المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

منهج المحدثين في النقد دراسة تأصيلية

حافظ بن محمد الحكمي

صفحة ١ من ١٢

منهـج المحـدمنهـج المحـد ثيـن في الن ثيـن في الن قـدقـد "دراسة تأصيلية""دراسة تأصيلية" ويليهويليه آراء لبعض المعاصرين حول منهج آراء لبعض المعاصرين حول منهج المحد المحد ثين في النقدثين في النقد ""عرضٌ عرضٌ ومناقشةٌ ومناقشةٌ "" كلاهما بقلم: الأستاذ الدكتور حافظ بن محمد الح كح مي كلية الديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوي ة

عدد الصفحات ١



عدد الصفحات ٣

ِّ مقدمةِّ 5 اقدمة ِّ  إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أم ا بعد: فإن علم النقد الذي ابتكره المحدّثون على غير مثال يُحتذى، هو علم كبير القدر، عظيم النفع، دعاهم إليه النصح للدين، والذبّ عن سنة سيد المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه. وقد كانت بدايات هذا العلم بالتثبّت والاحتياط في تحمّل حديث رسول الله  أو روايته، وبعد أن اتسعت رقعة الإسلام انتشرت رواية الحديث ودخل في جملة الرواة من لا يُسن الرواية ، كما تصدّر للرواية بعض أهل الأهواء والبدع، ثم مع تأخر زمن الرواة عن عصر النبوة زاد عدد الوسائط في الأسانيد فزاد احتمال الأخطاء والأوهام في رواياتهم، فلتلك الأمور وغيرها وسّع علماء الحديث دائرة النقد فشمل نقدهم الرواة من حيث العدالة والضبط، ولقاء الشيوخ وا لسماع منهم، ومدى ضبطهم لحديثهم، والتفاوت بينهم في ذلك، وشمل المروياّت سندًا ومتنًا من

عدد الصفحات ٥

ِّ 6 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح حيث الانقطاع والاتصال، والتدليس والإرسال، والتفرّد، والغرابة، والشذوذ والنكارة، وغير ذلك من الصفات المتعلِّقة بالرواة والمروياّت، وقد كانت ممارساتهم للنقد من خلال طرق ووس ائل متعدّدة، فأحيانًً يمارسونه حال المذاكرة التي تجري بينهم، وكثيرًا ما يكون نقدهم جواباً على أسئلة يطرحها عليهم بعض تلاميذهم مثل سؤالات عبد الله بن الإمام أحمد وسؤالات أبي داود وسؤالات البرذعي وغيرهم للإمام أحمد، وسؤالات الترمذي للبخاري، وسؤالات ابن أبي حاتم لأبيه ولأ بي زرعة في كتاب العلل، وغير ذلك كثير. وقد مارس بعض علماء الحديث النقد عن طريق التأليف ومن ذلك كتاب العلل لعلي بن المديني، وكتاب التمييز للإمام م سلم، وكتاب العلل الكبير للترمذي، وكتاب العلل للداراقطني، وغيرها، كما مارس كثير من علماء الحديث النقدَ في مؤلفات لهم جمعوا فيها حديث رسول الله ، ومن تلك المصنفات ما كان على طريقة المسانيد مثل المسند المعلل لعلي بن المديني، والمسند المعلل ليعقوب بن شيبة، ومسند البزار، ومنها ما كان على طريقة الأبواب مثل كتب الجوامع والسنن ومن هذه الكتب ما اشترط فيها أصحابه ا الصحة مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم وصحيح ابن خزيمة وغيرها فأصحاب هذه الكتب لا يدخلون فيها إلا ما نقدوه وتبيّنوا صحته، ومن الكتب المصنَّفة على الأبواب ما لم يشترط فيها أصحابها الصحة مثل سنن أبي داود، وجامع الترمذي وسنن النسائي وغيرها لكن أصحاب هذه الكتب قد نقدوا الأحاديث التي خرّجوها في كتبهم؛ فالترمذي قد بينّ حال أحاديث

عدد الصفحات ٦

ِّ مقدمةِّ 7 كتابه من حيث الصحة أو الحسن أو الغرابة، و أبو داود حكم على بعض أحاديث كتابه وسكت عن البعض الآخر، لكنه نقد المجموع، وعرف حالها؛ فقد جاء في رسالته إلى أهل مكة قوله: «وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لم يصحّ سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح وبعضها أصحّ من بعض »(1)، والنسائي وإن لم يصرح بالحكم على أحاديث كتابه إلا أنه يذكر اختلاف الرواة ويعلل، وفي الجملة فأصحاب الكتب المصنَّفة على الأبواب قد نقدوا الأحاديث التي خرّجوها في كتبهم وعرفوا أحوالها وإن لم يصرح بعضهم بالحكم على كل حديث، لأنهم قصدوا من إيراد تلك الأحاديث الاحتجاج بها، ولا بد لهم من معرفة ما يصلح للاحتجاج وما لا يصلح؛ يقول الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: «كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقًا كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى ومسند أحمد بن حنبل... وأشباهها، فهذه عادتهم أن يخرّجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيّدين بأن يكون حديثًا محتجًّا به؛ فلهذا تأخرت مرتبتها -وإن جلت لجلالة مؤلفيها- عن مرتبة الكتب الخمسة وما التحق بها من الكتب المصنفة على الأبواب، والله أعلم»(2). (1) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه 27.) (2) علوم الحديث34-35.)

عدد الصفحات ٧

ِّ 8 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح ونتيجة لتلك الجهود الكبيرة التي بذلها أولئك الأئمة برز علم النقد وظهرت آثاره في بيان الثابت عن رسول الله  من غيره، وقد أدرك تلك الآثار العظيمة علماءح الحديث وحفّاظه من أهل القرن الرابع وما بعده فبادروا بجمع كلام أولئك الأئمة واستقر أوا ممارساتهم النقدية، واستخرجوا من ذلك كله أصول علم الحديث وقواعده ومصطلحاته، وصنّفوا في ذلك كتبًا عرفت بكتب علوم الحديث، أو كتب مصطلح الحديث، أشهرها كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري، والكفاية في علم الرواية، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السماع، كلاهما للخطيب البغدادي، وكتاب الإلماع للقاضي عياض، وعلوم الحديث لابن الصلاح، والتقييد والإيضاح للعراقي، والنكت على كتاب ابن الص لاح لابن حجر العسقلاني، وفتح المغيث للسخاوي، وتدريب الراوي للسيوطي، وغيرها. وهذه الكتب بمجموعها قد استوعبت أصول علم الحديث، وقواعده، ومصطلحاته؛ فأصحابها هم من الحفاظ المشهود لهم بسعة الاطلاع على كلام أئمة الحديث المتقدمين، والاستقراء التام لممارساتهم النقد ية، وكانوا أعرف بمقاصدهم وبمصطلحاتهم، وقد أصبحت تلك المصنفات حلقة الوصل بين المتقدمين من علماء هذا الفن والمتأخرين منهم، وحصلت الثقة بها وجرى العمل بما حوته من علوم الحديث في مجال النقد وغيره طوال تلك القرون المتعاقبة، وقد ظهرت كتب لبعض المنتسبين لعلم الحديث من المعاصرين فيها ما يتنافى مع ما سبق تقريره؛ فقد ذكر بعض أصحاب تلك المصنفات مقاييس للنقد نسبوها لعلماء الحديث

عدد الصفحات ٨

ِّ مقدمةِّ 9 ولا أصل لها في كتب علوم الحديث، ووصف بعضهم كتب علوم الحديث بأنها قد اختلطت فيها مصطلحات المحدثين بمصطلحات الأصوليين والفقهاء وأن التعاريف التي اشتملت عليها واستقر عليها عمل المتأخرين غير وافية بمدلول اصطلاحات المتقدمين؛ إذ يقول: «ما من شك أن الطابع العام لكتب علوم الحديث التي ظهرت في مرحلة ما بعد الرواية يتمثل في ذكر المصطلحات الحديثية، وتحرير تعاريفها، وتحليل آراء العلماء فيها سواء فيهم المحدثو ن والأصوليون والفقهاء... ولهذا ظهرت التعاريف التي استقر عليها المتأخرون غير وافية لمدلول المصطلحات المتداولة لدى المتقدمين...»(1). وفي موضع آخر يزعم أن المتأخرين -ومنهم أصحاب تلك المصنفات- قد انفصلوا عن المتقدمين من علماء الحديث أصالة وتبعية وأن لهم منهجًا خلاف منهجهم؛ إذ يقول: «وفي ضوء هذه الحقائق العلمية فإننا نستخلص بأن المعنيّين بـ"المتقدمين" هم حفاظ "مرحلة الرواية" وبالخصوص نقادهم، وبـ"المتأخرين" أهل "مرحلة ما بعد الرواية"؛ فإن كلا من هاتين المجموعتين ينفصل عن الأخرى أصالة وتبعية في مجال الحديث وعلومه، فلا ينبغي الخلط بينهما لأنه ظهر بينهما خلاف جوهري، وتباين منهجي... »(2). ولا يخفى ما في هذا الكلام من تزهيد في كتب مصطلح الحديث ال (1) نظرات جديدة في علوم الحديث 19-20.) (2) المصدر السابق16.)

عدد الصفحات ٩

ِّ 10 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح جرى العمل على ما فيها منذ أوائل القرن السابع، وتقليل من شأن علماء الحديث وحفّاظه من أصحاب تلك المصنَّفات وغيرهم ممّن عاصرهم أو جاء بعدهم؛ إذ كيف يحعتمد في معرفة اصطلاح المحدِّثين على كتب اختلط كلامهم فيها بكلام غيرهم من الأصوليين والفقهاء حتى أثر ذلك على التعريفات الواردة فيها؟ وكيف تحصل الثقة بعلم أولئك المتأخرين وهم قد انفصلوا عن علماء الحديث ونقّاده أصالة وتبعية، واستحدثوا لأنفسهم منهجًا مباينًا لمنهجهم؟ لذلك كلّه رأيت أن الحاجة ماسّة لإبراز صلة كتب المصطلح بعلماء الحديث ونقاده المتقدمين، وإثبات أنها ثمرة جهدهم في النقد، وخلاصة بحثهم فيه، حتى يحعلم بذلك أن كل ما اشتملت عليه تلك المصنفات، سواء ما يتعلق بمنهج النقد أو بالمصطلح ات أو التعريفات -واستقر عليه عمل المتأخرين - هو مما كان يجري عليه عمل المتقدمين، وليحعلم كذلك أن كل ما لم يوجد له أصل في تلك المصنفات من مقاييس للنقد أو غيرها يبعد أن يكون له أصل عن المتقدمين. وإبراز صلة تلك الكتب بعلماء الحديث المتقدمين يكون بالتأصيل لأهم أنواع علوم الحديث -الموجودة فيها، وهي مجال النقد - من أقوالهم وممارستهم النقدية بذكر ما يكفي منها للدلالة على أن ما تضمنته تلك الأنواع هو من المشهور عندهم، ومما كان يجري عليه عملهم، وهذا الأمر لا يظهر من تأصيل أصحاب تلك المصنفات لأنهم كانوا يراعون الاختصار، ولم

عدد الصفحات ١٠

ِّ مقدمةِّ 11 يكن في زمنهم ما يوجب ذلك، ثم إن بيان شهرة ما تضمنته تلك الأنواع لدى المتقدمين وأنه مما كان يجري عليه عملهم يظهر شذوذ ما يستند إليه أصحاب تلك الآراء من أقوال ينسبونها للمتقدمين، وأن أصحاب كتب المصطلح إنما تركوها استغناء عنها بالمشهور والراجح، والله أعل م. هذا وقد اقتضت مادة البحث توزيعه على خمسة مباحث: المبحث الأو ل- تعريف النقد لغةً واصطلاحًا المبحث الثاني- نشأة النقد وتطوره. المبحث الثالث- النقد علم تلقاه التلاميذ عن شيوخهم. المبحث الرابع- مجال النقد. المبحث الخامس- منهج النقاد في الحكم على الحديث. وقدّ مت للبحث بمقدمة بيّنت فيها أهمية الموضوع، وسبب الكتابة فيه، وختمته بذكر أهم النتائج التي ت وصّ لت إليها، ثم ذيّلته بثبت المصادر وفهرس الموضوعات. أما المنهج الذي سلكته في إعداد هذا البحث فيتلخص فيما يلي: 1- جمع المادة العلمية من مظانها المتنوعة مثل كتب العلل، وكتب الجرح والتعديل، وكتب علوم الحديث، وغيرها. 2- تم توزيع المادة العلمية على عناوين المباحث تحت كل عنوان ما يتناسب معه منها، وقد يتكرر ذكر أقوال لبعض العلماء في أكثر من موضع للحاجة إلى ذلك.

عدد الصفحات ١١

ِّ 12 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقدِّ مي َ ك َ ،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِّالح 3- جرى التوسع في النقول عن أئمة الحديث المتقدمين، لاسيما المسائل التي يراد التأصيل لها للتأكيد على أن تلك المسائل هي مما كان عليه العمل عندهم. 4- تم توثيق النقول التي تضمنتها مادة البحث من أقوال علماء الحديث وغيرهم بعزوها إلى مصادرها في الهوامش. 5- الأئمة الذين كان لهم الأثر البارز في نشأة علم النقد وتطويره ترجمت لهم بما يبرز مك انتهم العلمية وأثرهم في علم النقد لتعزيز الثقة بعلمهم. 6- تم ضبط ما يُتاج إلى ضبط، والتعريف بالغريب والمشكل، ونحوه هذا، وأسأل الله العليّ القدير أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه، وأن يكتب له القبول إنه سميع قريب مجيب. وسبحان ربِّك ربِّ العزة عما يصفون، وسلام ع لى المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين. 

عدد الصفحات ١٢

ِّ مقدمةِّالطبعةِّالثانية 13 مةِّالطبعةِّالثانية مقدِّ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أم ا بعد: فهذه هي الطبعة الثانية لكتاب «منهج المحد ثين في النقد ، دراسة تأصيلي ة»، أقدّمها للزملاء في الاختصاص، وقد اشتملت على إضافات مهمّة كان من أبرزها تعريفح منهج المحدِّثين في النقد، واستبدالح أمثلةِ المبحث الأخير بمثال واحد ، يبرز من خلاله منهج المحدِّ ثين في جمع طرق الحديث ، وسَ و قِ ها، ودراستِ ها، ودورح الشاهدِ ؛ وثمّةَ إضافات أخرى وتصويبات سوف يقف عليها القارئ الكريم. هذا، وأسأل الله أن يجزي الإخوة الفضلاء خيرًا على ما زوّدوني به من ملحوظات وتصويبات ومقترحات . وأجدّد الدعوة لكل من وقف على ما يستحقّ التنبيه في هذه الطبعة ألاّ يتوانى في التواصل والنصح، شاكرًا للجميع تعاونهم سلفً ا. وصلَّى الله على عبده ورسوله محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

عدد الصفحات ١٣

ل المبحثِّالأو-ِّا ً ِّواصطلاح ً تعريفِّالنقدِّلغة :ِّ ِّ ِّ ل المبحثِّالأو-ِِّّتعريفِّالنقدِّا ً ِّواصطلاح ً لغة

عدد الصفحات ١٥

المبحثِّال لأو-ِّا ً ِّواصطلاح ً تعريفِّالنقدِّلغة 17 ِّ المبحثِّالأول-ِِّّا: ً ِّواصطلاح ً تعريفِّالنقدِّلغةِّ في الصحاح للجوهري (ت: 400هـ): نقَد الدراهمَ وانتقدها: أخرج منها الزَّيف، وبابحه نصَر؛ ونًقدت فلانًً: نًقشته في الأمر. وفي لسان العرب لابن منظور (ت: 711هـ: النّقد والتـَّن قادح : تمييز الدراهم وإخراج الزَّي ف منها. وفي القاموس المحيط للفيروز أبادي (ت: 817هـ: النقد هو التمييز، تقول: نقدت الدراهم، أي: ميّزت الجيد منها من الزّ ائف. والنقد: هو المناقشة. تقول: نًقده في المسألة، أي: نًقشه. وبتأمّل ما جاء في معنى لفظة «النقد»في معاجم اللغة نجده ينحصر معنيين، هما: التمييز والمناقشة. أما بالنسبة لاستعمالات المحدّثين وإطلاقاتهم للفظة «النقد»و«النـُّقّاد» ونحوهما فإنّ هذه الألفاظ تجري في استعمالاتهم وتدور على ألسن تهم كثيرًا، فمن ذلك: ما روى الخطيب البغدادي بسنده عن عمرو الناقد أنّه قال: «قدم الشاذَكونيّ فقال لي أحمد بن حنبل: اذهب بنا إلى سليمان -يعني الشّاذَكوني- لنتعلّم منه نقد الرجال »(1). (1) تاريخ بغداد 9/23.)

عدد الصفحات ١٧

ِّ 18 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقد،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِِّّ مي َ ك َ الح وروى الخطيب أيضًا بسنده عن ابن عبد الحكَم أنّه قال: «ما رأينا مثل الشافعي؛ كان أصحاب الحديث ونـحقّاده يجيئون إليه ويعرضون عليه فربما أعلّ نقد النـُّ قّ اد منهم ويوقفهم على غوامض من علم الحديث لم يقفوا عليها»(1). ويقول: الحافظ ابن حبّان-وهو بصدد بيان مسيرة النقد-: «ثمّ أخذ عن هؤلاء مسلك الانتقاد في الأخبار وانتقاء الرجال في الآثار جم اعة »(2). ولكثرة دوران لفظة النقد على ألسنة المحدّثين واشتهارها بينهم صارت تحطلَق لقبًا لبعضهم؛ ففي كتاب الأنساب لأ بي سعد السمعاني (ت: 562هـ: الناقد -بفتح النون وكسر القاف وفي آخرها الدال المهملة - هذه اللفظة لجماعة من نـح قّ اد الحديثِ وحفّ اظه، لقِّ بوا به لنقدهم ومعرفتهم، منهم أبو عثمان عمرو بن محمد الناقد [ت232هـ](3). وهذا الحافظ الذي اشتهر بهذا اللقب عاش في النصف الأوّل من القرن الثالث، وعاصر كبار النـُّقّاد مثل علي بن المديني، ويُيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وسبقت حكايته لطلب الإمام أحمد منه الذهابَ معه للش اذَكوني. والمعنى اللغوي في استعمالات المحدّثين وإطلاقاتهم لهذه اللفظة ظاهر جدًّا، وقد سمّى الإمام مسلم بن الحجّاج كتابه «التمييز»وهو من أقدم (1) الاحتجاج بالشافعي (ص68.) (2) مقدمة المجروحين لابن حبان 1 /54.) (3) انظر: الأنساب، للسمعا13 /16.)

عدد الصفحات ١٨

المبحثِّال لأو-ِّا ً ِّواصطلاح ً تعريفِّالنقدِّلغة 19 وأنفس الكتب المصنَّفة في النقد. يقول الإمام مسلم في مقدّمة هذا الكتاب «وسألت أن أذكر لك في كتابي رواية أحاديث ا وهم قوم في روايتها فصارت تلك الأ حاديث عند أهل العلم في عداد الغلط والخطأ ببيان شاف أبيّ نها لك حتى يتضح لك ولغيرك -ممّ ن سبيله طلب الصواب سبيلك- غلطَ من غلِ ط وصوابَ من أصاب منهم فيها»(1). لكن المنهج الذي يسلكه المحدّثون في نقدهم للحديث هو أخصّ من المعنى اللغويّ؛ فلهم في النقد منهج يتّسم بالدقّة وشدّة التحرّي، يتّبعون من خلاله خطوات لا يشاركهم فيها غيرهم، وسوف نستوضح معالم ذلك المنهج من خلال عباراتهم التالية: يقول الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى: «الباب إن لم تجمع طرقه يتبينّ خطؤه »(2). ويقول الإما م أحمد رحمه الله تعالى: «الحديث إن لم تجمع طرقه تفهمه»(3). ويقول الإمام مسلم رحمه الله تعا «فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها»(4). (1) التمييز، لمسلم (ص170.) (2) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2 /212.) (3) المصدر السابق (4) التمييز لمسلم (ص209.)

عدد الصفحات ١٩

ِّ 20 ِّ منهجِّالمحدثينِّفيِّالنقد،ِّتأليفِّالأستاذِّالدكتورِّحافظِّبنِّمحمدِِّّ مي َ ك َ الح ويقول الحافظ أبو بكر الخطيب رحمه الله تعالى: «السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجحمع بين طرقه ويحنظر في اختلاف رواته»(1). ثم استشهد الخطيب لكلامه هذا بقول الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «إذا أردت أن يصحّ لك الحديث فاضرب بعضه ببعض »(2). وقد علّق الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على كلام الخطيب السابق بقوله: «وإذا تقرّر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلة كما نقله المصنف عن الخطيب أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته، وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة»(3). وبتأمّل ما سبقت حكايته من كلام أولئك الأئمّةالنـُّقّاد والحفّاظ، نجد أن عباراتهم قد اتّفقت على ضرورة تتبّع طرق الحديث، وجم عِها، والمقارنة بينها؛ ويلزم من ذلك التفتيش عن رواة تلك الطرق، ومعرفة أحوالهم، ليمكن الترجيحح بين رواياتهم، والحكمح عليها بحسب حالهم. ولم أقف على تعريف لمنهج المحدّثين في النقد تبرز من خلاله تلك الخطوات التي تَوافَقَ عليها كلام أولئك الأئمّة النـُّقّاد والحفّاظ، ويتميـّزح من خلاله منهجهم عن مناهج غيرهم، وأوّل من وقفت له على تعريف لمنهج النقد عند المحدّثين هو الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه "منهج (1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغ دادي (2 /295.) (2) المصدر السابق (3) النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر 2 /710-711.)

عدد الصفحات ٢٠