81 رأى. وكان عُمر بن الخطَّ اب (رضي الله عنه) قد رأى الرؤيا نفسها أيضًا . فأمر النبيُّ ﷺ بلالاً (رضي الله عنه) أن يُنفِّذ ما يخبره به عبد الله بن زيد، فأذَّن بلال.(38 ) 39. ما هو تَوَاطُؤ الرؤى؟ «معناه أن يرى جماعة من الناس في المنام الرؤيا نفسها. وقد ورد هذا التعبير في حديث النبيِّ ﷺ عندما رأى جماعة من أصحابه في منامهم أنَّ ليلة القدر سوف تكون في اللَّ يالي السبع الأو اخر من شهر رمضان الكريم، فأكَّد لهم النبيُّ ﷺ وقوعها في هذه اللَّ يالي السبع بالفعل. (38) جاء في الحديث الشريف، عن أبي عُميرِ بن أنس ، قال النبيُّ ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟. فقيل له. قال له القَنْع (يعني الشَّبُّور، وقال زياد: شَبُّور اليهود)، فلم يعجبه ذلك . قال الناقوس، وهو مهتمٌّ لهَِمِّ رسول الله ﷺ . فأُرِيَ الأذان في منامه . قال. فقال، إنيِّ لَبَينَ نائمٍ ويَقظَان، إذ أتاني آتٍ فأرانيَ الأذان . قال عمر بن الخطَّاب قد رآه قبل ذلك، فَكَتَمَهُ عشرين يومًا . قال النبيَّ ﷺ . فقال له. فقال. فقال رسول الله ﷺ: «. قالل- رواه أبو داود).
عدد الصفحات ٨١82 يُستَدَل من ذلك أن تكرار الرؤيا نفسها مع جماعة من الصالحين، يُرجِّ ح احتمال صدقها، ويُقَوِّ ى معناها. وربَّ ما كانت لها دلالة عامَّة، وليست خاصَّة بشخص محُدد .(93 ) 40. ما هي العلاقة بين الرؤيا الصادقة والاستخارة؟ الاستخارة هي صلاة يعقبها دعاء. ويؤدِّيها المسلم عادةً قبل الإقدام على عمل معينَّ ، راجيًا الله أن يوفِّقه في هذا العمل لما هو أصلح له. ويعتقد الكثيرون من المسلمين بوجود ارتباط لازم بين الاستخارة والرؤى الصادقة؛ أي أنَّ المسلم إذا ما استخار الله في أمر، فإنـَّه من الضروريِّ أن تأتيه في المنام رؤيا تبينِّ له ما ينبغي أن يفعله، أو ما هو الأفضل والأصلح له بخصوص الشيء الذي ينوي القيام به. ورغم قوَّة هذا الاعتقاد وانتشاره بوجود علاقة حتميَّة بين الاستخارة والرؤى الصادقة، إلاَّ أنـَّه لا يوجد دليل شرعيٌّ يؤ كِّد أو ينفي ضرورة هذا الارتباط؛ فهو ارتباط احتماليٌّ. فالمسلم قد يستخير الله في أمر ما؛ ومع ذلك، يمكن أن يوفِّقه الله للخير دون أن يرى رؤيا. وكذلك، يحُتمل أيضًا أن يرى المسلم رؤيا ترشده لشيء معينَّ ؛ ولكن ليس بالضرورة أن تأتي هذه الرؤيا دائماً بعد الاستخارة أو بسببها. (39) جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) أنـَّه قال إنَّ رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر . فقال رسول الله ﷺ فمن كان متحرِّيهَا، فليتحرَّهَا في السَّبع الأواخر
عدد الصفحات ٨٢83 41. هل تصلح الرؤى كدليل للحكم على الناس صلاحًا أو فسادًا ؟ يُعدُّ استخدام الرؤى كدليل للحكم على الأشخاص من الأمور الشائعة بين المسلمين. فكثيرًا ما تُعرض علينا رؤى يطلب أصحابها تعبيرً ا لها، ويحاولون على أساس هذا التعبير معرفة صلاح أشخاص معيـَّنين أو فسادهم. ولا شكَّ أنَّ الرؤى قد تأتي لتُبينِّ حقيقة بعض الأشخاص، فتُزكِّي شخصًا أو تعيب آخر. فعلى سبيل المثال: قد ترى فتاة خطيبها في المنام مُشرق الوجه، أو يرتدي ملابس بيضاء، فتعتقد أنَّ ذلك دليل للحكم بصلاحه ؛ وربَّما ترى في منامها رؤى من نوع آخر سيِّء، كأن تراه قد اسوَدَّ وجهه، أو أنـَّه يرتدي ملابس قذرة، فتعتقد أنَّ ذلك دليل للحكم بفساده. وبالتالي، تؤثر الرؤيا هنا على استمرار إجراءات الزواج. ورغم أنَّ هذه الرؤى وأمثالها قد يغلب عليها الصدق، ورغم أنهَّا قد ترشد إلى صلاح أو فساد أشخاص معيـَّنين فعلاً، إلاَّ أنـَّه ينبغي للمسلم أن يكون على حذر شديد قبل أن يُصدِر أحكامًا نهائيـَّة على الناس اعتمادًا فقط على الرؤى. وذلك لأنَّ الشيطان قد يُري المسلم في منامه ما يحاول أن يُفسد به دينه، وحياته، وعلاقاته الطيـَّبة. وكذلك ينبغي أن يدرك المسلم أنَّ هناك رؤى صادقة ظاهرها سيِّء، ومع ذلك فقد يكون لها تعبير طيِّب يعرفه العالمون بها. وبالمثل أيضًا، فهناك رؤى ظاهرها طيِّب، ومع ذلك فقد يكون لها تعبير سيِّء يعرفه العالمون بها . فكيف يمكن أن يحكم المسلم على الناس من خلال هذه النوعيـَّة من الرؤى؟!
عدد الصفحات ٨٣84 وبناء على ذلك، فإنَّ القاعدة الأساسيَّة في هذه المسألة هي أن الرؤيا الصادقة قد تصلح للحكم على الناس، ولكنَّها لا تصلح وحدها كدليل لإصدار أحكام نهائيـَّة عليهم بالصلاح أو الفساد دون أن يكون هناك من الأدلَّ ة الواقعيـَّة ما يؤيِّد ما قد تشير إليه هذه الرؤى من معانٍ ؛ بمعنى أن تكون هناك أفعال أو أقوال صدرت عن الشخص تدلُّ على صلاحه أو فساده. وبالتالي، فلا ينبغي للمسلم أن يقطع علاقات أو يوطِّدها بناء فقط على رؤى. وإذا أردنا أن نفهم كيفيـَّة الاستخدام الصحيح للرؤيا في الحكم على الأشخاص، فيمكننا أن نُفصِّل ذلك في النقطتين التاليتين: 1. الرؤيا تأكيد لدليل واقعي في الحكم على الناس، ولا ينبغي أن تكون هي نفسها دليل الحكم عليهم: في هذه الحالة، تكون الرؤيا دليلاً لتأكيد صلاح أو فساد شخص معلوم الحال أصلاً، وليس لإصدار حكم جديد عليه. وبناء على ذلك، ينبغي أن يكون الرائي عالمًا علماً سابقًا بأحوال صلاح أو فساد الشخص الذي يريد أن يحكم على حاله من خلال الرؤيا، ولا يأتي هذا العلم إلاَّ من خلال ملاحظة الشخص أو التعامل معه. ففي هذه الحالة، يكون دور الرؤى هو التأكيد فقط على صلاح الصالحين أو فساد الفاسدين الذين يعلم الرائي بأحوالهم. فعلى سبيل المثال: نفترض أنَّ رجلاً صالحًا تقدَّم لخطبة فتاة، ولم تَرَ منه هي ولا أهلها إلاَّ كلَّ خير واستقامة، ثم رأت الفتاة رؤيا ظاهرها جيِّد في حقِّ هذا الشخص كأن تراه في المنام مبتسماً، أو يقرأ القرآن الكريم، أو نحو ذلك. فالرؤيا في هذه الحالة جاءت لتؤكِّد فقط على صلاح الشخص، ذلك الصلاح الذي تلمسه الفتاة وأهلها في التعامل معه في الوقت الذي رأت فيه الفتاة الرؤيا. إذن، فليس في الرؤيا هنا
عدد الصفحات ٨٤85 إصدار لحكم جديد على شخص مجهول، بل هي مجرَّد تأكيد لحكم قديم على شخص معروف. وكذلك بالمِثل: نفترض أنَّ فتاة لها أخ فاسد مشهور ب الفساد، وأنهَّا قد رأته في الرؤيا في حالة سيـِّئة، كأن يكون عابسًا، أو يشرب الخمر مثلاً. فكذلك الرؤيا في هذه الحالة تكون تأكيدًا على فساد شخص مشهور بالفساد، وليست إصدارًا لحكم جديد على شخص مجهول. 2. الرؤيا مرشد إلى أدلَّ ة واقعيَّ ة للحكم على الناس بالصلاح أو الفساد: في هذه الحالة، تأتي الرؤيا لإرشاد المسلم إلى دليل واقعي يستطيع من خ لاله الحكم على صلاح أو فساد شخص لا يستطيع -أي الرائي المسلم- الحكم عليه ، إمَّا لأنه لا يعرفه جيِّدًا، أو أنَّ لديه شكوكًا حوله لم تصل إلى درجة التأكُّد. فعلى سبيل المثال: نفترض أنَّ رجلاً تقدَّم إلى أهل فتاة يطلبها للزواج، إلاَّ أنَّ هذا الرجل غير معروف للأهل أو للفتاة بشكل جيِّد، ولم يتعاملوا معه إلاَّ قليلاً، ولا يظهر منه لهم إلاَّ الخير والص لاح بحسب اعتقادهم. ولكنَّ الله - الذي يعلم السَّّ وأخفى - يعلم أنَّ هذا الشخص فاسد، وأنـَّه يكذب على هؤلاء الناس، فيمكن في هذه الحالة أن ترى الفتاة رؤيا معيـَّنة تنبِّهها إلى فساد هذا الشخص بإرشادها إلى دليل في اليقظة يمكن من خلاله أن تتأكَّد من فساده. وهذا الدليل الذي يمكن للرؤيا أن ترشد الفتاة إليه قد يكون - على سبيل المثال - كلمة معيَّنة قالها هذا الشخص في الواقع، أو موقف صدر منه ويكون فيه الدليل على فساده، إلاَّ أنَّ الفتاة أو أهلها لم ينتبهوا لهذه الكلمة أو هذا الموقف كثيرًا، أو اعتبروه شيئًا عابرًا، أو احتاروا في فهم ما قد يدلُّ عليه، فتأتي الرؤيا لتنبيه الفتاة وأهلها إلى أنَّ في هذه الكلمة أو هذا الموقف دليل على فساد هذا الشخص. وقد تكشف لهم الرؤيا أي ضًا وجه الفساد فيه، والذي لم ينتبهوا
عدد الصفحات ٨٥86 إليه جيدًا عندما حدث. وبالتالي، تكون هذه الكلمة أو هذا الموقف هو الدليل الواقعيُّ للحكم على فساد الشخص، وتكون الرؤيا مجرَّد مرشد فقط إلى هذا الدليل، وليست دليلاً في ذاتها. وبالمثل، فقد تأتي هذه النوعيـَّة من الرؤى لإع طاء طرف خيط معينَّ للفتاة أو الأهل يمكنهم من خلال تتبُّعه أن يكتشفوا حقيقة الشخص؛ كأن ترشدهم الرؤيا للسؤال عنه في مكان معينَّ، أو لدى شخص معينَّ؛ فيستطيعون من خلال ذلك اكتشاف حقيقته الخفيَّة . ويكون هذا هو الدليل الواقعيَّ للح كم عليه؛ بينما تكون الرؤيا مجرَّ د مرشد فقط إلى هذا الدليل. ومن أمثلة ذلك أيضًا: رؤيا قد يراها قاضٍ ترشده إلى دليل معينَّ لم ينتبه له، أو خيط معينَّ يسير وراءه لإثبات براءة أحد المتَّ همين. وأخيرًا، نقول إ نـَّه ينبغي للمسلم - وخاصَّةً الصالح - أن يعلم أنَّ الشيطان يسعى لإفساد حياته وتحطيمها. وقد يفعل الشيطان ذلك من خلال رؤى سوء يريها للمسلم. وينبغي على المسلم أيضًا أن يعلم مسألة أخرى تجعله أكثر احتراسًا وتريُّثًا قبل إصدار الأحكام على الناس اعتمادًا فقط على الرؤى، وهي أنـَّه في بعض الرؤى قد يظهر الصالحون في هيئة سيِّئة للدلالة على معنى معينَّ لا علاقة ل ه بالحكم عليهم صلاحًا أو فسادًا؛ بينما في بعض الرؤى الأخرى قد يظهر الفاسدون في هيئة حسنة للدلالة على معنى معينَّ لا علاقة له بالحكم عليهم فسادًا أو صلاحًا. فمثلاً: جاء عن الصحابيِّ عبد ا لله بن عبـَّاس (رضي الله عنهما) أنـَّه قالﷺ فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائم أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمِّ ي يا رسول الله، ما هذا؟
عدد الصفحات ٨٦87 «قتل في ذلك اليوم- رواه أحمد). ففي هذه الرؤيا ظهر النبيُّ ﷺ بهيئة لا تليق به، فهل تصلح هذه الهيئة في هذه الرؤيا للحكم على النبيِّ ﷺ حكماً لا يليق؟!! هذا غير جائز بلا شك !! وإنَّما هذه الهيئة التي ظهر بها ﷺ في الرؤيا هي مجرَّد رمز للدلالة على شناعة وقبح حاد ثة مقتل الحسين (رضي الله عنه) وأصحابه. وكذلك بالمثل، يمكن أن يرى النائم في الرؤيا شخصًا مشهورًا بسوء الأخلاق بين الناس في هيئة حسنة، فهل هذه الرؤيا تزكية له من الله؟ بالتأكيد لا! وإنَّما قد يكون هذا الشخص في هذه الرؤيا رمزًا لشيء لا علاقة له بأخلاقه، كأن يكون رمزًا لاسمه، أو لوظيفته، أو لشركته، أو لبلده، أو لضخامة جسمه...إلخ. مثال: ما روي عن النبيِّ ﷺ، أنـَّه قالقًا (أي نخلة) في الجنَّة أسلم عكرمة بن أبي جهل، قال - المُستدرك) فهل يمكن أن يُفهم من هذه الرؤيا أنَّ فيها تزكية لأبي جهل، وهو من ألدِّ أعداء الإسلام؟! بالطبع لا؛ وإنَّما للرؤيا تأويل آخر، وهو أن النخلة رمز لابنه الصحابيِّ عكرمة (رضي الله عنه). وهكذا، لا ينبغي إصدار الأحكام على الناس بالصلاح أو الفساد دون التعامل معهم، أو دون أن يظهر لنا منهم ما يدلُّ على أحوالهم فعلاً. (14 ) (41) من القصص التراثيـَّة الجميلة التي تحُكى في مسألة الحذر من استخدام الرؤى في الحكم على الناس: أن شرَيك بن عبد الله القاضى دخل يومًا ع أن يقتله). قالل رؤياى على من عبرَّها، فقال
عدد الصفحات ٨٧88 42. هل تُعد الرؤى مصدرً ا من مصادر التشِّيع في الإسلام؟ اتَّ فق علماء المسلمين من أهل السُّنَّة على أنَّ الرؤى ليست مصدرًا من مصادر التشريع في الإسلام؛ بمعنى أنـَّه لا يمكن لمسلم أن يحكم على شيء ما بأنـَّه حرام، أو حلال، أو فرض، أو سُنَّة، أو مكروه، أو مستحبٌّ بن اء فقط على رؤيا رآها هو أو غيره؛ فإنَّ الدين قد اكتمل بوفاة النبيِّ ﷺ، فلا يجوز أن تزيد فيه رؤيا، ولا أن تنتقص منه ؛ يقول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَْْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينً ا﴾ (المائدة:3.) ولا ينبغي أن تؤخذ الأحكام الشرعيَّة في الأساس، إلاَّ بناء على آي ة قرآنيَّة أو حديث نبويّ شريف صحيح وليس رؤيا. وذلك لأنَّ الرؤى عادة ما ي دخل في تعبيرها الاحتمال. وبالتالي، فإنَّ احتمال الخطأ لا يُنتَفَي عن تعبير الرؤى، حتَّى وإن قلَّ هذا الاحتمال أحيانًا . وكذلك، فقد تكون الرؤيا من الشيطان أو من أحاديث النفس. إذن، لا يُمكن بناء أحكام الشرع على شيء قد يتلاعب به الشيطان، أو قد يدخل في تعبيره الظنُّ. ومن أمثلة الرؤى التي قد يفهم بعض المسلمين منها أنـَّها تفيد حكماً شرعيًّا: نفترض أنَّ مسلماً رأى رؤيا أنَّ رجلاً جاءه في المنام، فقال له أن يُبلِّ غ المسلمين بأن يقرأوا سورة معيَّنة من القرآن الكريم في يوم معينَّ أو في ساعة معيَّنة؛ أو أن يصلُّوا خَسين ركعة في ليلة معيَّنة، وإلاَّ فسوف يحلُّ عليهم غضب من الله وعقوبة إن لم يفعلوا ذلك؛ أو نفترض أنـَّه أخبره أنَّ صلاة الخليل (عليه السلام)، ولا أنَّ مُعبرِّك بيوسف الصدِّيق (عليه السلام)؛ فبالأحلام الكاذبة تُضرَب أعناق المؤمنين؟
عدد الصفحات ٨٨89 العسوف تصبح ستَّ ركعات ابتداء من يوم كذا، أو أيَّ شيء من أشباه هذه الرؤى. فالصواب في التعامل مع هذه الرؤى وأمثالها ألا يعتقد المسلم أنَّ ما جاء فيها من أوامر أو نواهٍ مُلزِم له أو لغيره من المسلمين بأيِّ حال من الأحوال؛ وأن يدرك من يراها، أو من يصله خبر عنها أنَّ الأرجح في تعبيرها أنـَّها تلعُّ ب من الشيطان، وأنَّ الرؤى ليست مصدرًا للتشريع في الإسلام، وأنـَّها ليس لها أيُّ سلطان لتقرير أحكام شرعيَّة على المسلمين لا أساس لها في دينهم، ومصادره، وأصوله المعروفة والموثوقة. وكذلك فالرؤى لا تتغيرَّ بها صفة حكم شرعي ؛ كتحويل فرض إلى سُنَّة أو سُّنَّة إلى فرض. فعلى سبيل المثال: إذا رأى مسلم في الرؤيا من يقول له فستدخل جهنَّم ولا تخرج منها أبدًا فالمعلوم من الشرع أنَّ ترك صلاة الناف لة - رغم أنـَّه غير مطلوب - إلا أنـَّه لا يخُرج الشخص من الإسلام كترك صلاة الفريضة. وبالتالي، فلا يؤدي للخلود في جهنَّم. وهكذا، لا يجب التعامل مع هذه الرؤيا وأمثالها على أنـَّها يمكن أن يُفهم منها أنَّ صلاة النافلة قد تحوَّ لت إلى صلاة فريضة؛ أو بمعنى آخر أنَّ صفة الحكم الشرعيِّ في أمر من أمور الدين قد تغيرَّ ت بناء على هذه الرؤيا. ومن الجدير بالذكر إ نـَّه على الرغم من قوَّ ة احتمال كذب هذه النوعيَّات من الرؤى، إلاَّ أنـَّها قد تصدق أحيانًا . وفي هذه الحالة، يكون لها تعبير آخر يختلف تمامًا عماَّ قد يشير إليه ظاهرها من أوامرٍ أو نواهٍ شرعيَّة، وهو تعبير لا يعرفه إلاَّ العالمون بالرؤى وتعبيرها. وببساطة نقول إ نَّ القاعدة في هذه المسألة هي أنـَّه إذا رأى مسلم في الرؤيا توجيهًا أو
عدد الصفحات ٨٩90 إرشادًاإلى شيء له علاقة بأحكام الإسلام؛ فلا يخرج هذا عن أن يكون واحدًا من ثلاثة: 1. أن يكون هذا الحكم أو التوجيه بدعة لا أساس لها في الشريعة الإسلاميَّة. وبالتالي، فهو باطل وغير واجب على المسلمين. مثال: ما ذكرناه في الأمثلة السابقة. فلا يوجد في الشرع ما يفرض على المسلمين قراءة سورة معيَّنة من القرآن الكريم في وقت معينَّ، أو يوجب عليهم صلاة خَسين ركعة في ساعة معيَّنة. 2. أن يكون هذا الحكم أو التوجيه مجرَّد تأكيد فقط على شيء له أساس في الشرع ؛ كالتأكيد على الصلاة المفروضة، والحثِّ عليها على سبيل المثال؛ كأن يرى شخص لا يصلِّ الفروض الخمسة من يقول له في المنام، فسيحلُّ عليك غضب شديد من الله». ففي هذه الحالة، ينبغي للشخص أن يتعامل مع هذه الر ؤى وأمثالها على أنـَّها رؤى حقٌّ وصدق. فهي لا تأتي بحكم جديد في الشريعة الإسلاميَّة كالأمثلة المذكورة سابقًا . ولكن تأتي لتؤكِّد وتحثَّ فقط على ما هو معلوم من الدين بالضرورة. 3. أن يكون في الرؤيا تحديد لوقت معينَّ له علاقة بالشرع ؛ كتحديد أوَّل يوم في رمضان أو ليلة القدر مثلاً. وبخصوص هذا النوع الأخير من الرؤى؛ فإن كان هناك إجراء في الواقع ينبغي الأخذ به في تحديد الوقت (على سبيل المثال: رؤية الهلال بالعين؛ لتحديد أوَّل يوم من رمضان)، فلا ينبغي الاعتماد على رؤيا المنام وحدها. أمَّا إن كان في الرؤيا تحديد لليلة القدر مثلاً، والتي لا يمكن تحديد موعدها بدقَّة في الواقع، فينبغي على المسلم حينئذٍ التعامل مع الرؤيا على أنـَّها يحُتمل أو يُرجَّح أن تكون صادقة ؛ لاسيَّما
عدد الصفحات ٩٠91 إن كان الرائي صالحًا. ومع ذلك، فإنَّ احتمال الكذب فيها وارد، وإن كان ضعيفً ا؛ لأنَّ الشيطان ليس من مصلحته أن يُري المسلم هذه الرؤيا. وكذلك، يمكن أن يكون لهذه الرؤيا السابقة تعبير آخر لا علاقة له بليلة القدر، بل بمعنى آخر مستتر في الرؤيا؛ وتكون ليلة القدر هنا مجرَّد رمز فقط. فمثلاً: نفترض أنَّ مسلماً رأى النبيَّ ﷺ بهيئته الشريفة يخبره أنَّ ليلة القدر سوف تقع في ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان، فهذه الرؤيا صادقة، ولكن قد يكون لليلة القدر في هذه الرؤيا تعبير آخر لا علاقة له بليلة القدر نفسها؛ كأن تكون رمزًا لرفعة قدر الرائي مثلاً، أو غير ذلك من المعاني الخفيَّة التي لا يفهمها إلاَّ العالمون بالرؤى وتعبيرها. وبالتالي، لا ينبغي أن يخرج تعبير هذه النوعية من الرؤى عن دائرة الاحتمال حتَّى ولو كان قويًّا راجحًا .)42( (42) كانت رؤى المسلمين في بعض الأحيان مصدرًا من مصادر التشريع في عهد النبيِّ ﷺ، بشرط أن تُعرض الرؤيا عليه ﷺ، ويقرَّ ما جاء فيها، حتَّى تخرج الرؤيا من دائرة الظنِّ و الاحتمال إلى دائرة اليقين المؤيَّد بالوحي الإلهيِّ، وإلاَّ فلا. ولهذا أُغلق هذا الباب تمامًا بعد وفاة النبيِّ ﷺ، واكتمال الإسلام وشرائعه. ومن أمثلة الرؤى التي استخدمت كمصدر للتشريع في عهد النبيِّ، وأقرَّها ﷺ ما روي عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) أنَّه قال: أنَّ رجلاً - من الأنصار - رأى فيما يرى النائم، قيل له: بأيِّ شيء أمركم نبيُّكم ﷺ؟ قال: أمرنا أن نسبِّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبرِّ أربعًا وثلاثين، فتلك مائة. قال: سبِّحوا خَسًا وعشرين، واحمدوا خَسًا وعشرين، وكبرِّوا خَسًا وعشرين، وه لِّلوا خَسًا وعشرين، فتلك مائة. فلماَّ أصبح ذكر ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «افعلوا كما قال الأنصاريّ »- رواه النسائي
عدد الصفحات ٩١92 43. كيف يتعامل المسلم مع الرؤياالتي تأمر أو تنهى؟ هناك نوعيَّة من الرؤى قد يفهم منها الرائي أنـَّها تأمره بشيء معينَّ أو تنها ه عن شيء آخر. وقد تكون لهذا الشيء المأمور به أو المنهيِّ عنه علاقة بالشرع، أو ربَّما تكون له علاقة بالمعيشة. فمن أمثلة الرؤى التي قد تأمر بشيء أو تنهى عن شيء له علاقة بالشرع: الرؤى التي تحضُّ على الصلاة، أو على برِّ الوالدين، أو تنهى عن السّقة، أو الزنا...إلخ. أمَّا الرؤى التي قد تأمر بشيء أو تنهى عن شيء له علاقة بأمور المعيشة، فمن أمثلتها: الرؤى التي تحضُّ على الدخول في مشروع تجاري معينَّ، أو دراسة موضوع علمي مفيد، أو تنهى عن شراء شيء من متجر معينَّ، أو تحذِّر من الالتحاق بجامعة أو وظيفة معيَّنة...إلخ. وقد يأتي هذا النوع من الأمر أو النهي في الرؤى بشكل مباشر، كأن يرى الشخص في منامه من يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء بالعبارة الصريحة مثل وقد يأتي هذا النوع من الأمر أو النهي بشكل غير مباشر، لا يُفهم معناه إلاَّ من خلال تعبير الرؤيا. وذلك كأن يرى شخص متقدِّم إلى جامعة ما في منامه أنَّ مديرها يسلِّم عليه؛ فيُحتمل أن يكون معنى هذه الرؤيا الحثَّ له على الالتحاق بهذه الجامعة؛ أو كأن يرى شخص آخر متقدِّم لوظيفة ما في منامه أنَّ مكان العمل الذي تقدَّم للحصول على وظيفة فيه قد تحوَّل إلى حُفرة كبير ة، وأنـَّه على وشك السقوط فيها؛ فيُحتمل أن يكون معنى هذه الرؤيا التحذير له من الالتحاق بهذه الوظيفة.
عدد الصفحات ٩٢93 ومن المهم هنا التأكيد على مبدأ أساسي في التعامل مع هذه النوعيَّة من الرؤى، وهو إنَّ الأصل في التعامل معها أنـَّه إذا كان الأم ر أو النهي فيها ذا علاقة بالشرع؛ فإن كان أمرً ا بـمعروف ممَّ ا أمر به الشرع، أو نهيً ا عن منكر نهى عنه الشرع - سواء كان أمرًا مباشرًا أو غير مباشر -؛ فإنَّ الأصل في هذه الرؤيا هو الصدق، والأولى بالمسلم أن يتعامل مع الرؤيا على أنـَّها حقٌّ ، وأن يأخذها بجد؛ لاسيَّما إن كان لديه تقصير معينَّ ، فيما أمرته به الرؤيا أو نهته عنه. ومع ذلك، يحُتمل في هذه النوعيَّة من الرؤى أن تكون رمزيَّة ذات تعبير آخر، لا علاقة له بموضوع الأمر أو النهي، وهو تعبير لا يفهمه إلاَّ العالمون بتعبير الرؤى. أمَّا إذا كان في الرؤيا أمر بمنكر حرَّمه ال شرع، أو ببدعة لا أساس لها شرعًا ؛ أو نهي عن معروف أمر به الشرع؛ فالأصل فيها أنهَّ ا كاذبة؛ والأولى بالمسلم ألا يلتفت إليها، وألاَّ يأخذها على محمل الجدِّ. ومع ذلك، فقد تصدُ ق هذه النوعيَّة من الرؤى؛ فيكون لها تعبير مختلف تمامًا عماَّ قد يشير إليه ظاهرها، وهو تعبير لا يفهمه إلاَّ العالمون بالرؤى. ومن أمثلة الرؤى الصادقة التي في ظاهرها أمر بمنكر، وفي الوقت نفسه لها تعبير لا علاقة له بظاهرها: نفترض أنَّ مسلماً رأى في منامه في شهر رمضان من يقول له : « فهذه رؤيا ظاهرها أمر بمنكر، والأولى بالمسلم ألاَّ يلتفت إليها، وألا يتعامل معها على أنـَّها صادقة. ومع ذلك، يحُتمل أن تكون هذه الرؤيا صادقة، وأن يكون لها تعبير آخر لا علاقة له بهذا الأمر بالمنكر؛ فقد تدلُّ لرائيها مثلاً على أنـَّه سوف يُسافر في اليوم التالي؛ لأ نَّ المسافر له رخصة في الإفطار.
عدد الصفحات ٩٣94 وكذلك، من أمثلة الرؤى التي في ظاهرها أمر بمنكر، والتي قد تسبِّ ب مشكلة كبيرة لرائيها، إن لم يحسن فهمها والتعامل معها: هي رؤيا قرأتُ عنها في أحد الكتب، أنَّ مسلماً حكى أنـَّه رأى النبيَّ ﷺ في المنام يقول له فوجدتك منهم ولا شكَّ أنَّ هذه الرؤيا قد تسبَّ بت في ألم نفسي كبير لرائيها . ولكن، على من يرى مثل هذه النوعيَّة من الرؤى في المنام أنَّ ي فهم أنـَّها لا تخرج عن احتمالين: الأول: أن يكون الرائي قد رأى النبيَّ ﷺ على غير هيئته الشريفة التي كان عليها في الدنيا. وفي هذه الحالة، فإنَّ احتمال أن تكون هذه الرؤيا من الشيطان كبير؛ لأنـَّه يجوز للشيطان أن يأتي في المنام في صورة مغايرة لصورة النبيِّ ﷺ، ثم يدَّعي أنـَّه هو، ثم يأمر المسلم بكلِّ ما هو منكر؛ ليصرفه عن دينه. أمَّا الاحتمال الثاني فهو أن يكون الرائي قد رأى النبيَّ ﷺ على هيئته الشريفة. ففي هذه الحالة، تكون الرؤيا صادقة، ويكون هذا الأمر المنكر في ظاهره هو مجرَّد رمز لمعنى آخر مختلف تمامً ا عنه، قد لا يخطر للمسلم غير المتخصِّص على بال. ولا ينبغي أن يقوم باستنباط هذا المعنى من الرؤيا إلاَّ معبرِّ الرؤيا العالمِ. فمثلاً: يمكن أن يكون تعبير تلك الرؤيا السابقة حثًّا للرائي على عدم التشديد على نفسه في العبادات، والأخذ بالرخص (لا تتعب نفسك في طاعة الله)؛ لأنَّ الرائي من أهل البلاءات والهموم (فوجدتك من أهل النار)، فالرؤيا في ظاهرها شرٌّ وأمر بمنكر، بينما في باطنه ا وحقيقتها هي رؤيا رحمة من الله لهذا المسلم.
عدد الصفحات ٩٤95 ومن أمثلة الرؤى التي في ظاهرها أمر بمعروف، ولكن لهاتعبير مختلف عن هذا الأمر: نفترض أنَّ مسلماً يعيش في دولة أوروبيـَّة رأى من يقول له في منامه المسجد. فقد يكون في هذه الرؤيا حضٌّ له على الصلاة في الم سجد فعلاً . وقد يكون للرؤيا تعبير آخر؛ كأن تدلَّ له على العودة لبلده المسلم . ويكون المسجد هنا رمزًا لدولة مُسلِمة. ويقوم علماء تعبير الرؤيا بالترجيح بين هذه الاحتمالات المختلفة لمعاني هذه النوعيَّة من رؤى الأمر والنهي على أساس قواعد معلومة يتمُّ تناولها في هذا الكتاب.)43( 44. لماذا قد لا يرى بعض المسلمين رؤى صادقة؟ قد تأتي أوقات على المسلم تكثر فيها رؤاه الصادقة، وقد تأتي عليه أوقات أخرى تقلُّ فيها رؤاه الصادقة أو تنعدم تمامًا. والمعيار في ذلك هو الحكمة الإلهيَّ ة في تقدير مصلحة المسلم وحاجته للرؤيا. (43) من ضمن الرؤى الجميلة التي يمكن أن يراها المسلم، فتأمره بشيء له علاقة بالشرع: ما رواه الدميري كتاب حياة الحيوان؛ ما روي عن أمِّ المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) أنهَّا قالت: لمَّا تكلَّم الناس في الإفك، رأيت في منامي فتى، فقال لي: ما لك؟ قلت: حزينة ممَّا ذكر الناس، فقال: ادعي بهذا الدعاء، يفرِّج الله عنك، قلت: وما هو؟ قال: قولي: يا سابغ النِّعَم، ويا دافع النِّقَم، ويا فارج الغُمَم، ويا كاشف الظُّلَم، ويا أعدل من حَكَم، ويا حسيب من ظَلَم، ويا أوَّل بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، اجعل لي من أمري فَرَجًا ومخرجًا. قالت: فقلت ذلك، فانتبهت، فأنزل الله فَرَجي. ا.هـ. (لم أقف له على إسناد).
عدد الصفحات ٩٥96 ولكن أن تمرَّ على المسلم أوقات طويلة جدًّا لا يرى في ها أيـَّة رؤى صادقة على الإطلاق؛ فإنَّ هذا يحُتمل أن يشير إلى خلل ما في عقيدته أو التزامه الدينيِّ والأخلاقيِّ ؛ بل وربَّما يخُشى من أن يكون ذلك علامة من علامات غضب الله عليه ؛ أو أن يكون ممَّن قال النبيُّ ﷺ فيهم: «يُقبَضُ الصالحون الأوَّل فالأوَّل ، حتَّى يبقى كحُثالة التمر أو الشعير ، لا يبالِ الله بهم شيئًا» (حديث صحيح- رواه أحمد). ومع ذلك، فربَّما تمرُّ على المسلم أوقات طويلة لا يرى فيها رؤى صادقة، ويكون ذلك لحكمة من الله؛ ولا يكون ذلك دليلاً على غضب الله عليه، لاسيَّما إذا كان الرائي مسلماً صالحًا. 45. هل ارتكاب المسلمللمعاصي في الرؤيا يدلُّ على فساده؟ ليس بالضرورة أن تدلَّ هذه ا لنوعيَّة من الرؤى على فساد الرائي المسلم. ولكن إن كان رائيها فاسدًا في الواقع، فغالبًا ما يكون ارتكاب الخطايا في الرؤى إشارة إلى هذا الفساد؛ لاسيَّما إن كان الفساد الظاهر في الرؤيا مماثلاً للفساد الذي يمارسه الرائي في اليقظة أو قريبًا منه. وعلى العكس، فقد تدلُّ هذه النوعيَّة من الرؤى عند بعض المسلمين على معانٍ لا علاقة لها بأيِّ فساد؛ بل قد تدلُّ على معاني الخير أحيانًا؛ لاسيَّما إن كان رائيها صالحًا، ولا علاقة له في الواقع بالفساد الذي رآه في الرؤيا.
عدد الصفحات ٩٦