ِّ 138 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح أعلّه بذلك البخاري، وقضى لرواية وهيب (1)؛ وجاء في "الإرشاد للخليلي أنّ مسلمًا قال للبخاري: تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا؟ فقال: البخاري: لا، إلاّ أنّه معلول، ثم ساق طريق وحهيب هذه(2). وقد سبقه إلى إعلاله بذلك الإمامح أحمد فيما حكاه عنه الدارقطنيّ، قال: «قال أحمد بن حنبل: حدّث به ابن جريج عن موسى بن عقبة، وفيه وهم، والصحيح قول وهيب، وقال: وأخشى أن يكون ابن جريج دلّ سه عن موسى بن عقبة، أخذه من بعض الضعفاء عنه»، قال الدارقط والقول كما قال أحمد(3). وأعلّهبذلك أيضا أبو حاتم و أبو زرعة. قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي و أبا زرعة عن حديث ابن جريج... فقالا: هذا خطأ؛ رواه وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله موقوفًا، وهذا أصحّ. قلت لأبي: الوهم ممّن هو؟ قال: يُتمل أن يكون الوهم من ابن جريج، ويُتمل أن يكون من سهيل، وأخشى أن يكون ابن جريج دلّس هذا الحديث عن موسى بن عقبة ولم يسمعه من موسى، أخذه من بعض الضعفاء»(4). (1) المصدر نفسه4/105.) (2) الإرشاد 3/960-961، رقم 249)، وهو في النكت2/719.) (3) العلل8/204، رقم 1513.) (4) العلل5/406-408، رقم 2078.)
عدد الصفحات ١٣٨المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 139 وقد حكى ابن حجر الأقوال السابقة ثم قال «فاتفق هؤلاء الأئمّة على أن هذه الرواية وهم ، لكن لم يجزم أحد منهم بوجه الوهم فيه، بل اتفقوا على تجويز أن يكون ابن جريج دلّسه، وزاد أبو حاتم تجويز أن يكون الوهم فيه من سهيل»(1). المثال الثا- قال ابن أبي حاتم: «سألتأبي عن حديث رواه قتادة وحمّاد بن سلمة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر عن النبّ قال«من باع نخلا قد أح بِّ رت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ». قال أبي: كنت أستحسن هذا الحديث من ذي الطريق، حتى رأيت من حديث بعض الثقات، عن عكرمة بن خالد، عن الزهري، عن ابن عمر، عن النبّ . قال أبي: فإذا الحديث قد عاد إلى الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبّ »(2). واستحسنأبو حاتم هذه الطريق لأنّ فيها متابعة لرواية الزهري عن سالم عن ابن عمر المخرّج في الصحيحين(3) وغيرهما، وسبق الإشارة إليها كلام أبي حاتم، لكن بعد البحث والتفتيش تبينّ أن عكرمة يرويها عن الزهري. (1) النكت2/718-724.) (2) العلل3/603-604، رقم 1122.) (3) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المساقاة، ح( 2379)، صحيح مسلم، كتاب البيوع، ح80(1543.)
عدد الصفحات ١٣٩ِّ 140 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح فقد رواها معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر. أخرجه من طريقه النسائيّ (1). وإذ ا كان عكرمة قد أخذه عن الزهري، فالزهري إنما يرويه عن سالم، فعاد الحديث إلى الطريق الأولى (الزهري عن سالم عن ابن عمر). ووجه الخفاء في طريق عكرمة عن ابن عمر كما يقول ابن حجر (2) أنّ عكرمة سمعه ممّن هو أصغر منه وهو الزهري، والزهريّ لم يسمعه من ابن عمر ، إنماسمعه من سالم. والله أعلم. المثال الثالث- -والوهم فيه في المن، وذلك فيما- رواه الإمام مسلم بسنده عن أبي إسحاق قال: سألت الأسود بن يزيد عمّا حدّثت عائشة عن صلاة رسول الله قالت«كان ينام أول الليل ويُح يي آخره ، وإن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ولم يمسّ ماء حتى ينام» قال مسلم : «فهذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة؛ وذلك أن النخعي و عبد الرحمن بن الأسود جاءا بخلاف ما روى أبو إسحاق»ثم ساق سنده إلى إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: «إذا كان جحنـحبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضّأ وضوءه» وساق بسنده إعبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: «كان رسول الله يجنب ثم يتوضأ وضوءَ ه للصلاة ثم ينام حتى يصبح». (1) السنن الكبرى5/39، رقم 4975.) (2) النكت2/714.)
عدد الصفحات ١٤٠المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 141 وبسنده عنأبي سلمة عن عائشة «أنّ رسول الله كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام»(1). فإبراهيم النخعي و عبد الرحمن بن الأسود خالفا أبا إسحاق في روايته عن الأسود، التي يقول فيها: «ولم يمسَّ ماءً حتىّ ينام »فجاء في رواية إبراهيم النخعي عن الأسود: «توضّأ وضوءَه»، وفي روايةعبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: «ثم يتوضأ وضوءَ ه للصلاة، ثم ينام حتى يصبح» وتابعهما-متابعةً قاصرةً - أبو سلمة، فرواه عن عائشة، وفيه: «توضأ وضوءَ ه للصلاة قبل أن ينام» فاجتماع هؤلاء على خلاف ما رواه أبو إسحاق دلّ على وهمه. والله أعلم. (1) التمييز181-182، ح40-43.)
عدد الصفحات ١٤١المبحثِّالخامس -ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالنِّ ِّ ِّ المبحثِّالخامس-ِّاد ق منهجِّالنِّ فيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث
عدد الصفحات ١٤٣المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 145 المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن:ِّ من خلال تتبّع كلام النـُّقّاد والنظر في ممارساتهم النقديّة تبينّ لي أنهّم لا يصدرون أحكامهم على الأحاديث إلا بعد الجمع المستوعب لطرقها، والتفتيش الدقيق عن أحوال رواتها، والنظر الفاحص في كيفية تحمّلهم للحديث وكيفية سياقهم له، إلى غير ذلك من الأمور التي يدركون من خلالها سلامة الحديث وصحّته أو حصول شيء من الخطإ والوهم فيه، وهذا هو المنهج المتـّبَع لديهم في غالب أحوالهم، لكن قد لا يوصلهم البحث والتفتيش عن بعض الأحاديث إلى دليل ظاهر يستندون إليه، وينقدح في نفوسهم وجود خطإ في الحديث، فيعبرّون عن ذلك بألفاظ توحي بإنكارهم له أو تردّدهم أو توقّفهم فيه. وسوف أتناول -فيما يلي- هاتين الطريقتين بشيء من التفصيل والتأصيل، بحول الله وعونه: الطريقةِّالأولى-ِّالحكمِّعلىِّالحديثِّمنِّخلالِّجمعِّطرقهِّوالنظرِّفيها:ِّ وهذه الطريقة تتم من خلال ثلاث خطوات: الخطوةِّالأو-ِّجمعِّطرقِّالحديثِّعلىِّسبيلِّالاستيعاب:ِّ الرواة عحرضة للخطإ و الوهم مهما بلغوا من الحفظ والإتقان. يقول الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «فليس من نًقل خبر وحامل أثر من السلف الماض إلى زماننا -وإن كان من أحفظ الناس، وأشدهم توقّ ياً و إتقانًً لما يُفظ
عدد الصفحات ١٤٥ِّ 146 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وينقل- إلاّ الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله»(1). ولذلك اشتدّ حرص النـُّقّ اد على جمع طرق الحديث على سبيل الاستيعاب للتعرّف على أحوال رواته، والاطمئنان على سلامته من الغلط والوهم. يقول الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبينّ خطؤه »(2). ويقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسّر بعضه بعضًا»(3). ويقول أيضًا «نحن كتبنا الحديث من ستّة أوجه وسبعة وجوه ولم نضبطه، كيف يضبطه من كتبه من وجه واحد! »(4). ويقول الحافظ بن معين رحمه الله تعالى: «اكتب الحديث خمس مرّة؛ فإنّ له آفات كثيرة»(5). فكلام هؤلاء الأئمّة النـقّاد صريح في ضرورة جمع طرق الحديث الواحد، (1) التمييز170.) (2) علوم الحديث، لابن الصلاح82.) (3) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/212، رقم 1640.) (4) شرح علل الترمذي (1/480.) (5) المجروحين لابن حبان 1/33.)
عدد الصفحات ١٤٦المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 147 بل ظاهر كلامهم أنّ جمع طرق الحديث هو السبيل الوحيد لمعرفة حال الحديث؛ فسبق قول ابن المديني: «لم يتبينّ خطؤه »؛ وقال الإمام أحمد« لم تفهمه»؛ وقال ابن مع«فإنّ له آفات كثيرة»؛ وفي عبارة له أخرى «لو نكتب الحديث من خمسين وجهًا ما عرفناه» ومراد الإمام أحمد بقوله «والحديث يفسّر بعضه بعضًا »، أي: أنّ الوقف والإرسال الوارد في بعض الطرق يبينّ العلل الواردة في الطرق التي ظاهرها الرفع والوصل؛ وما يرد في بعض الطرق من إدراج يبيّنه ما يأتي في الطرق الأخرى من فصل لذلك الإد راج ونحو ذلك، كما قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: «فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميّز صحيحها من سقيمها...»(1). وفي ذلك يقول الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: «السبيل إلى معرفة علّة الحديث أن يجمع بين طرقه، و ينظر في اختلاف رواته...»(2). وليؤكّد الخطيب على أنّ هذا هو منهج المحدّثين استشهد لكلامه هذا بقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: «إذا أردت أن يصحّ لك الحديث فاضرب بعضه ببعض»(3)، أي: قابل بين طرقه. وهذا لا يكون إلا بعد جمع طرق الحديث، كما سبق في كلام الإمام مسلم. (1) التمييز209)، وقد تقدم في الصفحة126) عند الكلام على "العلل الخفية القادحة (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/354)، وقد تقدم في الصفحة138.) (3) المصدر نفسه2/354)، وقد تقدم في الصفحة (139.)
عدد الصفحات ١٤٧ِّ 148 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وما سبقت حكايته عن هؤلاء الأئمّة النـُّقّاد هو ما جرى عليه عمل المحدِّثين المتقدّم منهم والمتأخّر. فمن طالع في مسائل الإمام أحمد في العلل، وكتاب العلل لابن أبي حاتم في أجوبة أبيه و أبي زرعة، والتمييز للإمام مسلم، رأى أنهم يعتمدون في إعلالهم للحديث أو دفعِ العلل عنه على الطرق الأخرى للحديث. أمّا كتاب العلل للإمام الدارقطني فهو أوضح مثال لتطبيق هذا المنهج. وقد وصف الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى واقع كتب العلل بقوله: «ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جمع طرقه »(1). ثم إن هذا المسلك الذي سار عليه متقدِّمو المحدِّثين هو المسلك الذي جرى عليه عمل ا لمتأخّرين منهم؛ فقد سبقت حكاية ابن الصلاح لكلام ابن المديني مؤصّلاً به لمبحث المعَلّ، ويقول الحافظ ابن حجر -تعقيبًا على كلام الخطيب السابق-« :وإذا تقرّر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلّة -كما نقله المصنف عن الخطيب- أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته ، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة»(2). وحكى السخاوي رحمه الله تعالى هذا المنهج عن أهل الحديث في معرض كلامه عن شروط الصحيح مقرِّرًا له، وعاب طريقة الفقهاء ومن سار (1) علوم الحديث (ص82.) (2) النكت2/710-711.)
عدد الصفحات ١٤٨المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 149 في رِكابهم من المنتسبين للحديث في الحكم على الحديث قبل استيعاب طرقه، ووصف ذلك بالشذوذ؛ قال رحمه الله تعالى: «وأمّا من لم يتوقّف من المحدِّث والفقهاء على تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة(1) صحيحًا ثم إن ظهر شذوذ أو علّة ردّه فشاذٌّ، وهو استرواح؛ حيث يُكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص عن تتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيً ا وإثباتاً ... وكذا لا ينبغي الحكم بالانقطاع ولا بجهالة الراوي المبهَ م بمجرد الوقوف على طريق كذلك، بل لا بدّ من الإمعان في التفتيش لئلاّ يكون متّ صلاً ومح عيـَّ نً ا في طريق آخر فيعطل بحكمه الاستدلال به»(2). ومن خلال ما سبق عرضه من أقوال النـُّقّاد وممارساتهم النقديّة يتبينّ أن الخطوة الأولى التي يسلكونها عند إرادة الحكم على الحديث هي الإمعان في البحث و التفتيش عن طرق الحديث، والاجتهاد في جمعها على سبيل الاستيعاب. وقد جاء تأكيد هذا المنهج في مصنَّفات الحفّاظ الذين عحنوا ببيان اصطلاح أولئك النـُّقّاد، وسبقت الإشارة إلى ذلك في كلام ابن الصلاح وابن حجر والسخاوي، بل صرّح الحافظ السخاوي أنّ الحكم على الحديث قبل الإمعان في جمع طرقه إنما يجري على طريقة الفقهاء، ووصف ذلك بالشذوذ. (1) يع: من شروط الصحة. (2) فتح المغيث1/27-28.)
عدد الصفحات ١٤٩ِّ 150 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وبناءً على ما سبق فإنّ ما يجري اليوم من بعض الباحثين المنتسبين إلى علم الحديث -سواء كان ذلك في رسائل علميّة أو في بحوث أخرى- من الحكم على الأحاديث قبل جمع طرقها، أو الحكم على بعض طرق الحديث بمعزل عن الطرق الأخرى (1)، هو بعيد كلّ البعد عن طريقة المحدِّثين، وإنما يسلكون فيه طريقة الفقهاء التي سبقت الإشارة إليها في كلام السخاوي والتنبيه على ما يترتّب على العمل بها من محذور. الخطوةِّالثانية-ِّالبحثِّفيِّأحوالِّالرواةِّمنِّحيثِّالعدالةِّوالضبط:ِّ بعد جمع طرق الحديث يتوجّه النظر لمعرفة عدالة الرواة وضبطهم. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «اعلم أنّ صحّة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: أحدهما معرفة رجاله وثقتِهم وضعفِ هم...»(2). والبحث عن أحوال الرواة ينتهي إلى أحد ثلاثة أحوال (1) هذه الطريقة يسلكها بعض من يُقّقون كتبًا حديثيّة مسندة. فتجدهم يُكمون على سند المصنِّف بمفرده، ثمّ يخرجون الح ديث ويُكمون عليه في موضع آخر، فترى في كثير من أحكامهم تناقضًا واضحًا؛ وذلك أنّ الباحث حين يجد سند المصنّف متّصلاً ورجاله ثقات، يُكم له بالصحة، ثمّ بعد تخريج الحديث يقف على طريق آخر قد أرسل فيه بعض رواة الحديث وهم أوثق وأحفظ ممّن وصله، فيعِلّ الحديث بالإرسال، فيكون الحديث في حكمه السابق صحيحًا -على ما قضى هناك- وفي الحكم الثاني -بعد جمع الطرق - مرسَلاً، على ما في الموضع الثاني. فليتأمّل الباحث اللبيب هذا الخطأ المترتّب على مخالفة منهج المحدِّثين. (2) شرح علل الترمذي 2/467.)
عدد الصفحات ١٥٠المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 151 أ- الال الأو ل- أن يتبينّ أنهم ثقات ضابطون أو يكونوا قريبين من درجة أهل الضبط التامّ بحيث يُتمل تفرّدهم. ب- الال الثاني- أن يكونوا ممّن تحكلِّم في ضبطهم أو وضحعِّفوا لكن لم يشتدّ ضعفهم، كمن وح صف بسوء الحفظ أو الاختلاط، أو وحصف بالضعف المطلق. ج- الال الثال ث- أن يكونوا ممّن اشتدّ ضعفهم، كمن قيل فيه: فاحش الغلط، أو كثير الخطإ والوهم، أو متروك. فأم ا أهل الال الثالث الموصوفون بفحش الغلط وكثرة الخطإ ونحو هؤلاء، فإنه تحترك رواياتهم ولا يحشتغَل بها، كما صرّح بذلك الأئمّة من النـُّقّاد. يقول سفيان الثوري: «ليس يكاد يفلت من الغلط أحد . إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ، وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط تحرك»(1). وسئل شعبة: حديث مَن يحترَك؟ قال«من يكذب في الحديث، ومَن يكثر الغلط، ومن يخطؤ في حديث مجمع عليه فيقيم على غلطه ولا يرجع، ومن روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون »(2). وقالعبد الرحمن بن مهدي: «الناس ثلاثة : رجل حافظ متقن، فهذا (1) المصدر نفسه1/399.) (2) المصدر نفسه (1/400-401.)
عدد الصفحات ١٥١ِّ 152 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح لا يخحتلَف فيه؛ وآخَر يهم والغالب على حديثه الصحّةح، فهذا لا يحترَك حديثه؛ وآخَر يهم والغالبح على حديثه الو هم، فهذا يحترَك حديثه»(1). وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: متى يحترَك حديث الرجل؟ قال: «إذا كان الغالب عليه الخطأ »(2). وقال ابن رجب «والذي يتبينّ من عمل الإمام أحمد وكلامِه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ، ويُدث عمّ ن دونهم في الضعف، مثل من في حفظه شيء، أو يختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه. وكذلك كان أبو زرعة الرازي يفعل»(3). وقال الترمذي«فكل من كان متـّهَمًا في الحديث بالكذب أو كان مغفَّلاً يخطؤ الكثير، فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمّة أن لا يحشتغَل بالرواية عنه»(4). وما سبقت حكايته عن هؤلاء الأئمّة النـُّقّاد -من أنّ حديث مَن كثر وهمه وفحش غلطه يحترَك ولا يحشتغَل به- هو ما جرى عليه عمل المحدِّثين، وقد اعتمده المصنّفون في علوم الحديث. فقد اشترط الحافظ ابن الصلاح في (1) المصدر نفسه1/398.) (2) المصدر نفسه1/402.) (3) المصدر نفسه1/386.) (4) المصدر نفسه1/375.)
عدد الصفحات ١٥٢المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 153 الحديث القابل للاعتضاد ألاّ ينزل راويه إلى درجة المغفَّل ك ثير الخطإ، قال رحمه الله تعالى في تعريف الحسن لغيره: «الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقّق أهليّته، غيرَ أنّه ليس مغفَّلاً كثيرَ الخطإ فيما يرويه، ولا هو متـّهَم بالكذب في الحديث...»(1). وقد تابع ابنَ الصلاح في ذلك كلّ الذين اعتنوا بكتابه من تصِر أو نًظم أو منكِّت عليه. وأم ا أهل الال الثاني -وهم الذين ضعفهم غير شديد- فإنّ حديثهم قابل للتقوية، فينبغي الاجتهاد في البحث عن الشواهد المقوّية لحديثهم، وعلى ذلك دلّت أقوالح الأئمّة النـُّقّادِ وممارساتهحم النقديّةح. يقول سفيان بن عيينة: «لم نجد شيئًا يحشَدّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه»(2). فقوله«لم نجد شيئًا يحشَدّ به هذا الحديث »، يدلّ على أنّ من منهجهم تقوية الروايات الضعيفة بغيرها ممّا يصلح للاعتبار. ويقول الإمام علي بن المديني عن عاصم بن كحلَيب بن شهاب الجرمي: «لا يُحتَجّ به إذا انفرد »(3). وهذا يعني أنّ في هذا الراوي ضعفًا تجبره المتابعة، عند ابن المديني. (1) علوم الحديث27-28.) (2) سنن البيهقي1/271)، النكت، لابن حجر2/773.) (3) تهذيب التهذيب5/56.)
عدد الصفحات ١٥٣ِّ 154 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وقال الإمام أحمد: «ابنح لهَِيعَة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلاّ للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدلّ به مع حديث غيره يشدّ ه لا أنه حجة إذا انفرد »(1). وكلام أحمد وقول الترمذي في تعريف الحسن صريح في تقوية روايات مَن فيهم ضعف غير شديد، كابن لهَِيعَة. وروى البيهقي بسنده عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جدّه عن ابن مسعود، فذكر حديثًا، ثم قال: «هذا إسناد حسن موصول، وقد رحوي من أوجه سانيد مراسيل إذا جمحع بينها صار الحديث بذلك قوياًّ »(2). وعبد الرحمن بن قيس هذا قال عنه ابن حجر: «مجهول الحال»(3)، وقد قوّى البيهقي حديثه بروايات أخرى مرسَلة. وروى ابن عبد البرّ بسنده عن عبد الرحمن بن القاسم، حدّثنا نًفع بن أبي نحعيم ويزيد بن عبد الملك بن المغيرة عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال«من أفضى بيده إلى فرجه »الحديث ثم حكى عن ابن السَّكَن قوله: «هذا الحديث من أجود ما رحوي (1) شرح علل الترمذي 1/385.) (2) السنن الكبرى (5/332.) (3) تقريب التهذيب، (ص 348.)
عدد الصفحات ١٥٤المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 155 هذا الباب؛ لرواية ابن القاسم له عن نًفع بن أبي نعيم، وأما يزيد فضعيف »، ثم عقّب عليه ابن عبد البرّ بقوله: «كان هذا الحديث لا يحعرَف إلا ليزيد بن عبد الملك النوفلي هذا -وهو مجحمَع على ضعفه - حتىّ رواه عبد الرحمن بن القاسم -صاحب مالك- عن نًفع بن أبي نعيم القار ئ، وهو إسناد صالح إن شاء الله»(1). ونًفع هو ابن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني، اختلفت أقو ال النـُّقّاد فيه، فقال أحمد: «كان يؤخذ عنه القرآن، وليس في الحديث بشيء »، وقال ابن معين: «ثقة»، وقال النسائي «ليس به بأس »(2)؛ ولذلك قال ابن عبد البرّ عن روايته: «وهو إسنادصالح إن شاء الله» ومن خلال ما سبقت حكايته من أقوال النـُّقّاد وممارساتهم النقديّةيتبينّ أنّ من منهجهم تقوية حديث مَن فيه ضعف ولا يُحتمَل تفرّده بالمتابعات والشواهد. ويقول الحافظ ابن الصلاح: «ثمّ اعلم أنّه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يُحتجّ بحديثه وحدَه بل يكون معدودًا في الضعفاء. وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الض عفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد، وليس كلّ ضعيف يصلح لذلك؛ ولهذا يقول الدارقطنيّ وغيره في (1) التمهيد17/195.) (2) انظر للأقوال السابقة تهذيب التهذيب10/407.)
عدد الصفحات ١٥٥