المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج المحدثين في النقد دراسة تأصيلية

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ٥ من ١٢

ِّ 74 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح فهذا لا يحترك حديثه؛ وآخَر يهم والغالب على حديثه الوَهَمح، فهذا يحترك حديثه»(1). وروى بسنده عن ابن المبارك أنه قال «يحكتبح الحديثح إلا عن أربعة غلاّط لا يرجع، وكذّاب، وصاحب بدعة وهوى يدعو إلى بدعته، ورجل لا يُفظ فيحدّث من حفظه»(2). وروى بسنده عن الشافعي أنه قال «من كثر غلطه من المحدّث ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يحقيل حديثه»(3). وقال الترمذي«والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرحبّ رجل -وإن كان صالحا- لا يقيم الشهادة ولا يُفظها. فكل من كان متـّهَمًا في الحديث بالكذب أو كان مغفَّلاً يخطئ الكثير فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة ألاّ يحشتغل بالرواية عنه... وقد تكلّم بعض أهل الحديث في قوم من جِلّة أهل العلم وضعّفوهم من قِبَل حفظهم... »(4). وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي أسامة قال: «إن الرجل يكون صالحًا ويكون كذّاباً »قال ابنأبي حاتم: «يعني: يُدّث بما لا يُفظ»(5). (1) المصدر نفسه، (ص: 227.) (2 )الكفاية، (ص227.) (3 )المصدر نفسه (4 )كتاب العلل مع السنن،5/743-744.) (5 )الجرح والتعديل 2/33)، شرح علل الترمذي 1/388.)

عدد الصفحات ٧٤

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 75 وقال الجوزجاني: سمعت أبا قحدامة يقول: سمعت يُيى بن سعيد يقول: «رحبّ رجل صالح لو لم يُدّث لكان خيرًا له؛ إنمّا هو أمانة ، تأدية الأمانة الذهب والفضّة أيسر منه في الحديث»(1). وروى عمرو بن محمد الناقد عن وكيع أنه ذحكر له حديث يرويه وهب بن إسماعيل فقال: «ذاك رجل صالح ، وللحديث رجال»(2). قال الحافظابن رجب: وهؤلاء المشتغلون بالت عبد الذين يحترك حديثهم على قسمين: منهم من شغلته العبادة عن الحفظ فكثر الوهَم في حديثه، فرفع الموقوف، ووصل المرسَل... ومنهم من كان يتعمّد الوضع ويتعبد بذلك(3). 3-ِّثينِّبالسماعِّولقاءِّالشيوخ عنايةِّالمحدِّ ومما يتصل بمجال نقد الرواة -إضافة إلى مراعاة العدالة والضبط - النظر في إمكان سماع الرواة من شيوخهم، والتقائهم بهم، ثم النظر في كيفية أخذهم عمّن لقوهم وسمعوا منهم، ومدى ضبطهم لحديث شيوخهم وتفاوتهم في ذلك. وتأصيلاً لهذين الأمرين -أعني عناية المحدّثين بلقاء الرواة لشيوخهم وسماعهم منهم، والنظر في مدى ضبطهم لحديث شيوخهم ومقدار تفاوتهم (1) شرح علل الترمذي 1/388.) (2) المصدر نفسه (3 )شرح علل الترمذي 1/389-390.)

عدد الصفحات ٧٥

ِّ 76 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح فيه- أسوق بعض كلام النـُّقّاد في ذلك: الأمرِّالأول-ِّلقاءِّالرواةِّلشيوخهمِّوسماعهمِّمنهم:ِّ لقد اعتنى النـُّقّاد بمعرفة لقاء الرواة للشيوخ الذين رووا عنهم، والتحقّقِ من سماعهم منهم، وإحصاءِ القدر المسموع لهم. وأقوالهح م الدّالّة على هذا المعنى كثيرة تتعذّر الإحاطة بها، لكن نمثّل لها بما يلي: يقول ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال علي بن المديني: «الحسن لم يسمع من ابن عبّاس، وما رآه قط؛ كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة »(1). وقال ابن أبي حاتم: سم عت أبا زرعة يقول: «الحسن لم يرَ أبا موسى الأشعري أصلاً؛ يدخل بينهما أسيد بن المتشمّس»(2). وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: «سعيد بن المسيب، عن عمر  مرسل ؛ يدخل في المسند على المجاز»(3). وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: «أيّوب بن أبي تميمة رأى أنس بن مالك ولم يسمع منه، وهو مثل الأعمش»(4). (1 )المراسيل، (ص 33.) (2 )اصدر نفسه، (ص: 37.) (3 )المصدر نفسه، (ص71.) (4 )المصدر نفسه، (ص14.)

عدد الصفحات ٧٦

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 77 وقال أيضًا: سمعتأبي يقول: «أيوب السختياني لم يروِ عن أبي حمزة شيئًا، وإنما يروي عن أبي جمرة الضبعي »(1). وروى ابنأبي حاتم بسنده عن علي بن المديني قال: «سمعت يُيى بن سعيد قال: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء. قلت ليحيى: عحدَّها. قال: «قول علي« :القضاة ثلاثة»، وحديث «لا صلاة بعد العصر»، وحديث يونس بن متىّ »(2). وبسنده عن يُيى القطان قال: قال شعبة«أحاديث الحَكَم عن مجاهد كتاب إلا ما قال: سمعتح »(3). وبسنده عن يُيى القطان قال: قال شعبة«الشعب عنعليّ، وعطاء -يعني ابن أبي رباح - عن عليّ، إنما هي من كتاب »(4). وبسنده السابق عن يُيى القطان قال: قال شعبة«أحاديث الحَكَم، عن مِقسَم كتاب إلا خمسة أحاديث. قلت ليحيى: عدّها شعبة؟ قال: نعم: حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزمة الطلاق، وحديث جزاء مثل ما قتل من النعم، والرجل يأتي امرأته وهي حائض »(5). (1 )المصدر نفسه (2) المراسيل، (ص 171)، مقدمة الجرح والتعديل، (ص 127.) (3) مقدمة الجرح والتعديل، (ص 129-130.) (4) المصدر نفسه، (ص130.) (5) المصدر نفسه

عدد الصفحات ٧٧

ِّ 78 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وبسنده السابق عن شعبة قال: «قد أدرك أبو العاليةَ رفيع عليَّ بن أبي طالب ولم يسمع منه شيئًا»(1). الأمرِّالثاني-ِّمدىِّضبطِّالرواةِّلحديثِّشيوخهمِّوتفاوتهمِّفيِّذلك:ِّ ثمّ إنّ النـُّقّاد لم يكتفوا بمعرفة لقاء الرواة لشيوخهم والتحقّقِ من سماعهم منهم، بل اعتنوا أيضًا بمعرفة ضبطهم لحديث شيوخهم وإتقانهم له، وبمعرفة التفاوت بينهم في ذلك الضبط والإتقان. ومن أقوالهم الدّالّة على ذلك ما يلي: روى ابن أبي حاتم بسنده عن سفيان بن عيينة قال: «كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن »(2). وروى بسنده عن ابن عيينة قال«ومن كان أطلبَ لحديث نًفع وأعلمَ به من أيوب السختياني؟»(3). وبسنده عن ابن المديني قال «ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة»(4). وقال ابنأبي حاتم: سمعت أبي يقول: «أثبت أصحاب الزه ري مالك (1) المصدر نفسه، (ص131.) (2) المصدر نفسه، (ص45.) (3) المصدر نفسه، (ص41.) (4) المصدر نفسه، (ص52.)

عدد الصفحات ٧٨

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 79 وابن عيينة، وكان ابن عيينة أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة»(1). وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: «أثبت أصحاب أبي إسحاقَ الثوريُّ وشعبة وإسرائيل، ومن بينهم الثوريُّ أحب إليّ »(2). وقالعبد الله بن أحمد: قال أبي: «أصحّ الناس حديثًا عن سعيد المَ قبرحي ليثح بن سعد، و عبيد الله بن عمر يقدّ م في سعيد» وقالعبد الله بن أحمد أيضًا: قال أبي: بلغني عن يُيى بن سعيد قال: «لم يقف ابن عجلان على حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ، فترك أباه، فكان يقول: سعيد المقبري عن أبي هريرة . وأصح الناس حديثاً عن سعيد المقبري ليث بن سعد؛ يفصل ما روى عن أبي هريرة، وما عن أبيه عن أبي هريرة ؛ هو ثبت في حديثه جداً »(3). وقالأبو زرعة الدمشقي: «سألت أحمد عن أصحاب بن أبي كثير فقال: هشام. قلت: ثم من؟ قال: أبان. قلت: ثم من؟ فذكر آخر. قلت: فالأوزاعي؟ قال: الأوزاعي إمام »حكاه ابن رجب ثم قال: «وذكر أحمد رواية غير واحد من أصحابه أن الأوزاعي كان لا يقيم حديث يُيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده في كتاب، إنما كان يُدّث من حفظه ويهم فيه»(4). (1) المصدر نفسه، (ص52.) (2) المصدر نفسه، (ص44.) (3) المصدر نفسه2/670.) (4) المصدر نفسه2/677.)

عدد الصفحات ٧٩

ِّ 80 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وقال يعقوب بن سفيان: قال ابن المديني: «أصحاب الحسن: حفص المنقري، ثم قتادة، وحفص فوقه، ثم قت ادة بعده، ويونس، وزياد الأعلم. وكان حفص في الحسن مثل ابن جريج في عطاء؛ وبعد هؤلاء أشعث بن عبد الملك، ويزيد بن إبراهيم، وقرة طبقة؛ و أبو الأشهب، وجرير بن حازم طبقة؛ و أبو حرة، وهشام بن حسان في الحسن طبقة؛ وسلام بن مسكين، والسري بن يُيى طبقة؛ و أبو هلال فوق مبارك، ومبارك أحب إلىّ من الربيع -يعني ابن صبيح-»(1). وقال أحمد«ما في أصحاب الحسن أثبتح من يونس ولا أسندح عن الحسن من قتادة»(2). ويدخل في هذا الباب تقسيم النـُّقّاد أصحاب الشيوخ المكثرين إ طبقات ومراتب تحرجَّح رواية كل طبقة على التي تليها عند اختلافهم على شيوخهم؛ فقد قسم ابن المديني أصحاب نًفع إلى تسع طبقات: الطبقة الأولى- أيوب و عبيد الله بن عمر ومالك وعمر بن نًفع؛ قال: فهؤلاء أثبت أصحاب نًفع، وأثبتهم عندي أيوب (3). (1) المصدر نفسه2/686.) (2) المصدر نفسه2/678.) (3 )شرح علل الترمذي 2/615).

عدد الصفحات ٨٠

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 81 وقسمهم النسائي إلى تسع طبقات أيضًا، قال ابن رجب«وخالف ابن المديني في بعض ما ذكره، ووافقه في بعضه...»(1).  (1) المصدر نفسه2/618.)

عدد الصفحات ٨١

ِّ 82 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح المحورِّالثاني-ِّسندِّالحديثِّومتنهِّ 1-ِّأبرزِّالصفاتِّالتيِّيدورِّعليهاِّإعلالِّالسندِّ سند الحديث بمثابة العمود الفقري له، فلا يعدُّ النقّاد الحديث شيئًا إذا لم يكن له سند؛ يقول شعبة بن الحجاج رحمه الله: «كل حديث ليس فيه حدّثنا وأخبرنً فهو مثل الر جل بالفَلاة معه البعير ليس له خطام»(1). وشبّه ابن المبارك رحمه الله سند الحديث بقوائم الدابّة؛ إذ يقول: «بيننا وبين القوم القوائمح »(2) يعني أن الحديث يروج بين أهل العلم إلا بالسند، كما أن الدابّة لا تنهض إلا على قوائمها؛ لكن لا يعني أن مجرد وجود سند للح ديث كاف لقبوله، وإنما مرادهم أنه لا مجال لنقد الحديث ولمعرفة حاله إلا من خلال سنده. ودليل ذلك كثرة الأوصاف التي أطلقها النقاد على الإسناد. وسوف أذكر -فيما يلي- أبرز تلك الصفات التي أطلقها النقّاد على السند، مع بيان معانيها، وذكر شيء من كلامهم عليها. أ-ِّن: َ ع ْ ن َ ع ُ الإسنادِّالمِّ المراد بال ـمحعَنـ عَن: ما يقال فيه: فلان عن فلان عن فلان، كما أفاده ابن عبد البر وابن الصلاح وغيرهما(3). (1 )مقدمة المجروح 1/27.) (2) صحيح مسلم1/16.) (3 )التمهيد1/12)، علوم الحديث، (ص56.)

عدد الصفحات ٨٢

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 83 سبق في كلام الخطيب وابن حجر -في المبحث السابق- أن الـمحعَنـ عَن يدخله المحدّثون في المسند لكونه ظاهرحه الاتصال، لكن لا يعني ذلك أنهم يُكمون بالاتصال بإطلاق ؛ فلهم شروط في قبوله. يقول الحاكم النيسابوري -عند ذكر النوع الحادي عشر من علوم الحديث-« :هذا النوع من هذا العلم هو معرفة الأحاديث المعنعنة، وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل على تورّ ع رواتها عن أنواع التدليس»(1). فااكم في هذا يُكي إجماع المحدّثين على الحكم للمعنعن بالاتصال، ولكن بشرط سلامة الراوي من وصمة التدليس، لكن ابن عبد البر والخطيب البغدادي زادا اشتراط اللقاء. يقول ابن عبد البر: «اعلم-وفقك الله- أني تأمّلت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح المعنعن في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطً ا ثلاثة وهي:  عدالة المحدثين في أحوالهم.  ولقاء بعضهم بعضا مجالسةً ومشاهدةً .  وأن يكونوا بح ر آء من التدليس. وروى بسنده عن وكيع قال: قال شعبة: «فلان ع ن فلان ليس (1 )معرفة علوم الحديث، (ص 188.)

عدد الصفحات ٨٣

ِّ 84 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح بحديث»قال وكيع «وقال سفيان: هو حديث»قال ابنعبد البر: « ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان»(1). قال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يُيى: سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرّق بين «أخ»و «عن»؟ فقال «أدركت العلماء وهم لا يفرّقون بينهما»حكاه ابن رجب وقال: وحمله البيهقي على من لا يحعرَف بالتدليس(2). ثم قال ابن عبد البر: «وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث والمشترطين في تصنيفهم الصحيح قد أجمعوا على ما ذكرت لك، وهو قول مالك وعامة أهل العلم -والحمد لله- إلا أن يكون الرجل معروفا بالتدليس فلا يح قبل حديثه حتى يقول: «حدثنا» أو «سمعت»، فهذا ما لا أعلم فيه أيضا خلافا»(3). وقال الخطيب البغدادي«وأهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدّث: حدثنا فلان عن فلان، صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يح عرف أنه قد أدرك الذي حدّ ث عنه ولقيه وسمع منه ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس»(4). (1) التمهيد1/13.) (2) شرح علل الترمذي 2/588.) (3) التمهيد12-13.) (4) الكفاية، (ص421.)

عدد الصفحات ٨٤

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 85 فهؤلاء العلماء قد حكوا الإجماع على قبول الإسناد المعَنـ عَ ن إذا توافر فيه أمران: أحدهما- ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه والثاني- سلامة الراوي من وصمة التدليس. على أن الإمام مسلمًا قد اكتفى بثبوت المعاصرة، ولم يرَ اشتراط اللقاء، وحكى الإجم اع على ذلك (1). وقد حكى الحافظ ابن رجب قوله ثم تعقّبه بحكاية ما يفيد ذهاب أكثر النقّاد -كالإمام أحمد وابن المديني و أبي حاتم و أبي زرعة والبرديجي - إلى اشتراط ثبوت السماع، ثم قال: فإذا كان هذا هو قول هؤلاء الأئمّ ة الأعلام -وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وص حيحه وسقيمه، مع موافقة البخاري وغيره - فكيف يصحّ لمسلم دعوى الإجماع على خلاف قولهم! بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يح عرف على أحد من نظرائهم، ولا عمّ ن قبلهم ممّ ن هو في درجتهم وحفظهم. ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم -كما سبق- اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، مع إدراكه له. وقد ذكرنً من قبل أن كلام الشافعي إنما يدل على مثل هذا القول (1) صحيح مسلم، المقدمة (1/29.)

عدد الصفحات ٨٥

ِّ 86 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البر عن العلماء؛ فلا يبعد حينئذ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين والفقهاء. ثم تعقّب الإمام مسلمًا في بعض الأمثلة التي استشهد بها لقوله، ثم قال: «ويرد على ما ذكره مسلم أنه يلزمه أن يُكم باتصال كل حديث رواه من ثبتت له رؤية النبّ  .بل هذا أولى، لأن هؤلاء ثبت لهم اللقيّ ، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع . ويلزمه أيضاً الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبّ  وأمكن لقيّ ه له إذا روى عنه شيئاً وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبّ  مرسلاً، وهذا خلاف إجما ع أئمة الحديث. والله تعالى أعلم(1). ومن خلال ما سبقت حكايته عن النقاد من شروط لقبول الإسناد المعنعن، وما ذكر من خلاف مسلم في عدم اشتراط اللقاء، وما تعقبه به ابن رجب من أقوال أعلام النقّاد، كل ذلك يدلّ على أهمّيّة هذا المبحث وأنه كان محلّ عناية النقّاد. ب-ِّن: َّ ن َ ؤ ُ الإسنادِّالمِّ والإسناد الـمح ؤَ نَّن هو: أن يقول الراوي: «أنّ فلانًً قال كذا، أو فعل كذا» وححكي الكلام في هذه الصيغة عن جماعة من كبار النقّاد، منهم الإمام (1 )شرح علل الترمذي 2/587-598.)

عدد الصفحات ٨٦

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 87 مالك، والإمام أحمد، والحافظ يعقوب بن شيبة، والحافظ البرديجي، وغيرهم. وحاصل ما ححكي عنهم: هل تلتحق «أنّ»بـ«عن»فيححكم لها بالاتصال بشروطها السابقة، أو أنها على الانقطاع حتىّ يتبينّ السماع م ن وجه آخر، أو أن هناك تفصيلاً فيها؟ فالمروي عن الإمام مالك أنها مثل «عن»فقد روى الخطيب بسنده عن أبي داود سليمان بن الأشعث عن الإمام أحمد أنه قال: «كان مالك- زعموا - يرى «عن فلان، وأنّ فلانًً»سواءً»(1). وقابل هذا القول ما حكاه ابن عبد البر عن البرديجي. قا ل ابن عبد البر: وقال البرديجي: «أنّ محمولة على الانقطاع حتىّ يتبينّ السماع ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتي ما يدلّ على أنه قد شهده أو سمعه»(2). وأما التفصيل فهو ما جاء عن الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة صاحب المسند المعلّل. فقد روى الخطيب بسنده عن أبي داود سليمان بن الأشعث قال: «سمعت أحمد قيل له: أن رجلاً قال «قال عروة أنّ عائشة قالت يا رسول الله»و «عن عروةعن عائشة» سواء. قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء»(3). (1) الكفاية، (ص575.) (2) التمهيد1/26.) (3) الكفاية، (ص575.)

عدد الصفحات ٨٧

ِّ 88 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح أمّا يعقوب بن شيبة فقد ذكر في مسنده ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمّار قال: «أتيت النب  وهو يصلّي فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام »وجعله مسندًا موصولاً؛ وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية، «أنّ عمّارًا مرّ بالنب  وهو يصلّي»، فجعله مرسَلاً (1). وقد حمل بعض أهل العلم قول الإمام أحمد وصنيع يعقوب بن شيبة على الحكم بالانقطاع مطلقًا بما يتفق مع قول البرديجي. فقد قال ابن الصلاح: «فروينا عن مالك  أنه كان يرى أنه كان يرى «عن فلان» و «أنّ فلانً» سواءً، وعن أحمد بن حنبل  أنهما ليسا سواءً »(2). فقد جعل ابن الصلاح قول الإمام أحمد مقابل قول الإمام مالك بإطلاق دون تقييد كلامه بالمثال الذي سئل عنه، وقد توسّع النووي في ذلك الإطلاق فقال: «قال أحمد بن حنبل وجماعة: لا تلتحق «أنّ»وشبهها بـ «عن»والحكم بانقطاعها، بل يكون منقطعًا حتىّ يتبينّ السماع »(3). وهذا القول الذي نسبه النووي للإمام أحمد ولجماعة هو قول البرديجي الذي حكاه عنه ابن عبد البر -كما سبق - فلا يحسلَّم إطلاق القول عن الإمام أحمد بعدم إلحاق «أنّ»بـ«عن»والحكم بانقطاعها، بل ما ححكي عنه (1) انظر علوم الحديث، لابن الصلاح، (ص58.) (2) المصدر نفسه، (ص57.) (3) التقريب والتيس 1/217.)

عدد الصفحات ٨٨

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 89 مقيَّد بصورة السؤال الذي أجاب عنه. وقد نبّه على ذلك الحافظ العراقي والحافظ ابن حجر رحمهما الله. قال العراقي: «إنما فرّق أحمد بين اللفظن عروة في اللفظ الأوّل لم يسند ذلك إلى عائشة ، ولا أدرك القصةَ، فكانت مرسلة؛ وأما اللفظ الثاني فأسند ذلك إليها بالعنعنة، فكانت متصلةً »(1). وقد ساق الحافظ ابن حجر كلام ابن الصلاح -في جعله كلام أحمد مقابلاً لما ورد عن مالك - ثم قال: «ليس كلام كل منهما على إط لاقه؛ وذلك بينّ من نصّ سؤال كل منهما. أما مالك فإنه سئل عن قول الراوي: «عن فلان أنّه قال كذا»و «أنّ فلانًً قال كذا»، فقال: هما سواء. وهذا واضح وأما أحمد فإنه قيل له: إن رجلا قال: «عن عروة عن عائشة»، و «عن عروة أنّ عائشة  سألت النبّ »،هل هما سواء؟ فقال: «كيف يكونًن سواءً ؟ ليسا سواءً ». فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد»(2). وما حكاه ابن حجر عن الإمام أحمد واضح ، وهو متفق مع كلام العراقي قبله. (1) التبصرة والتذكرة 1/172.) (2) النكت (2/591.)

عدد الصفحات ٨٩