ِّ 122 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح كيسان عن جابر، ما ترى فيه؟ وكيف حال الحسين؟ فقال أبي: أما الحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روى في المواقيت حديث ليس بالمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره»(1). فبينّ الإمام أحمد أنّ حديث هذا الراوي ليس بمنكر لأنه قد توبع عليه ومفهومه أنه لو لم يتابع لكان عنده منكرًا. وقال عبد الله: حدّثني أبي، نً وكيع، نً أبو بكر بن عبد الله النهشلي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن علي، أنّه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود. قال: وكان قد شهد (2) صفّين. قال أبي: لم يروه عن عاصم غير أبي بكر النهشلي أعلمه، كأنّه أنكرهح »(3). وهذا الحديث أنكره الإمام أحمد على ما فهمه ابنه عبد الله من منهجه، لتفرّد أبي بكر النهشلي به، مع أن النهشلي ثقة عنده(4). وقد سبقه لإنكار هذا الحديث سفيان الثوري كما حكاه عنه تلميذه عبد الرحمن بن مهدي؛ فقد جاء في الكنى للبخاري: قال ابن مهدي: «ذكرت لسفيان عن أبي بكر عن عاصم بن كليب أن عليًا كان يرفع يديه ثم (1) مسائل الإمام أحمد، برواية ابنه عبد الله (1/174، رقم 221.) (2) هذه الكلمة من العلل ومعرفة الرجال، برواية ابنه عبد الله (1/374، رقم 717.) (3) المصدر نفسه، (ص74-75، رقم 269.) (4) سأله عنه ابنه عبد الله فقال: كوفي ثقة . العلل ومعرفة الرجال (3/99.)
عدد الصفحات ١٢٢المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 123 لا يعود، فأنكره »(1). والحكم بالنكارة على تفرد الثقة جاء أيضًا في كلام يُيى القطان فيما حكاه عنه الإمام أحمد؛ قال إسحاق بن هانئ: قال لي أبو عبد الله: قال لي يُيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله -يعني ابن عمر - أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن ابن عمر أن النبّ قال«لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام...»الحديث. قالأبو عبد الله: فأنكره يُيى بن سعيد عليه. قال أبو عبد الله: فقال لي يُيى بن سعيد: فوجدته قد حدّ ث به العمري الصغير عن نًفع عن ابن عمر مثله. قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه. حكى ذلك ابن رجب ثم عقّب عليه بقوله: «وهذا الكلام يدلّ على أن النكارة عند يُيى القطان لا تزو ل إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر. وكلام أحمد قريب من ذلك»(2). وقال ابن أبي حاتم: «سألتأبي عن حديث رواه الأنصاري عن سعيد بن راشد ، عن عطاء عن ابن عمر عن النبّ :«من أذن فهو يقيم»، قال أبي: هذا حديث منكر، وسعيد ضعيف الحديث، وقال مرة: متروك الحديث»(3). (1) الكنى مع التاريخ الكبير، (ص 9، رقم 54.) (2 )شرح علل الترمذي 2/55-56.) (3) علل الحديث لابن أبي حا (2/232-233، رقم 336.)
عدد الصفحات ١٢٣ِّ 124 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وقد جاء إطلاق النكارة في كلام المتقدّمين أيضًا على مخالفة الراوي لمن هو أولى منه؛ قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: حديث وكيع عن شريك عن الحر بن صيّاح: «رأيت ابن عمر يصوم عاشوراء، ورأيت ابن عمر يصوم العشر بمكة»، حديث الحر بن صيّاح حديث منكر؛ نًفع أعلم بحديث ابن عمر منه(1). فالإمام أحمد حكم على حديث الحر بن صيّاح بالنكارة لمخالفته ما رواه نًفع عن ابن عمر «أنه كان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صيامه »(2). وذكر الأثرم أن أحمد سئل عن حديث حنظلة عن سالم عن ابن عمر رفعه: «لا حِداد فوق ثلاث »، فقال: هذا منكر ، والمعروف عن ابن عمر رأيه (3). فأطلق المنكر على المرجوح، وسمّى الراجح معروفًا وقال مهنّأ بن يُيى: سألت أبا عبد الله عن ابن أبي الصفير قال: منكر الحديث. قلت: أيّ شيء من منكره؟ قال: يروي عن عطاء: «الشربة ال تسكر حرام »قلت: هذا منكر؟ قال: نعم، عن عطاء خلافح هذا(4). (1 )مسائل الإمام أحمد، برواية ابن هانئ1/136، رقم670.) (2 )صحيح مسلم2/793)، عقب حديث ابن عمر رقم 119.) (3 )حكاه ابن حجر في الفتح9/487.) (4) تهذيب التهذيب (1/317)، في ترجمة إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفير.
عدد الصفحات ١٢٤المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 125 وروىأبو داود حديث أبي قيس -وهو عبد الرحمن بن ثروان- عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة «أن رسول الله توضّأ ومسح على الجوربَين والنعلَين »، ثم قال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُدّث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة «أنّ النبّ مسح على الخف»(1). فأبو داود وصف الراجح بالمعروف، فيؤخذ منه أن المرجوح منكر؛ لأنهم يقابلون المعروف بالمنكر، كما سبق من كلام شيخه الإمام أحمد رحمهم الله جميعًا. وقال ابن أبي حاتم: «سئلأبو زرعة عن حديث رواه حبيب بن أبي حبيب أخو حمزة بن حبيب عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس قال: قال رسول الله « :من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة »، قالأبو زرعة: هذا حديث منكر، إنما هو عن ابن عباس موقوف»(2). ومن خلال استعراض ما سبق في تعريف الشاذّ والمنكر وإطلاق النـُّقّاد لهما في أحكامهم على الرو ايات رأينا أنهم يستعملونهما في حالتين: إحداهما- تفر د الراوي مع المخالفة: وجاء هذا المعنى بالنسبة للشاذّ في كلام الشافعي، ونسبه الخليلي (1 )سنن أبي داود1/112-113.) (2 )علل ابن أبي حا5/358-359، رقم 2043.)
عدد الصفحات ١٢٥ِّ 126 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح لجماعة من أهل الحجاز، وحكاه ابن رجب عن الأثرم (1). وأمّا إطلاق المنكر على ذلك فجاء عن الإمام أحمد و أبي داود و أبي زرعة الر ازي وغيرهم. والالة الثانية- تفر د الراوي بالديث ولو لم تقع مخالحفةٌ: ورد هذا المعنى بالنسبة للشاذّ في كلام الخليلي، وقد حكاه عن حفّاظ المحدِّثين، وجاء أيضًا في كلام الحاكم ونسبه النووي لجماعات من أهل الحديث(2). وأمّا بالنسبة للمنكر فأطلقه عليه سفيان الثوري ويُيى بن سعيد القطان والإمام أحمد و أبو حاتم والبرديجي. وبناءً على ما ورد من إطلاقات النـُّقّاد للشاذّ والمنكر جاء تقسيم الحافظ ابن الصلاح لكل منهما إلى قسمين؛ فقد حكى تعريف الشافعي للشاذّ، وتعريف الخليلي والحاكم له، ونًقش تلك التعريفات ثم قال: «فخرج من ذلك أن الشاذّ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالِ ف، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرً ا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم»(3). (1 )شرح علل الترمذ ي (2/658). والأثرم صاحب الإمام أحمد من أذكياء النـُّقّاد حتى قال عنه ابن معين: كأنّ أحد أبويه جِنيٌِّّ. تذكرة الحفّاظ ( 2/571.) (2) المجموع شرح المهذَّب1/98.) (3) علوم الحديث68-71.)
عدد الصفحات ١٢٦المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 127 ثم ذكر تعريف البرديجي للمنكر وعقّب عليه بقوله«فأطلق البرديجي ذلك ولم يحفصِّ ل. وإطلاقح الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيلح الذي بيـّ نّ اه آنفا في شرح الشاذ»(1). هكذا جعل ابن الصلاح كلاًّ من الشاذّ والمنكر مشتملاً على قسم دون تفريق بينهما، وهو ما يقتضيه كلام المحدِّثين ، وقد جرى على عدم التفريق بين الشاذّ والمنكر في كلام المتقدِّمين الحافظ ابن رجب؛ فقد حكى عن يُيى القطّان والإمام أحمد والبرديجي إطلاقَهم النكارة على التفرّد، ثمّ حمل عليه تعريف الحاكم للشاذّ؛ قال بعد حكاية كلامهم: «فتلخص من هذاأنّ النكارة لا تزول عند يُيى القطان والإمام أحمد والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعة، وكذلك الشذوذ، كما حكاه الحاكم»(2). وحكى ذلك السخاوي عن الذهب قال «وأما جمع الذهب بينهما حكمه على بعض الأحاديث فيحتمل أن يكون لعدم الفرق بينهما، ويُتمل غيره»(3). وقد تعقّب الحافظ ابنح حجر ابنَ الصلاح في تسويته بين درجة الراوي (1 )المصدر نفسه71-72.) (2 )شرح علل الترمذي 2/653-659.) (3 )فتح المغيث (2/12.)
عدد الصفحات ١٢٧ِّ 128 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح الذي يُحكَم على روايته بالشذوذ ودرجة الراوي الذي يُحكَم على تفرّده بالنكارة؛ فقد حكى كلام ابن الصلاح السابق ثم قال: «وأما قول المصنِّف «والصواب التفصيلح الذي بيـّنّاهآنفا في شرح الشاذ»، فليس في عبارته ما يفصل أحد النوعين عن الآخر. نعم هما مشتركان في كون كل منهما على قسمين، و إنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالصدوق إذا انفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ؛ فإن خولف مَ ن هذه صفتح ه مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرً ا وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط، لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ، وهو المعتمد في تسميته. وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث. وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين . فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلاًّ منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة. والله أعلم»(1). وقد حكى السخاوي كلام شي خه ابن حجر هذا ثمّ قال: «ولكلّ من قسمي المنكر أمثلة كثيرة »قلتح: لكن الأمثلة التي ذكرها تبعًا للعراقي (1) النكت2/674-675.)
عدد الصفحات ١٢٨المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 129 وابن الصلاح لا تساعد على التفريق المذكور، بل فيها ما ينافيه؛ فالمثال الأول في نظم العراقي -وهو حديث «كلوا البلح بالتمر»الذي حكم عليه النسائي بالنكارة لتفرّد أبي زكير به - لا إشكال في التمثيل به للمنكر على تعريف ابن الصلاح وتعريف ابن حجر؛ لأن أبا زكير في مرتبة من يحكتَب حديثه في المتابعات والشواهد كما بينه السخاوي، لكن الإشكال في المثال الذي ذكره ابن الصلاح للفرد المخالف؛ فقد مثّل له بما رواه مالك عن الز هري عن علي بن حسين عن عحمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله قال«لا يرث المسلمح الكافرَ ولا الكافرح المسلمَ »، وقال: إن مالكًا خالف غيره من الثقات في قوله: «عحمر بن عثمان»-بضم الع - وحكى عن الإمام مسلم أنّه قال في "التمييز": «كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: «عَمرو بن عثمان»-يعني بفتح الع-»، وذكر أنّ مسلمًا وغيره حكم على مالك بالوهم فيه(1). وقد اعترض العراقي على التمثيل به لنكارة المن، وذكر أنه يصلح مثالاً لنكارة السند (2)، ثم مثل العراقي لنكارة المن بما رواه همّام بن يُيى عن ابن جريج عن ا لزهري عن أنس قال: كان النبّ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه»ثم قال«قالأبو داود -بعد تخريجه-: هذا حديث منكر، قال وإنما يحعرَف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهر ي عن أنس أنّ النبّ (1) انظر علوم الحديث73-74.) (2) انظر التبصرة والتذكرة 1/200.)
عدد الصفحات ١٢٩ِّ 130 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح اتخّ ذ خاتما من وَ رِ ق ثم ألقاه. قال: والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام(1). وقال النسائي -بعد تخريجه-: هذا حديث غير محفوظ(2) انتهى». حكى ذلك العراقي ثم قال: «فهمام بن يُيى ثقة، احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، فروى عن ابن جريج هذا المن بهذا السند، وإنما روى الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه أبو داود؛ ولهذا حكم عليه أبو داود بالنكارة »(3). فهذان المثالان (الذي ذكره ابن الصلاح والذي ذكره العراقي) فيهما إشكال على ما ذكره ابن حجر وتبعه عليه السخاوي من التفريق بين مَن يُحكَم على تفرّده بالشذوذ ومَن يُحكَم على تفرّده بالنكارة، وأن حديث الثقة المخالفِ لمن هو أوثق منه إنم ا يُحكَم عليه بالشذوذ؛ فقد رأينا في المثالين السابقين خلاف ذلك؛ فالمتفرّد في المثال الذي ذكره ابن الصلاح هو الإمام مالك ، وقد حكم عليه الإمام مسلم وغيره بالوهم لمخالفته الثقات، والظاهر أنه يقصد النكارة؛ فقد مثّل به ابن الصلاح للمنكر ولم يعترض عليه ابن حجر في ذلك، بل وأقرّه السخاوي على ذلك كما سيأتي في تعقيبه؛ والمتفرّد في المثال الذي ذكره العراقي هو همّام بن يُيى، وهو ثقة احتجّ به أهل الصحيح كما قال العراقي، وقد حكم أبو داود على روايته بالنكارة لمخالفته (1) سنن أبي داود1/8، ح19، كتاب الطهارة، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله...). (2) سنن النسائي8/178، ح5213، كتاب الزينة، نزع الخاتم عند دخول الخلاء (3) التبصرة والتذكرة ( 1/200.)
عدد الصفحات ١٣٠المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 131 غيره من الثقات، وقد تعقّب السخاوي المثالين السابقبقوله: «وعلى كل حال فالتمثيل به للمنكر، وكذا بقول مالك، إنما هو على مذهب ا بن الصلاح من عدم الفرق بينه وبين الشاذ»(1). لكنّ الذي حكم على حديث همّام بالنكارة هو أبو داود، وليس ابن الصلاح. وقد حاول ابن حجر ردّ التمثيل بحديث همّام للمنكر فقال: «وقد نحوزع أبو داود في حكمه عليه بالنكارة مع أن رجاله من رجال الصحيح. والجواب أن أبا داود حكم عليه بكونه منكرً ا، لأن همّ اما تفرد به عن ابن جريج ، وهما وإن كانً من رجال الصحيح، فإن الشيخين لم يخرّ جا من رواية همّ ام عن ابن جريج شيئً ا، لأن أخذه عنه كان لما كان ابن جريج بالبصرة ، والذين سمعوا من ابن جريج بالبصرة في حديثهم خلل من قِ بَ له، والخلل في هذا الحديث من جهة أنّ ابن جريج دلّ سه عن الزهري بإسقاط الواسطة وهو زياد بن سعد، ووهم همّ ام في لفظه على ما جزم به أبو داود وغيره، هذا وجه حكمه عليه بكونه منكرً ا. وحح كم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب؛ فإنه شاذٌّ في الحقيقة إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذًّ ا»(2). وكلام ابن حجر هذا عليه مآخذ، وربما أعرض تلميذه السخاوي عن ذكره لأجلها. وبيان ذلك فيما يلي: 1- ما ذكره ابن حجر من قدح في رواية همّام عن ابن جريج لا يلزمأبا داود؛ (1) فتح المغيث2/20.) (2) النكت2/677.)
عدد الصفحات ١٣١ِّ 132 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح لأن همّامًا ثقة عند أبي داود في كل شيوخه. قال الآجرِّيّ: «سمعت أبا داود يقول: سمعت أحمد بن حنبل قال: همّام عندي أحفظ من أيّوب أبي العلاء»(1). وأيّوب هذا هو ابنأبي مسكين، قال عنه الإمام أحمد: «لا بأس به» وقال مرّةً«رجل صالح ثقة»(2). ثم إن الإمام أحمد قد نصّ على توثيق همّام في جميع شيوخه، فقال فيما رواه ابنه صالح عنه: «همّام أثبت كل المشايخ»(3). ولا شكّ أنّ رأي أبي داود في همّام من رأي شيخه الإمام أحمد فيه، فسبق أن حكى قوله فيه حكايةً تشعر بالرضا والقناعة به. 2- قوله«ووهم همّام في لفظه على ما جزم به أبو داود وغيره، وهذا وجه حكمه عليه بكونه منكرً ا»، في هذا تراجع من ابن حجر عمّا في كلامه السابق؛ فقد جعل هناك الخلل من قِبَل ابن جريج، إذ يقول -في الرواة الذين سمعوا منه بالبصرة -« :ففي حديثهم خلل من قِبَله»، وهناجعل الوهم من همّام نفسه، وهذا هو الموافق لكلام أبي داود. 3- قوله«وححكم النسائيّعليه بكونه غير محفوظ أصوب»...، هذا غ مسَلَّم لأنّ الترجيح لحكم النسائي مبنيّ على اختياره -أعني ابن حجر- (1) سؤالات أبي عبيد الآجرِّي أبا داود، (ص: 242-243، رقم 310.) (2) تهذيب التهذيب1/411.) (3) تهذيب التهذيب11/68.)
عدد الصفحات ١٣٢المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 133 كما سبق بأنّ الثقة يُحكَم على مخالفته بالشذوذ، والضعيف يُحكَم على مخالفته بالنكارة. وهذا لا يلزم أبا داود؛ فالراوي عنده ثقة كما سبق، وحكم على حديثه بالنكارة. ثم إن أبا داود لم ينفرد بهذا، فهو رأي شيخه الإمام أحمد؛ فقد حكم على رواية الحر بن الصيّاح بالنكارة لمخالفته نًفعًا في روايتهما عن ابن عمر(1). والحر بن الصيّاح قد وثّ قه ابن معين و أبو حاتم والنسائيّ (2)، وقال عنه ابن حجر«ثقة»كما التقريب (3). ثمّ إنه لا يلزم من قول النسائيّ إنه غير محفوظ أن يقصد الحكم عليه بالشذوذ إلا أن يرد تصريح منه بأنّه يستعمل المحفوظ في مقابل الشاذّ؛ فالمعروف عن طبقة شيوخ النسائيّ فمَن قـَب لهم الحكمح على حديث المتفرّد بالنكارة، سواء خالف غيره أو لم يخالف(4). وبناءً على ما سبق فما قرّره ابن الصلاح من أن كلاًّ من الشاذّ والمنكر ينقسم إلى قسمين وأنه لا فرق بينهما عند الإطلاق هو المتفق مع كلام الأئمّة النـُّقّاد من المحدِّثين، وقد وافق ابنَ الصلاح على ذلك الحافظح الذهبُّ والحافظح ابن رجب كما سبق. وقد وافقه كذلك الحافظ العراقيُّ كما سبق أيضًا في المثال الذي اعترض عليه الحافظ ابن حجر. ووافق ابنَ الصلاح أيضًا (1) انظر الصفحة124) في أمثلة أخرى عنه وعن غيره (2) تهذيب التهذيب (2/221.) (3) تقريب التهذيب 1/257.) (4) انظر الصفحة120.)
عدد الصفحات ١٣٣ِّ 134 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح الذين اختصروا كتابه، كالنوويّ (1) وبدر الدين ابن جماعة (2) وابن كث (3)، (عليهم رحمة الله)، ولم أ ر مَن اعترض عليه قبل الحافظ ابن حجر ثم تابعه بعض تلاميذه. والخلاف في الحقيقة هو في التسمية، وإلا فالحكم عند الجميع واحد ؛ فكلٌّ من الشاذّ والمنكر ضعيف مردود عند الجميع. والله أعلم. ج-ِّالعللِّالخفيةِّالقادحة:ِّ والمراد بالعلل الخفية ما يقع من أوهام بعض الرواة بوصل مرسَل، أو رفع موقوف، أو دخول حديث في حديث، أو إبدال راو ضعيف براو ثقة ، أو غير ذلك من الأوهام التي تقع في الأسانيد أو المتون التي ظاهرها الصحّةح، فتقدح فيها، ويحسمِّي المحدِّثون ذلك الخبر بالمحعَلّ أو المعلول أو المعلَّل. يقول الحاكم النيسابوري رحم ه الله تعالى: «فإن المعلول ما يوقَف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو ، أو أرسله واحد فوصله واهم »(4). ويقول أيضًا«وإنما يحعلَّل الحديثح من أوجه ليس للجرح فيها مدخل ، فإن حديث المجروح ساقط واه ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن (1) تقريب النواوي مع تدريب الراوي 1/210-211.) (2) المنهل الرويّ57.) (3) اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث56.) (4) معرفة علوم الحديث 375.)
عدد الصفحات ١٣٤المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 135 يُدِّثوا بحديث له علّ ة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولاً »(1). ويقول ابن الصلاح رحمه الله تعالى: «فالحديث المعلَّل هو الذي اطُّلع فيه على علّة تقدح في صحّته مع أنّ ظاهره السلامة منها. ويتطرّق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات ، الجامعِ شروط الصحّة من حيث الظاهر»(2). وهذا العلم من أهمّ علوم الحديث وأدقّها يقول الحاكم: «فإن معرفة علل الحديث من أجلّ هذه العلوم»(3). ويقول الخطيب البغدادي«فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث »(4). وروى بسنده-من طريق الحاكم - عن عبد الرحمن بن مهدي أنّه قال: «لأن أعرف علّة حديث هو عنديأحبّ إليّ من أن أكتب عشرين حديثًا ليس عندي»(5). وتحدرك العلّة بجمع طرق الحديث والنظر في مدى اتفاق رواته في سياقته أو اختلافهم، كما نبّه على ذلك أهل هذا الشأن. يقول علي بن المديني: «الباب إذا لم تجحمَع طرقه لم يتبينّ خطؤه »(6). (1) المصدر نفسه359-360.) (2) علوم الحديث81.) (3) معرفة علوم الحديث 374.) (4) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/353.) (5) معرفة علوم الحديث، (ص 359)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/353.) (6) علوم الحديث، لابن الصلاح82.)
عدد الصفحات ١٣٥ِّ 136 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح ويقول الخطيب: «والسبيل إلى معرفة علّة الحديث أن يجمع بين طرقه، و ينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط»(1). وروى بسنده عن عثمان بن سعيد الدارميّ قال: سمعت نحعيم بن حمّاد يقول: سمعت ابن المبارك يقول: «إذا أردت أن يصحّ لك الحديث فاضرب بعضه ببعض»(2). يع معارضة طرق الحديث بعضها ببعض. ويقول الإمام مسلم رحمه الله: «فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميّز صحيحها من سقيمها، و يتبينّ رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفّ اظ»(3). ثم إنّ إدراك العلّة يُتاج -مع ذلك كلّه - إلى اطّلاع واسع على الروايات، ومعرفة دق يقة بأحوال الرواة، وملكة قويّة، ودقّة نظر. يقول الحاكم النيسابوري: «الحجة فيه عندنً الحفظح والفهم والمعرفة»(4). ولذلك لم يحبرَِّز في هذا العلم إلا قلّة من المحدِّث يقول الحافظ أبو سعيد العلائي رحمه الله تعالى: «وهذا الفن أغمض (1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/354.) (2) المصدر نفسه2/354.) (3) التمييز209.) (4) معرفة علوم الحديث 360.)
عدد الصفحات ١٣٦المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 137 أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهمً ا غايصً ا واطّ لاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة. ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن و حح ذّ اقهم كابن المديني والبخاري و أبي زرعة و أبي حاتم وأمثالهم»(1). وما سبقت حكايته يعطي صورة معبرِّة عن أهمّيّة علم العل ل ودقّة مسالك العلّة. ولعلّ في الأمثلة الآتية ما يزيد تلك الصورة وضوحًا، ويبرهن على غزارة علم أولئك النقّاد ودقّة نظرهم، الذين وقفوا على تلك العلل واستخرجوها رغم خفائها ودقّتها: المثال الأو ل- حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا«من جلس مجلسًا كثر فيه لغطه...»أخرجه الترمذي (2) وابن حبّان (3) والحاكم(4)، من طريق ابن جريج، به، لكن قد أعلّه النـُّقّاد؛ فإن موسى بن إسماعيل أبا سلمة المنقري رواه عن وهيب بن خالد الباهلي عن سهيل بن أبي صالح، فقال: عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود التابعي، وجعله من قوله (5). (1) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر2/777.) (2) سنن الترمذي، الدعوات، ح3433.) (3) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان1/107.) (4) المستدرك 1/536- 537.) (5) انظر التاريخ الكبير ل لبخاري ( 4/104-105، رقم 2120.)
عدد الصفحات ١٣٧