113 ومن أمثلة الرؤى التي قد يتسبَّب قصُّها بدون حذر في إحداث مشاكل: ما قد يراه مسلم في المنام أنـَّه أصبح مديرًا لل شركة التي يعمل فيها، فيُحتمل إن قصَّ هذه الرؤيا على زميله في العمل أن يخبر هذا الزميل المدير الحاليَّ بها؛ ممَّا قد يتسبَّب للرائي في مشاكل مع مديره؛ أو ربَّما اعتقد المدير إن علم بهذه الرؤيا أنَّ الرائي يسعى لإزاحته من المنصب واحتلال مكانه؛ فتبدأ العداوات والصراعات بين المدير والرائي؛ وحتَّى إن افترضنا أنَّ الزميل لم يخبر المدير بالرؤيا، فربَّما حسد الزميل الرائي عليها، أو كاد له بسببها. ومن أمثلتها أيضًا: ما قد تراه في المنام امرأة مسلمة متزوِّجة أنهَّا تتزوَّج من رجل غير زوجها، فتقصُّ الرؤيا على واحدة من جاراتها، فتقصُّها الجارة بدورها على زوجها، فيقصُّها زوجها بدوره على زوج المرأة الرائية؛ ثم أترك للقارئ المجال بعد ذلك أن يتخيَّل ما الذي يمكن أن يتسبَّب ذلك فيه من مشاكل. 2. أن يُعررض المسلم نفسه للاكتئاب والحزن والخوف. وذلك في حالة ما إذا رأى المسلم رؤيا سيِّئة، فذهب بها يقصُّها على كلِّ أحد؛ فيتبرَّع هذا بتعبير رؤياه، ويتطوَّع ذاك بتعبير آخر لرؤياه. وغالبًا ما يكون هؤلاء لا علم لهم ولا خبرة بتعبير الرؤيا (ذلك التخصُّص العلميُّ النادر الحسَّاس) . وقد يعبرِّ ونها للرائي تعبيرً ا محُز نًا مخُيفًا (والعياذ بالله ). وقد عاصرنا الكثير من أمثال هذه الحالات. منها ما بلغنا أنَّ امرأة مريضة رأت رؤيا فيها قبور، فقصَّتها على أختها، فعبرَّ تها لها تعبيرً ا سيِّ ئًا، بأن قالت إنَّ القبور في المنام تدلُّ على الموت. ولا يخفى على أحد - بطبيعة الحال - حجم المعاناة التي تكبَّدتها الرائية بسبب هذا ال تعبير الجاهل للرؤيا، حتَّى إذا وصلتنا رؤياها، عبرَّناها لها على الخير والسّور؛ فاطمأنـَّت بفضل الله.
عدد الصفحات ١١٣114 3. أن يُعررض المسلم نفسه لسوء فهم الآخرين له، وشكرهم في استقامته وسلوكه . وذلك في حالة ما إذا رأى المسلم رؤيا سيِّئة، أو فيها رموز جنسيَّة، فقصَّها على جاهل لا يعرفه، أو لا يعرف أنَّ هذه الرؤى تكون في الغالب رموزًا؛ فيُساء الظنُّ بالرائي الصالح. ومن أمثلة ذلك: ما قد يراه ا لمسلم في المنام أنَّه عريان؛ فهذه الرؤيا قد تدلُّ على معن ى الإخلاص وطيبة النفس للمسلم الصالح؛ إلاَّ أنه قد يظنُّ شخص جاهل يسمع بهذه الرؤيا أنَّ رائيها عديم الحياء. وكذلك، فقد يرى مسلم صالح في المنام أنـَّه يحَ سِ د مسلماً؛ وتدلُّ له الرؤيا على علم نافع يتعلَّمه ويُعلِّمه أو مال طيِّب يكسبه وينفقه في سبيل الله)1(؛ بينما قد يظنُّ جاهل يسمع بهذه الرؤيا أنَّ رائيها شخص حسود شرِّ ير. 4. أن يُعررض المسلم نفسه للمضايقات والابتزاز . وقد يحدث ذلك في حالة الرؤ ى الجنسيَّة، وخاصَّة عند النساء؛ فقد ترى المرأة المسلمة الصالحة رؤيا فيها بعض الرموز الجنسيَّة، ويكون للرؤيا معنى طيِّب، ولا علاقة له بأيِّ فساد؛ ولكن قد يظنُّ رجل جاهل يسمع به ذه الرؤيا سوء الأخلاق في المرأة؛ فيلاحقها إن كان فاسدًا ؛ وقد يهدِّدها بإخبار أشخاص معيَّنين برؤياها كزوجها مثلاً؛ ليُفسد عليها حياتها. 5. أن يقوري المسلم ا حتمَل عدم تحقُّق الخير في رؤياه؛ أو يقوري من احتمَل تحقُّق الشَِّّ ف يها. وذلك في حالة ما إذا قصَّ المسلم رؤياه ال طيِّبة الجميلة على حاسد أو حاقد؛ فقد يؤدِّ ي الحسد (1) لحديث النبي ﷺ: لا حسدَ إلا في اثنتَينِ الحقِّ؛ ورجلٍ آتاه اللهُ حكمةً، فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها
عدد الصفحات ١١٤115 أو الحقد إلى تقوية احتمال عدم تحقُّق الرؤيا على ا بتأثير العين؛ أو كما قال النبيُّ ﷺ: «أكثر من يموت من أُمَّتي بعد قضاء الله وقدره بالعين »(حديث حسن- صحيح الجامع). وأمَّا إن قصَّ المسلم الرؤيا السيِّئة على آخرين - من غير العلماء الثقات - سواء عبرَّ وها له على الشرِّ أم لم يعبرِّوها؛ فقد يقوِّي ذلك احتمال تحقُّقها على الشرِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ يقولالرؤيا مُعلَّقة برِجْل طائر ما لم يحُدرث بها صاحبها، فإذا حدَّث بها وَقَعَت »(صحيح- رواه أحمد). 56 .هل يمكن أن يتلقى المسلم العلم الشِّعيَّ عن طريق الرؤى؟ نعم، يمكن أن يتلقَّى المسلم علماً شرعيًّا من الرؤى بضوابط وشروط، وهي: 1. لا يجوز للمسلم أن يضيف أو ينتقص من الدِّين، أو أن يُعدِّل فيه، أو أن يقوم بتنفيذ أيِّ أمر لا أصل له في القرآن الكريم أو السُّنَّ ة النبويَّة الشريفة من خلال الرؤيا مهما كانت صادقة؛ فقد اكتمل الإسلام بوفاة النبيِّ ﷺ، فلا تجوز الزيادة فيه، ولا الانتقاص منه، ولا التعديل فيه ؛ وإلا كانت بدعة في الدين؛ يقول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَْْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ (المائدة:3)؛ وكذلك يقول النبيُّ ﷺ« :من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ »(مُتَّفق عليه). 2. يجوز للمسلم أن يتلقَّى من العلوم الشرعيَّة في الرؤيا ما يمكنه أن يتلقَّاه من غيرها في اليقظة؛ أي أن يتعلَّم من خلال الرؤيا أشياء معلومة من الشرع أصلاً، وليست مبتدعة؛ بشرط ألا تُعدّ الرؤيا مصدرًا أصليًّا ولا دليلاً في هذه العلوم.
عدد الصفحات ١١٥116 3. لا يجوز للمسلم أن يتلقَّى في المنام علماً شرعيًّا لا يمكن التحقُّق منه أو الوصول إليه مثال: محاولة البعض من خلال رؤى المنام تصحيح الأحاديث النبويَّة التي ضعَّفها علماء الحديث؛ أو كما يدَّعي بعض المسلمين أنهَّم قد رأوا النبيَّ ﷺ في المنام يخبرهم بصحَّة حديث معينَّ، في ح ين حكم عليه علماء الحديث بالضعف؛ فيتَّخذ أصحاب هذه الرؤى من رؤاهم حُجَّة ودليلاً لتصحيح الأحاديث الضعيفة. ونؤكِّد هنا على أنَّه لا يجوز أن تؤخذ من الرؤى علوم أو أحكام شرعيَّة جديدة أو ليس لها أيُّ أصل شرعي ؛ لأنَّ هذه الأمور لا تؤخذ إلاَّ بناء على الدليل الشرعيِّ الصحيح الثابت؛ ولا تُعدُّ الرؤيا دليلاً من بين هذه الأدلَّ ة. 4. يجوز للمسلم أن يتلقَّى من العلوم الشرعيَّة في المنام ما يمكن أن يُتَوَصَّل إليه في هذه العلوم بالاجتهاد ووفقًا للأصول العلميَّة الشرعيَّة. مثال: بعض المسائل الشرعيَّة الاج تهاديَّة التي يبحث فيها العلماء؛ فتأتي الرؤى لتلفت انتباههم إلى شيء لم يلاحظوه فيها؛ أو قد توجِّههم الرؤى إلى شيء ي نفعهم في أبحاثهم. وعلى ا لمسلم إن رأى رؤيا فيها معلومة غريبة ذات صلة بالشرع ، أن يتحقَّ ق منها من المصادر الصحيحة؛ وألا يُسلِّم بها ابتداءً ، أو يعتبرها علماً شرعيًّا قد تعلَّمه .
عدد الصفحات ١١٦117 57. هل يمكن أن تتناقض رؤى المسلم في شكلها أو معناها؟ من أمثلة التناقض في الشكل: رؤياك بشخص أنه طيب في رؤيا وشرير في رؤيا أخرى؛ ورؤيا فتاة أنها تزوجت من شخص في رؤيا، وشخص آخر في رؤيا أخرى. ومن أمثلة التناقض في التعبير: تعبير رؤيا بشخص أنه صالح، وتعبير رؤيا أخرى ب الشخص نفسه أنه فاسد . وكذلك، تعبير رؤيا فتاة بأنها ستتزوج من شخص معينَّ، بينما تعبير رؤيا أخرى لها بأنها ستتزوج من شخص آخر. وفي حال حدوث مثل هذا التناقض، فلن يخرج تفسيره عن احتمالات؛ منها: 1 .أن يكون بعض الرؤى صادق وبعضها كاذب. 2 .أن يكون تعبير بعض الرؤى صحيحًا، بينما تعبير بعضها الآخر خطأ. 3 .أن تكون الرؤى كلها صادقة، أو تعبيرها كلها صحيحًا ؛ ف في هذه الحالة قد يكون تفسير أو معنى هذا التناقض له علاقة بمراحل متباينة في حياة الرائي، أو بجوانب متناقضة في نفسه، أو بمواقف ذات ردود أفعال مختلفة من ناحيته؛ وقد يكون التناقض بين الرؤى تكامل في معنى واحد مشترك؛ ومن أمثلة ذلك: الرؤيا التي يُرى فيها الشخص صالحًا أو طيبًا، والرؤى التي يُرى فيها الشخص نفسه فاسدًا أو شريرًا ؛ ف قد تدل هذه الرؤى المتناقضة على الشخص يكون فاسدًا في مرحلة من حي اته، ثم يتوب في مرحلة أخرى منها؛ فتأتي الرؤى لتعبر عن المرحلتين؛ أو قد يكون الشخص فيه من الخير والشر؛ فتأتي الرؤى المتناقضة لتعبر أحيانًا عن جانب الخير فيه، أو جانب الشر في أحيان أو مواقف أخرى.
عدد الصفحات ١١٧118 أما رؤى الفتاة التي رأت نفسها تتزوج من ش خص، ثم من شخص مختلف في رؤى أخرى؛ أو عُبرِّ ت لها الرؤى بهذا الشكل المتناقض؛ فقد يدل هؤلاء الأزواج المختلفين في الرؤيا على أزواج للمرأة نفسها في أوقات مختلفة، وقد يدلُّ ون كلهم في الرؤيا على زوج واحد فيه صفة أو صفات طيبة من كل واحد فيهم. وهكذا قد تتناقض الرؤى شكلاً وتعبيرًا، بينما تتكامل في المضمون ا لعام. 58. ماهو هاتف المنام؟ هاتف المنام هو كلام يعتقد الرائي أنه سمعه في المنام. وقد يحدث الهاتف أحيانًا لبعض المسلمين الصالحين، وينطبق عليه ما ينطبق على الرؤى من حيث احتمال الصدق أو الكذب وقواعد التعبير. وقد يأتي الهاتف أحيانًا مباشر المعنى، يخاطب شيئًا مهماًّ واقعًا مؤثِّرًا في حياة الرائي، ويحمل له بشارات أو تحذيرات واضحة؛ ففي هذه الحالة، لن يحتاج إلى تعبير؛ بينما قد يأتي أحيانً ا غريبًا غير مألوف؛ فيكون رمزًا لمعانٍ أخرى ترتبط به ؛ فيحتاج إلى تعبير. وكثيرًا ما يكون الهاتف بغير صوت يستطيع الرائي تميـيزه ووصفه؛ وربَّما يأتي أحيانًا بصوت معينَّ؛ ويكون هذا الصوت غالبًا رمزًا يدلُّ على معنى يضاف إلى معنى كلام الهاتف. ولهواتف الصالحين من العجائب والغرائب والكرامة من الله ما يتعذَّر تفصيله هنا.
عدد الصفحات ١١٨119 59. هل يجب ع الرائي تصديق ظاهر رؤياه أحيانًا ؟ تصديق ظاهر الرؤيا هو تنفيذ المسلم في اليقظة لما رآه في الرؤيا كما رآه بالضبط؛ وكأنـَّه ممثِّ ل يقوم بتنفيذ دور مكتوب. وقد فعل ذلك إبراهيم (عليه السلام) عندما رأى رؤيا يُ ذبح فيها ابنه إسماعيل (عليه السلام)؛ فهمَّ إبراهيم بتصديق هذه الرؤيا بذبحه؛ إلاَّ أنَّ الله افتدى إسماعيل بكَبش. وهذه القصة في قول الله: ﴿فَلَمََّ بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنير أَرَى فيِ الْ ـمَنَامِ أَنير أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنيِ إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمََّ أَسْلَمََ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المْ ـُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لهَوَ الْبَلاَء المْ ـُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)﴾ (الصافَّات وليس معنى ذلك أنَّ المسلم إذا رأى نفسه في المنام يذبح ابنه أن يفعل ذلك! فهذه الرؤيا هي وحي إلهيٌّ يأمر الله فيه نبيًّا من أنبيائه، وليست كرؤى الأشخاص العاديـِّين. كذلك، فقد كانت هذه الحالة خاصَّ ة بإبراهيم (عليه السلام)، ولن تتكرَّ ر. ويُستَحَب للمسلم أن يُصدِّق ظاهر رؤياه بالشروط التالية: 1. أ يتعارض تصديق ظاهر الرؤيا مع أحكام الإسلام. فمثلاً : رؤيا المسلم نفسه في المنام أنَّ ه يقتل أو يسّق؛ فيحرم عليه أن يفعل ذلك في اليقظة. 2 .أ يكون في تصديق ظاهر الرؤيا عجز، أو مشقَّ ة، أو أذى، أو هلاك، أو حماقة، أو تضييع للأوقات فيما لا فائدة منه. فمثلاً : رؤيا المسلم نفسه يصعد جبلاً وعرًا ، أو يسبُّ
عدد الصفحات ١١٩120 شخصًا مؤذيًا باطشًا ، أو يقفز من الشرُّفة ويطير؛ فلا ينبغي أن يُصدِّق هذه الرؤى أو أشباهها. ومن أمثلة الرؤى التي يُستحبُّ تصديقها: الرؤى التي يرى المسلم فيها نفسه يتصدَّ ق، أو يصوم، أو يقوم بأيِّ عمل من أعمال الخير الطيِّ بة الممكنة التي رغَّب الإسلام فيها. والدليل على أنَّ تصديق الرؤيا مستحبٌّ في بعض الحالات هو ما قاله النبيُّ ﷺ عندما رأى خزيمة بن ثابت (رضي الله عنه ) رؤيا، فأخبره بها. قال أسجد على جبهة النبيِّ ﷺ، فأخبرت بذلك رسول الله ﷺ» الروح لَتَلقَى الروح وأقنع النبيُّ ﷺ رأسه هكذا، فوضع جبهته على جبهة النبيِّ ﷺ (صحيح - رواه أحمد). وأقنع رأسه، أي مدَّها. 60. ماذا يفعل الرائي إذاعُب ـر رت له الرؤيا تعبيرً ا سيرئا أو مزعجًا ؟ تعبير الرؤيا على أنـَّها شرٌّ سوف يقع للرائي المسلم هو من الأمور المؤلمة على نفسه. وإذا ما قام معبرِّ بتعبير رؤيا لمسلم على ذلك، فينبغي عليه أن يفعل الآتي: 1 .إذا كان الرائي صالحًا من أهل الخير، فليستعذ بالله من الشيطان، ومن قضاء السوء؛ ولن تضرَّ ه الرؤيا ولا تعبيرها بمشيئة الله. وكذلك، فليحاول الرائي البحث عن واحدٍ من أهل العلم المسلمين الثقات الأتقياء المتخصِّ صين في تعبير الرؤيا؛ ليسألهم عن رؤياه. 2. إذا كان الرائي غير صالح، أو في عمله فساد؛ فالأولى به أن يحذر من وقوع ه ذه الرؤيا بإصلاح علاقته مع الله، وبالاستعاذة به سبحانه من الشرِّ ؛ وعليه ألاَّ يسأل عن رؤياه إلاَّ إلى الثقات من أهل التقوى والعلم؛ وألاَّ يذهب بها إلى المجهولين والمشبوهين.
عدد الصفحات ١٢٠121 61 .رجل مسلم يلتزم بآداب النوم وأذكاره، ويرى رؤى مزعجة، فمَ تفسير ذلك؟ الأصل أنَّ المسلم إذا ذكر الله قبل نومه، فإنَّه لا يرى في المنام ما يؤذيه . أمَّ ا بخصوص حالة هذا الرجل فهناك احتمالات، ومنها: 1. أن يكون على معصية أو فساد؛ فتأتي رؤى لإنذاره وتوبيخه، ولو كان ذاكرًا لله قبل نومه 2. أن يكون ممَّن يعانون من مرض نفسي يسبِّب له هذه الرؤى؛ فتأتي لتدلِّل على هذا المرض. 3. أن يكون ممَّن يعانون من مرض السِّحر؛ فتأتي هذه الرؤى أحيانًا إمَّا صادقة لتنبيهه لهذا المرض؛ أو شيطانيَّة مؤلمة، بقَدَر من الله ، ولحكمة منه. ويُنصح الرائي أن يبتعد عن المعصية، وأن يدعو الله بالعفو والعافية، وأن يأخذ بأسباب العلاج إن كان مريضًا بمثل هذه الأمراض . 62 .هليعرض الرائي رؤياه على أكثر من معبرر ؟ أم من الأفضل الاكتفاء بواحد؟ المفترض أن يقوم الرائي المسلم بعرض رؤياه على أفضل من يثق بدينه وعلمه من معبرِّ ي الرؤى؛ وأن يكتفي بواحدٍ فقط. فإذا وجد بعد سؤاله من هو أعلم وأكفأ وأقدر منه، فلا مانع من أن يعرض عليه رؤياه مرَّ ة أخرى. أمَّ ا إن كان يدور برؤياه على أيِّ شخص يدَّعي تعبير الرؤيا بدون تمييز سواء للتسلية أو لأنـَّه يريد أن يجمع أكبر عدد من التفاسير، ثم يختار منها ما يشتهي؛ فهذا مذموم شرعًا وطبعًا.
عدد الصفحات ١٢١122 أضف إلى ذلك، أنَّ هذا التصرُّ ف الأخير قد يكون خطيرًا إذا وقعت الرؤيا في يد جاهل؛ فعبرَّ ها تعبيرا محزنًا أو مزعجًا لرائيها. فالأفضل أن يحفظ المسلم رؤياه؛ وألا يقصُّ ها إلاَّ على أهل العلم والثقة والاستحقاق من أصحاب الخلق وال دين؛ تمامًا كما تحفظ المرأة المسلمة جوارحها فلا تكشفها إلاَّ على زوجها أو محارمها. فهلاَّ - يا طالب تعبير رؤياك - بحثت عن عالم أو ناصح مسلم ثقة مشهود له بالكفاءة لتقصَّ ها عليه؛ وإلاَّ فاحتفظ برؤياك لنفسك، واسأل الله من خيرها، واستعذ به من شرها، حتَّى يرزقك بمن يعبرّ ها لك؛ وهذا خير من الدوران بالرؤيا على من هبَّ ودبَّ من المجاهيل. ومع ذلك، فكثير من المسلمين قد يُلتمس لهم عذرًا في مثل هذه السلوكيَّ ات غير المقبولة. وذلك نظرًا لانتشار الجهل في هذا المجال، ولندرة أهل العلم الثقات فيه. 63 .هل يستغنى الرائي عن معبرر الرؤيا، ويعبرها لنفسه اعتمَدًا على قراءة الكتب؟ يعتقد كثير من المسلمين أنَّ بإمكانهم تعبير رؤاهم بشكل جيِّد اعتمادًا على بعض الكتب التي تتناول تعبير رموز الرؤى دون الرجوع إلى الثقات من أهل العلم بالرؤى وتعبيرها. وقد يُعذر بعض هؤلاء بلجوئهم إلى هذه الكتب نظرًا لندرة الثقات من أهل العلم الصحيح في هذا التخصُّص. ولكن لا بدَّ أن يعرف كثير من المسلمين أنَّ تعبير الرؤى هو عمليَّة أكبر وأعقد من مجرَّد معرفة معنى رمز معينَّ من كتاب؛ فهي عمليَّة صعبة، وتحتاج لمؤهِّلات خاصَّة، واستعداد
عدد الصفحات ١٢٢123 شخصي ؛ ولا يقدر عليها بكفاءة إلاَّ أهل التخصُّص والخبرة. وتعبير الرؤى من خلال قراءة كتاب هو أشبه بالمريض الذي يعالج نفسه بقراءة كتاب في الطبِّ بدلاً من أن يذهب للطبيب؛ فربَّما يُ فلح مرَّة ، وربَّما يخطئ مرَّات. ومع ذلك، فلعلَّ قراءة بعض أ مثال هذه الكتب تفيد، ولو قليلاً . ولعلَّ تعبير المسلم لرؤياه اعتمادًا عليها يكون أقلَّ سوءًا وأهون ضررًا من الذهاب للدجَّالين ، والنصَّابين ، والجهلاء الذين يدَّعون قدرتهم على تعبير الرؤى . ولكن، ننصح المسلم غير الم تخصِّص بالحذر في التعامل مع هذه الكتب، والإقلال من الاعتماد عليها إلى الحدِّ الأدنى ، خصوصًا إن لم يكن لديه علم وخبرة بتعبير الرؤي)63( . (63) جاء في كتاب كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (في الفقه المالكي النظر في كتاب التفسير كما يقع الآن، فهو حرام؛ لأنها تختلف باختلاف الأشخاص، والأ حوال، والأزمان، وأوصاف الرائ اهـ. وقد جاء في كتاب الفواكه الدواني للنفراوي المالكي في كتاب، كما يفعله بعض الجهلة، يكشف نحو ابن سيرين يقال له: أنا رأيت كذا؛ والحال أنه لا علم له بأصول التعبير، فهذا حرام؛ لأنها تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأزمان، وأوصاف الرائين؛ فعلمها عويص يحتاج إلى مزيد معرفة بالمناسبات ودنيا، وأفعاله، وظروفه، ووقت الرؤيا، وكل ما يحيط بالرؤيا من خلفيات وأحداث الواقع...إلخ قُلنا: على الرغم من المحاذير التي تكتنف تعبير الرؤيا اعتمادًا على قراءة كتاب تعبير الرموز لغير العالمين بالتعبير وقواعده، وأننا لا ننصح به، إلا أنه لا يوجد دليل على التحريم أو الوعيد من القرآن والحديث على هذا العمل؛ وإنما غاية ما يُقال إنه من الجهل المذموم لغير العالم بالتعبير وأصوله. والله أعلم.
عدد الصفحات ١٢٣124 64. لماذا قد يُرَى غير المسلم رؤى صادقة؟ من الثابت في القرآن أنَّ غير المسلمين قد يُرَوا رؤى صادقة، كصاحبي يوسف (عليه السلام)في السجن، كما في قول الله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السرجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهمَُا إِنير أَرَانيِ أَعْصُِِّ خََْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنير أَرَانيِ أَحِْْلُ فَوْقَ رَأْسِِ خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيرُْ مِنْهُ ...﴾ (يوسف:36.) وقديتساءل بعض المسلمين عن الحكمة من أن يُري الله بعض من لا يؤمنون به، أو بعض المشركين رؤى صادقة. أليست هذه الرؤى نعمة وكرامة ذات شأن عظيم يَمُنُّ بها الله على عب اده الصالحين؟ فلماذا يُكرَ م أولئك بمثل هذه الرؤى؟ والجواب أنـَّه في بعض الأحيان تقتضي الحكمة الإلهيَّة أو بعض المصالح أن يُرَى غير المسلم رؤيا صادقة، ومن ضمن هذه المصالح: 1. هداية غير المسلم إلى الإسلاموقد حدث ذلك مع العديد من غير المسلمين؛ فالرؤى الصادقة قد تكون بمثابة آية من آيات الله لبعض هؤلاء تعينهم على معرفة الله، والاقتراب منه ، في ظلمات مجتمعاتهم الضَّالة، وفي متاهات أفكارهم المنحرفة التي نشأوا عليها. 2. إكرامًا للمسلم الصالح، وليس إكرامًا لغير المسلم: كالرؤيا التي رآها صاحب يوسف (عليه الس لام) في السجن، وعبرَّها له يوسف؛ فكان الرجل وسيطًا بين يوسف وبين الملك؛ ليبلغه بعلم يوسف بتعبير الرؤيا؛ فيطلب منه الملك تعبير رؤياه؛ ثم يكون ذلك سببًا في خروج يوسف من السجن، ونيله المُلك. وهكذا، قد تكون رؤى غير المسلم سبيلاً إلى نجاة وتمكين إنسان مسلم صالح، وليست إكرامًا لغير المسلم.
عدد الصفحات ١٢٤125 3. رحْة من اسبحانه وتعالى قد وسعت رحمته كلَّ شيء، وكلَّ مخ لوق. فربَّما يُرى غير المسلم هذا النوع من الرؤى رحمة من الله لمصلحة بعض العباد من ذوي الحالات الخاصَّة كرفع ظلم عن المستضعفين، أو إنقاذ أطفال مساكين، أو رحمة ببعض الطيِّبين وذوي الأخلاق، ممَّن لا يعرفون شيئًا عن الإسلام، ولا ذنب لهم في ذلك؛ أو إنذارًا لبع ض الظالمين. 65. لماذا تأتي الرؤى مرموزة عادةً؟ من خلال الرؤى المذكورة في القرآن الكريم والحديث الشريف، إلى جانب التجربة والخبرة، يمكن القول إنَّ الأصل في الرؤى أنـَّها تأتي مرموزة، والاستثناء هو أن تأتي مباشرة. ويحُتمل أن تكون الحكمة الإلهيَّة في ذلك: أوَّلاً : ألا تخُبر الرؤيا بالغيب اليقينيِّ المطلق الذي لا شكَّ فيه، وألا يكون العلم به إلا لله وحده لا شريك له. وذلك لأنَّ الرؤيا إذا ما جاءت مُباشرِة بلا رموز، فرُبَّما يعرف الإنسان منها الغيب يقينًا. أمَّا إذا جاءت مرموزة، دخل فيها الظنُّ، والاحتمال، ودرجة معيَّنة من عدم وضوح المعنى تختلف من رؤيا لأخرى. ثانيًا: أن يكون قلب المسلم دائماً متعلِّقًا بالله، متوكِّلاً عليه، مُتطلِّعًا إلى رحمته، مُقبلاً عليه بالدعاء والتضرُّ ع؛ وألا تستقرَّ في القلب أحاسيس سلبيَّة تؤثِّر على هذه العبادات القلبيَّة أو تعوق حركة المسلم في الحياة (كالتواكُل، وضعف الهمَّة ، والقعود عن العمل الصالح، وضعف الاجتهاد أو عدم السعي لتحصيل المرادات)؛ تلك التي قد تنشأ إذا ما عرف المسلم ما سوف يحدث له في المستقبل يقينًا دون أيِّ شك .
عدد الصفحات ١٢٥126 تم الباب الأول بحمد ا
عدد الصفحات ١٢٦127 الباب الثا قواعد تعبير الرؤيا وأصوله
عدد الصفحات ١٢٧128
عدد الصفحات ١٢٨