المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج المحدثين في النقد دراسة تأصيلية

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ٧ من ١٢

ِّ 106 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح العناية عندما يقف على ما ححكي عنهم في بيان الاحتجاج به، فإنه يكاد يجزم بأنه ما من أحد منهم إلا وقد أبان عن رأيه فيه. يقول الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: «وقال سائر أهل الفقه وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار -فيما علمت-: الانقطاع في الأثر علة تمنع من وجوب العمل به، وسواء عارضه خبر متصل أم لا. وقالوا إذا اتصل خبر وعارضه خبر منقطع لم يعرج على المنقطع مع المتصل وكان المصير إلى المتصل دونه»قال«وحجتهم في رد المراسيل ما أجمع عليه العلماء من الحاجة إلى عدالة المخبر وأنه لا بد من علم ذلك فإذا حكى التابعي عمن لم يلقه لم يكن بد من معرفة الواسطة إذ قد صح أن التابعين أو كثيرً ا منهم روَ وا عن الضعيف وغير الضعيف»(1). وحكى الحافظ العلائي رحمه الله كلام ابن عبد البر هذا، ثم حكى قول الإمام مسلم رحمه الله: «المرسَل من الروايات في أصل قولناوقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة»(2)، ثم عقّب عليه العلائي بقوله«وهذا القول موافق لكلام ابن عبد البر الذي ذكرنًه آنفًا، وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث، أو كلّهم؛ فهو قول عبد الرحمن بن مهدي، ويُيى بن سعيد القطان، وعامّ ة أصحابهما، كابن المديني، و أبي خيثمة زهير بن حرب ، ويُيى بن معين، وابن أبي شيبة، ثم أصحاب هؤلاء كالبخاري ، ومسلم، و أبي داود، والترمذي، (1) التمهيد1/5-6.) (2) مقدمة صحيح مسلم1/30.)

عدد الصفحات ١٠٦

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 107 والنسائي، وابن خزيمة، وهذه الطبقة ثم مَ ن بعدَ هم كالدارقطني ، والحاكم، والخطيب، والبيهقي، ومن يطول الكلام بذكرهم ممن صنف في الأحكام؛ فقَ لّ من يح دخل منهم في كتابه المراسيل إذا كان مقصورً ا على إخراج الحديث المرفوع ... وكلام الإمام أحمد بن حنبل في العلل يدل على ترجيح هذا القول؛ لأنه وكلّ من يعلم علم علل الحديث يعترض على ما روي مسندً ا بالإرسال له من بعض الطرق ويعلله به فلو كان المرسل حجة لازمة لما اعترض به. قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي و أبا زرعة يقولان : لا يُتج بالمراسيل ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة»»(1). وكلام العلائي هذا إلى جانب بيانه لكثرة المتكلّمالمرسَل يضيف شيئًا جديدًا، وهو إشارته إلى دخول المرسَل في باب الإعلال وفي اختصاص جهابذة النقّاد، وذلك في قوله: «وكلام الإمام أحمد بن حنبل في العلل يدل على ترجيح هذا القول؛ لأنه وكلّ من يعلم علم علل الحديث يعترض على ما روي مسندً ا بالإرسال له من بعض الطرق ويعلله به»وقد سبقه-في الإشارة إلى ذلك- أبو عبد الله الحاكم، في مطلع حديثه عن المرسَل، إذ يقول: «النوع الثامن من هذا العلم معرفة المراسيل المختلفة في الإحتجاج بها، وهذا نوع من علم الحديث صعب ، قلَّ ما يهتدي إليه إلا المتبحّ ر في هذا العلم»(2). (1 )جامع التحصيل29-30.) (2 )معرفة علوم الحديث 167.)

عدد الصفحات ١٠٧

ِّ 108 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح ه-ِّالانقطاع:ِّ وممّا يدور على ألسنة المحدِّثين الإعلال بالانقطاع، ومأخذ المنقطع اللغوي ظاهر ، أما من حيث الاصطلاح فيقول الحاكم في تعريفه: «النوع التاسع من هذا العلم معرفةح المنقطع من الحديث، وهو غير المرسَل...»(1). ثم ذكر أنه على ثلاثة أنواع، ولم يذكر النوع الأول، وإنما مثّل له بما رواه بسنده عن أبي العلاء -وهو ابن الشخّير- عن رجلين من بني حنظلة عن شدّاد بن أوس قال: كان رسول الله  يعلّم أحدنً أن يقول في صلاته «اللهم إني أسألك التثبيت في الأمور... الحديث»(2). وهذا المثال يفيد بأنه أراد المبهَم؛ لأنه جاء في السند«عن رجل ين» قال الحاكم عقبه«هذا الإسناد مثل لنوع من المنقطع لجهالة الرجلين بين أبي العلاء بن الشخير وشداد بن أوس» ومثّل للنوع الثاني بما فيه رجل مبهَم وسمِّي من وجه آخر فقد روى بسنده عن سفيان الثوري عن داود بن أبي هند قال: حدّثنا شيخ عن أبي هريرة قال: قال ر سول الله « :يأتي على الناس زمان»الحديث ثم روى بسنده عن علي بن عاصم عن داود بن أبي هند قال: نزلت جديلة قيس فسمعت شيخا أعمى يقال له أبو عمر يقول: سمعت (1) معرفة علوم الحديث 173.) (2 )سنن الترمذي5/476، ح3407)؛ ولفظه«اللهم إني أسألك الثبات في الأمر»...

عدد الصفحات ١٠٨

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 109 أ هريرة... »الحديث ثم قال الحاكم: «وهذا النوع من المنقطع الذي لا يقف عليه إلا الحافظ الفهِ م المتبحر في الصنعة» ثم قال «والنوع الثالث من المنقطع أن يكون في الإسناد رواية راو لم يسمع من الذي يروي عنه الحديث قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال ، ولا يقال لهذا النوع من الحديث مرسل إنما يقال له منقطع» ثم مثّل له بما رواه بسنده عن عبد الرزاق قال: ذكر الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة قال: قال رسول الله « :إن ولّيتموها أبا بكر...»الحديث. ثم قال الحاكم«هذا إسناد لا يتأمله متأمل إلا علم اتصالَه وسنده؛ فإن الحضرمي ومحمد بن سهل بن عسكر ثقتان، وسماع عبد الرزاق من سفيان الثوري واشتهاره به معروف، وكذلك سماع الثوري من أبي إسحاق واشتهاره به معروف، وفيه انقطاع في موضعين فإن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري ، والثوري لم يسمعه من أبي إسحاق» ثم ساقه من طريقين بينّ في أحدهما الواسطة ب عبد الرزاق والثوري، وفي الثاني الواسطة بين الثوري و أبي إسحاق(1). و كلام الحاكم هذا إطلاق المنقطع على ما في سنده راو مبهَم وعلى ما فيه سقط في أثناء السند، وقد حكاه الحافظ ابن الصلاح مقرِّرًا له وتعقّبه الحافظ ابن حجر في المثال الأخير بقوله: إن هذا المثال إنما يصلح للحديث (1) معرفة علوم الحديث 173-177.)

عدد الصفحات ١٠٩

ِّ 110 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح المدلَّ س؛ لأن كل راو من رواته قد لقي شيخه فيه وسمع منه وإنما طرأ الانقطاع فيه من قبل التدليس(1). قلتح: وابن حجر متعقَّب فيما قاله؛ لأنه قد جاء التصريح في الرواية الثانية بذكر الواسطة فتبينّ الانقطاع، وشرط التدليس بقاء الاحتمال. قال الخطيب البغدادي: «ولو بينّ أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلّسه عنه فكشف ذلك لصار ببيانه مرسِ لا للحديث غير مدلس فيه»(2). ولذلك لم يرض الحافظ السخاوي اعتراض شيخه، فلم يذكره كعادته، وإنما ارتضى كلام الحاكم؛ فقد حكاه ثم عقّب عليه بقوله: «فظهر أنه لم يُصر المنقطع في الساقط قبل الوصول إلى التابعي، بل جعله نوعًا منه، وهو كذلك بلا شكّ. وإذا كان يسمِّ ي ما أح بهِ م فيه مَ ن هو في محل التابعي منقطعا فبالأحرى أن يسمِّ يه كذلك مع إسقاطه»(3). وكذا ابن عبد البر يطلق المنقطع على ما سقط منه راو أثناءَ السند، سواء كان تابعيًّا أو من دونه؛ فقد مثّل له بـ «مالك عن بن سعيد عن عائشة عن النبّ ؛ و عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة عن النبّ ؛ وابن شهاب عن ابن عباس، وابن شهاب عن أبي هريرة؛ وزيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب»وقد عقّب على الأمثلة السابقة بقوله«وهو مع ذلك (1 )النكت2/572.) (2 )الكفاية532.) (3 )فتح المغيث1/276-277.)

عدد الصفحات ١١٠

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 111 منقطع ؛ لأن بن سعيد و عبد الرحمن بن القاسم لم يسمعا من عائشة، وكذلك ابن شهاب لم يسمع من ابن عباس ولا من أبي هريرة، ولا سمع زيد بن أسلم من عمر»ثم قال«وأكثر من هذا الانقطاع: مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله عن النبّ ، وعن عائشة وعن أنس عن النبّ ، وما كان مثله...»(1). وهذه الأمثلة تفيد أن ابنعبد البر يطلق على ما سقط منه راو فأكثر منقطعًا؛ فالساقط من الثلاثة الأخيرة أكثر من راو ، وهو ما يسمَّى عند غيره بالمعضل. والذي يظهر أنه يطلق المنقطع -أيضًا- على ما هو أعمّ من ذلك؛ فقد قال في موضع سابق: «والمنقطع عندي كلُّ ما لم يتصل، سواء كان يحعزَى إلى النبّ  أو إلى غيره »(2). وعلى هذا فيدخل فيه -كذلك- المرسَل، والموقوف، والمعضل، والمعلَّق. والله أعلم. وأما الخطيب رحمه الله فقال: «المنقطع مثل المرسَل »(3)، وسبق أن عرّف المرسَل بقوله: «هو ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممّن فوقه»(4). (1) التمهيد1/22-23.) (2) المصدر نفسه21.) (3) الكفاية58.) (4) المصدر نفسه58.)

عدد الصفحات ١١١

ِّ 112 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح إلا أنه فرّق بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلّ ته، فذكر أن المرسَل أكثر ما يحطلَق على ما رواه التابعيّ عن النبّ ، والمنقطع على ما رواه مَن دونَ التابعيّ عن الصحابة. ومثّل له بما يرويه مالك بن أنس عن عبد الله بن عمر، وسفيان الثوري عن جابر بن عبد الله(1). وعلى هذا فيدخل فيه الانقطاع بسقوط راو فأكثر، ف يدخل فيه المعضَل والمعلَّق، كما سبق عن ابن عبد البر. وقد نبّه على ذلك السخاوي رحمه الله(2). والانقطاع علّة توجب ردّ الخبر عند المحدِّثين؛ فقد روى الخطيب بسنده عن محمد بن يُيى الذُّهلي قال: «ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث المحوصل غير المنقطع...»(3). وقال ابن عبد البر: «وقال سائر أهل الفقه وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار -فيما علمت-: الانقطاع في الأثر علة تمنع من وجوب العمل به»(4).  (1) المصدر نفسه (2 )فتح المغيث1/277.) (3 )الكفاية (56.) (4 )التمهيد1/5)، وقد تقدم في مبحث المرسَل، في الصفحة94.)

عدد الصفحات ١١٢

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 113 2-ِّأبرزِّالصفاتِّالتيِّيشتركِّفيِّالإعلالِّبهاِّالسندِّواِّ نقد المحدّثين لم يكن مقصورًا على الأسانيد -كما ظن بعض الغحرباء على هذا الفنّ - بل لقد تناولوا في نقدهم المتون كذلك، وقد أطلقوا في إعلالهم صفات تختصّ بالأسانيد، وأطلقوا صفات أخرى تشترك فيها الأسانيد والمتون، لكن يحعرَف المراد منهما إما بتقييد تلك الصفة به، وإما من خلال السياق الذي وردت فيه تلك الصفة. ومن أبرز الصفات التي تشمل السند والمن ما يلي: أ-ِّد: الغرابةِّوالتفرِّ الغرابة والتفرّد من الألفاظ التي تدور كثيرًا على ألسنة النـُّقّاد في تعليليهم للأسانيد والمتون؛ فقد أكثر من ذلك الترمذي في جامعه، والبزّار في مسنده، والطبراني في معجميه الأوسط والصغير. وأول من تكلّم في أقسام الغرابة والتفرّد -فيما وقفت عليه من كلامهم- الإمام الترمذي رحمه الله في علله الصغير، إذ يقول: «فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان »ثم بدأ بذكر التفرّد المطلق فقال «رحبّ حديث يكون غريبًا لا يحروَى إلا من وجه واحد ، مثل ما حدّث حماد بن سلمة عن أبي العشر اء عن أبيه قال: قلتح: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في اللَّبّة (1)؟ فقال «لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك »»قال«فهذا (1) اللَبَّة -بفتح اللام-: موضع الذبح، و الهَز مة التي فَوق الصَّد ر وفيها تـحن حَر الإبل. انظر: النهاية في غريب الحديث (1/524)، مادة "تلب"، 4/420)، مادّة "لبب"، لسان العرب =

عدد الصفحات ١١٣

ِّ 114 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح حديث تفرّد به حمّاد بن سلمة عن أبي العشراء، ولا يحعرَف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهورًا عند أهل العلم؛ وإنما اشتهر من حديث حمّاد بن سلمة، لا يحعرَف إلا من حديثه»(1). وحكى عن البخاري رحمه الله أنه قال: «لا يحعرَفبي العشراء شيء غير هذا الحديث »(2). فهذا النوع هو الفرد المطلق، والتفرّد فيه يكون في أصل السند من جهة الصحابي، كما في المثال السابق. وقد اشتهر التمث يل له بحديث «إنما الأعمال بالنـّيّات»(3)؛ تفرّد به عمر بن الخطّاب ، ثم تفرّد به عنه علقمة بن وقّاص، وتفرّد به عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرّد به عن محمد بن إبراهيم التيمي يُيى بن سعيد الأنصاري، ثمّ اشتهر عن يُيى بن سعيد، كما نبّه إلى ذلك الحافظ ابن الصلاح رحمه الله(4). قال الترمذي-عن القسم الثاني وهو التفرد النِّسب-« :ورحبّ حديث يحروى من أوجه كثيرة وإنما يحستغرب لحال الإسناد»ومثل له بما رواه من طريق أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى عن النبّ  قال «الكافر يأكل في سبعة أمعاء»...وقال عقبه«هذا حديث حسن ، غريب = (1/229)، مادّةلبب". (1 )العلل الصغير مع الجامع5/758.) (2 )شرح علل الترمذي 2/627.) (3 )شرح علل الترمذي 2/628.) (4 )علوم الحديث69.)

عدد الصفحات ١١٤

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 115 من هذا الوجه من قِبَل إسناده، وقد رحوي من غير وجه عن النبّ »(1). وقال ابن رجب -تعقيبًا عليه-« :فهذا المن معروف عن النبّ  من وجوه متعدّدة، وقد خرّجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر. وأما حديث أبي موسى هذا فخرّجه مسلم عن أبي كريب. وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكروا أن أبا كريب تفرّد به، منهم البخاري و أبو زرعة »(2). وقد فرّع الحاكم رحمه الله تعالى هذين القسمين وتوسّع في التمثيل لهما، لكن نبّه الحافظ ابن حجر في تعقّبه لمغلطاي أن ما ذكره الحاكم لا يخرج عن هذين القسمين(3). وأما حال الغريب والفرد عند علماء الحديث فإنهم في الجملة يذمّون الغرائب ويُذّرون منها. يقول إبراهيم النخعي -رحمه الله تعالى- (ت96هـ «كانوا يكرهون الغريب من الحديث »(4). وقال الأعمش (ت147هـ-رحمه الله تعالى-« :كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام »(5). (1) العلل مع السنن5/760.) (2) شرح علل الترمذي 2/645.) (3) انظر النكت2/703.) (4) شرح علل الترمذي 2/623.) (5) المصدر نفسه

عدد الصفحات ١١٥

ِّ 116 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وقال عبد الرزاق الصنعاني (ت 211هـ-رحمه الله تعالى-« :كنّا نرى أنّ غريب الحديث خير فإذا هو شرٌّ »(1). وقال الإمام أحمد«لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير، وعامّتها عن الضعفاء»(2). وهذا الكلام في الغرائب من حيث الجملة، و يُحمَل على تفرّد من لا يُحتمَل تفرّده، كما جاءت الإشارة إلى ذلك في آخر كلام الإمام أحمد، وإلاّ فقد قبِل أئمة الحديث كثيرًا من الأحاديث التي تفرّد بها رواة ثقات ؛ فقد ذكر أبو داود أنّه قال للإمام أحمد: إسرائيل إذا انفرد بحديث يُتجُّ به؟ فقال: إسرائيل ثبت ا لحديث(3). وقال الحسن بن محمد الزعفراني: قلت لأحمد بن حنبل: من تابع عفّان في حديث كذا وكذا؟ قال: وعفّان يُتاج إلى أن يتابعه أحد ؟ أو كما قال(4). وقـــــال صـــــا بـــــن أحمـــــد: «حـــــدّثناأبي قـــــال حـــــدّثنا ابـــــن إدريـــــس عـــــن محمــــــــــد بــــــــــن عمــــــــــارة عــــــــــن أبي بكــــــــــر بــــــــــن حــــــــــزم عــــــــــن أبان بــــــــــن عثمــــــــــان عــــــــــــــــــــن عثمــــــــــــــــــــان قــــــــــــــــــــال: «لا شحــــــــــــــــــــف عة في بئــــــــــــــــــــر، ولا فَح ــــــــــــــــــــل(5)، ولا (1) شرح علل الترمذي (2/623.) (2) المصدر نفسه (3 )مسائل الإمام أحمد، برواية أبي داود، (ص311)، رقم 405.) (4 )تاريخ بغداد 12/274.) (5) قال ابن إدريس : «أظن الفحل فحل النخ ل»قال البيهقي عقبه «وروينا ذلك عن =

عدد الصفحات ١١٦

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 117 الأحرَف(1)، إذا علم كل قوم حقّهم تقطع الشفعة»قلت له: أحد يقول«و الأحرَ ف»غير ابن إدريس؟ قال: يكفيك بابن إدريس »(2). وقال الميموني: قال ابن حنبل: ليس نجد أحدًا يرفع غير زه-يعني في المحرم إذا لم يجد النعلين- وكان زهير من معادن العلم»(3). فهذه النقول تدل على قبول الإمام أحمد للأفراد إذا اطمأنّ لضبط رواتها. وقد ذكر الحاكم في المدخل إلى الإكليل أن من الصحيح المتفَق على صحّته الأفراد الغرائب التي ينفرد بها ثقة من الثقات(4). = سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعمر بن عبد العزيز». السنن الكبرى ، للبيهقي (6/105، ح11911.) وفَح ل النخل: هوفححَّال النَّخ ل، وهو ذكر ها الذي تـحلَقَّح منه. قال ابن الأثير: «أراد به فَح لَ النَّخ لة لأنه لا ينقسم. وقيل: لا يحقال له إلا فححَّال، ويجح مع الفَح ل على فححول، والفححَّالح على فَحاحِيل. وإنمَّا لم تثبت فيه الشُّف عة لأن القوم كانت لهم نخيل في حائط فيتوارثونها ويقتسمونها ولهم فحل يلقحون منه نخيلهم فإذا باع أحدهم نصيبه المقسوم من ذلك الحائط بحقوقه من الفحال وغيره فلا شفعة للشركاء في الفحال لأنه لا تمكن قسمته»انظرالنهاية في غريب الحديث (3/416-417)، مادة "فحل"،لسان العرب (11/516)، مادّة "فحل (1) الأحرَفح -بضم الهمزة، وفتح الراء - جمع أحر فَة وهي الحدود -بين الدور والضياع ، و الأَرضين- والمعالم. ويقال بالثاء المثلثة أيضا (المفرد أحر ثة، والجمع أحرَثح ). أرّ ف الدارَ والأرضَ : قسمها وحدها . انظر: النهاية في غريب الحديث، ( 1/39-40)، مادّة "أرف"، لسان العرب (2/111)، مادّة "أرث"، و9/4)، مادّة "أرف (2 )مسائل الإمام أحمد، برواية ابنه صا3/185-186، رقم 1612-1613.) (3 )العلل ومعرفة الرجال، برواية المروذي وغيره 243، رقم 484.) (4 )المدخل إلى الإكليل، (ص7.)

عدد الصفحات ١١٧

ِّ 118 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وتعقّبه الحافظ ابن حجر في قوله: أنه ليس في الصحيحين منها شيء، بقوله: «بل فيهما قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي في جزء مفرد »(1). وذكر الحافظ ابن الصلاح بعض الأفراد المخرَّجة في الصحيح قال: «فكل هذه مخرَّجة في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرّد به ثقة . وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة»(2). قلتح: سبق في كلام الحافظ ابن حجر أنهّا قدر مائتين، وهذا الذي جرى عليه عمل البخاري ومسلم في صحيحيهما هو الذي استقرّ عليه عمل المحدِّثين؛ فقد تلقَّوا أحاديثهما بالقبول دون تفريق بين الأفراد وغيرها، وفي كلام ابن الصلاح أيضا ما يفيد الإجماع على تصحيح أفراد الثقات؛ فقد عرّف الحديث الصحيح بقوله: «الحديث المسنَد الذي يتّصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه»...، فلم يشترط العدد، قال: «فهذا الحديث الذي يُحكَم له بالصحّة بلا خلاف بين أهل الحديث»(3). ووافق ابن الصلاح على هذا كلّ من اعتنى بكتابه، ولم يتعقّبه أحد بشيء في ذلك فيما أعلم. (1 )النكت1/363.) (2 )علوم الحديث69-70.) (3 )المصدر نفسه10-11.)

عدد الصفحات ١١٨

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 119 ب-ِّالشذوذِّوالنكارة:ِّ يكثر في كلام النقّاد الإعلال بالشذوذ والنكارة، وإن كان إطلاق النكارة في كلام المتقدّمين أكثر منه في كلام المتأخّرين.  ِّفيِّاللغة الشاذِّ هو المنفرد عن الجمهور. يقال : شذّ يَشحذّ (بضم الشين المعجمة وكسرها) شَذًّا (بفتح الشين المعجمة) وشحذوذاً إذا انفرد عن الجمهور (1). وفي الحديث«يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار»(2).  : ً ومعنىِّالمنكرِّلغةِّ يقول ابن فارس: «النون والكاف والراء أصل صحيح يدلّ على خلاف المعرفة الذي يسكح ن إليها القلب. ونكِر الشيءَ وأنكَره لم يقبَله قلبحه»(3). وقال الجوهري «النَّكِرة ضدّ المَعرفة، وقد نكِ رت الرجلَ -بالكسر- نح كرا ونح كورً ا، وأنكَ رته واستَ نكَ رته، بمعنى»(4).  ث ِّفيِّكلامِّالمحد معنىِّالشاذِّ عرّف الشافعي الشاذ بما يجمع إلى التفرّدِ المخالفةَ، فقال رحمه الله: (1) الصحاح2/565.) (2 )أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الفن، رقم 2167، من حديث ابن عمر، وقد خرّجته في كتابي "الأحاديث الواردة في لزوم الجماعة"، (ص: 24)، رقم 7.) (3 )معجم مقاييس اللغة5/476.) (4 )الصحاح2/836.)

عدد الصفحات ١١٩

ِّ 120 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح «ليس الشاذّ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا لم يروِه غيرهح، إنمّا الشاذّ من الحديث أن يروى الثقات حديثً ا فيشِ ذُّ عنهم واحد فيخالفهم»(1). وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي هذا التعريف عن جماعة من أهل الحجاز، ثمّ عرّف الشاذّ بمطلق التفرّد دون قيد المخالفة، فقال: «والذي عليه حفّاظ الحديث أنّ الشاذّ ما ليس له إلا إسناد يشح ذّ به شيخ ، ثقةً كان أو غيرَ ثقة . فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يحقبَل، وما كان عن ثقة يحتوقَّف فيه ولا يُحتَجّ به »(2). وخصّه الحاكم بتفرّد الثقة دون قيد المخالفة، لكن عند احتمال وجود علة فيه، فقال رحمه الله: «معرفة الشاذّ من الروايات، وهذا غير المعلول؛ فإن المعلول ما يوقف على علّته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو ، أو أرسله واحد فوصله واهم ؛ أما الشاذّ فإنه حديث يتفرّد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة»(3).  ث رِّفيِّكلامِّالمحد َ معنىِّالمنكِّ يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «ولم أقف لأحد من المتقدّم على حدّ المنكر من الحديث وتعريفه، إلا على ما ذكره أبو بكر البرَ دِ يجي الحافظ، -وكان من أعيان الحفّ اظ المبرَِّ زين في العلل-: «أنّ المنكر هو الذي (1 )الكفاية223.) (2 )الإرشاد 1/176.) (3 )معرفة علوم الحديث 359.)

عدد الصفحات ١٢٠

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 121 يُدّث به الرجل عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث -وهو من الحديث- إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرً ا»(1). وهذا المعنى حكاه ابن رجب عن الإمام أحمد أيضًا، فقال «وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة، ولا يعرف المن من غير ذلك الطريق فهو منكر، كما قاله الإمام أحمد في حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبّ  في النهي، عن بيع الولاء وهبته»(2). ومن إطلاق الإمام أحمد المنكر على الفرد ما جاء عن المَرُّوذي، قال «قلتبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه فقد حدّ ث عن الزهري بأحاديث -كأنه أراد: تفرّد بها-، ثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحِل ف (حِل ف (3) الـمحطَيَّبين) فأنكره أبو عبد الله، وقال: ما رواه غيره»(4). ومن ذلك أيضًا ما حكاهعبد الله، قال: «سألت أبي: ما الذي يحعتمَد عليه في مواقيت الصلاة من الأحاديث التي جا ءت؟ وأيّ حديث عندك أقوى؟ والحديث الذي روى ابن المبارك عن الحسين بن علي عن وهب بن (1 )شرح علل الترمذي 2/653.) (2 )المصدر نفسه653-654.) (3) أصل الحِل ف-بكسر الحاء المهملة وسكون اللام- المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق. النهاية في غريب الحديث ( 1/424.) (4 )العلل ومعرفة الرجال، برواية المرُّوذي وغيره، (ص: 54)، رقم 61.)

عدد الصفحات ١٢١