المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شمس دنيا المنام دراسة إسلامية في تعبير الرؤيا

جمال حسين عبد الفتاح

صفحة ٣ من ٢٢

33 8. كيف يحمي المُسلم نفسه من الرؤيا الشيطانـية وأضرارها؟ الأصل أنَّ هذا النوع من الرؤى يقلُّ عند المسلم الصالح؛ لصعوبة تسلُّط الشيطان عليه ، بينما يزداد عند غيره، بحسب درجة بُعدِه عن الإيمان والصلاح. ويستطيع المُسلم - بمشيئة الله - أن يحمي نفسه من هذا النوع من الرؤى بالإقبال على الله، بتقوية التزامه الدينيِّ والأخلاقيِّ، و المداومة على آداب النوم وأذكاره.(8 ) فمن خلال كلمات وردت في الحديثين السابقين مثل، يظهر سوء تأثير مثل هذا النوع من الرؤى على المسلم، إلاَّ أن يحفظه الله. (8) يقول النبيﷺ- رواه أحمد). ومعنى الحديث هو أ نَّ أغلب رؤى المؤمن تكون من الله . وبالتالي، يندر تدخُّل الشيطان فيها. وإذا كان من الثابت في القرآن الكريم - كما أشرنا سابقًا - أنَّ تسلُّط الشيطان على الإنسان يقلُّ كلَّ ما كان قريبًا من الله، بينما يزيد كلَّما كان بعيدًا عن الله . فمن البديهيِّ أن تقلَّ الرؤى التي تكون من الشيطان عند الصالحين، وتزداد عند من هم دونـهم في الصلاح. وقد جاء في كتاب فتح الباري لابن حَجَر العسقلانيِّ في هذا المعنى ه نادر لقلَّة تمكُّن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإنَّ الصدق فيها نادر؛ لغلبة تسلُّط الشيطان عليهم اهـ ولا شكَّ أنَّ تقوية الالتزام الدينيِّ والأخلاقيِّ للمسلم، وتقرُّبـَه إلى الله، هو السبيل إلى حفظه من كلِّ شر ، وليس فقط من شرِّ الشيطان في المنام . ويكفي كدليل على ذلك قول النبيِّ ﷺ صحيح - رواه الترمذيُّ).

عدد الصفحات ٣٣

34 9. مـا هـي الرؤيا المُفزِعـة؟ وكـيـف يـتـعامــل المسلم معها؟ الرؤيا المفزعة هي نوع من الرؤى يتسبب في خوف أو رعب المسلم . ويمكن أن يُطلق عليها أحيانًا الكابوس أو الجاثوم. وقد يكون لهذا النوع من الرؤى سببٌ من ثلاثة : 1. أسباب نفسية وجسديَّ ة. 2. رؤيا من الشيطان (لعنه ا). 3. رؤيا من ا (عزَّ وجلَّ) . للتعامل مع هذا النوع من الرؤى، ينبغي على رائيها أوَّ لاً أن يستبعد تمامًا وجود أيـ ة أسباب نفسيـَّة أو جسديـَّة لح دوثها كمرض نفسي ، أو عضوي ، أو صدمة عصبيـَّة يُعاني الشخص منها...إلخ. فأحيانًا تكون الحالة الجسديـَّة أو النفسيَّة (جوع، عطش، رغبة في التبوُّل ، خوف، حُزن ...إلخ) أثناء النوم سببًا في أن يرى النائم أشياء لها علاقة بذلك. أمَّا الرؤيا المفزعة التي يتسبَّب فيها الشيطان، فيمكن للمسلم التقليل منها أو تخفيف آثارها السيِّئة: إمَّا بالمواظبة على آداب النوم وأذكاره؛ لمنع حدوثها من الأساس، أو بالتعامل مع الرؤيا بعد حدوثها كالتالي: فالصالح محفوظ من الله. أمَّا الفاسد البعيد عن طريق الله، فيقول الله فيه: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحمَْنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36). ومعنى يعشُ: يُعرِض ويبتعد، ومعنى نُقيِّض له: نُسلِّط عليه. كذلك، فالمواظبة على أذكار النوم وآدابه نافعة للوقاية والتحصين من هذه الرؤى المؤذية.

عدد الصفحات ٣٤

35 1. الاستعاذة با: الاستعاذة من شرِّ الشيطان، وشرِّ الرؤيا. 2. النوم على الجانب الآخر تغيير وضع الجسـم في النـوم إلى الجانب الآخر. 3. البصق جهة اليسار وهو بصق خفيف كالنفخ (تَفْل) دون لُعاب ثلاث مرات. 4. الصلاةأي أن يقوم المسلم من فراشه، ويصلِّ لله . 5. عدم التحدُّث بالرؤيا وذلك مُستحبٌّ ؛ حتَّى لا يحُزِن عليه حبـيبًا، ولا يُشمِت به عدوًّا، ولا يثير عند من يحكي له الر ؤيا شكوكًا أو مخاوف لا أساس لها. وكذلك حتَّى لا تقع الرؤيا في يد جاهل، فيُ عبرِّ ها له على الشرِّ ، فيُ سبِّب ذلك للرائي مزيدًا من المعاناة. يُستحب أن يُسأل عن الرؤيا عالم ذو أمانة، وكفاءة، ودين، وإلاَّ فالأفضل ألاَّ يُ تحدَّث بها. وربَّ ما يأتي الفزع أحيانًا في رؤيا من الله، فيكون للرؤيا معنى يفهمه معبرِّ الرؤيا، كأن تكون تنبيهًا للمسلم من شر ، أو ضرر، أو خطر وشيك مثلاً . ومع ذلك فالراجح أن يقلّ الفزع في الرؤى التي تكون من الله للمسلم الصالح رحمةً من الله به .(9 ) (9) يمكن تعريف الكابوس بأنـَّه ذلك النوع من الأحلام الذي يتسبَّب لرائيه في حالة من الخوف، أو الرعب، أو الشعور بالخطر، أو الألم. ومن أمثلة الكوابيس بعض أحلام السقوط، أو الغرق، أو الموت. وربَّما يرجع السبب في مثل هذا النوع من الأحلام إلى أعراض، بعضها جسديٌّ كالإصابة بالحُمَّى، وبعضها الآخر نفسيٌّ كالصدمات العصبيـَّة، والضغوط النفسيـَّة (وهو ما يخرج عن موضوع هذا البحث). أمَّ ا بخصوص التعامل مع الرؤى المفزعة التي يتسبَّب فيها الشيطان، فقد جاء في ذلك عدد من الأحاديث النبويـَّة الشريفة: فجاء عن النبيِّ ﷺ أنـه قال بالله من شرِّها، ولا يذكرها لأحد، فإنـَّها لا تضرُّه (رواه البخاريُّ).

عدد الصفحات ٣٥

36 10. ما هي الرؤيا من الله ؟ الرؤيا من الله هي معلومات يخلقها الله في وعي النائم؛ لإخباره بأشياء معيَّنة. ويختلف هذا النوع من الرؤى عن غيره بأنـه رسالة إلهية ذات معانٍ واقعيَّة.(10 ) 11. ما هي المعاني التي تدل عليها الرؤيا من الله ؟ هي معانٍ يدلُّ أ كثرها على أحداث واقعيَّة في حياة الإنسان. ويمكن حصر أكثر المعاني التي يحُ تمل أن تدلَّ عليها هذه الرؤى الإلهيـَّة في ثلاثة تصنيفات عامَّة، وهي: 1. البُشِّى بالخير أو الإنذار بالشَِّّر : وفيها إخبار للشخص بأمور ستحدث له أو لغيره في المستقبل (بإذن الله)، سواءً كانت هذه الأحداث سعيدة أو حزينة. وجاء عنه ﷺ كذلك أنـه قال أخرى: فلينفُث) عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثًا، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه مسلم). والمقصود بالبصق هنا غالبًا هو النفخ اللَّطيف بدون لُعاب؛ فقد جاءت أكثر الروايات بلفظة وأيضًا جاء عنه ﷺ قوله (10) تعريف الرؤيا من الله بأنـها رؤى صادقة وتعبيرات لها تدلُّ على معلومات تخصُّ رائيها أو غيره . وقد قيل في سياق هذا التعريف أيضًا المؤمن كلام يكلِّم به العبدَ ربُّـه في المنام مع للألبانيِّ).

عدد الصفحات ٣٦

37 2. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وفيها نصيحة، إمَّا بحضِّ الشخص على فعل خير ومنفعة، أو تحذيره من ارتكاب شر وضرر. 3. إظهار الحقائق وإقرار الوقائعوفيها إمَّا إخبار للشخص بمعلومة لا يعرفها، أو التأكيد على معلومة يعرفها.)11( (11) قد تجمع الرؤيا الواحدة في دلالتها بين أكثر من زمن. فتأتي مثلاً للإشارة إلى أشياء حدثت في الماضي، وأشياء حادثة في الحاضر، وأشياء سوف تحدث في المستقبل (بإذن الله). والراجح هو أنَّ غالبيـة الرؤى من الله تشير إلى أحداث مستقبليـة. وربَّما يكون الدليل على ذلك أنَّ كثيرًا من الرؤى في القرآن والحديث دلَّ إمَّا على بشرى بخير أو إنذار بشر في المستقبل. ومن أمثلة الرؤى التي إمَّا أن تكون بشرى بخير أو إنذارًا بشر : رؤيـيا صاحبي يوسف (عليه السلام) في السجن، كما ورد ذلك في القرآن الكريم في قول الله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهمَُا إِنيِّ أَرَانيِ أَعْصرُِ خََْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنيِّ أَرَانيِ أَحمِْلُ فَوْقَ رَأْسيِ خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيرُْ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَ اكَ مِ نَ المْ ـُحْسِنِينَ ﴾ (يوسف:36 .) وقد أخبرهما يوسف (عليه السلام) عن تعبير الرؤيـيين بما معناه أنَّ واحدًا منهما سوف يخرج من السجن، ثم يعود لعمله كساقٍ للملك، بينما سوف يُصلَب الآخر، فتأكل الطيور من لحم رأسه، أو كما في قول الله على لسان يوسف (عليه السلام): ﴿يَ ا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُماَ فَيَسْقِي رَبَّهُ خََْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُْ مِن رَّأْسِهِ ﴾ (يوسف:41 .) من أمثلة الرؤى التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر: الرؤيا التي رآها عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (ر الله عنهما)، والذي أخبره النبيُّ ﷺ عن تعبيرها أنَّ فيها حضًّا له على قيام الليل، أو كما جاء في الخبر عن عبد الله أنـه قال البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول فقال

عدد الصفحات ٣٧

38 12. ما هي طبيعة الرؤيا من الله ؟ لهذا النوع من الرؤى طبيعتان مختلفتان، قد تنفصلان عن بعضهما، فتكون هذه في رؤيا، وتلك في رؤيا أخرى، وقد تجتمعان معًا في رؤيا واحدة، فتُشكِّلان طبيعة ثالثة تكون مزيجًا بين الطبيعتين، وتتمثَّل هذه الطبائع في الآتي: الأولى: رؤى مباشرة: وهي التي تتحقَّق في الواقع كما رآها النائم تمامًا. ومن أمثلتها: الرؤيا التي رآها النبيُّ ﷺ أنـه وأصحابه (رضي الله عنهم) قد دخلوا البيت الحرام، فتحقَّقت كما هي بعدها بعام . وقد قال الله في شأن هذه الرؤيا: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ يصلِّ باللَّيل فق عليه). ومعنى كلمة ومعنى كلمة الحبل الذي يحمل الدلو، ومعنى وقد روي عن النبي ﷺ في شأن الرؤى التي تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر في منامه أمَّا رؤيا إظهار الحقائق وإقرار الوقائع، فمنها ما يُظهِر صلاح شخص مثلاً، كما في رؤيا النبيِّ ﷺ التي قال عنهاضون عل وعليهم قُمُص (جمع قميص)، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعُرِض علَّ عمر بن الخطَّاب وعليه قميص يجُرُّه (مُتَّفق عليه). وأحيانًا قد تأتي رؤيا لتظهر براءة شخص من تهمة. فعلى سبيل المثال، عندما تكلَّم المنافقون في حقِّ أمِّ المؤمنين السيَّدة عائشة (رضي الله عنها)، كانت تقول البخاريُّ).

عدد الصفحات ٣٨

39 الرُّؤْيَا بِالْ ـ حَقر لَتَدْخُلُنَّ المْ ـَسْجِدَ الحَْرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ محَُلرقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَََافُونَ ...﴾ (الفتح:27.) الثانيةرؤى غير مباشرة (مَرمُوزَة): وهي التي لا تتحقَّق في الواقع كما رآها النائم، ولكن يكون ما رآه فيها هو مجرَّد رمز (أو رموز) للدلالة على معانٍ أخرى مختلفة ومستـترة، يمكن استنباطها من الرؤيا وفقًا لقواعد معيَّنة. ومن أمثلتها: رؤيا ملك مصر المذكورة في قول الله: ﴿وَقَالَ الْ ـمَلِكُ إِنير أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمََنٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضٍْْ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيَُُّّا المْ ـَلأُ أَفْتُونيِ فيِ رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبرُُون ﴾ (يوسف:43). فالسبع بقرات الس مان والسنبلات الخضر رمز لسبع سنوات رخاء، والسبع بقرات العِجاف والسنبلات اليابسات رمز لسبع سنوات عِجاف. الثالثة: رؤى مخُتلطة: وهي الرؤيا التي تجمع بين ملامح الرؤيا المباشرة والرؤيا المرموزة معًا. فتأتي الرؤيا الواحدة لتحتوي على خليط ما بين بعض الأشياء أو الأحداث مباشرة الدلالة، وبين بعض الأشياء أو الأحداث الأخرى المرموزة. والأمثلة على هذا النوع كثيرة، من ضمنها رؤيا يوسف (عليه السلام) وهو صغير، والتي ذُكرت في قول الله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَاأَبتِ إِنير رَأَيْتُ أَحَدَ عَشََِّ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِِ سَاجِدِين ﴾ (يوسف:4). فالشمس، والقمر، والكواكب رموز للأب والأم والإخوة، بينما السجود ليس رمزًا، فقد تحقق على ما كان في الرؤيا . وقد ذُكر ذلك في قول الله: ﴿وَرَفَعَ أَبَ وَيْهِ عَلىَ الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّر حَقًّا ﴾ (يوسف:100.)

عدد الصفحات ٣٩

40 ومن ضمنها أيضًا : ما روي عن النبيِّ ﷺ، أنـه قال فبايَعَني أسلم خالد بن الوليد، قيل لرسول الله ﷺ« : هذا كان إسلام خالدﷺ« :حتَّى أسلم عكرمة بن أبي جهل، وكان ذلك تصديق رؤياه. (المستَدرَك على الصحيحين) فأبو جهل لم يكن هو المقصود لذاته في هذه الرؤيا، ولا يدلُّ فيها على نفسه، بل هو مجرَّد رمز لشخص آخر، وهو ابنه عكرمة (رضي الله عنه)؛ بينما تدلُّ البيعة في الرؤيا على بيعة فعلاً، فهي حدث ذو معنى مباشر في الرؤيا، تحقَّ ق كما هو، وليس رمزًا لشيء آخر . فهذه رؤيا مختلطة تجمع بين ما هو مباشر، وما هو رمز. 13. ماهي الرؤيا الصادقة؟ وما هي الرؤيا الكاذبة؟ «، بمعنى الرؤيا من الله . وسُمِّيت بالصادقة؛ لأنهَّا تخبر الرائي ب معانٍ صادقة تنطبق على الواقع. أمَّا الرؤيا الكاذبة فهي عكسها، وتشمل كلَّ الرؤى التي لا معنى لها، ولا ارتباط لها بالواقع، كرؤى أحاديث النفس، والرؤى من الشيطان.(13) (13) الرؤيا الصادقة هي كلُّ رؤيا من الله سواء كانت مباشرة أو مرموزة مع ذلك، فقد ذهب البعض إلى أنَّ مصطلح جاءت؛ أي أنَّ هذه العبارة هي وصف للرؤى المباشرة، وليست المرموزة (تقدم شرح الرؤيا المباشرة والمرموزة).

عدد الصفحات ٤٠

41 14. ما هي الرؤيا الصالحة؟ وماالفرق بينها وبين الرؤيا الصادقة؟ «، بمعنى الرؤيا من الله. وهو لا يختلف في دلالته عن تعب ومع ذلك، فمن الأفضل استخدام تعب الصالحين التي تسُّّهم، وتشرح صدورهم، والتي تظهر فيها بوضوح البشرى بالخير. (14) ونحسب أنَّ هذا القول السابق خطأ، والدليل على ذلك ما جاء عن أمِّ المؤمنين ع ائشة (رضي الله عنها) أنها قالت الأرض ثلاثة. فلمَّـا مات رسول الله ﷺ، قال لها أبو بكر . ودُفن في بيتها أبو بكر وعمر. (مجمع الزوائد - رجاله رجال الصحيح). ففي هذا الأثر نرى أنَّ أبا بكر الصدِّيق (رضي الله عنه) قد استخدم عبارة الرؤيا المرموزة؛ ممَّا يدلُّ على أن المرموزة، وليست المباشرة فقط كما يزعم البعض. أمَّا عبارة (حديث صحيح - رواه الترمذيُّ) . ويُقصد بهذه العبارة كلُّ رؤيا لا معنى لها ، كرؤى أحاديث النفس، والرؤى من الشيطان. كذلك، تُستخدم أحيانًا عبارة. وقد وردت هذه العبارة في القرآن الكريم في قول الله: ﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالمِِينَ﴾ (يوسف: 44.) (14) لا يوجد دليل قاطع على أنَّ عبارة لتها عن عبارة

عدد الصفحات ٤١

42 15. هل يجوز لأي شخص أن يرى رؤى صادقة؟ نعم، يجوز لأيّ شخص أن يرى رؤى صادقة، ولكن تكثر الرؤى الصادقة عند المؤمنين الصالحين الصادقين، بينما تقلُّ عند من هم دونهم في الصلاح والصدق.(51 ) أنها تنفرد عنها بمعنى مخصوص وذلك لذِكر هذين التعبيرين في روايتين مختلفتين من الحديث النبويِّ لوصف رؤى رآها النبيُّ ﷺ. فقد جاء في الحديث عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنهاؤيا الصالحة في النوم (وفي رواية: الصادقة أو الصالحة جزء من ستـة وسبعين جزءًا من النبوَّة - رجاله رجال الصحيح). ففي الحديثين السابقين يظهر اشتراك الرؤيا الصالحة والصادقة في الموصوف نفسه، ولا يظهر بينهما فرق أو تميُّز واضح. مع ذلك، فقد تميَّزت عبارة برؤيا البشرى بالخير للمؤمن، أو كما جاء في حديث النبيّ ﷺ أنـه فسَّّ كلمة الْبُشرَْى فيِ الحَْياةِ الدُّنْيَا﴾ (يونس: 64)، بأنها- رواه أحمد). كذلك، فليس هذا الذي تميَّزت به عبارة دليل على أنـه لا يجوز أو لا يمكن إطلاق عبارة أنها أُطلقت - كما تقدَّم ذكره - على رؤى بشرَّت النبيَّ ﷺ بالبعثة النبويـَّة. ولكن نظرًا لأنَّ أحاديث كثيرة قد وردت فيها عبارة المبشرِّ ة، والرؤيا التي هي جزء من النبوَّة؛ يُفضَّل استخدام هذه العبارة مع الرؤيا الحسنة المبشرِّة التي يراها المسلمون المؤمنون الصالحون. (15) (أ) وردت في القرآن آيات تتحدَّث عن رؤى صادقة رآها مشركون . فدلَّ ذلك على أنَّ الرؤى الصادقة

عدد الصفحات ٤٢

43 لا تقتصر على المسلمين أو الصالحين فقط، بل قد يراها غيرهم من الكُفَّار والفاسدين ومن أمثلة هذه الرؤى: ما رآه ملك مصر الهكسوسيُّ الوثنيُّ في عهد النبيِّ يوسف (عليه السلام)، والتي جاء ذكرها في القرآن في قول الله: ﴿وَقَالَ الْ ـمَلِكُ إِنيِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِماَنٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضرٍْ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ (يوسف: 43 .) بالتالي، فالرؤيا الصادقة قد يراها أيُّ شخص بصرف النظر عن ديانته أو صلاحه . ولكن يكثر الصدق في رؤى المسلمين الصالحين الصادق ين؛ لقول النبيِّ ﷺ أصدَقُهُم حديثًا - رواه الترمذيُّ) . أمَّا غير هؤلاء الموحِّدين من أهل الصدق والصلاح، فيدخل الشكُّ في صدق كثير من رؤاهم. (ب) سؤال: ماذا يفعل المسلم لكي يرى رؤيا صادقة؟ الجواب: أولاً أن يكون مسلمًـا صالحًا، وأن يلتزم بالصدق في حديثه. فالالتزام بالصلاح والصدق يجلب الرؤيا الصالحة الصادقة إلى المسلم بإذن الله؛ لما تَقَدَّم من قول النبيِّ ﷺ - رواه الترمذيُّ). وثانيًا أن يدعو الله بأن يُرِيَهُ رؤيا صادقة صالحة ، كما في الدعاء المأثور الذي ورد عن أم المؤمنين السيَّدة عائشة (رضي الله عنها)، أنها كانت إذا أرادت النوم قالتاللَّهم إنيِّ أسألُك رؤيا صالحةً، صادقةً غير كاذبةٍ، نافعةً غير ضارَّةٍ »- نتائج الأفكار (ج) سؤال: هل توجد بعض حالات خاصة تمنع عن المسلم الرؤيا الصادقة كالحيض أو الجنابة أو طول الأظافر مثلاً؟ لا يوجد دليل شرعي صحيح يفيد بوجود أيّ حالة مخصوصة يمكن أن تمنع عن المسلم الرؤيا الصادقة، بما فيها الحيض والجنابة وطول الأظ افر. أما عبارة للرسول ﷺ؛ فقد رويت بلا إسناد في كتاب. وهو الكتاب المنسوب خطأ لمحمد بن سيرين (رحمه الله) . ولم أقِف لهذه العبارة على أصل في كتب الحديث.

عدد الصفحات ٤٣

44 16. ما معنى أن الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء الـنُّـبُوَّة؟ هذا وصف اختصَّ به النبيُّ ﷺ الرؤيا الصالحة - أو الصادقة - التي يراها المسلمون الصالحون، والتي تبشرِّهم بالخير في أمور دنياهم وآخرتهم. ومعنى أنها جزءٌ من أجزاء النبوَّة ثلاثة: الأول إنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ إلهيٌّ صادقٌ ، اختصَّهم الله به . وبالتالي، فالرؤيا الصالحة جزء من نبوَّتهم . والثاني إنَّ الرؤيا الصالحة قد تخبر المسلم ببعض الغيب ، كما كان الله يوحي إلى الأنبياء ب بعض الغيب. فهناك وجه تشابه بين الرؤي ا الصالحة وبين وحي الله للأنبياء. مع الفارق بين وحي الأنبياء ورؤيا عموم المسلمين في درجة الصدق واليقين. والثالث إنَّ الرؤيا الصالحة تكون بشرى للمسلم الصالح، كما كان الرسل مبشرين للصالحين من أقوامهم.(61) (16) اختلفوا في تفسير معنى كون الرؤيا الصالحة من أجزاء النبوَّة، فقالوا في ذلك كلامًا كثيرًا . ولكنَّ الظاهر أنَّ ثلاثة احتمالات فقط هي الأقرب إلى الصواب: الأول إنَّ الرؤيا الصالحة كانت جزءًا من الوحي الإلهي للأنبياء . فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها السلام) التي كانت وحيًا، كما في قول الله: ﴿فَلَماَّ بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنيِّ أَرَى فيِ المْ ـَنَامِ أَنيِّ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنيِ إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ (الصافات: 102.) الثاني إنَّ الرؤيا الصالحة جزء من النبوَّة؛ لأنَّ الله يخبر فيها بأمور غيبـيَّـة، فهي نوع من أنواع الو حي الشبيه بوحي الله للأنبياء. وإن كانت الرؤيا الصالحة تختلف عن وحي الأنبياء في أمور؛ من ضمنها أنَّ اليقين في صدقها

عدد الصفحات ٤٤

45 أو صحَّة تعبيرها غير مؤكَّد، فالظن والاحتمال والخطأ قد يدخل في التعبير، وذلك عكس وحي الأنبياء اليقينيّ الذي لا شكَّ فيه. الثالث إنَّ الرؤيا الصالحة تُبشرِّ المؤمنين الصالحين بالخير في عاجل أمرهم وآجله، كما كان يفعل الأنبياء م ع أقوامهم. فالتبشير بالخير هو أحد المهامّ التي أرسل الله الأنبياء للقيام بها، كما جاء في قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُّبَشرِِّينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلىَ اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيماً﴾ (النساء: 165 .) وفي حديث النبيِّ ﷺ الصالح) أو تُرَى له نبيلى الناس، فقال وما المبشرِّات؟ قال - رواه الترمذيُّ). ولا مانع أن تكون كل هذه الاحتمالات صحيحة من وجه؛ لأن لكل واحد منها أساسًا شرعيًّا. ومما يُذكر أيضًا أنَّ الأ حاديث الصحيحة قد اختلفت في عدد أجزاء النبوَّة التي ذُكرت الرؤيا كجزء منها . فقد جاء في بعضها عن النبيِّ ﷺ وفي حديث آخرسلم)، وفي حديث ثالث الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوَّة وعشرين جزءًا من النبوَّة والظاهر أنَّ الاختلاف بين عدد أجزاء النبوَّة من حديث إلى آخر راجع لاختلاف النبوَّات نفسها من نبي إلى آخر. وبالتالي، تختلف أجزاء النبوة أو عددها من نبي إلى آخر (عليهم جميعًا وعلى نبيـِّنا محمَّد الصلاة والسلام) . يقول الله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلىَ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (البقرة: 253). أمَّا عن معنى أجزاء النبوَّة، فلعلَّها تشير إلى ما أنعم الله به على الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وما كرَّمهم، وميَّزهم، وفضَّلهم، واختصَّهم به عن غيرهم من البشر.

عدد الصفحات ٤٥

46 17. هل يُعرف المستقبل من الرؤيا الصادقة؟ تُوجد درجتان من معرفة أحداث المستقبل: 1. معرفة يقينيـَّةوهي معرفة ما سيحدث في المستقبل يقينًا بلا ظن ، وهذا لله وحده. 2. معرفة ظنيـَّةوهي معرفة تَوَقُّع، واستنتاج، وتخطيط. والتوقُّع هو قياس ما يمكن أن يحدث في المستقبل على ما حدث في الماضي. ومن أمثلة ذلك: بلد خاضت حربًا في الماضي، وانهزمت. فيُتوقَّ ع لها إن دخلت الحرب وهنا يُثار سؤال، وهو: هل تُعدُّ رؤيا غير المسلم - إن صَدقت - جزءًا من أجزاء النبوَّة؟ والجواب: أنَّ هذه مسألة اختُلِف فيها على وجهين: الأول: إذا نظرنا إلى شرف الرؤيا الصادقة في ذاتها، وكونها من الله، وكونها تخبر بأمور غيبيـَّة، فهي إِذَن جزء من أجزاء النبوَّة ، بصرف النظر عن فساد رائيها. فكون الرائي كافرًا، لا يقلِّل من شأن الرؤيا الصادقة ولا مكانتها. تمامًا كما لا يقلِّل من شأن القرآن ومكانته كفر أو فسوق من يقرؤه. الثاني: إذا نظرنا إلى وصف الرؤيا الصادقة بأنها جزء من أجزاء النبوَّة ، على أساس أنها تبشرِّ المؤمنين الصالحين بالخير، كما كان يفعل الأنبياء مع أقوامهم. وإذا نظرنا إليها باعتبارها كرامة يكرم الله بها أنبياءه وأولياءه. وإذا اعتقدنا أنَّ وصفها بأنها من أجزاء النبوَّة هو بسبب كونها من تركات ومواريث الأنبياء لأقوامهم الصالحين . فحينئذٍ لا يجوز أن تُعدُّ رؤيا الكافر جزءًا من أج زاء النبوَّة. وقد ذهب ابن حجر (رحمه الله) إلى أنَّ رؤيا الكافر ليست من أجزاء النبوَّة (فتح الباري) . ولعلَّه ذهب إلى هذا الرأي تكريماً، وتشريفًا، وتعظيماً لمقام النبوَّة أن تكون له صلة بالكفر أو الكُفَّار. ولعلَّ هذا الرأي أرجح وأحوط من غيره. وهو أنَّ رؤيا الكافر قد توصف بالصادقة، ولكنَّها لا توصف بأنها من أجزاء النبوَّة.

عدد الصفحات ٤٦

47 نفسها مرَّ ة أخرى، أنهَّا سوف تنهزم مثل السابق. والاستنتاج هو بناء نتائج مستقبليـَّة على أساس مقدِّمات ماضية أو حاضرة . ومن أمثلة ذلك: توقُّعات الأرصاد الجويـَّة، كالتنبُّؤ بدرجات الحرارة، وسرعة الرياح، واتجاهها...إلخ. والتخطيط هو عقد الني ة على القيام بعمل معينَّ، ثُمَّ تحديد إجراءات ا لقيام به. ومن أمثلة ذلك: قرَّر شخص أنـ ه سيسافر بعد أسبوع، فبدأ بالتخطيط لما يجب عليه أن يفعله من إجراءات ما قبل السَّفر؛ أو أعلنت الم درسة أنَّ الامتحان بعد شهر، فبدأ التلميذ بالتخطيط لكيفيـَّة الاستعداد لاجتيازه بنجاح...إلخ. وهذه الأشياء كلُّها وأمثالها تدخل في دائرة العلم الظنيِّ بالمستقبل الذي لا يمكن للإنسان أن يضمن حدوثه يقينًا. ولذلك، نقول دائماً عندما نتحدَّ ث عن المستقبل ا وعلى الرغم من أنَّ بعض الناس قد يرى رؤى قويـَّة، وواضحة المعاني، ولها دلالات شبه يقينيـَّة على أحداث مستقبليـَّة، إلاَّ أنـَّه لحكمة إلهيـَّة لا تصل هذه المعاني إلى درجة الإخبار بالمستقبل يقينًا، بل يدخل فيها الظنُّ والاحتمال، ولو بنسبة ضئيلة. وذلك لسببين؛ أحدهما أو كلاهما: 1 .كثير من الرؤىلا يمكن ضمان صدقها يقينًا (وإن ترجَّح صدقها) ، فما زال احتمال الكذب فيها قائماً . 2. لا يمكن التأكُّد من صحة تعبير الرؤيا يقينًا (وإن كان مُنضبطًا راجحًا) ، فما زال احتمال

عدد الصفحات ٤٧

48 الخطأ موجودًا.(71 ) (17) جاء في القرآن الكريم ما يدلُّ على أنَّ الغيب أو المستقبل لا يعلمه يقينًا إلاَّ الله؛ إذ يقول الله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (لقمان: 34.) كذلك يقول الله: ﴿قُلأَمْلِكُ لِنَفْسيِ نَفْعًا وَلاَ ضرًَّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَْيرِْ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 188.) كذلك يقول الله: ﴿قُل لاَّ أَقُو لُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنيِّ مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليََّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 50.) كذلك يقول (العليم الحكيم): ﴿عَالمُِ الْغَيْ بِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلىَ غَيْبِهِ أَحَدًا ( 26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضََ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَينِْ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ( 27)﴾ (سورة الجن كذلك: ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فيِ السَّماَوَاتِ وَالأَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل:65). وكذلك: ﴿فَلَماَّ قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَْوْتَ مَا دَلهَُّمْ عَلىَ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَْرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَماَّ خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِْنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فيِ الْعَذَابِ الْ ـمُهِينِ﴾ (سبأ: 14.) ولكن قد يقول قائل مثلاًإنـه يعرف أنـه سوف يخرج لعمله غدًا في الصباح . ولذلك يستعدُّ بالنوم مبكِّرًا، وضبط جهاز التنبيه؛ لإيقاظه في ساعة معيـَّنة. وقد يقول آخر إنـه يعرف أنـه سيسافر بعد شهر. ولذلك يستعدُّ بتجهيز الأوراق، وتحضير الأمتعة. أفلا يُعدُّ ذلك علماً بالغيب أو المستقبل؟ والجواب: إنَّ هذا ليس علمًـا بالمستقبل، بل هو ظنٌّ، أو توقُّع، أو ترجيح لما يمكن أن يحدث في المستقبل بناءً على ما حدث في الماضي أو ما يحدث في الحاضر. ولكن لا يستطيع الإنسان أن يضمن ضمانًا يقينيًّا أبدًا أنَّ ما توقَّعه للمستقبل سوف يحدث فعلاً؛ لأنَّ مشيئة الله نافذة، وهي غالبة فوق مشيئة الإنسان. وقد يُ قدِّر الله ويقضي شيئًا مختلفًا تمامًا عن هذه التوقُّعات والترجيحات

عدد الصفحات ٤٨