المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج المحدثين في النقد دراسة تأصيلية

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ١٠ من ١٢

ِّ 156 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح الضعفاء: فلان يحعتبر به، وفلان لا يحعتبر به»(1). وما جرى عليه عمل نـحقّاد المحدّثين هو الذي اعتمده المتأخّرون من المحدّثين في مصنّفاتهم في علوم الحديث، وجرى عليه عملهم. وسبقت حكاية تعريف ابن الصلاح للحسن لغيره، وقال في صفة مَن يرتقي حديثه إلى مرتبة الحسن لغيره: «الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقّق أهليّته...» وقد ذكر ابن الصلاح أنّ تعريف الترمذي يتنزّل على تعريفه هذا (2)، فتعقّبه ابن حجر بقوله: «وليس هو -في التحقيق- عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور، بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطإ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلّ س إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قَ بيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي: 1- أن لا يكون فيهم من يتهم بالكذب. 2- و يكون الإسناد شاذًّ ا. 3- وأن يح روى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا؛ وليس كلّ ها في المرتبة على حدّ السواء، بل بعضها أقوى من بعض» (1) علوم الحديث76.) (2) علوم الحديث27-28.)

عدد الصفحات ١٥٦

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 157 ثمّ أيّد الحافظ ابن حجر ما ذكر بالأمثلة، وقبل ذكر الأمثلة قال «ولنذكر لكل نوع من ذلك مثلاً من كلامه -يعني الترمذي- يؤيّد ما قلناه. فأما أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية المستور فكثيرة لا نحتاج إلى الإطالة بها، وإنما نذكر أمثلة لما زدنًه على ما عند المصنف رحمه الله»ثم ساق الأمثلة لتلك الأنواع التي ذكر أنّ الترمذيّ يُسّنها للمتابعات أو الشواهد(1). وأم ا أهل الال الأو ل -وهو أن يكون الرواة من الثقات الضابطين، أو ممّن خفّ ضبطهم لكن لا ينزلون إلى درجة من لا يُحتمل تفرّده - فهؤلاء قد سلِموا من الجرح الظاهر، فيتوجّه النظر إلى التأكّد من سلامة رواياتهم من الشذوذ والعلل الخفيّة القادحة. وهي الخطوة الثالثة الآتية. يقول أبو عبد الله الحاكم: «وإنما يحعلَّل الحديثح من أوجه ليس للجرح فيها مدخل ، فإنّ حديث المجروح ساقط واه ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات...»(2).  فاقهمِّأو الخطوةِّالثالثة:ِّالنظرِّفيِّسياقةِّالرواةِّللحديثِّلمعرفةِّمدىِّات اختلافهم:ِّ التعرّف على سلامة الحديث من العلل الخفيّة أو وقوع شيء منها فيه (1) النكت1/387-389.) (2) معرفة علوم الحديث 359)، وقد تقدم في الصفحة139)، عند الكلام على "العلل الخفية القادحة".

عدد الصفحات ١٥٧

ِّ 158 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح يكون بالنظر في سياقة الرواة للحديث سندًا ومتنًا، والمقارنة بين رواياتهم، فإن استووا في سياقته ولم يقع اختلاف بينهم ظهرت سلامته، وإن اختلفوا في شيء من ذلك توجّه النظر إلى ضبطهم وإتقانهم، ومدى تفاوتهم في الضبط والإتقان مطلقًا، ثم النظر في مدى تفاوتهم في ضبطهم لحديث شيخهم الذي اختلفوا عليه على وجه الخصوص، مع مراعاة القرائن الأخرى المحتفّة بالحديث. وما سبق يدلّ عليه -في الجملة- ما سبقت حكايته من كلام الأئمّة: ابن المديني وأحمد وغيرهما، عند الكلام على جمع الطرق؛ وأوضح في الدلا لة عليه قول الخطيب البغدادي: «والسبيل إلى معرفة علّة الحديث أن يجمع ب طرقه، و ينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط»(1). وقد تناوله الحافظ ابن حجر بشيء من البيان في قوله«وإذا تقرّر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلّة -كما نقله المصنف عن الخطيب- أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته ، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة»(2). وقد أشار الإمام مسلم في "كتاب التمييز" إلى كيفية الوقوف على العلة عند اختلاف الرواة، قال رحمه الله تعالى: «اعلم-أرشدك الله- أنّ الذي (1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/354)، وقد تقدم في الصفحة138.) (2) النكت2/710-711.)

عدد الصفحات ١٥٨

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 159 يدور به معرفة الخطأ في رواية نًقل الحديث -إذا هم اختلفوا فيه- من جهتين: أحدهما- أن ينقل الناقل حديثاً بإسناد فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفيّ على أهل العلم حين يرِ د عليهم. كنعمان بن راشد حيث حدّ ث عن الزهري، فقال: عن أبي الطُّ فيل عمرو بن واثلة. ومعلوم عند عوامّ أهل العلم أن اسم أبي الطفيل: عامر، لا عمرو... وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث ممّ ا يعرف خطأه السامع الفَ هِ م حين يرِ د على سمعه... والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفّ اظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمّ ة بإسناد واحد ومن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمّ ن حدّ ث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفّ اظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدّ ث الجماعة من الحفّ اظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً . على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يُكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة و يُيى بن سعيد و عبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم»(1). (1) التمييز170-172.)

عدد الصفحات ١٥٩

ِّ 160 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «واعلم أنّ معرفة صحّة الحديث وسقمه تحصل من وجهين : أحدهما- معرفة رجاله وثقتِ هم وضعفِ هم... والوجه الثاني- معرفة مراتب الثقات وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف إمّ ا في الإسناد وإمّ ا في الوصل والإرسال ، وإمّ ا في الوقف والرفع ونحو ذلك. وهذا هو الذي يُصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوفح على دقائق علل الحديث»(1). ِّ ٌ مثالِّمنِّكتابِّ"التمييز"ِّثينِّفيِّجمعِّ للإمامِّمسلمِّيظهرِّمنِّخلالهِّمنهجِّالمحد ِّ َ طرقِّالحديثِّوسِّ ْ وقِِّها،ِّودراستِِّها،ِّوإعمالِِِّّالشاهِِّد:ِّ روى مسلم في "التمييز" بسنده عن يزيد بن أبي زياد عن كحرَيب عن ابن عباس قال: «بِتُّ عند خالتي ميمونة فاضطجع رسول الله  في طول الوسادة واضطجعت في عرضها، فقام رسول الله  فتوضّأ ونحن نِيام، ثمّ قام فصلّى، فقمت عن يمينه فجعلني عن يساره. فلمّا صلّى قلت: يا رسول الله...»، وساقه. قال مسلم : «وهذا خبر غلَط غير محفوظ لتتابع الأخبار الصِّحاح برواية الثقات على خلاف ذلك، أنّ ابن عبّاس إنمّا قام عن يسار رسول الله  فحوّله حتىّ أقامه عن يمينه، وكذلك سنّة رسول الله  في سائر الأخبار عن ابن عبّاس أنّ الواحد مع الإمام يقوم عن يمين الإمام، لا عن يساره » (1) شرح علل الترمذي 2/663.)

عدد الصفحات ١٦٠

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 161 قال مسلم«وسنذكر إن شاء الله رواية أصحاب كحرَيب عن كحرَيب عن ابن عباس... ثم نذكر بعد ذلك رواية سائر أصحاب ابن عباس عن ابن عباس بموافقتهم كحرَيباً » ثمّ روى مسلم بسنده عنعمرو بن دينار، عن كحرَيب، عن ابن عباس، «أنه بات ليلة عند ميمونة، فقام رسول الله  من الليل فتوضأ، قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع النبّ ، ثم جئت، فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه». ثمّ ساق بقية المتابعات التّامّة لعمرو بن دينار عن كحرَيب فقال: «ومخرمة بن سليمان عن ك رحيب، وسلمة بن كح هيل عن أبي رشدين(1)، وسلمة عن ك رحيب، وسالم بن أبي الجعد عن ك رحيب، وهشيم عن أبي بشر عن سعيد بن ج بحير عن ابن عباس، وأيوب عن عبد الله(2) عن أبيه، والحَ كم عن سعيد بن ج بحير، وابن جريج عن عطاء، (1) أبو رشدين هو كريب ، جاء التصري ح باسمه عند مسلم من وجه آخر. انظر صحيح مسلم، صلاة المسافرين، ( 1/529، ح188-189.) (2) هو ابن سعيد بن جحبير.

عدد الصفحات ١٦١

ِّ 162 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وقيس بن سعد عن عطاء، و أبو نضرة عن ابن عباس، والشعبي عن ابن عباس، وطاووس عن عكرمة عن ابن عباس». ثمّ عقّب على ذلك بقوله: «فقد صحّ بما ذكرنً من الأخبار الصحاح عن كحرَيب، وسائر أصحاب ابن عباس، أن النبي  أقامه عن يساره، وهم وخطأ غير ذي شك». وكالذي صحّ عن ابن عباس "أنّ النب صلى الله عليه وسلم أقامه عن يمينه"، رواية جابر بن عبد الله عن النب صلى الله عليه وسلم في قصة أبي حذرة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: أتينا جابرًا فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فجئت فقمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدارني حتىّ أقامني عن يمينه..." (1). فمن خلال هذا المثال يظهر لنا منهج المحد ثع طرق الديث وسح و ق ها ودراست ها وإعمال الشاهد، وبيان ذلك فيما يلي: أولا-ِّجمعِّطرقِّالحديثِّوسوقها:ِّ يلاحظ من خلال هذا المثال أن الإمام مسلما رحمه الله تعالى قد (1) التمييز183-185.)

عدد الصفحات ١٦٢

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 163 حرص على استيعاب طرق الحديث، يظهر ذلك لمن تأمّل عدد الرواة عن المدار الأول (كحرَيب) وعن المدار الث اني (شيخ كحرَيب)، ويلاحظ في سوق تلك الروايات أن الإمام مسلما كان لا ينتقل عن راو إلى غيره حتى يستوفي الرواة عنه، كما فعل في جمع الرواة على كحرَيب، ثم على سعيد بن جحبَير، ثم على عطاء، ثم ذكر بقية الرواة عن ابن عباس شيخِ كحرَيب. ثانيا-ِّدراسةِّطرقِّالحديث:ِّ يظهر من خلال هذا المثال أنّ منهج المحدّثين هو البدء بدراسة الإسناد من جهة المصنّف، لا من جهة الصحابي، فالإمام مسلم بدأ بدراسة الاختلاف على كحرَيب وهو المدار الأول، وبعد أن رجّح في الاختلاف عليه انتقل إلى تقوية الرواية الراجحة عنه بذكر من تابعه عليها في شيخه وه و المدار الثاني، وصنيع الإمام مسلم هذا يكشف لنا عن خطأين يجري عليهما عمل بعض الباحثين المعاصرين: أحدهما- البدء بدراسة الإسناد من جهة الصحابي ومن ثم البدء بدراسة الخلاف على الراوي الأعلى ثم على الراوي الأدنى. وهذا العمل مع كونه مخالفا لصنيع الإمام مسلم وغير ه من النقّاد فخطؤه أيضا ظاهر من جهة النظر؛ فإنه لا ينبغي لأحد أن ينسب لراو رواية أو ينسب له خلافا إلا بعد صحّة نسبة تلك الرواية –أو الخلاف- إليه؛ وهذا لا يتحقّق إلا بالبدء بدراسة الإسناد من جهة المصنّف؛ فقد يكون في الإسناد إليه راو كذّاب أو متروك أو فاح ش الخطإِ ؛ فلا تصحّ حينئذ نسبة

عدد الصفحات ١٦٣

ِّ 164 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح تلك الرواية أو الخلاف إليه أصلاً. ومن جهة أخرى: فإن البدء بدراسة الخلاف على الراوي الأعلى قد يترتّب عليه إثبات خلاف لا وجود له أصلاً، ومثال ذلك: أن يروي سفيان بن عيينة عن الزهري حديثا موصولا، ويرويه معمر عن الزهري ويختلف على معمر، فمنهم من يررويه عنه عن الزهري موصولا كرواية ابن عيينة، ومنهم من يرويه عنه عن الزهري مرسلاً. فلو بدأنً بدراسة الخلاف على المدار الأعلى (الزهري) لأثبتنا عليه اختلافا، بينما لو بدأنً بدراسة الخلاف على المدار الأدنى (معمر) فترجّحت عنه رواية الوصل الموافقة لرواية ابن عيينة لم يبقَ على المدار الأعلى (الزهري) اختلاف . الخطأ الثاني - الذي يقع فيه بعض الباحثين المعاصرين: أنهم يقوّون رواية بعض الرواة المختلفين على راو معينَّ برواية من تابع ذلك الراوي المختلف عليه في شيخه، وقد رأينا في المثال السابق أن الإمام مسل ما لم يقوِّ رواية أحد من المختلفين على كحرَيب برواية من تابعوا كحرَيبا في شيخه، وإنما رجّح أوّلا بين الرواة عنه ثم ذكر من تابعه على الرواية الراحجة. وهذا الأمر كان مقصودا من الإمام مسلم، وهو ظاهر من عبارته إذ يقول: "وسنذكر إن شاء الله رواية أصحاب كحرَيب عن كحرَيب عن ابن عباس... ثم نذكر بعد ذلك رواية سائر أصحاب ابن عباس عن ابن عباس بموافقتهم كحرَيبا". فليتأمل قوله: "ثم نذكر بعد ذلك...إلخ"، وقوله: "بموافقتهم كحرَيبا"، ولم يقل: "بموافقتهم بعض أصحاب كحرَيب".

عدد الصفحات ١٦٤

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 165 والترجيح بين الرواة المختلفين على راو معينّ برواية من تابعوا ذلك الراوي المختلف عليه في شيخه مع كونه مخالفا لمنهج المحدّثين كما رأينا ذلك في صنيع مسلم، هو ظاهر الخطإ أيضا من جهة النظر؛ وذلك أن الذين تابعوا ذلك الراوي المختلف عليه في شيخه قد علموا ما رواه شيخه لكن لا علم لهم بما رواه هو؛ فقد يكون روى خلاف ما سمعوه من شيخهم إما على سبيل الوهم أو أنه سمع من شيخه خلاف ما سمعوه هم في مجلس آخر، وقد يكون الراجح عنه خلاف روايتهم؛ فيحجرى بعد ذلك دراسة الخلاف بينه وبينهم، وهذا يُصل كثيرًا. ا ً ثالث-ِّإعمالِّالشاهد(1)ِّهِّفيِّالتقوية ُ وأثرِّ رأينا من خلال هذا المثال أن الإمام مس لما لم يشر إلى الشاهد ويحعمله إلا بعد أن درس الإسناد إلى الصحابي ورفعه إلى النب صلى الله عليه وسلم، فقد قال رحمه الله كما سبق: "وكالذي صحّ عن ابن عباس "أنّ النب صلى الله عليه وسلم أقامه عن يمينه"، رواية جابر بن عبد الله...إلخ". وتفسير ذلك أن الشاهد لا يل تقي مع الحديث الأول إلا في النب صلى الله عليه وسلم، فيستفاد منه تقوية نسبته إلى محل الالتقاء فحسب، ولا أثر له في تقوية نسبة ذلك الحديث إلى صحابيّه ولا في إعلاله(2)؛ لعدم وجود (1) الشاهد: هو حديث صحابي آخر لا يلتقي الصحابي الأول في الإسناد (2) من أراد التوسّع في هذه المسألة فليراجع الكتاب المرافق (آراء لبعض المعاصرين...) مبحث التمهيد.

عدد الصفحات ١٦٥

ِّ 166 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح التقاء بينهما. ومن هذا الباب نجد أيضًا الشاهد يقوّ ي المرسلَ ويتقوّى به لجامع الر فع بينهما، ولا يقوّي المو قوفَ ولا يتقوّى به لعدم الالتقاء بينهما. 

عدد الصفحات ١٦٦

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 167 الطريقةِّالثانية -ِّكةِّالتيِّأوتوهاِّ َ ادِّعلىِّالأحاديثِّمنِّخلالِّالمل ق حكمِّالن واِّبه والفهمِّالذيِّاختص:ِّ ما سبق تقريره في الطريقة الأولى هو المنهج الذي جرى عليه عمل عامّة المحدِّثين في الحكم على الأحاديث، وهو منهج قائم على خطوات واضحة تتمثّل في الجمع المستوعب لطرق الحديث الواحد، والإمعان في التفتيش عن أحوال رواته، وإعمال كافّة القرائن المحتفّة برواياته، لكن هناك أحاديث أخرى لا توصِل فيها تلك الخطوات المتـّبَعة في هذا المنهج إلى نتائج تصلح لبناء حكم عليها، ويبقى النظر في تلك الأحاديث للأئمّة النـُّقّاد من خلال اطّلاعهم الواسع وفهمهم الثاقب والملَكة التي أوتوها. وفي هذا المعنى يقول أبو عبد الله الحاكم: «الحجة فيه عندنً الحفظح والفهم والمعرفة »(1). ثم استشهد بقول عبد الرحمن بن مهدي: «معرفة الحديث إلهام؛ فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حح جّ ة»وساق بسنده عن محمّد بن صالح الكيليني قال: «سمعت أبا زرعة -وقال له رجل : ما الحجة في تعليلكم الحديث؟- قال: الحح جّ ة أن تسألني عن حديث له علّ ة، فأذكر علته، ثم تقصد ابنَ وارة -يعني محمد بن مسلم بن وارة - فتسأله عنه، ولا تخبره بأنّ ك قد سألتني عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلّ له، ثم تميّ ز كلام كلّ منّ ا على ذلك الحديث. فإن وجدتَ بيننا (1) معرفة علوم الحديث 360)، وقد تقدم في الصفحة136)، عند الكلام على "العلل الخفية القادحة".

عدد الصفحات ١٦٧

ِّ 168 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح خلافًا في علّته فاعلم أن كلاًّ منّا تكلّ م على مراده . وإن وجدت الكلمة متّ فقة فاعلم حقيقة هذا العلم. قال: ففعل الرج ل فاتّ فقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام»(1). والحـــق الـــذي لا مريـــة فيـــه أنّ تلـــك الملَكـــة النقديـــة وذلـــك الفهـــم الخـــاصّ لم يأت شيء منها من فراغ، وإنمـا كانـت حصـيلة اطّـلاع واسـع، وحفـظ غزيـر، وطــــول ممارســــة لهــــذا العلــــم. وقــــد جــــاءت الإشــــارة إلى ذلــــك في كــــلام الحــــاكم الســـابق، وســـبقه إلى بيـــان ســـعة اطّـــلاع أولئـــك النـُّقّـــاد وغـــزارة حفظهـــم، ودقّـــة فهمهم، الحافظ ابن حبّان، وذلك من خلال رصده لمسيرة النقد والمراحـل الـتي مرّ بها؛ فقد سمّى عددًا من النـُّقّاد ثم قال في وصفهم والثنـاء علـيهم: «حـتىّ إنّ أحدهم لو سئل عن عـدد الأحـرف في السـنن -لكـل سـنّة منهـا- عـدّها عـدًّا، ولـو زيـد فيهــا ألِـف ، أو واو لأخرجهــا طوعًـا، ولأظهرهـا ديانــة... حـتىّ إذا قــال وكيع بن الجرّ اح: حدثنا النضر عن عكرمـة : ميّـزوا بـين حـديث النضـر بـن عـربي الحــرّاني وبــين حــديث النضــر بــن عبــد الــرحمن الخــزاز، و أحــدهما ضــعيف والآخــر ثقة، وقد رويا جميعا عن عكرمة وروى وكيع عنهما، وحـتى إذا قـال حفـص بـن غيــاث: حــدثنا أشــعث عــن الحســن ميّــزوا حــديث أشــعث بــن عبــد الملــك مــن أشــعث بــن ســوار، وأحــدهما ثقــة والآخــر ضــعيف وقــد رويا جميعــاً عــن الحســن وروى عنهمــا حفــص بــن غيــاث، وحــتى إذا قــال عبــد الــرزاق : حــدثنا عبيــد الله (1) المصدر نفسه360-361.)

عدد الصفحات ١٦٨

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 169 عــــن نًفــــع، و عبــــد الله عــــن نًفــــع، ميّــــز وا حــــديث هــــذا مــــن حــــديث ذاك، لأنّ أحــدهما ثقــة والآخــر ضــعيف. فــإن أحســقط مــن اســم عبيــد الله «ياء»علمــوا أنّــه لــيس مــن حــديث عبــد الله بــن عمــر، وإذا زيــد في اســم عبــد الله «ياء» قــالوا: لـــــيس هـــــذا مـــــن حـــــديث عبيـــــد الله بـــــن عمـــــر، حـــــتى خلصـــــوا الصـــــحيح مـــــن السقيم»...(1). وقد أشار الحافظ ابن رجب إلى نقد المحدِّثين وحذقهم في إدراك العلل، وشبّه ذلك بنقد الصيارفة للدنًنير (2)، وذكر قولَ ابن خزيمة في تعليل حديث (3)، ثم قال «وإنمّا تححمل مثلح هذه الأحاديث -على تقدير صحّتها(4)- على معرفة أئمّة الحديث الجهابذة النـُّقّاد الذين كثرت ممارستهم لكلام النبّ  وكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم، وحفظهم وضبطهم؛ فإنّ هؤلاء لهم نقد خاصّ في الحديث (1) المجروحين لابن حبّان1/55.) (2) انظر شرح علل الترمذي 2/339)، آخر الكتاب (3) هو ما أخرجه الدارقطني في "السنن 4/208، ح18)، من طريق بن آدم حدّثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة  مرفوعًا«إذا ححدِّثتم عني حديثًا تعرفونه و تنكرونه فصدقوه فإنيّ أقول ما يحعرَف ولا يحنكَر، وإذا ححدِّثتم عنيّ بحديث تنكرونه ولا تعرفونه فلا تصدّقوا به فإنيّ لا أقول ما يحنكَر ولا يحعرَف »انظر جامع العلوم والحكم (ص272)، سير أعلام النبلاء، (9/524، ترجمة بن آدم)، مفتاح الجنة، للسيوطي، (ص: 16.) (4) يعني الأحاديث الواردة في معنى حديث أبي هريرة المتقدّم آنفًا. انظر جامع العلوم والحكم (ص: 273.)

عدد الصفحات ١٦٩

ِّ 170 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح يختصّون بمعرفته، كما يختصّ الصّيرفيُّ الحاذق بمعرفة النقود، جيّدِها ورديئها، وخالصها ومشوبها، والجوهريُّ الحاذق في معرفة الجو اهر بانتقاء الجواهر. وكلٌّ من هؤلاء لا يمكن أن يعبرّ عن سبب معرفته ولا يقيم دليلاً لغيره؛ وآية ذلك أن يعرض الحديث الواحد على جماعة ممّن يعلم هذا العلم فيتّفقون على الجواب من غير مواطأة. وقد امتححِن هذا منهم غيرَ مرّة في زمن أبي زرعة و أبي حاتم فوحجِد الأمرح على ذلك، فقال السائل: أشهد أن هذا العلم إلهام... وقال الأوزاعي: كنّا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة فما عرفوا أخذنًه، وما أنكروا تركناه. وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنّ ك تقول للشيء: هذا يصح وهذا لم يثبت، فعمّ ن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيتَ الناقد فأريته دراهمك فقال: هذا جيّ د وهذا بهرج أكنت تسأله عن ذلك أو تسلِّ م الأمر إليه؟ قال: لا بل كنتح أسلِّ م الأمر إليه. فقال: فهذا كذلك لطول المجادلة والمناظرة والخح بر»...(1). وقد أشار ابن رجب في موضع آخر إلى ذلك الفهم الخاصّ لدى النـُّ قّاد، ثم ذكر نماذج لنقدهم، فقال رحمه الله: «ححذّاق النـُّقّاد لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال، وأحاديث كل واحد منهم لهم فهم خاصٌّ يفهمون به أنّ هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعلّ لون الأحاديث بذلك. وهذا ممّ ا لا يح عبرَّ عنه بعبارة تحصره، وإنمّ ا يرجع فيه (1) جامع العلوم والحكم (ص273-274.)

عدد الصفحات ١٧٠

المبحثِّالخامس-ِّادِّفيِّالحكمِّعلىِّالأحاديث ق منهجِّالن 171 أهله إلى مجرّ د الفهم والمعرفة، التي خح صّ وا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع. فمن ذلك: سعد بن سنان، ويقال سنان بن سعد، يروى عن أنس، ويروي عنه أهل مصر. قال أحمد: «تركت حديثه، حديثه حديث مضطرب » .وقال: «يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أنس»». قال ابن رجب «ومراده أنّ الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعةً ، إنما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسيله . وقال الجوزجاني : "أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث الناس عن أنس"»(1). ومن ذلك أيضًا ما حكاه ابنأبي حاتم عن أبيه. قال ابن أبي حاتم: «سمعتأبي يقول: روى أبو عوانة عن الحكم عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: «إذا قعد المصلّي مقدار التشهّد فقد تمّت صلاته»قال أبي: هذاحديث منكر؛ لا أعلم روى الحكَ م بن عتيبة عن عاصم بن ضمرة شيئا ... قال أبي: ولا يشبه هذا الحديث حديث الحكم »(2). وقال ابنأبي حاتم: «سألتأبي عن حديث رواه بقيّة عن ورقاء عن أبي الزّنًد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله « :إنّ العبد إذا صلّى في العلانية فأحسن، ثم صلى في السِّ رّ ، قال الله عزّ وجلّ : هذا عبدي (1) شرح علل الترمذي 2/306.) (2) العلل2/193-194، رقم 306.)

عدد الصفحات ١٧١