المبحثِّال لأو-ِّا ً ِّواصطلاح ً تعريفِّالنقدِّلغة 21 النقد عند المحدّثين"، إذ يقول فيه«النقد عند المحدّثين يمكن تعريفه بأنّه تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، والحكم على الرواة توثيقًا وتجريًُا»(1). وهذا التعريف كما ترى لم يشتمل على شيء من تلك الخطوات ال توافقت عليها عبارات أولئك الأئمّة، ولم يميّز منهجهم عن غيره؛ فالفقهاء لهم منهج في النقد يرون أنهّم يميّزون من خلاله صحيح الحديث من سقيمه، لكنّ المحدّثين لا يسلّ مون لهم بذلك، ويرون أنّ المنهج الذي يتعينّ سلوكه لنقد الحديث وتمييز صحيحه من سقيمه هو منهج المحدّثين خاصَّةً. يقول الإمام مسلم رحمه الله تعالى في كتابه التمييز: «واعلم رحمك أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأ هل الحديث خاصة»(2). وبناء على ما سبق فيظهر لي أنّ التعريف المناسب لمنهج المحدّث النقد أن يقال: هو: تتب ع طرق الديث ، والتفتيش عن أحوال رواته، والمقارنة بين رواياتهم، وتمييز صحيح ها من سقيمها. فهذا التعريف يتضمّن الخطوات التي يسلكها المحدّثون في نقدهم كما دلّت على ذلك عباراتهم السابقة، ولا يدخل فيه منهج أحد سواهم. والله أعلم. (1) منهج النقد عند المحدّثين (ص5.) (2) التمييز لمسلم (ص218.)
عدد الصفحات ٢١المبحثِّالثاني -ِّنشأةِّالنقدِّوتطوره: ِّ ِّ ِّ المبحثِّالثاني-ِِّّقدِّوتط نشأةِّالنه ُ ر و
عدد الصفحات ٢٣المبحثِّالثاني-ِّره نشأةِّالنقدِّوتطو 25 المبحثِّالثاني-ِِّّ نشأةِّالنِّ قدِّوتطوِّ ُ ره:ِّ لا شك أن التثبّتَ مطلوب من أهل الإيمان في كلّ ما يرِد عليهم من أخبار، كما قال تعالى: (ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ) [6]. وعندما يكون الخبر متعلّقًا بأمر الدِّين فإن التثبّتَ فيه والتحرّيَ يكون أوجبَ وألزمَ. والدِّين إنما نحقل لنا عن رسول الله ، فوجب لذلك التحرّي والتثبّتح في كل ما يحنقَل عنه. وقد جاء في حديثه ما يدعو إلى أخذ الحيطة والحذر عند رواية حديثه : ففي الصحيحين أنّ النبّ قال«من كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النار»(1). وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة ، أنّ النبّ قال«من حدّث عنيّ بحديث يحرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين »(2). وصحابته-رِضوان الله عليهم- الذين هم أدرى وأعرف بك لامه قد (1) صــــــــحيح البخــــــــاري مــــــــع الفــــــــتح، كتــــــــاب الجنــــــــائز، رقــــــــم 1291)، ورواه مســــــــلم في مقدمــــــــة صحيحه، (ص: 10.) (2) صحيح مسلم، المقدمة، (ص: 9.)
عدد الصفحات ٢٥ِّ 26 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح أخذوا جانب الحذر والحيطة في الرواية عنه، كما حرصوا على التثبّت فيما يحنقَل إليهم من حديثه . فقد روى الدارمي بسنده عن أنس أنه قال«لولا أنيّ أخشى أن أخطئ لحدّثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله أو قالها رسول الله ؛ وذلك أنيّ سمعته يقول: «من كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النار»(1). وروى ابن ماجه بسنده عنعبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «قلت لزيد بن أرقم: حدِّثنا عن رسول الله فقال«كبرِنً ونَ سينا، والحديث عن رسول الله شديد»(2). وقد كانوا أشدَّ تحرّياً وتثبـّتًا فيما يحنقل لهم من حديث رس ول الله . فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي من حديث قَبِيصة بن ذحؤَيب قال: «جاءت الجدّة إ أبي بكر الصِّدِّيق تسأله ميراثها، فقال: «ما لكِ كتاب الله تعالى شيء ، وما علمت في سحنّة رسول الله شيئًا، فارجعي حتىّ أسأل النّاس »فقال المغيرة بن شحعبة: حضرتح رسول الله أعطاها السدسَ. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مَسلَمة فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر»(3). (1) سنن الدارمي 1/67.) (2) سنن ابن ماجه، المقدّمة، رقم25.) (3) سنن أبي داود، كتاب الفرائض، رقم 2894)، سنن الترمذي، كتاب الفرائض، رقم 2101.)
عدد الصفحات ٢٦المبحثِّالثاني-ِّره نشأةِّالنقدِّوتطو 27 وجاء في الصحيحين قصة عمر في تثبّته من حديثأبي موسى الأشعري حين حدّثه بحديث الاستئذان ثلاثاً، فقال عمر«لتأتينّني عليه ببيّنة». فقامأبو سعيد الخدري فأخبر عمر أنّ النبّ قال ذلك(1). وكان ذلك الفعل من أبي بكر وعمر للاحتياط في حديث رسول الله من أن يقع التساهل في نقله فقد جاء في رواية في الموطّأ بعد ذكر قصة عمر مع أبي موسى: «فقال عمر لأ بي موسى: أما إني لم أتهّمك، ولكن خشيتح أن يقول الناس على رسول الله .» وقال النووي رحمه الله تعالى: «خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبّ حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافق ونحوهم ما لم يقل، وأن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثًا على النبّ . فأراد سدّ الباب خوفًا من غير أبي موسى، لا شكًّا في رواية أبي موسى؛ فإنه عند عمر أجلّ من أن يظنّ به أن يُدّث عن النبّ ما لم يقل، بل أراد زجر غيره بطريقه؛ فإن مَن دون أبي موسى إذا رأى هذه القصّة أو بلغته وكان في قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضيّة أبي موسى، فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير يقين »(2). (1) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الاستئذان، رقم 6245)، صحيح مسلم، كتاب الاستئذان، رقم( 2153.) (2 )شرح صحيح مسلم 5/14، رقم 132.)
عدد الصفحات ٢٧ِّ 28 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح وقد كان لعمر مواقف غير هذا في الاحتياط لحديث رسول الله ، فمن ذلك ما رواه ابن ماجه بسنده عن قرظة بن كعب قال بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيّ عنا، فمشى معنا إلى موضع يقال له صرار . فقال: أتدرون لمَِ مشيت معكم؟ قال: قلنا لحقّ صحبة رسول الله ولحقّ الأنصار. قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدّثكم به فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم. إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل . فإذا رأوكم مدّ وا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد. فأقلّوا الرواية عن رسول الله ،ثم أنً شريككم »(1). وروى البيهقي في المدخل، من طريق الشعب، عن ابن عمر، عن عمر قال: «كان يأمرنً أن لا نأخذ إلا عن ثقة»(2). وروى ابن سعد من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال: «قال عمر بن الخطاب ل عبد الله بن مسعود ولأ بي الدرداء ولأ بي ذرّ: «ما هذا الحديث عن رسول الله ؟»قال: أحسبه قال: ولم يدعهم يخرجوا من المدينة حتى مات»(3). (1) سنن ابن ماجه، المقدمة12، رقم 28.) (2) حكاه السيوطي في تدريب الراوي 1/268.) (3) الطبقات الكبرى 2/336)، ورواه الإمام أحمد من وجه آخر، عن سعد بن إبراهيم، به، بنحوه. العلل ومعرفة الرجال ( 1/258 رقم 372.)
عدد الصفحات ٢٨المبحثِّالثاني-ِّره نشأةِّالنقدِّوتطو 29 يقولأبو حاتم ابن حبّان رحمه الله -تعليقًا على هذه القصة -« : لم يكن عمر بما قد فعل يتهم الصحابة بالتقوّل على النبّ ، ولا ردّهم عن تبليغ ما سمعوه من رسول الله وقد علم أنه قال«ليبلّغ الشاهد منكم الغائب»(1)، وأنه لا يُل كتمان ما سمعوه من رسول الله ، ولكنه علم ما يكون بعده من التقوّل على رسول الله ؛ لأنه (عليه الصلاة والسلام) قال «إن الله تبارك وتعالى أجرى الحق على لسان عمر وقلبه »(2)، وقال «إن يكن في أحمّتي محدَّثون فعمر منهم »(3)، فعمد إلى الثقات والمتقنين الذين شهدوا الوحيَ والتنزيل فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبّ لِئلاّ يجترئ مَن بعدَ هم ممّن ليس في الإسلام محلُّه كمحلّهم فيكثر الرواية فيزلّ فيها أو يقول (1) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي شريح. صحيح البخاري مع الفتح، باب ليبلغ العلمَ الشاهدح الغائبَ، ( 1 /198، رقم 104)، صحيح مسلم، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها، (2/987، رقم 1354.) (2) أخرجه أبو داود في السنن، باب في تدوين العطاء، (3/100، رقم 2964)، وابن ماجه السنن، فضل عمر ،1/40، رقم 108)، وأحمد في المسند35/429، رقم 21542)، وابن حبان في الصحيح (15/312، رقم 6889)، والحاكم في المستدرك 3/87، رقم 4501 ) -وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة - من طريق محمد بن إسحاق -زاد الحاكم: هشام بن الغاز، وابن عجلان-، عن غضيف بن الحارث، عن أبى ذر ، قال: سمعت رسول الله يقول«إن الله وضع الحقّ على لسان عمر يقول به»وهذا لفظ أبي داود وابن ماجه. وقد صححه الألباني في صحيح الجامع برقم( 1736.) (3) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، صحيح البخاري مع الفتح، باب مناقب عمر بن الخطاب، (7/50، رقم 3486)، وأخرجه مسلم من حديث عائشة، صحيح مسلم، باب من فضائل عمر، (7/115.)
عدد الصفحات ٢٩ِّ 30 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح متعمّدًا لنوال الدنيا»(1). وما توقّعه عمر من الجرأة في الرواية عن النبّ قد وقع بعده حياة بعض الصحابة ، لكن قوبل بمزيد من التثبّت والاحتياط. فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن مجاهد قال: «جاء بش بن كعب العدوي إلى ابن عباس، فجعل يُدّث ويقول: قال رسول الله ، قال رسول الله ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فق ال: يا ابن عباس، ما لي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدّ ثك عن رسول الله ولا تسمع ! فقال ابن عباس: «إنً كنّا مَرّةً إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ، ابتدرته أبصارنً وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناس الصعبَ والذَّلولَ لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف »(2). فقدجاء في هذا النص الإشارة إلى جرأة الناس في الرواية عن رسول الله ، وذلك في قول ابن عبّاس«فلما ركب الناس الصعبَ والذَّلولَ » كما اشتمل النص على بيان الموقف الذي كانوا يقفونه من تلك الجرأة في الرواية، وذلك في قوله: «لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ». ففي هذه العبارة إشارة إلى نقدهم لما نسب إلى رسول الله ، فما عرفوه أخذوه، وما لم يعرفوه أعرضوا عنه. (1 )معرفة المجروح 1/36-37.) (2) صحيح مسلم، المقدمة (1/12-13.)
عدد الصفحات ٣٠المبحثِّالثاني-ِّره نشأةِّالنقدِّوتطو 31 وهذا المنهج كان متـّبـَعًا في أواخر عهد الصحابة وفي عصر التابعين؛ يقول الإمام محمد بن سيرين -رحمه الله تعالى- (ت110هـ«ما كانوا يسألون عن الإسناد. فلمّا وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيحنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويحنظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم»(1). فقوله«ما كانوا يسألون عن الإسناد »، وقوله «قالوا: سمّوا لنا رجالكم »، فيه حكاية عمل جماعة، وليس عمل فرد. وهؤلاء الذين يتحدّث عنهم ابن سيرين هم مَن أدركهم من الصحابة، وربما كان عملهم امتدادًا لعمل من لم يدركهم من الصحابة. ويدخل في ذلك من عاصرهم من التابعين. وقد كان ابن سيرين يحولي هذا المسلك في التثبّت والنقد عنايةً كبيرةً تظهر لمن تأمّل قوله: «إن هذا العلم دِين ؛ فانظروا عمّن تأخذون دينكم»(2). وهذه الكلمةصريُة في التثبّت والنقد، وقد سارت بين أهل العلم في عصره وما بعده مسار الأمثال، واتخذوها منهجًا في نقد الرواة؛ فقد روى ابن أبي أحويس، عن الإمام مالك (ت179هـ) أنه قال«إن هذا العلم دِين ؛ فانظروا عمّن تأخذون دينكم. لقد أدركت سبعين ممن يُدّث قال فلان: قال ر سول الله ، عند هذه الأساطين -وأشار إلى مسجد رسول الله - فما أخذت عنهم شيئً ا، وإن أحدهم لو اؤتمح ن على بيت المال لكان أمينً ا، لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن. وقدِ م علينا ابن شهاب فكنّ ا نزدحم على (1 )المصدر نفسه1/15.) (2 )صحيح مسلم، المقدّمة (ص14.)
عدد الصفحات ٣١ِّ 32 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح بابه»(1). ويقول الحافظ الجوزجاني (ت 256هـ«وليعلم أحدكم أن ه مسؤول عن دينه وعن أخذه حلّه وحرامه، كالذي حدثني أشهل بن حاتم، عن ابن عون، عن محمد -يعني ابن سيرين - قال: «إن هذا العلم دِين ؛ فانظروا عمّن تأخذون دينكم»(2). والحاصل أن منهج التثبّت والنقد قد كان متـّبـَعًا في عصر الصحابة، لكن ازداد نشاطه في أواخر عهدهم، كما جاء في كلام ابن عبّاس السابق، واشتهر وتوسّع في عصر التابعين، كما سبقت الإشارة إليه في كلام ابن سيرين، وسوف أذكر فيما يلي نماذج تؤكّد ذلك. روى العقيلي -واللفظ له- وابن عدي، عن القاسم بن عاصم قال: «قلت لسعيد بن المسيب: ما حديث حدّثناه عنك عطاء الخراساني؟ قال: «ما هو»؟ قلت: في الذي وقع على امرأته في رمضان، قال اعتق رقبةً أو اهدِ بَ دَ نةً . قال: «كذب عطاء. إنما ذلك فلان -وأشار إلى منزله - جاء إلى رسول الله فقال: إني وقعت على امرأتي في رمضان . فقال: «هل عندك تمر»؟ قال: لا. قال: فقال: «اجلس» فجيء بعرق فيه ا عشرون صاعً ا أو نحو منها فقال: «هاك هذا فتصدق به.»..(3). (1 )التمهيد1/67)، الكفاية، (ص159.) (2 )أحوال الرجال ، (ص: 356)، بعد ترجمة إبراهيم بن طهمان رقم (393.) (3 )الضعفاء الكب3/405)، الكامل5/358.)
عدد الصفحات ٣٢المبحثِّالثاني-ِّره نشأةِّالنقدِّوتطو 33 وحكم سعيد بن المسيب على رواية ابن عبّاس لزواج النبّ من ميمونة وهو محرم ، بالوهم؛ فقد روى ابن عدي بسنده عن عطاء، عن ابن عباس «أنّ النبّ تزوّج ميمونة وهو محرم»قال: وقال سعيد بن المسيب: «وهِم ابنح عبّ اس وإن كانت خالتَه، ما تزوجها النبّ إلا بعدما أحلّ»(1). وروى مسلم في مقدمة صحيحه، بسنده عن سعد بن إبراهيم (ت126هـ) أنّه قال«لا يُدّث عن رسول الله إلا الثقات»(2). وروى الخطيب وابنعبد البرَّ بسنديهما عن عروة بن الزبير (ت 94هـ -رحمه الله- أنه قال: «إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به؛ أسمعه عن الرجل لا أثق به قد حدّث به عمّن أثق به، أو أسمعه من الرجل أثق به قد حدّث به عمّن لا أثق به»(3). وروى الخطيب بسنده عن ربيعة بن عبد الرحمن (ت 136هـ) أنه قال «ثلاث من توديع الإسلام: العصبية، والقدرية، والرواية عن غير ثقة »(4). وروى الإمام أحمد بسنده عن سفيان، قال«قلت لمِسعَر: مَن رأيتَ (1) الكامل1/64.) (2) مقدمة صحيح مسلم 1/15)، ورواه الإمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال 2/447، رقم 2986.) (3) الكفاية (ص73)، التمهيد1/38.) (4) الكفاية (ص74-75.)
عدد الصفحات ٣٣ِّ 34 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح أشدَّ إتقانًً للحديث؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن دينار»(1). وروى مسلم في مقدمة صحيحه بسنده عن أبي عقيل صاحب بهية قال: «كنت جالسا ع ند القاسم بن عبيد الله ويُيى بن سعيد، فقال يُيى للقاسم: يا أبا محمد، إنه قبيح على مثلك عظيم أن تح سأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج . فقال له القاسم: وَ عَ مَّ ذاك؟ قال لأنك ابن إمامي هدى ابن أبي بكر وعمر. قال: يقول له القاسم: أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. قال: فسكت فما أجابه»(2). فتلك الأقوال التي سبقت حكايتها تدل على شدّة عناية التابع بالتثبّت في أخذ الحديث، ونقد الرواة ورواياتهم. وهذا الشافعي رحمه الله يُكي إجماعًا أو شبه إجما ع ممّن سبقوه، ويذكر مثالاً لذلك أحدح تلاميذ ابن عبّاس ، فيقول«وما زال أهل الحديث في القديم والحديث يتثبّتون فلا يقبلون الرواية التي يُتجّون بها ويُلّون ويُرّمون بها إلاّ عمّن أمِنوا، وإن يُدّثوا بها هكذا ذكروا أنهم لم يسمعوها من ثبت. وكان عطاء بن أبي رباح يحسأل عن الشيء فيرويه عمّن قب له ويقول: سمعته، وما سمعته من ثبت »(3). ولذلك لم يقع خلاف بين علماء الحديث في وجود النقد في أواخر (1 )العلل ومعرفة الرجال 3/471، رقم 684.) (2) مقدمةصحيح مسلم (1/16.) (3 )الأم (ص104.)
عدد الصفحات ٣٤المبحثِّالثاني-ِّره نشأةِّالنقدِّوتطو 35 عهد الصحابة وعصر التابعين، وإنما وقع الخلاف في تعيين أول مَن بدأ التثبّت والنقد، فذكر الحاكم رحمه الله أن أوّل من فعل ذلك هو أبو بكر الصِّدِّيق ، إذ يقول عنه«أوّل من وقّى الكذب على رسول الله »(1). وتبعه على ذلك الذهبُّ رحمه الله، إذ يقول عن أبي بكر: «هو أول من احتاط في قبول الأخبار»(2). وقال أيضًا «فرأسح الصادقين في الأمّة الصِّدِّيقح، وإليه المنتهى التحرّي في القول والقبول»(3). وذهب ابن حبّان رحمه الله إلى أنّ عمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب هما أوّل من فتّش عن الرجال وتثبّت في الرواية؛ فقد ساق بعض الآثار المروية عن عمر في ذلك، ثم قال: «وتبع عمرَ عليه عليّ بن أبي طالب -رضوان الله عليهم- باستحلاف من يُدّثه عن رسول الله وإن كانوا ثقات مأمونين، ليعلم بهم توقّي الكذب على رسول الله .[ .. قال الأخبار، ثم تبعهم الناسح على ذلك»(4). وذهب ابن رجب رحمه الله إلى أن أوّل من انتقد الرجال هو محمد بن (1 )المدخل، (ص46.) (2 )تذكرة الحفاظ 1/2.) (3 )المصدر السابق1/5.) (4 )المجروح 1/34-38.)
عدد الصفحات ٣٥ِّ 36 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح سيرين (ت110هـ)، وحكى ذلك عن بن معين وعلي بن المديني. يقول ابن رجب: «وابن سيرين هو أول من انتقد الرجال وميّز الثقات من غيرهم. وقد روي من غير وجه أنه قال: «إن هذا العلم دِين ؛ فانظروا عمّن تأخذون دينكم»(1). وفي رواية عنه أنه قال «إن هذا الحديث دِين ، فلينظر الرجل عمّن يأخذ دينه» وقال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: تعرف أحدًا من التابعين كان ينتقي الرجال كما ينتقيهم؟ فقال برأسه: يعني: لا. وقال يعقوب: سمعت علي بن المديني يقول: كان ممّن ينظر في الحديث ويفتّش عن الإسناد، ولا نعرف أحدًا أوّل منه محمد بن سيرين (ت110هـ)، ثم كان أيّوب (ت 131هـ) وابن عون (ت 150هـ)، كان شعبة (ت 160هـ)، ثم كان بن سعيد (ت 198هـ) و عبد الرحمن (ت198هـ»(2). والجمع بين الأقوال السابقة ممكن ؛ فأوّليّة أبي بكر على ظاهرها، وقد كان التثبّت والنقد على نطاق ضيّق ؛ لعدم فشوّ الكذب، ولكون الأكثريّة في زمانهم هحم من صحابة رسول الله . (1 )تقدّم في الصفحة20.) (2 )شرح علل الترمذي 1/355.)
عدد الصفحات ٣٦المبحثِّالثاني-ِّره نشأةِّالنقدِّوتطو 37 وأما بالنسبة لأوّلية عمر وعليّ كما قال ابن حبان فهي محمولة على توسّعهما في ذلك، وشدّة عنايتهما به. وأمّا أوّلية ابن سيرين فهي بالنسبة للتابعين، كما جاء التصريح بذلك في سؤال يعقوب بن شيبة ليحيى بن معين، على أنّ كلام ابن سيرين السابق يدلّ على أنه مسبوق في ذلك؛ فقد جاء فيه «فلمّا وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم »فهو يُكي السؤال عن الإسناد عن غيره ممّن سبقوه أو عاصروه، لكنه اشتهر بذلك أكثر من غيره لشدّة تحرّيه وتنقيره ونقده. والله أعلم.
عدد الصفحات ٣٧المبحثِّالثالث -ِِّّالاهِّالتلاميذِّعنِّشيوخهم ِّتلق ٌ نقدِّعلم ِّ ِّ المبحثِّالثالث-ِِّّاهِّ ِّتلق ٌ النقدِّعلم التلاميذِّعنِّشيوخهم
عدد الصفحات ٣٩