ِّ 90 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح لكن ما حكاه عن الإمام مالك -من أنه محمول على السؤال الذي ذكر صيغته- لم أرَ من سبقه إليه، بل كلام الإمام أحمد وا بن عبد البر يدلّ على أنّ الإمام مالكًا يرى إلحاق «أنّ»بـ«عن»بإطلاق وأما صنيع يعقوب بن شيبة فهو موافق لكلام الإمام أحمد في التفصيل، لكن حمله ابن الصلاح على الحكم بالانقطاع بإطلاق كما هو ظاهر الكلام المنسوب للبرديجي، فقد حكى قول البرديجي نقلاً عن ابن عبد البر، ثم قال: «ووجدت مثل ما حكاه عن البرديجي أبي بكر الحافظ للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في مسنده الفحل؛ فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير »...ثم ساق كلامه السابق(1). وقد تعقبه -في ذلك - العراقي. فقد حكى كلامه بتمامه ثم قال: «انتهى كلام ابن الصلاح، ولم يقع على مق صود يعقوب بن شيبة... وبيان ذلك أن ما فعله يعقوب هو صواب من العمل، وهو الذي عليه عمل الناس، وهو لم يجعله مرسلا من حيث لفظ «أنّ»، وإنما جعله مرسلا من حيث أنه لم يسند حكاية القصة إلى عمار. وإلا فلو قال: «أنّ عمارً ا قال: مررت بالنبّ »،لما جعله مرسلاً ، فلما أتى به بلفظ «أن عمارا مر»، كان محمد بن الحنفية هو الحاكي لقصة لم يدركها؛ لأنه لم يدرك مرور عمار بالنبّ فكان نقله لذلك مرسلاً »(2). (1) علوم الحديث، (ص58.) (2) التبصرة والتذكرة 1/170.)
عدد الصفحات ٩٠المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 91 وقال ابن حجر: فكون يعقوب بن شيبة قال في رواية عطاء عن ابن الحنفية «أنّ عمّارًا مرّ بالنب »...هذا مرسَل،إنما هو من جهة كونه أضاف إلى صيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار. إذ لا فرق أن يقول ابن الحنفية: «أنّ عمارً ا مرّ بالنبّ »،و «أن النبّ مرّ بعمار»، فكلاهما سواء في ظهور الإرسال . ولو كان أضاف إليها القول كأن يقول: «عن ابن الحنفية، أنّ عمّ ارً ا قال: مررت بالنبّ »،لكان ظاهر الاتصال»(1). وما سبق تحريره عن الإمام أحمد والحافظ يعقوب بن شيبة منقول عن غيرهما أيضًا. فقد حكى الحافظ أبو عبد الله ابن المواق ذلك عن علي ابن السكن (ت353هـ قال ابن المواق في تعقّبه لعبد الحق ولابن القطان: «وهو حديث ذكره أبو داود مر سَلاً هكذا...»ثم ساق سندأبي داود إلى عبد الرحمن بن طرفة أنّ جدّه عرفجة بن أسعد قحطع أنفحه يومَ الكحلاب، ثم تعقّبه ابن المواق بقوله: «فذكر الحديث مرسلاً؛ فإنّعبد الرحمن تابعيٌّ لم يشاهد القصّة، ولم يذكر مَن حدّثه»ثم قال«وقد نبّه الحافظأبو علي ابن السكن على ذلك، فذكر الحديث من رواية علي بن الجعد و أبي نصر التمّار عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، أنّ عرفجة أصيب أنفحه. قال: فذكر الحديث مرسلاً، ولم (1) النكت2/591-592.)
عدد الصفحات ٩١ِّ 92 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح يقولا: عن عرفجة »(1). وحكاه السخاوي كذلك عن الحافظ البيهقي (ت 458هـ). فبعد أن بينّ مراد يعقوب بن شيبة وتصويب العراقيّ له، قال: «وقد صرّح البيهقي تعليل الحكم بالانقطاع فيما يشبه هذا بذلك؛ فإنه قال في حديث عكرمة بن عمّ ار، عن قيس بن طلق، أنّ طلقا سأل النب عن الرجل يمس ذكر ه وهو في الصلاة، فقال: «لا بأس، إنما هو كبعض جسده » هذا منقطع؛ لأنّ قيسًا لم يشهد سؤال طلق»(2). بل ذهب ابن المواق إلى أن هذا التفصيل المحكي عمّن سبق هو أمر لا خلاف فيه بين أهل التمييز. فبعد أن ذكر كلام ابن السكن السابق قال: «هذا نصّ كلام ابن السكن، وهو أمر بينّ لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا اللسان في انقطاع ما يروى كذلك وإرساله إذا علم أنّ الراوي لم يدرك زمان القصّة، كما في هذا الحديث»(3). وكلام ابن المواق هذا بنفي الخلاف يقتضي حمل ما سبقت حكايته عن الإمام مالك -من القول بالتسوية بين «أنّ»و «عن»- على التفصيل السابق، ومثل ذلك حكاية الحافظ ابن حجر -كما سبق- صورة المسألة التي أجاب عنها الإمام مالك، وهي: «أنّ فلانًً قال كذا »وابن حجر لم يذكر (1) بغية النقاد1/9.) (2) فتح المغيث1/296-297.) (3) بغية النقاد1/10.)
عدد الصفحات ٩٢المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 93 مصدره في ذلك، لكن يظهر -والله أعلم- أنه أخذه من الصور التي حكاها ابن عبد البر؛ فإنها تقتضي التسوية بين «أنّ»و «عن» قال ابن عبد البر: «واختلفوا في مع «أنّ»هل هي بمع «عن» محمولةً على الاتصال بالشرائط التي ذكرنً حتى يتبين انقطاعها، أو هي محمولة على الانقطاع حتى يعرف صحة اتصالها؟ وذلك مثل: مالك عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيّ ب قال كذا. ومثل: مالك عن هشام بن عروة أن أباه قال كذا. ومثل: حمّ اد بن زيد عن أيوب أنّ الحسن قال كذا. فجمهور أهل العلم على أنّ «عن» و «أنّ» سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة. فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحً ا كان حديث بعضهم عن بعض أبدً ا بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال حتى تتبين فيه علّ ة الانقطاع »(1). وقد ذكر ابن رجب المثال الأول الذي ذكر ه ابن عبد البرّ، وقال: لعلّه مراد مالك. قال ابن رجب: «وأما إذا روى الزهري -مثلاً - عن سعيد بن المسيّب، ثم قال -مرّةً -: إنّ سعيد بن المسيّب قال، فهذا محمول على الرواية عنه دون الانقطاع، ولعل هذا هو مراد مالك الذي حكاه أحمد عنه ولم يخالفه. وقد (1) التمهيد1/26.)
عدد الصفحات ٩٣ِّ 94 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح حكى ابن عبد البر هذا القول عن جمهور العلماء»(1). قلتح: ويرجّح هذا الاحتمال الذي أشار إليه ابن رجب وقد جزم به ابن حجر -كما سبق- أنّ ابن عبد البر قد حكاه عن جمهور العلماء، وذكر أبو عبد الله ابن المواق أنه لا خلاف فيه بين أهل التمييز، وهما من علماء المالكية، وأعرَفح الناس بأ قوال الإمام مالك، فلو كان لمالك خلاف في ذلك لذكراه. والله أعلم. لكن بقي ما أشار إليه ابن عبد البر من خلاف البرديجي، فلم أرَ أحدًا ذكره قبله، وكل من ذكر قول البرديجي عزاه إليه، لكن لم يذكر ابن عبد البر نصّ كلام البرديجي؛ ولذلك أبقاه ابن رجب على احتمال موافقة الجمهور. قال ابن رجب: وقد حكى ابن عبد البر هذا القول عن جمهور العلماء، و حكى عن البرديجي خلاف ذلك، وأنه قال: «هو محمول على الانقطاع، إلا أن يح علَ م اتصاله من وجه آخر»، وقال: «لا وجه لذلك» .ثم تعقّبه ابن رجب بقوله: «و يذكر لفظ البرديجي، فلعله قال ذلك في القسم الثاني كما سنذكره »(2). فعلى هذا يتفق كلام البرديجي مع ما سبقت حكايته عن الإمام أحمد والحافظ يعقوب بن شيبة وابن السكن و البيهقي، ويتفق مع ما ذكره (1) شرح علل الترمذي 2/603.) (2) المصدر نفسه
عدد الصفحات ٩٤المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 95 أبو عبد الله ابن المواق من عدم وجود الخلاف في ذلك. والله أعلم. ج-ِّالتدليس:ِّ التدليس: هو أن يروي الراوي عمّ ن سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه. هكذا عرّفه البزّار(1)، وأبو الحسن(2) ابن القطان. وقال ابن عبد البر: «وأما التدليس فهو أن يُدّثالرجل عن الرجل قد لقيه وأدرك زمانه وأخذ عنه وسمع منه وحدث عنه بما لم يسمعه منه وإنما سمعه من غيره عنه ممن ترضى حاله أو لا ترضى ، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مرضية لذكره ، وقد يكون لأنه استصغره ». وقال«هذا هو التدليس عند جماعتهم لا اختلاف بينهم في ذلك»(3). قلتح: قد توسّع ابن الصلاح في حدّه قليلا فقال«هو أن يروي عمّن لقيه ما لم يسمعه منه موهمً ا أنه سمعه منه، أو عمّ ن عاصره ولم يلقه موهمً ا أنه قد لقيه وسمعه منه»(4). فابن الصلاح قد أدخل في التدليس رواية الراوي عمّن عاصره ولم يلقه، وقد ارتضى العراقي هذا التعريف، وتعقّب تعريف البزّار وابن القطان؛ فقال عقِب إيراده: «وما ذكره المصنّف في حدّ التدليس هو المشهور بين أهل (1) عزاه السخاوي للبزار في معرفة من يترك حديثه أو يقبل. انظر فتح المغيث ( 1/314.) (2) بيان الوهم والإيهام5/493.) (3) التمهيد1/15.) (4) علوم الحديث، (ص66.)
عدد الصفحات ٩٥ِّ 96 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح الحديث، وإنما ذكرت قول البزّار وابن القطّان لئلاّ يغترّ بهما من وقف عليهما فيظن موافقة أهل هذا الشأن لذلك. والله أعلم»(1). وقد تعقّبه الحافظ ابن حجر فقال«لا غرور هنا، بل كلامهما هو الصواب على ما يظهر لي من التفرقة بين التدليس والمرسَل الخفيّ وإن كانً مشتركين في الحكم، هذا ما يقتضيه النظر. وأما كون المشهور عن أهل الحديث خلاف ما قالاه ففيه نظر؛ فكلام الخطيب في باب التدليس، من الكفاية، يؤيّد ما قاله ابن القطان. قال الخطيب: «التدليس متضمّن للإرسال، لا محالة؛ لإمساك المدلِّ س عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه قط وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمنا للإرسال والإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمعه منه. ولهذا لم يذم العلماء من أرسل ، وذمّ وا من دلس. والله أعلم»(2). قلتح: ويؤيّد تعريفَ البزّار واب ن القطّان أيضًا ما حكاه ابن عبد البرّ من نفي الخلاف بين أهل الحديث فيما جاء في تعريف التدليس؛ إذ يقول: «هذا هو التدليس عند جماعتهم لا اختلاف بينهم في ذلك»(3). (1) التقييد والإيضاح، (ص80.) (2) النكت2/615). وكلام الخطيب الذي حكاه عنه في الكفاية، (ص 510.) (3) تقدّم في بداية ابحث.
عدد الصفحات ٩٦المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 97 وقال السخاوي -تأييدًا لما جاء في كلام الخطيب السابق الذي استشهد به الحافظ ابن حجر-« :وأَصرَح منهقول ابن عبد البرّ في التمهيد: «التدليس عند جماعتهمعند جماعتهم اتّ فاقً ا هو أن يروي عمن لقيه وسمع منه وحدث عنه بما لم يسمعه منه»(1). قلتح: وتعريف ابن عبد البر الذي حكى اتفاق أهل الحديث عليه موافق لتعريف البزّار وابن القطّان، كما سبق، ويؤيّد ذلك أيضًا أنّ م ن المحدّثين من وصف التدليس بالكذب، ومنهم من وصفه بالزور. فقد روى الخطيب بسنده عن شعبة أنه قال: «التدليس أخو الكذب»(2). وروى بسنده عنخالد بن خداش، قال: قال حمّاد بن زيد: «التدليس كذب »ثم ذكر (3) حديث النبّ « :المتشبّع بما لم يحعطَ كلابس ثو زور»(4). قال حمّاد: ولا أعلم المدلس الا متشبعا بما لم يعط»(5). وهذا الوصف للتدليس يتطابق مع تعريف البزّار وابن القطّان، لما جاء (1) فتح المغيث1/315.) (2) الكفاية، (ص508.) (3) يعني حمّاد بن زيد. (4) صحيح البخاري مع الفتح، باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة ، (9/317- 318، رقم 4918)،صحيح مسلم ، باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره والتشبع بما لم يعط (3/1681.) (5) الكفاية، (ص509.)
عدد الصفحات ٩٧ِّ 98 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح فيه من تقييد التدليس برواية الراوي عمّن سمع منه ما لم يسمعه منه، لما فيه من إيهام السامع أنّه قد سمع الحديث الذي دلّسه منه. والله أعلم. ومن خلال ما سبقت حكايته عن المحدّثين أثناءَ الكلام على تعريف التدليس إشارة إلى أنهم قد تكلّموا في التدليس ونقدوا الإسناد المدلَّس. وسوف نورد ما يزيد المسألةَ تأصيلاً، من كلام المحدّثين في رواية المدلِّس. روى الخطيب بسنده عن محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قال: حدثني جدّي، قال: «التدليس، جماعة من المحدّثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه. ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوّ زه عن الرجل الذي قد سمع منه ويسمع من غيره عنه ما لم يسمعه منه فيدلسه، يح رى أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضا عندهم إلا عن ثقة، فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء»(1). فالحافظ يعقوب بن شيبة السدوسيّ صاحب المسند المعلّل هو من علماء القرن الثالث، وهو يُكي في كلامه السابق رأي علماء الحديث المعاصرين له والسابقين، في التدليس وروايا ت المدلّسين، وفي كلامه السابق حكاية الإجماع على عدم قبول رواية من يدلّس عن غير الثقات. وقال ابن سعد عن هشيم: إنه كان يدلّس كثيرًا؛ فما قال فيه: (1) المصدر نفسه، (ص516.)
عدد الصفحات ٩٨المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 99 «أخ»فهو حجة، وإلا فليس بشيء(1). وابن سعد متوفىَّ سنة 230هـ وروى الخطيب بسنده عن يعقوب بن شيبة قال: سألت يُيى بن معين عن التدليس فكرهه وعابه، فقلتح له: أفيكون حجّةً فيما يروي أو حتىّ يقول: «حدّثنا»أو«أخ»؟ فقال: لا يكون حجّةً فيما دلّس»(2). وروى الخطيب أيضًا بسنده عن يعقوب بن شيبة قال: سألتح علي بن المديني عن الرجل يدلّس، أيكون حجّةً فيما لم يقل: «حدّثنا»؟ فقال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتىّ يقول: «حدّثنا»قال عليّ: والناس يُتاجون في حديث سفيان إلى يُيى القطّان لحال الإخبار»قال الخطيب «يعني عليّ أن سفيان كان يدلّس، وأنّ يُيى القطان كان يوقفه على ما سمع ممّا لم يسمع»(3). هذا مع قلّة تدليس سفيان الثوريّ. وقال البخاري: لا أعرف لسفيان -يعني الثوري - عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور -وذكر شيوخًا كثيرة- لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقلَّ تدليسه!»(4). وروى البيهقي في المعرفة بسنده عن شعبة أنه قال «كنت أنظر إلى فم (1) انظر الطبقات الكبرى7/313.) (2) الكفاية، (ص516.) (3) المصدر نفسه، (ص516-517.) (4 )شرح علل الترمذي 2/857.)
عدد الصفحات ٩٩ِّ 100 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح قتادة فإذا قال: «حدّثنا»كتبتح، وإذا قال«حدّث فلان»لم أكتب»(1). وروى عنه أيضًا أنه قال «كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، و أبي إسحاق، وقتادة»(2). وقال العجلي: إذا قال سفيان بن عيينة: عن عمرو، سمع جابرًا، فصحيح، وإذا قال سفيان: سمع عمرو جابرًا، فليس بشيء . حكاه ابن رجب ثم قال: يشير إلى أنه إذا قال: عن عمرو، فقد سمعه، وإذا قال: سمع عمرو جابرًا، فلم يسمعه ابن عيينة من عمرو(3). وفيما سبقت حكايته من كلام أئمة الحديث من أهل القرن الثالث فما قبله دلالة كافية على عنايتهم بنقد روايات المدلّسين وبيانهم لحالها. د-ِّالإرسال:ِّ مأخذ المرسَل اللغوي أقرب ما قيل فيه: أنه مأخوذ من الإطلاق وعدم المنع. قال العلائي رحمه الله تعالى: «أمّا المرسَل فأصله من قولهم: أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه، كما في قوله تعالى: (ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ) [83]»(4). (1) معرفة السنن والآثار، (ص 151-152.) (2) المصدر نفسه (3) المصدر نفسه (4) جامع التحصيل، (ص 14.)
عدد الصفحات ١٠٠المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 101 أمّا تعريفه في اصطلاح المحدّثين فيقول الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى: «النوع الثامن من هذا العلم معرفة المراسيل... فإن مشايخ الحديث يختلفوا أن الحديث المرسَ ل هو الذي يرويه المحدِّ ث بأسانيد متصلة إلى التابعي فيقول التابعي: قال رسول الله »(1). وقال ابنعبد البرّ رحمه الله: «فأمّا المرسَل فإن هذا الاسم أوقعوه بإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبّ ، مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن الخيار أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف أو عبد الله بن عامر بن ربيعة ومن كان مثلهم: قال رسول الله .وكذلك من دون هؤلاء مثل سعيد بن المسيّ ب وسالم بن عبد الله و أبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد، ومن كان مثلهم. وكذلك علقمة بن قيس ومسروق بن الأجدع والحسن وابن سيرين والشعب وسعيد بن جبير ومن كان مثلهم من سائر التابعين الذين صحّ لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم، فهذا هو المرسل عند أهل العلم. ومثله أيضا مما يجر ي مجراه عند بعض أهل العلم مرسَ ل مَ ن دون هؤلاء مثل حديث ابن شهاب وقتادة و أبي حازم ويُيى بن سعيد عن النبّ يسمونه مرسلا كمرسل كبار التابعين»(2). وقال الخطيب البغدادي«لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّ س هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه، نحو رواية (1 )معرفة علوم الحديث 167.) (2 )التمهيد1/19-20.)
عدد الصفحات ١٠١ِّ 102 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح سعيد بن المسيّ ب و أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر والحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله ،وبمثابته في غير التابعين نحو رواية ابن جريج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ورواية مالك بن أنس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ،ورواية حمّ اد بن أبي سليمان عن علقمة، فهذه كلها روايات ممّ ن سمّ ينا عمّ ن لم يعاصروه، وأمّ ا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه فمثاله رواية الحجّ اج بن أرط أة وسفيان الثوري وشعبة عن الزهري وما كان نحو ذلك مما لم نذكره ، والحكم في الجميع عندنً واحد»(1). حدّ الحاكم وابنعبد البر المرسَل بما أضافه التابعي إلى النبّ إلا أن الحاكم أطلق ذلك في التابعين كلّهم وذكر ابن عبد البر خلافًا في صغار التابعين، وهما ينسبان ذلك لأئمّة الحديث. وقال الحافظ العلائي -بعد حكاية كلامهما السابق -« :وحاصل كلام الحاكم وابن عبد البرّ نقلاً عن أئمة الحديث اختصاص المرسَ ل بما رواه التابعي عن النبّ لكنه في التابعي الكبير متـّ فَ ق عليه، وفي التابعي الصغير مختلَ ف فيه هل هو مرسل أم لا؟»(2). وذكر الحافظ ابن حجر أن ما جاء في كلام الحاكم من الإطلاق وعدم (1 )الكفاية546.) (2 )جامع التحصيل19-21.)
عدد الصفحات ١٠٢المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 103 التقييد بمرسَل كبار التابعين هو الذي عليه جمهور المحدّثين. قال: ولم أرَ تقييده بالكبير صريًُا عن أحد ، لكن نقله ابن عبد البرّ عن قوم، بخلاف ما يوهمه كلام المصنّف(1). نعم قيّ د الشافعي المرسَ ل الذي يقبل إذا اعتضد بأن يكون من رواية التابعي الكبير، ولا يلزم من ذلك أنه لا يسمى ما رواه التابعي الصغير مرسلاً . والشافعي مصرِّ ح بتسمية رواية من دون كبار التابعين مرسلة وذلك في قوله: «ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل مَ ن دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة »(2). وحاصل ما سبق أن ما جاء في تعريف الحاكم للمرسل من إطلاق المر سَل على كل ما رفعه التابعي دون تقييده بكبار التابعين، هو الراجح لأنه لم يحنسَب التقييد بكبار التابعين لأحد من المحدِّثين، وذكر ابن حجر -وهو من أهل الاستقراء - أنه لم يرَ تصريًُا لأحد بذلك. قلتح: بل في كلام كثير من المحدّثين العكس من ذلك وهو التوسّع في إطلاق المرسَل على الانقطاع فيمن دون التابعي كما سبق في تعريف الخطيب البغدادي. وقال العلائي -وهو بصدد ذكر ما ورد من تعريفات المرسل -« :رابعها (1) يعني ابن الصلاح (2 )النكت2/544.)
عدد الصفحات ١٠٣ِّ 104 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح أن المرسَل ما سقط من سنده رجل واحد سواء كان المرسِل له تابعيًّا أو مَن بعده، وهو ظاهر كلام الإمام الشافعي، واختيار الخط يب... وعليه يدلّ كلام أبي حاتم الرازي وابنه عبد الرحمن، وغيرهما من أئمة الحديث عند كلامهم في المراسيل »(1). وقد حكى الحافظ ابن حجر عنأبي الحسن القطّان قوله: «المرسَل أن يروي بعض التابعين عن النبّ خبرًا أو يروي رجل عمّن لم يرَه»ثم عقب عليه بقوله: وهذا اختيار أبي داود في مراسيله والخطيب وجماعة (2). وحكى السَّخاوي (3) عنأبي زرعة و أبي حاتم والبخاري و أبي داود والترمذي والدارقطني والبيهقي أنهم أطلقوا المرسل على المنقطع. وقد روى البخاريّ في صحيحه في فضل سورة الإخلاص، من طريق إبراهيم النخعي والضّحّاك المشرقي، كلاهما عن أبي سعيد الخدري ، ثم قال البخاري: «عن إبراهيم مرسَل ، وعن الضّحّاك المشرقي مسنَد»(4). قال الحافظ ابن حجر-تعليقًا على ذلك-« :المراد أن رواية إبراهيم النخعي عن أبي سعيد منقطعة، ورواية الضحّ اك عنه متصلة... ويؤخذ من هذا الكلام أن البخاري كان يطلق على المنقطع لفظ المرسَ ل، وعلى المتصل (1) جامع التحصيل24-25.) (2) النكت2/544.) (3) فتح المغيث1/242-243.) (4) صحيح البخاري مع الفتح 9/59.)
عدد الصفحات ١٠٤المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 105 لفظ المسنَ د»(1). وكذلك أطلق الإمام الترمذي الإرسال على الانقطاع وذلك في قوله «وروى هذا الحديث عوف وهشام بن حسّان عن ابن سيرين عن حكيم بن حزام عن النبّ . وهذا حديث مرسَل ؛ إنما رواه ابن سيرين عن أيوب عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام »(2) . فنراه هنا أطلق على الرواية الأولى لفظ الإرسال لسقوط راويين ب حكيم وابن سيرين، هما: أيوب السختياني، ويوسف بن ماهك، كما ظهر ذلك في الرواية الثانية. وحاصل ما سبق أن المشهور في تعريف المحدِّثين للمرسَل هو: ما أضافه التابعي إلى النبّ ،دون تقييده بالكبير. أمّ ا من حيث استعمال لفظة المرسَل فيطلقها كثير منهم على الانقطاع، وهو ما جرى عليه عمل أبي داود في كتابه "المراسيل". وقال السخاوي -عقب حكاية ذلك عن جمع من المحدِّثين، كما سبق -« :وهو الذي مشى عليه أبو داود في مراسيله، في آخَرين»(3). وما سبقت حكايته عن المحدِّثين في تعريف المرسَل وتوسّعهم في إطلاقه يدلّ على عنايتهم بالمرسَل، وكثرة دورانه في نقدهم، ويزداد المرء يقينًا بتلك (1) فتح الباري ( 9/60.) (2 )سنن الترمذي3/527.) (3 )فتح المغيث1/243.)
عدد الصفحات ١٠٥