان)؛ لأنهما إنما يجعلان المبتدأ و المبني عليه فيما مضى يقين ا أو شك ا أو ع ل م ا»(5). وأجاز أن تأتي (ذاك) سادة مسد المفعولين و دليله على ذلك قد أخذه مما سمعه من العرب حيث قال: « وأما: ظننت ذاك، فإنما جاز السكوت عليه لأنك قد تقول: ظننت، فتقتصر، كما تقول: ذهبت، ثم تعمله في الظن كما تعمل (ذهبت) في الذهاب، فذاك ههنا هو الظن، كأنك قلت: ظننت ذاك الظن، و كذلك خلت و حسبت»(6). فهو يعني (ذاك)التي سدت مسد مفعولي (ظن) و كذا (حسب) و(خال)، و هو ما أكده السيرافي (7)، و يترتب على نصه أمران: (1 )البقرة الآية 214. (2 )الكتاب 1/39. (3 )معاني القرآن للأخفش 2/434. (4 )الفريد 1/449. (5 )الكتاب 2/365،وانظر: المقتضب3/122، شرح ابن عصفور على الجمل1/165، التذييل والتكميل6/13. (6 )الكتاب 1/40. (7 )شرح السيرافي على الكتاب 1/284
عدد الصفحات ١٨٢الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الرابع عشر ( رأي سيبويه في مفعولي "حسب" في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) 163 أحدهما: رد ما حكاه ابن مالك عن سيبويه من إجازته حذف مفعولي الظن مع ا، حيث إنه قد جعل (ذاك) قائمة و سادة مسد المفعولين، و لم يجز حذفهما. قال ابن مالك: « وحذف المفعولين أسهل من حذف أحدهما، لكن بشرط الفا ئدة، فلو قال قائل دون تقدم كلام و لا ما يقوم مقامه:(ظننت) مقتصر ا، لم يجز؛ لعدم الفائدة، نص على ذلك سيبويه ـــــ رحمه الله ــــ إذ لا يخلو أحد من ظ ن »(1). وظاهر كلام الفارسي موافقة سيبويه حيث قال: «فالاختيار عندنا في قولهم: ظننت أن زيد ا منطلق، أن يكون المفعول الثاني مستغنى عنه مختزلا من الكلام غير مضمر، و أن هذا الكلام لما ذكرناه سد مسده ، كما أن الفاعل في: أقائم الزيدان، سد مسد الخبر لطول الكلام به و الاستغناء به عنه، و أن معنى الكلام: ظننته منطلق ا، كما أن معنى هذا: أيقوم الزيدان ؟»(2). الآخر: ما نقل عن سيبويه قد يوافق ظاهره ما نقله بعضهم (3) من أن مذهبسيبويه المنع قياس ا، و الحذف سماع ا في (ظن) و(حسب) و(خال) محتجين بما حكاه سيبويه: من يسمع يخل(4)، و بما استشهدوا به من قوله تعالى:ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭼ(5)، و قوله تعالى: ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﭼ(6). وعليه فالمصدر المؤول من (أن) و الفعل (تدخلوا) سد مسد مفعولي (حسب)(7). (1 )شرح الكافية الشافية 2/553. (2) الإغفال1/ 262،263. (3 )انظر شرح الرضي على الكافية4/155،شرح الكافية الشافية2/553،التصريح 1/378،التذييل 6/13. (4 )المعنى من يسمع أخبار الناس و معايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه، و لم أجد هذا المثل في كتاب سيبويه، إنما نقله عنه النحاة. والمثل في: مجمع الأمثال 1/300، المستقصي في أمثال العرب 2/362، فصل المقال 412، جمهرة الأمثال 2/263، وانظر شرح الرضي على الكافية4/155، شرح الكافية الشافية2/553،التصريح 1/378، التذييل 6/13. (5 )البقرة الآية 78. (6 )سورة الفتح الآية12. (7 )انظر شرح السيرافي على الكتاب 1 /284، شرح ابن عصفور على الجمل 1/165،166 ، المقرب 1/116، شرح التصريح 1/378.، التذييل 6/11، الهمع 1/548 ، أوضح المسالك 2/59.
عدد الصفحات ١٨٣الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الرابع عشر ( رأي سيبويه في مفعولي "حسب" في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) 164 فالظاهر من نص سيبويه السابق جواز أن يسد المصدر الذيناب عنه (ذاك) مسد المفعولين، و هو ما ذكره الصيمري بقوله: « ويجوز أن تذكر المصدر و لا تذكر المفعولين، فتقول: ظننت ظن ا، كما قال عز و جل ﭽ ﮤ ﮥ ﮦﭼ(1)و يجوز أن تقول: ظننته زيد ا شاخص ا، فتضمر المصدر لدلالة الفعل عليه، و يجوز أن تقول: ظننت ذاك، فلا تحتاج إلى ذكر اسم آخر؛ لأن (ذاك) إشارة إلى المصدر ، و يجوز الاقتصار على المصدر»(2). المذهبالثاني: للأخفش، جواز حذف المفعول الثاني للدلالة عليه . الذي نقل عنه الهمذاني في نصه السابق ، حيث قدر المعنى في الآية: أم حسبتم دخول الجنة واقع ا أو حق ا، و هذا يوافقه قول الأخفش:«و قالﭽ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋﭼ(3) فجعلها(أن) التي تعمل في الأفعال، فاستغنى بها (حسبوا) كما قال:ﭽ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﭼ(4) وﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ(5)، استغنى ها هنا بمفعول واحد؛ لأن معنى ﭽ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭼ:ما أظنها أن تبيد» (6). وحجته أن هذه الأفعال لا تستغني عن مفعولاتها ، كما لا يستغنى القسم عن جوابه.(7) وحاصل رأيه أنه يجيز حذف أحد المفعولين للدلالة عليه، و لا يجيز حذفهما مع ا، أما حذف الثاني فكما ذكر أولا في مسألتنا، و أما إجازته حذف الأول فقد قال في الآية: ﭽ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﭼ(8):« فأراد و لا تحسبن البخل هو خيرا لهم، فألقى الاسم الذي أوقع عليه الحسبان و هو (البخل)؛ لأنه قد ذكر الحسبان و ذكر ﭽﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﭼ فأضمرهما إذ ذكرهما »(9) . (1 )سورة الفتح الآية12. (2 )التبصرة 1/114. (3 )سورة الكهف الآية 102. (4 )سورة البقرة الآية 230 (5 )سورة الكهف الآية 35 . (6 )معاني القرآن للأخفش 2/434. (7 )انظر شرح ابن عصفور على الجمل 1/168، و شرح التسهيل 2/74، التذييل 6/9. (8 )سورة آل عمران الآية180. (9 )معاني القرآن للأخفش 1/241، و انظر معاني القرآن للفراء 1/248.
عدد الصفحات ١٨٤الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الرابع عشر ( رأي سيبويه في مفعولي "حسب" في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) 165 وهذا توجيه آخر في المسألة و هو أن تكون (أن ) مخففة من الثقيلة، و ليست الناصبة للمضارع، و عليه يكون اسمها مضمر ا، و الخبر هو المصدر المؤول من (أن) و الفعل، وهذا يوافق ما نص عليه سيبويه بقوله: « هذا باب آخر (أن) فيه مخففة، و ذلك قولك: قد علمت أن لا يقول ذاك، و قد تيقنت أن لا تفعل ذاك، كأنه قال: أنه لا يقول، و أنك لا تفعل" (1) ومنه قراءة ﭽو ح س بوا ألا ت ك ون ف ت ن ة ﭼ(2)، و أجاز ابن الشجري مجيء كل منهما الناصبة و المخففة بعد الظن و الحسبان و الزعم و الخيلان، و جعل منه القراءة السابقة بالرفع، و قول الشاعر: (3) ز ع مممم الف ممممر ذ َ أ ن س ممممي ر ت ل مر ع مممما أ ب ش ممممممر ب س ممممممول س مممممما م ةٍ يمممممما م ر ممممممع (4) وعليه فسيبويه يجعل المصدر ساد ا م س د المفعولين، وعند الأخفش هو المفعول الأول و الثاني محذوف. و ما نص عليه الأعلم يؤكد موافقته مذهب سيبويه حيث قال: « إنما هي أفعال من القلب تدخل على مبتدأ و خبر؛ ليتيقن اليقين في الخبر أو الشك، و الاعتماد بهذه الأفعال على المفعول الثاني، و ا نما كان كذلك لأنك إذا قلت: زيد منطلق، فإنما تفيد المخاطب انطلاقه الذي لم يكن يعرفه، لا ذاته التي قد عرفها، فكذلك إذا قلت: حسبت زيد ا منطلق ا، فالشك في انطلاقه لا في ذاته، و هذان الاسمان و ا ن كان الاعتماد على الثاني فلا بد من ذكر الأول؛ ليعلم صاحب القصة المشكوك فيها أو المتيقنة، و لا بد من ذكر الثاني؛ لأنه المعتمد عليه في اليقين أو الشك، فقد صح أنه لا يجوز الاعتماد على أحدهما دون الآخر»(5). وهذا يرد ما نسب إليه من القول بجواز الحذف في مفعولي (ظننت) وما في معناها، و المنع في مفعولي (علمت) و ما في معناها (6) . (1) الكتاب3 /165 . (2 )المائدة الآية 71 والقراءة بالرفع لأبي عمرو و الكسائي و حمزة و يعقوب و خلف و اليزيدي و الأعمش، انظر الحجة لابن خالويه 133، إعراب القرآن للنحاس 1/510، الكشاف 1/355، البحر المحيط 1/533، جامع البيان 6/247،الكتاب 3/165. (3 )البيت من الكامل و هو لجرير في شرح ديوانه 348، و الأزهية 66، و الخزانة 8/124، و شرح شواهد المغني 1/103، و بلا نسبة في سر صناعة الإعراب 1/548، 681، و المغني 1/30. (4 )انظر أمالي ابن الشجري 1/386 . (5 )النكت في تفسير كتاب سيبويه للأعلم 1/257. (6 )انظر شرح ابن عصفور على الجمل 1/168، التذييل 6/11.الارتشاف 4/2097.أوضح المسالك 2/59.
عدد الصفحات ١٨٥الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الرابع عشر ( رأي سيبويه في مفعولي "حسب" في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) 166 فن ص ه يوضح أن رأيه منع الحذف فيها، فهو موافق لسيبويه، أما ما ورد عنه من جواز الحذف فكان في المفعولين اللذين ليس أصلهما المبتدأ و الخبر، و هو فيها أيض ا موافق لسيبويه، فقد قال في باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين مما يجوز فيه الاقتصار:«دعوته، إذا أردت (دعوت) التي تجري مجرى (سم ي ته)... فالدعاء بمعنى التسمية يجري مجرى التسمية، تقول: دعوت أخاك زيدا ، و بزيد »(1). وهذا موافق لما ذكره سيبويه الذي قال: «هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين، فإن شئت اقتصرت على المفعول الأول، و ا ن شئت تعدى إلى الثاني، كما تعدى إلى الأول، و ذلك قولك: أعطى عبد الله زيد ا درهم ا، و كسوت بشر ا الثياب الجياد»(2). المذهبالثالث: جواز الحذف مسلرا. و هو مذهب أكثر النحويين، و منهم السيرافي و ابن عصفور، حيث قال السيرافي عن المفعولين لتلك الأفعال:« ولو لم تذكر واحد ا منهما و جئت بالفعل و الفاعل فقط، جاز في كل هذه الأفعال كقولك: ظننت، و من أمثال العرب: من يسمع يخل (3)، ففي(يخل) ضمير فاعل، و لم يأت بمفعولين»(4). وقد نسب هذا المذهب لابن السراج (5)،و ما ورد عنه يفيد القول بمنع الحذف فهو على مذهب سيبويه و الأخفش، حيث قال:« واعلم أن (ظننت) و(حسبت) و(علمت)، و ما كان نحوهن لا يجوز أن يتعدى واحد منها إلى أحد المفعولين دون الآخر، لا يجوز: ظننت زيد ا، و تسكت، حتى تقول: قائم ا، و ما أشبه، من أجل أنه إنما يدخل على المبتدأ و الخبر، فكما لا يكون المبتدأ بغير خبر، كذلك (ظننت) لا تعمل في المفعول الأول بغير مفعول ثان، فأما قولهم: ظننت ذاك، فإنما جاز السكوت عليه؛ لأنه كناية عن الظن، يعني المصدر »(6) . (1) النكت1/252، باختصار (2 )الكتاب 1/37. (3) سبق تخريجه صــــ 163 . (4 )شرح السيرافي على الكتاب 1 /281 .و انظر شرح ابن عصفور على الجمل 1/168، التذييل 6/11، الهمع 1/548، الإتقان 3/214، أوضح المسالك 2/59. (5) انظر الهمع1 /549 . (6 )الأصول 1/181.
عدد الصفحات ١٨٦الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الرابع عشر ( رأي سيبويه في مفعولي "حسب" في قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) 167 أما ما ذكره سيبويه عن العرب (ظننت ذاك) فلم ي جز ابن عصفور أن تكون (ذاك)أو (ذلك) سادة مسد المفعولين، حيث قال: « وهذا عندنا غير جائز؛ لأن إقامة المفرد مقام المفعولين ليس بقياس، و أيضا فإن ذلك ليس فيه ما سوغ في أن وضعها موضع الم فعولين من الطول و جريان المفعولين بالذكر في الصلة »(1). بالنظر لـ(ذاك) نجد للنحاة فيها كلام ا من جواز نيابتها عن الجمل و الإشارة بها للمثنى و الجمع، مما جعل العرب يأتون بها سادة مسد المفعولين، مما يضعف رد ابن عصفور و لعل ما يؤكد ذلك قول الفراء: « والفعلان _ يعني: الاسمان- قد يجمعان بـ (ذلك) و(ذاك)، ألا ترى أنك تقول: أظن زيدا أخاك، و كان زيد أخاك، فلابد لك ان من شيئين، ثم يجوز أن تقول: قد كان ذاك، و أظن ذلك، و ا نما المعنى في الاسمين اللذين ضمنهما( ذلك) »(2). وقال الزجاج في قول الله تعالى: ﭽ ﯪ ﯫ ﯬﭼ(3):« ومعنى (بين ذلك): بين البكر و الفارض، و بين الصغيرة و الكبيرة، و ا نما جاز ذلك و(بين) لا يكون إلا مع اثنين أو أكثر، لأن (ذلك) ينوب عن الجمل، فتقول: ظننت زيد ا قائما، فيقول القائل: ظننت ذلك»(4). ومن الإشارة بـ (ذاك) و(ذلك) و نحوهما للجمل قول الشاعر:(5) إنَّ الرَّشممممممماد و الغممممممميَّ فمممممممي مممممممرن ب ك ممممممممممممملي ذلممممممممممممم ي ت ي ممممممممممممم الج ديمممممممممممممدان و ما ورد عن سيبويه و الأخفش يبين أنهما يتفقان في عدم جواز حذف المفعولين، إلا أن سيبويه يجيز أن يكون الم صدر المؤول من (أن) و الفعل المضارع بعدها ساد ا مسد المفعولين، بينما هو عند الأخفش قائم مقام المفعول الأول، و الثاني محذوف. و أظن رأي سيبويه هو الأولى بالقبول ، حيث إن المعول عليه هو المعنى، و قد تم و أدى المصدر المعنى كما هو الحال لو ذكر المفعولان، و ما رواه سيبويه عن العرب يؤكد ذلك. (1 )شرح ابن عصفور على الجمل 1/173 (2 )معاني القرآن للفراء 1/45. (3 )سورة البقرة الآية 68. (4 )معاني القرآن للزجاج 1/150، و انظر التبيان 1/745، شرح التسهيل 1/242، شفاء العليل 1/261، التصريح 1/146. (5 )البيت من البسيط و هو لسويد بن عامر المصطلقي في الخزانة 4/104، العقد الفريد 5/240، 6/125، وبلا نسبة في جمهرة الأمثال 1/543.
عدد الصفحات ١٨٧الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الخامس عشر - رأي سيبويه في حقيقة (ما) وو جه ارتفاع (وصال) 168 المبحث الخامس عشر رأي سيبويه في حقيقة (ما) ووجه ارتفاع (وصال) في قول الشاعر: صَددددددفَفْو فتِ ول ددددددْو الصددددددفوفَ وقلمددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددا ووصالٌ على ِولو الصُّفوفو يدددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددفو
عدد الصفحات ١٨٨الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الخامس عشر - رأي سيبويه في حقيقة (ما) وو جه ارتفاع (وصال) 169 رأي سيبويه في حقيقة (ما) وو جه ارتفاع (وصال) في قول الشاعر (1) صَددددد فَ فْو فتِ ول دددددْو الصدددددفوفَ وقل مدددددا ووصالٌ على ِولو الصُّ فوفو يدفو قال الهمذاني:«ففيه خمسة أقوال للنحويين، قال صاحب الكتاب:(ما) في (قلما) اسم في موضع رفع بـ (قلّ) و(وصال) مبتدأ، و ما بعده خبره، و الجملة صلة لـ (ما) والتقدير عنده: وقلما يدوم وصال، لأنه إنما أراد تقليل الدوام، وقال المبرد: و(ما) في (قلما) ملغاة، والاسم بعدها مرتفع بـ (قلّ)، كأنه قال: وقل وصال يدوم على طول الصدود، وقال بعضهم: (ما) في (قلما) ظرف بمعنى الحين والوقت كأنه قال: وقل وقت يدوم فيه وصال على طول الصدود، وقال بعضهم: (ما) في (قلما) كافة لا يصلح أن يليها الفعل بغير (ما)، وا نما أولى (قلما) الاسم فقال: وقلما وصال لضرورة الشعر، ووجه الكلام أن يقال: قلما يدوم وصال، فيولي (قلما) الفعل دون الاسم، والخامس أن يكون (ما) تأكيدا وبعضهم يسميها صلة زائدة »(2) . ونفصل الآراء الواردة كما يلي الأول: الوارد عن سيبويه حيث ذكر البيت في موضعين من كتابه، وظاهر كلامه في الموضعين لا يوافق ما نسبه إليه الهمذاني والنحاة من قبله من القول بأن (ما) فاعل لـ(قلّ) و(وصال) مبتدأ، فقد قال الفارسي: « ولا يصلح ارتفاعه بالابتداء على ما قدره (3)لأنه موضع فعل»(4). (1) البيت من الطويل وهو لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 358، ونسب للمراد الأسدي في المغني 1/307، 2/590، الدرر2/107، الخزانة 1/345،10/227،229،231، شرح سقط الزند 4/1660، وبلا نسبة في الكتاب 1/31،3/115، المقتضب1/222،الأصول 2/234، إعراب القرآن للنحاس 2/376، شرح أبيات سيبويه للنحاس 315، شرح الكتاب للسيرافي 2/230، ضرورة الشعر للسيرافي 193، كتاب الشعر 91، المسائل البغداديات296، الخصائص1/143،257، الإنصاف1/144، شرح ابن يعيش على المفصل 4/43،7/116، الممتع2/482، شرح ابن عصفور على الجمل 1/160،2/610، شرح التسهيل لابن مالك 2/109، الارتشاف 4/2035، شفاء العليل3/986. (2) الفريد 1/203. (3) يقصد سيبويه. (4) المسائل البغداديات297.
عدد الصفحات ١٨٩الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الخامس عشر - رأي سيبويه في حقيقة (ما) وو جه ارتفاع (وصال) 170 وفي الأزهية قال سيبويه:«(ما) فـي (قلمـا) فـي موضـع فاعـل و(وصـال) مبتـدأ، و مـا بعـده خبر والمبتدأ صلة لـ (ما) »(1). فما صرح به سيبويه يفيد ظاهره القـول بـأن (مـا) كافـة لــ (قـلّ) عنـد الـدخول علـى الفعـل، وتلاها الاسم (وصال) الذي هو فاعل قـد تقـدم علـى فعلـه (يـدوم) للضـرورة الشـعرية، فقـد قـال فــي الموضــع الأول: «ويحتملــون قــبح الكــلام حتــى يضــعوه فــي يــر موضــعه، لأنــه مســتقيم ليس فيه نقض فمن ذلك قوله: صَدددد ففْو فتِولددددْو الصُّدددد فوفَ وقل مددددا وصدددالٌ علدددى ِدددولو الصدددفوفو يدددفو وا نما الكلام: وقل ما يدوم وصال »(2). كمــا قــال فــي بــاب الحــروف التــي لا يليهــا بعــدها إلا الفعــل«ومــن تلــك الحــروف: ربمــا وقلما وأشباههما، جعلوا (رب) مع (ما) بمنزلة كلمة واحدة، وهيئوها ليذكر بعدها الفعل، لأنهم لــم يكــن لهــم ســبيل إلــى: ر ب يقــول، ولا إلــى : ق ــل يقــول، فألحقوهمــا (مــا) وأخلصــوهما للفعــل، ومثـــل ذلـــك: هـــلا ولـــولا وألاّ ، ألزمـــوهن (لا) وجعلـــوا كـــل واحـــدة مـــع (لا) بمنزلـــة حـــرف واحـــد، وأخلصــوهن للفعــل حيــث دخــل فــيهن معنــى التحضــيض، وقــد يجــوز فــي الشــعر تقــديم الاســم، قال: صدددددففْ فتِولددددددْ الصددددددفوف وقلمددددددا وصددددال علددددى ِددددول الصددددفوف يددددفو يددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددددفو »(3) فظاهرهما أن (وصال) فاعل لـ (يدوم) وليس مبتدأ وهذا ما ذهب إليه كثير من النحاة (4). وقد فسره السيرافي بقوله: «ووجه الكلام: وقلما يدوم وصال على طول الصدود، وذلك أن الأصل في هذا أن يقال: قل وصال يدوم على طول الصدود، لأن (قلّ) قبل دخول (ما) كان حكمها ألا تليها الأفعال؛ لأنها فعل ولا يلي الفعل فعل، فأدخلوا (ما) عليها ليوطئوا (1) الأزهية للهروي92، وهو رأي البغدادي في الخزانة 10/226. (2) الكتاب1/31. (3 )الكتاب3/115 . (4) انظر ابن عصفور في ضرائر الشعر 202، وأبا حيان في الارتشاف 4/2035، وابن هشام في المغني 4/68، والدرر2/263، وشرح التصريح 1/394.
عدد الصفحات ١٩٠الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الخامس عشر - رأي سيبويه في حقيقة (ما) وو جه ارتفاع (وصال) 171 للفعل أن يليه؛ لأن الفعل لا يمتنع أن يلي (ما) فكان الحكم أن يولوها ما دخلت (ما) من أجله وهو الفعل، فلما اضطر قدم الاسم الذي كان يقع بعد (قلّ) قبل دخول (ما) »(1). وقد رد ابن السيد (2) هذا التفسير؛ لأن جمهور نحاة البصرة لا يجيزون تقديم الفاعل على فعله في شعر ولا نثر (3). والخلاف في تلك المسألة ذكره النحاة، فقال ابن أبي الربيع (4):«الفاعل لا يتقدم على الفعل، فلا أعلم فيه خلاف ا بين النحويين إلا خلاف ا ضعيف ا نقل عن بعض الكوفيين في قولك: زيد قام، أن زيدا فاعل مقدم، والأصل: قام زيد »(5) وفي نحو الآية الكريمة ﭽ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﭼ(6) ومنع البصريون فاعلية ﴿ ﯧ ﴾ بخلاف الأخفش(7) والكوفيين(8). وبالنظر لنص سيبويه نجده في النص الأول قد جعله من وضع الكلام في ير موضعه، ووجه جوازه أنه مستقيم وليس فيه نقص، وأجاز في النص الثاني للضرورة الشعرية، حيث التقديم والتأخير كثير في اللغة (9)، فيؤخذ من ظاهر النصين القول بأن (ما) كافة لـ (قلّ)، و(وصال) ارتفع على الفاعلية بـ (يدوم) الذي تأخر للضرورة الشعرية. (1) ضرورة الشعر للسيرافي 193 ،194 . (2) عبد بن محمد بن السيد، أبو محمد: من العلماء باللغة والأدب. ولد ونشأ في بطليوس في الأندلس 444هـ، وانتقل إلى بلنسية فسكنها، وتوفي بها 521 هـ. من كتبه «الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لابن قتيبة و المسائل والأجوبة و لإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم والحدائق في أصول الدين، و المثلث في اللغة، كمثلثات قطرب، و شرح سقط الزند، و ير ذلك. (3) رأي ابن السِّّيد في المغني 4/19، الدرر2/663. (4) عبد بن أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله الإمام أبو الحسين ابن أبي الربيع القرشي الأموي العثماني الإشبيلي إمام أهل النحو في زمانه؛ ولد في رمضان 599هـ، وتوفي688هـ وصنف: شرح الإيضاح، الملخص، القوانين، شرح الجمل. ترجمته في البغية 2/125، كشف الظنون1/212، اية النهاية1/484، معجم المؤلفين 286 . (5) البسيط في شرح الجمل 1/272،173 ، وانظر هذه المسألة في المقتضب 1/128، الأصول2/254،أسرار العربية 79، الارتشاف 4/1220، الهمع2/237، شرح التصريح 1/296. (6) سورة التوبة آية 6. (7) معاني القرآن للأخفش 1 /354 . (8) انظر رأيهم في شرح التسهيل 2/107،108. (9) في هامش الأزهية 91 قال المحقق:" لا يجوز نسبة هذا القول إلى سيبويه البتة، ولا يؤخذ من كلامه في كلا
عدد الصفحات ١٩١الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الخامس عشر - رأي سيبويه في حقيقة (ما) وو جه ارتفاع (وصال) 172 الرأي الثاني والذي نسبه الهمذاني و يره من النحاة إلى المبرد من القول بأن (ما) ملغاة وارتفع (وصال) على الفاعلية بـ (قلّ) والتقدير: قل وصال يدوم على طول الصدود. قال الهروي:« وقال المبرد: (ما) في (قلما) ص لة ملغاة، والاسم بعدها مرتفع بـ(قلّ) كأنه قال: وقل وصال على طول »(1). وما ذكره المبرد لا يفيد ذل ك، بل يفيد موافقته لسيبويه حيث قال: «ولو احتاج شاعر إلى فصل الألف واللام لاستقام ذلك وكان جائزا للضرورة ، كما يجوز في مثله في (سوف) و(قلما) و(قد) ونحوها من الحروف التي تكون أصلا للأفعال، كما قال حيث اضطر الشاعر: صَدددد فَ ف ْو فَ تَ ِ وَ ل ددددْو الصُّدددد ف وفَ وَ قَ ل مَددددا ووصَددد الٌ عَ لَدددى ِ دددو لو الصُّددد ف وفو يَدددف و وا نما (قلّ ما) للفعل »(2). أي تلاها الاسم في الضرورة الشعرية، فليس فيه ما يدل على القول بأن (ما) ملغاة، ورفع (وصال) على الفاعلية بـ (قلّ)، بل ظاهره يفيد موافقته لسيبويه. (3) الرأي الثالث الذي حكاه الهمذاني عن بعضهم وهو أن (ما) بمعنى الظرف والوقت أي: قل وقت يدوم فيه وصال على طول الصدود. وصاحب هذا الرأي هو السيرافي حيث قال: «وا ذا قلت: قل ما يدوم وصال، فإن(قلّ) لم تزل عن فعليتها ير أن الذي يرتفع بعدها(ما) وهي اسم مبهم يجعل في هذا الموضع للزمان، فكأنه قال: قل وقت يدوم فيه وصال » (4) كما حكاه الهروي بغير نسبة(5). الموضعين اللذين أنشد فيهما هذا البيت إلا أنه قد يجوز في ضرورة الشعر تقديم الاسم بعد (قلما) ولم يتجاوز ذلك إلى التصريح بم ارتفع (وصال) في البيت. " (1) الأزهية 91، وكذا ابن الشجري في أماليه2/567، وابن هشام في المغني4/69، والبغدادي في الخزانة 10/226، وانظر الدرر 2/263. (2) المقتضب1/222، وانظر2/54. (3) في هامش المقتضب قال د/عبد الخالق عضيمة تعليق ا على كلام المبرد من هذا يتبين لنا بوضوح أنه لا خلاف بين سيبويه والمبرد في (قلما) ولا في أن البيت ضرورة 1/222. (4 )ضرائر الشعر للسيرافي 194. (5) الأزهية 92.
عدد الصفحات ١٩٢الباب الأول– الفصل الأول – المبحث الخامس عشر - رأي سيبويه في حقيقة (ما) وو جه ارتفاع (وصال) 173 فعليه: ليست (ما) ظرفا ولكنها دالة على معنى الظرف والوقت عند السيرافي، وليست ظرفا كما ذكر الهروي. الرأي الرابع: والذي حكاه الهمذاني عن بعضهم من أن (ما) كافة لـ (قلّ) عن الدخول على الفعل فيمكن رد هذا الرأي إلى الأول من جعل (ما) كافة حرفا ورفع (وصال) على الفاعلية إلا أنه يخالفه في رافع (وصال) وصاحب هذ ا الرأي هو ابن السراج حيث قال:«والكلام : قل ما يدوم وصال ، وليس يجوز أن يرفع (وصال) بـ (يدوم) وقد أخره، ولكن يجوز هذا عندي على إضمار (يكون) كأنه قال: قل م ا يكون وصال يدوم على طول الصدود»(1). ورده البغدادي لأنه ليس من مواضع حذف (كان (2). وأجاز الفارسي رفعه بفعل يفسره المذكور فقال : «ولا يجوز أن يرفع (وصال) بـ (يدوم) وقد تأخر عن الاسم، ولكن يرت فع بـ (يبقى) أو (يثبت) أو نحوه، مما يفسره (يدوم) »(3). الرأي الخامس : و الذي ذكره الهمذاني «أن يكون (ما) تأكيدا، و بعضهم يسميها صلة زائدة »(4). وهو وجه أجازه السيرافي (5)، و لا فرق بين هذا الرأي و الرأي الثاني بأن (ما) صلة ملغاة، و عليه يرتفع (وصال) على الفاعلية بـ (قلّ). (1) الأصول في النحو3/466. (2) انظر الخزانة 10/228. (3) المسائل البغداديات296 ،297 . (4) الفريد 1/203. (5) ضرائر الشعر للسيرافي 194، وانظر الدرر 2/263.
عدد الصفحات ١٩٣