المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج المحدثين في النقد دراسة تأصيلية

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ٤ من ١٢

المبحثِّالثالث-ِّاهِّالتلاميذِّعنِّشيوخهم ِّتلق ٌ النقدِّعلم 57 وكذلك إلى الدارقطني، والبيهقي (1)، ممّن لم يجئ بعدهم مساو لهم ولا مقارب ، رحمة الله عليهم(2). ويلاحَظ أن الحافظ العلائيّ قد وصل سلسلة النقّاد إلى آخر زمن مَن يوصَفون بالمتقدّمين أهلِ القرن الخامس الهجري (عصر الإمام البيهقي)، يقول الحافظ ابن حجر: «وأمّا المتأخّرون وهم من بعد الخمسمائة وهلمّ جرًا...»(3). وقد عدّ الحافظ الذهب أهل القرن الرابع من المتقدّمين. قال الذهب ترجمة الحافظ الإسم اعيلي المتوفىَّ سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة: «وصنّف الصحيح وأشياء كثيرة من جملتها مسند عمر ، هذّبه في مجلّدين، طالعته وعلّقت منه، وابتهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة »(4). (1) أحمد بن الحسين بن علي أبو بكر صاحبح السنن الكبرى والتصانيف الكثيرة الحسنة. قال أبو الحسن عبد الغافر في ذيل تاريخ نيسابور: أبو بكر البيهقي الفقيه الحافظ الدَّيِّنح والورع، واحد زمانه في الحفظ، وفحرد أقرانه في الإتقان والضبط... كتب الحديث وحفظه... جمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث ووجه الجمع بين الأحاديث. حكاه الذهب. تذكرة الحفاظ (3/1132-1135.) (2) النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيحص: 25.) (3) النكت2/586.) (4) تذكرة الحفاظ 3/948.)

عدد الصفحات ٥٧

ِّ 58 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقد،ِّتأليفِّالأِّ مي َ ك َ ستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وكلام الذهب يحفيد دخول علم اء الحديث في القرن الرابع في جملة المتقدّمين(1)، ولا ينافي ما ذكره الحافظ ابن حجر من شمول اصطلاح المتقدّمين لعلماء القرن الخامس. والله أعلم.  (1 )قد يشكل على كلام الذهب هذا قوله في ميزان الاعتلال 1/4« :)ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره، فالحد الفاصل بين ا لمتقدّ م والمتأخر هو رأس سنة ثلثمائة » لكن من تأمّل سياق كلامه في الموضعين تبينّ له أنه لا تعارض بينهما؛ فكلامه هذا في الميزان متوجّه للمتقدِّمين والمتأخِّرين من الرواة، وكلامه في تذكرة الحفّاظ متوجّه للمتقدِّمين والمتأخِّرين من نقّاد المحدّثين.

عدد الصفحات ٥٨

المبحثِّالرابع -ِِّّمجالِّالنقد ِّ ِّ ِّ المبحثِّالرابع-ِِّّمجالِّالنقد

عدد الصفحات ٥٩

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 61 المبحثِّالرابع:ِّمجالِّالنقدِّ المتأمل في كلام النـُّقّاد وكلامِ العلماء الذين رصدوا م سيرة النقد، ودوّنوا كلام النـُّقّاد يجد أن النقد يدور في محورين: أحدهما- الرواة عدالةً وضبطاً، والثاني- المروياّت سنداً ومتناً، ومن أقوالهم الدالة على ذلك ما يلي: يقول الإمام مسلم رحمه الله تعالى في كتابه "التمييز" -وهو من أهم كتب النقد-« :وسألتَ أن أذكر لك في كتابي رواية أحاديث ممّ ا وهم قوم في روايتها فصارت تلك الأحاديث عند أهل العلم في عداد الغلط، والخطأ ببيان شاف، أبينها لك حتى يتضح لك ولغيرك - ممن سبيله طلب العلم سبيلك- غلط من غلط وصواب من أصاب منهم فيها، وسأذكر لك -إن شاء الله- من ذلك ما يرشدك الله، وتهجم على أكثر مما أذكره لك في كتابي وبالله التوفيق»(1). ويقول الحافظ ابن أبي حاتم الرازي رحمه الله في مقدمة كتابة الجرح والتعديل، -وهو من أشهر كتب نقد الرواة -: قال أبو محمد: «فلما لم نجد سبيلا إلى معرفه شيء من معاني كتاب الله، ولا من سنن رسول الله ، إلا من جهة النقل والرواية وجب أن نميّ ز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم، وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم ، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ (1) التمييز170.)

عدد الصفحات ٦١

ِّ 62 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة»(1). وقد أشار الإمام مسلم في كلامه السابق إلى نقد المروياّت، وجاءت الإشارة في كلام ابن أبي حاتم إلى نقد الرواة، والحافظ ابن حبان البستي رحمه الله أثناء كلامه عن مسيرة النقد أشار إلى الأمرين معاً، فهو يذكر أبرز النقاد من كل طبقة ثم يشير إلى ما تلقاه عنهم تلاميذهم من علم النقد، ومن ذلك لمّا ذكر الإمام أحمد ويُيى بن معين وعلي ابن المديني وبعض أقرانه م -وهم أئمة النـُّقّاد- قال: «ثم أخذ عن هؤلاء مسلك الانتقاد في الأخبار، وانتقاء الرجال في الآثار جماعة »...فقوله«الانتقاد في الأخبار وانتقاء الرجال... »، يعني نقد المروياّت، والرواة ومن طالع الكتب المصنَّفة في علوم الحديث وجد مباحثها تدور حول هذين الأمر ين، وسوف نستعرض فيما يلي أبرز تلك المباحث لنقف من خلالها على شيء من كلام النقاد وممارساتهم العلمية في النقد والمدخل المناسب لتلك المباحث -فيما يظهر لي- هو تعريف الحديث الصحيح لأنه يشتمل على الشروط المعتبرة عند المحدثين للحكم بصحة الحديث وهي تتضمن الاحتراز عن الأمور التي يدور عليها الإعلال، ويبرز من خلالها النقد، وتعريف الحديث الصحيح المستوحَى من كلام النـُّقّاد والمعتمد عند علماء المصطلح هو تعريف الحافظ ابن الصلاح يقول فيه: «وأما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل (1) الجرح والتعديل 1/5.)

عدد الصفحات ٦٢

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 63 الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًّا ولا معلَّلاً » ثم قال «وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسَل والمنقطع والمعضل والشاذّ، وما فيه علّة قادحة، وما في راويه جرح، وهذه الأنواع يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى»(1). فقد ضمّن ابن الصلاح تعريف الحديث الصحيح الشروط المعتبرة عند المحدّثين للحكم بصحة الحديث؛ ثم أشار إلى الصفات التي تنافي الصحة، وهي ما يدور عليها كلام النـُّقّاد من العلل الظاهرة أو الخفية. ثم بينّ بعد ذلك أن ما سبق من الشروط التي اشتمل عليها تعريف الحديث الصحيح هي محلّ إجماع من المحدّثين؛ فقال: «فهذا الحديث الذي يُحكَم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث »(2). والشروط التي اشتمل عليها تعريف الصحيح السابق هي: 1- العدالة 2- الضبط 3- اتصال السند 4- انتفاء الشذوذ 5- انتفاء العلة القادحة (1 )علوم الحديث ص10.) (2 )المصدر نفسه

عدد الصفحات ٦٣

ِّ 64 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح فالحكم بالعدالة والضبط أو الحكم بوجود ما يقدح فيهما أو في أحدهما هو نتيجة نقد الرواة وثمرته. و الحكم باتصال السند أو بوجود ما ينافي ذلك، مثل التدليس والإرسال والانقطاع وغيرها ممّا يقدح في الاتصال هو ثمرة نقد السند. والحكم بانتفاء الشذوذ والعلة القادحة أو الحكم بوجود شيء من ذلك في السند أو المن هو ثمرة نقد السند والمن. وسوف نحاول -فيما يلي- التأصيل لهذه الأمور من كلام النق اد، ومن ممارساتهم العملية في النقد: 

عدد الصفحات ٦٤

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 65 المحورِّالأول-ِّأحوالِّالرواةِّعدالةِّوضبطاًِِّّ 1-ِّتعريفِّالعدالةِّ تعريف العدالة: قال الحافظ ابن حجر: هي ملَكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (1). والتقوى: يقول ابن حجر: هي اجتناب الأعمال ا لسيّئة من شرك أو بدعة(2). والمروءة: قال ابن حبان: المروءة عندنً خصلتان: اجتناب ما يكرهه الله والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يُبه الله والمسلمون من الخصال(3). وقال الزنجاني: المروءة يرجع في معرفتها إلى العح رف، فلا تتعلّق بمجرد الثقة. وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلّما تضبط، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان. فكم من بلد جرت عادة أهله مباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعحدَّ خرمًا للمروءة. قال: وفي الجملة: رعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء بالسلف، والاقتداء بهم أمر واجب الرعاية. قال الزركشي: وكأنه يشير بذلك إلى أنه ليس المراد سيرة مطلق الناس، (1) نزهة النظر، (ص 58.) (2) المصدر نفسه (3) روضة العقلاء، (ص232.)

عدد الصفحات ٦٥

ِّ 66 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح بل الذين يقتدى بهم. حكاها السخاوي ثم قال: وهو كذلك (1). وروى ابنأبي حاتم بسنده عن عبادة بن سعيد التجيب أنّ عقبة بن نًفع الفهري أوصى ولده فقال: «يا بَنيَِّ، لا تقبلوا الحديث عن رسول الله  إلاّ عن ثقة»(2). وللدلالة على مراعاة المحدّثين للعدالة أسوق -فيما يلي- بعض أقوالهم وممارساتهم النقدية في ذلك. فقد وردت أقوال وتصرّفات لبعض الصحابة والتابعين تدل على مراعاتهم الاستقامة وعدالة من يريدون أخذ الحديث عنه. فقد روى البيهقي في المدخل، من طرق عن الشعب، عن ابن عمر  أنه قال عن عمر : كان يأمرنً أن لا نأخذ إلا عن ثقة »(3). وروى الخطيب بسنده عن ابن عباس أنه قال«لا تكتبوا العلم إ عمّن تجوز شهادته»(4). وروى ابنأبي حاتم بسنده عن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: «كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن الرجل نظروا إلى صلاته وإلى هيئته وس ن ته»(5). (1) فتح المغيث2/160.) (2) الجرح والتعديل 2/28-29.) (3) حكاه السيوطي في تدريب الراوي 1/268.) (4) الكفاية، (ص158-159.) (5) الجرح والتعديل 2/29.)

عدد الصفحات ٦٦

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 67 وروى مسلم بسنده عن ابن سيرين رحمه الله أنّه قال: «إن هذا العلم دِين ؛ فانظروا عمّن تأخذون دِينكم»(1). وروى الخطيب بسنده عن الإمام مالك أنه كان يقول «لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممّن سوى ذلك: لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس؛ ولا تأخذ من كذّاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرّبت ذلك عليه وإن كان لا يتّهم أن يكذب على رسول الله ؛ ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يُدث.»..(2). وروى بسنده عن شاذان قال: سمعت الحسن بن صالح يقول: «كنّا إذا أردنً أن نك تب عن الرجل سألنا عنه حتىّ يحقال: أتريدون أن تزوّجوه؟ »(3). وروى الخطيب بسنده عن قتادة قال «لا يُمل هذا الحديث عن صالح عن طالح، ولا عن طالح عن صالح، حتىّ يكون صالح عن صالح »(4). وأقوال السلف من الصحابة فمن بعدهم في مراعاة عدالة من يؤخذ عنه حديث رسول الله  كثيرة ، يطول المقام بذكرها، وقد اتخذ المحدّثون ذلك منهجًا لهم أجمعوا على الأخذ به في كل من يأخذون عنه حديث رسول الله (1) صحيح مسلم، المقدمة، (ص14.) (2 )الكفاية، (ص189.) (3) المرجع نفسه ، (ص: 155.) (4) المرجع نفسه ، (ص: 56.)

عدد الصفحات ٦٧

ِّ 68 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح ؛ يقول الخطيب البغدادي«أجمع أهل العلم على أنه لا يحقبَل إ خبر العدل، كما أنه لا تحقبَل إلا شهادة العدل. ولما ثبت ذلك وجب متى لم تحعرف عدالةح المخبرِ والشاهد أن يحسأل عنهما أو يستخبر عن أحوالهما أهل المعرفة بهما؛ إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفًا في تزكيتهما فدلّ على أنه لا بدّ منه »(1). وقال الحافظ ابن الصلاح«أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يحشترط فيمن يُحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطًا لما يرويه »(2). أ-ِّروايةِّمجهولِّالعدالة:ِّ وبناءً على ما سبق من اشتراط المحدّثين العدالة فيمن يروي حديث رسول الله ، ردّوا رواية من جحهلت عدالته يقول ابن رجب: «ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصحّ ولا يُحتجّ به »(3). وقال الذُّهلي«لا يجوز الاحتجاج إلاّ بالحديث المحوصَل غير المنقطع الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح »(4). (1 )الكفاية، ص78.) (2 )علوم الحديث، (ص94.) (3 )شرح علل الترمذي 1/347.) (4 )الكفاية56.)

عدد الصفحات ٦٨

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 69 وقال البيهقي«لا يجوز قبول خبر المجهولين حتى يحعلَم من أحوالهم ما يوجب قبول أخبارهم »(1). وقال ابن الصلاح-بعد أن ذكر مجهول الحال-: «وروايته غير مقبولة عند الجماهير»(2). ب-ِّروايةِّمجروحِّالعدالة:ِّ وردّ المحدّثون كذلك من تعرّض لجرح يقدح في عدالته وإن كان ممّن وحصف بالحفظ؛ وممّن ردّوا من أجل ذلك روايتَه الشاذَكحونيُّ سليمان بن داود؛ فقد وصفه الذهب بالحافظ، ثم حكى قول الإمام أحمد: «جالس الشاذَكحوني حمّاد بن زيد وبشر بن المفضَّل ويزيد بن زريع فما نفعه الله بواحد منهم»(3) . وقال العجليرجل سوء ما جن(4). وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي ليس بثقة(5). وحذّر الإمام مالك من إبراهيم بن أبي يُيى من أجل الطعن في عدالته. فقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن ب شر بن عمر قال : نهاني مالك عن إبراهيم بن أبي يُيى، قلت من أجل القدر تنهاني عنه؟ قال ليس هو في دينه (1) المدخل93.) (2) علوم الحديث، (ص94.) (3) الميزان 2/205.) (4) اللسان3/87.) (5) ايزان ( 2/205.)

عدد الصفحات ٦٩

ِّ 70 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح بذلك(1). وردّوا من أجل العدالة روايةَ ابن عحقدة أحمد بن محمد بن سعيد وقد وصفوه بالحفظ. يقول الحاكم: سمعت أبا علي يقول: ما رأيت أحفظ لحديث الكوفيين من ابن عحقدة وقد طعنوا في عدالته (2). وقال ابن عدي: كان ابن عحقدة صاحب معرفة وحفظ متقدّمًا في هذه الصناعة إلا أني رأيت مشايخ بغداد يسيئون الثناء عليه. وسأل السلميُّ الدارقطنيَّ عنه فقال: حافظ محدّث ولم يكن في الدين بقوي، لا أزيد فيه على هذا. وإذا كان هذان الحافظان الشاذَكوني وابن عقدة قد طحعن فيهما لأجل العدالة ولم يشفع لهما حفظهما فغيرهما من باب أَولى أن يحردّ حديثه. ج-ِّروايةِّالمبتدِع:ِّ البدعة -كما عرّفها الشاطب رحمه الله-: هي طريقة في الدِّين مخترَعة تضاهي الشرعية، يحقصد بالسلوك عليها ما يح قصد بالطريقة الشرعية (3). وقد طعن المحدّثون في بعض الرواة بالبدعة، واعتبروا ذلك مؤثـّرًا عدالتهم، لكن وقع اختلاف بينهم في القدر المؤثّر في ردّ رواية المبتدع، هل تردّ بمجرّد صدق وصف الابتداع عليه أو لا بدّ أن يحعرَف بالدعوة إلى بدعته؟ وقد (1) مقدمةالجرح والتعديل (1/19.) (2 )تذكرة الحفاظ 3/839.) (3 )الاعتصام1/37.)

عدد الصفحات ٧٠

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 71 نحسب القولح الأول لبعض السلف؛ فقد روى ال ترمذي بسنده عن الإمام محمد بن سيرين أنه كان يقول: «كان الناس في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد حتىّ وقعت الفتنة، فلمّا وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد كي يأخذوا حديث أهل السنّة ويدعوا حديث أهل البدَع»(1). وعزا الخطيب هذا الرأي للإمام مالك أيضًا (2). وعزاه اب ن رجب لابن عيينة والحميدي ويونس بن أبي إسحاق وعليّ بن حرب وغيرهم (3). وروى ابنأبي حاتم بسنده عن الحسن أنه قال: «لا تسمعوا من أهل الأهواء»(4). وعزا الخطيب القول الثا -ردّ رواية المبتدع إذا كان داعية لبدعته- إلى أكثر المحدّثين، وأسنده إلى بعض النقّاد؛ فقد روى بسنده عن محمد بن أبان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: «من رأى رأياً ولم يدعح إليه احتحمل، ومن رأى رأياً ودعَا إليه فقد استحق الترك» وروى بسنده عن نعيم بن حماد قال: سمعت ابن المبارك وقيل له: تركت عمرو بن عبيد وتحدّث عن هشام الدّ ستوائي وسعيد وفلان، و هم كانوا في (1 )كتاب العلل الصغ ، مع الجامع ( 5/740)، وقد تقدم بمعناه في المبحث الأول، في الصفحة (31.) (2 )الكفاية، (ص194.) (3 )شرح علل الترمذي 1/356.) (4 )المصدر نفسه1/356.)

عدد الصفحات ٧١

ِّ 72 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح عداده؟ قال: إن عمرًا كان يدعو. وروى بسنده عن عباس بن محمد قال: سمعت يُيى بن معين يقول: ما كتبت عن عبّاد بن صهيب، وقد سمع عبّاد من أبي بكر بن نًفع، و أبو بكر قديم يروي عن مالك بن أنس، قلت ليحيى: هكذا تقول في كل داعية (لا يحكتَب حديثه إن كان قدرياًّ أو رافضيًّا أو كان غير ذلك من أهل الأهواء ممّن هو داعية)؟ قال: لا يحكتَب عنهم إلاّ أن يكونوا ممّن يحظنّ بهم ذلك ولا يدعون إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممّن يرى القدَر ولا يدعوا إليه. وروى بسنده عن محمد بن عبد العزيز الأبيوردي قال: سألت أحمد بن حنبل: أيح كتب عن المرجئ والقدَري؟ قال: نعم يحكتب عنه إذا لم يكن داعيًا(1). أمّا قبول رواية المبتدعة بإطلاق فلم ينسبه الخطيب لأحد من المحدّث المعروفين، وإنما نسبه لجماعة من أهل النقل والمتكلّمين(2). وكأنّ الخطيب لا يرى لتسميتهم أثرًا في الخلاف. والله أعلم 2-ِّمراعثينِّلضبطِّالراوي: اةِّالمحدِّ سبقت الإشارة إلى أن المحدّثين يجعلون ضبط الراوي شرطًا لصحة (1 )الكفاية203-205.) (2 )المصدر نفسه194.)

عدد الصفحات ٧٢

المبحثِّالرابع-ِّمجالِّالنقد 73 حديثه؛ فقد ضمّنه ابن الصلاح تعريفه للحديث الصحيح، وحكى(1) عن المحدّثين العمل بقتضاه من دون خلاف بينهم في ذلك، ثمّ أكّد ذلك بحكاية إجماعهم على اشتراطه فقال: «أجمع جماهير أئ مة الحديث والفقه على أنه يحشترط فيمن يُحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطًا لما يرويه... »(2). والضابط قد عرّفه ابن الصلاح بقوله: متيقّظًا غير مغفَّل، حافظًا إن حدّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدّث من كتابه، وإن كان يُدّث بالمعنى اشترحِط فيه مع ذلك أن يكون عالمً ا بما يُيل المعاني(3). ومن أجل التأصيل لذلك سوف أذكر بعض أقوال النقّاد الدّالة على اشتراط ضبط الراوي. فقد روى الخطيب بسنده عن الإمام مالك أنه كان يقول: لقد أدركت بهذا البلد -يعني المدينة - مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة يُدّثون، ما سمعت من واحد منهم حديثًا واحدًا قط. قيل: ولمَِ -يا أبا عبد الله-؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يُدّثون»(4). وروى بسنده عنعبد الرحمن بن مهدي أنه قال: «الناس ثلاثة : رجل حافظ متقن ، فهذا لا يخحتلَف فيه؛ وآخَر يهم والغالب على حديثه الصحةح، (1 )سبق ذكره في الصفحة 55.) (2) علوم الحديث، (ص94.) (3) المصدر نفسه (4) الكفاية، (ص189)، وقد تقدم عنه نحو ذلك في المبحث الأول،في الصفحة (31.)

عدد الصفحات ٧٣