المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شمس دنيا المنام دراسة إسلامية في تعبير الرؤيا

جمال حسين عبد الفتاح

صفحة ٢ من ٢٢

17 المحتويات الباب الأول: طبائع الرؤيا وأحوالها يتناول مفاهيم أساسية وأحكامً ا شرعيَّة عن الرؤيا في الإسلام: كأنواع الرؤى، وكيف تحدث، وكيفية التمييز بينها، وبيان فوائدها للمسلم، والتحذير من أضرارها. مع ذكر الضوابط المرعيَّة، والمحاذير الشرعيَّة لتعبير الرؤيا. الباب الثاني: قواعد تعبير الرؤيا وأصوله يتناول القواعد الشرعية لتعبير الرؤيا: كالتعبير بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، والأسماء، والتشابه، واللغة، والمثل السائر. ويكشف العديد من خفايا وأسرار التعبير الصحيح للرؤيا.

عدد الصفحات ١٧

18

عدد الصفحات ١٨

19 البا ب الأول طبائع الرؤيا وأحوالها

عدد الصفحات ١٩

20

عدد الصفحات ٢٠

21 1 .ما هومفهوم النوم في الإسلام؟ النوم في الإسلام هو حالة شبيهة بالموت؛ إذ يحدث النوم عندما يأخذ الله روح الإنسان من جسده. فإن كان في عمره بقيَّة، أعاد الله إليه رُ وحه، فاستيقظ من النوم. أمَّا إن كان عمره قد انتهى، أمسك الله برُوحه، فلَم تعُد إليه . والنوم في الإسلام هو من الآيات التي تَدُلُّ الإنسان على قدرة الله ، وتُذكِّره بالموت بشكل يومي ؛ فلا تُنسيه الدنيا بمشاغلها مصيره الأخير (وهو مغادرة هذه الدنيا )، وهدفه الكبير (وهو الاستعداد للقاء الله وحساب الآخرة). ومن ضمن الحِ كَمة التي خلق الله النوم من أجلها، هو أن يكون راحة للإنسان من تعب المعيشة، وأداة صيانة لجسمه ؛ حتَّى تتجدَّد قدرته على القيام بأنشطته اليوميـَّة. (1 ) (1) (أقال الله في كتابه الكريم: ﴿اللهُ يَتَوَفََّّ الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتهَِا وَالَّتِي لمَْ تمَُتْ فيِ مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضََ عَلَيْهَا الْ ـمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلىَ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فيِ ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الزمر:42.) اختلف العلماء حول معنى النفس التي يتوفَّاها الله، أو يقبضها عند النوم، والمذكورة في الآية الكريمة؛ فقال بعضهم إنها الروح نفسها التي يقبضها الله عند الموت، وقال آخرون إنها شيء آخر غير هذه الروح. والراجح أنَّ المقصود بالنفس المقبوضة عند النوم في الآية الكريمة هي الروح التي يقبضها الله عند الموت. والدليل على ذلك ما جاء في الآثار الصحيحة عن النبيِّ ﷺ، وعن الصحابيِّ عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنهما)، والتي تشير صراحة إلى أنَّ ما يُقبَض أثناء النوم هو الروح. فقد قال النبيِّ ﷺ لجماعة من الصحابة (رضي الله عنهم) عندما استيقظوا بعد طلوع الشمس، وقد فاتتهم صلاة الفجرشاء، وردَّها عليكم حين شاء

عدد الصفحات ٢١

22 في جسدي، ورَدَّ علَّ روحي، وأذِن لي بذِكْرِه - رواه الترمذيُّ). كذلك، فقد جاء عن عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنهما) أنـَّه قال في تفسير قول الله: ﴿اللهُ يَتَوَفََّّ الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتهَِا... ﴾ ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها كذلك، قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضََ أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِماَ كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (الأنعام:60)؛ ومعنى جرحتم: فعلتم وكذلك، قال الله: ﴿وَمِنْ آيَا تِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ (الروم:23)؛ أي أنَّ النوم هو من آيات الله الدَّالَّة ع قدرته. وكذلك، قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴾ (النبأ:9)؛ أي أنَّ الله قد جعل النوم راحة للجسم وكذلك، قال النبيُّ ﷺ لصحيحة). ولعلَّه ﷺ قد قال ذلك؛ لأنَّ الله يتوفََّّ الأنفس في كليهما. قد يتساءل البعض: كيف يمكن أن تُقبض روح إنسان في المنام فيموت، بينما تُقبض روح إنسان آخر في المنام فلا يموت؟ فنقول: سبحان من قدر على أن يقبض روح هذا فيموت، ويقبض روح ذاك فلا يموت. (ب) سؤال: هل يلزم النوم العميق لحدوث الرؤيا؟ الجواب: يمكن للنائم أن يرى رؤيا في غفوة بسيطة. وكذلك فمن المحتمل أن يرى رؤيا في المراحل الأولى من النوم، والتي يكون فيها على درجة من الوعي بما حوله؛ أي في مرحلة ما بين النوم واليقظة. ومع ذلك، فالظاهر أنَّ هذا لا يحدث مع أكثر الناس، فلا يرون رؤى إلاَّ في أثناء النوم العميق المعتاد. وقد روي عن الصحابيِّ عبد الله بن زيد (رضي الله عنه) أنـه قصَّ على النبيِّ ﷺ رؤيا (الرؤيا التي شرُع بها الأذان)، فقال إنه رآها وهو داود)، ولم يعا رضه النبيُّ ﷺ في ذلك؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ الشخص قد يرى رؤى صادقة مُهمَّة، وهو بين النوم واليقظة؛ أو قد يرى رؤى في مرحلة من النوم غير عميقة أو غير كاملة، فيكون لديه أثناء رؤياه بعض الوعي بعالم اليقظة. أمَّا ما نُقل عن الكِ رمانيّ عن علّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) إن أصدق الرؤيا تكون عند استغراق النوم (الإشارات في علم العبارات)، فهو كلام لا أصل له، ولا دليل عليه، بل ويكذبه الحديث الصحيح كما تقدَّم.

عدد الصفحات ٢٢

23 2 .ما هي الرؤيا؟ هي حالة خاصَّة من الوعي تح دث للإنسان أثناء النوم.)2( (2) (أ) الوعي هو قدرة الشخص الطبيعيِّ على إدراك ما حوله من الأشياء العاديـَّة؛ وهذا هو الوعي الخِلقي الذي يدرك به الناس ما يحيط بهم من أمور معايشهم؛ أمَّا في أثناء النوم، فيُفترََض أن يفقد الشخص هذا الوعي بشكل مؤقت، ليتكوَّن لديه نوع آخر من الوعي: وهو رؤيا المنام؛ ويتميَّز هذا النوع من الوعي في المنام تميُّزًا كبيرًا عن الوعي في اليقظة، سواءً من حيث المصدر، أو ا لشكل، أو المعنى (وسوف نتناول هذه النقاط بالتفصيل في سياق هذا البحث بمشيئة الله). (ب) التعريف المشتهر للرؤيا عند العديد من علماء أهل السنة والجماعة هو أنها النائملى)؛ لكن هذا التعريف غير دقيق إذا ما قورن بقول النبي ﷺ (حديث صحيح - رواه الترمذي). وكذلك قوله ﷺ، والحُلمُ منَ الشَّيطانِ . أما التعريف المذكور في إجابة السؤال أعلاه، فنحسبه أقرب للصواب؛ فقد جمع بين هذه الحالات المختلفة للرؤيا، والمذكورة في الحديث. (ج) سؤال: ما هو الفرق بين كلمتي والجواب: لا يوجد فرق بين الكلمتين من الناحية اللغوية، فكلاهما يعني. أما من ناحية المصطلح الشرعيّ، فمن المستحب أن تُطلق كلمة كلمة. وقد جاء في الحديث اللهِ، والحُلمُ من الشيطانِ . وفي القرآن الكريم: ﴿ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالمِِين ﴾ (يوسف:44 ).

عدد الصفحات ٢٣

24 3. ما هي اشياء التي يُمكن أن يراها الإنسان أثناء النوم؟ يمكن أن تقع الأشياء التي يراها الإنسان في نومه تحت تصنيفات، ومنها: 1. صور كرؤيا الإنسان، أو الحيوان، أو النبات، أو الجماد...إلخ. 2. أفعال كرؤيا الأكل، أو المشي، أو الطيران، أو الهروب...إلخ. 3. أصوات كسماع صوت إنسان، أو حيوان، أو طبيعة، أو موسيقى...إلخ. 4. روائح كَشَمِّ الروائح الجميلة، أو الكريهة...إلخ. 5. مذاقات كذوق الطعم الحلو، أو المرِّ ، أو الحامض...إلخ. 6. مشاعر وأحاسيس كالحـبِّ ، والكره، والمتعـة، والألـم والخوف...إلخ. 7. أفكار ومعلومات كأن يرى الشخص في منامه أنـ ه ي فكِّر في أشياء معيَّنة، أو أنـ ه يدركها بالفِكر فقط دون قول أو فِعل في الرؤيا. (د) سؤال: ما الفرق اللُّغوي بين كلمة فرق لغويٌّ بينهما؛ فيجوز أن يُستخدم كلاهما للتعبير عماَّ يُرى في المنام . ولكن يكـثـر استعمال كلمة (بالألِف) للمنام، بينما يكـثـُر استعمال كلمة «رؤية بصريـَّة- وليست مناميَّة - كما في قول الله عن حادثة الإسراء والمعراج: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ (الإسراء:60.)

عدد الصفحات ٢٤

25 8. أشياء أخرى ومنها رؤى لا يتذكَّرها النائم بعد الاستيقاظ، كأن يستيقظ وقد أدرك أنـه رأى رؤيا، ولكن دون أن يتذكَّ ر تفاصيل أو أحداث فيها؛ أو ربَّما يستيقظ وقد أدرك أنـه رأى رؤيا تدور حول معنى معينَّ ، لكنه يتذكَّر المعنى فقط الذي تتعلَّ ق به الرؤيا، دون أن يتذكَّر تفاصيل أو أحداث الرؤيا نفسها.(3) (3) (أ) سؤال: هل يصحُّ لغويًّا استخدام الفِعل - الذي يُستخدَم عادة للتعبير عن الرؤية البصريـة - لتوصيف رؤى المنام، في حين أنَّ حاسَّة البصر تكون معطَّلة أثناء النوم؟ الجواب: إنَّ الفعل فقط للدلالة على ما يراه المسلم ببصره، بل قد يُستخدم أيضًا للدلالة على معانٍ أخرى . فعلى سبيل المثال: قد يأتي الفعـلمَ1)؛ أي أعَلِمتَ الذي يُكذِّب بالدِّين؟ وقد يأتي هذا الفِعل أحيانًا أخرى للتعبير عن الرأي الشخصيِّ، كأن يُقال السَّفر إلى الأسبوع القادم حتَّى نستعدَّ له ن الاستخدامات المتعددة لهذا الفعل. وكذلك، يصحُّ لغويًّا أن يُستخدم الفعل. ولا يوجد دليل على جواز ذلك أقوى من ذكر هذا الفِعل في القرآن الكريم للتعبير عن رؤيا منام، كما في قول الله: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيهِ يَا أَبتِ إِنيِّ رَ أَيْتُ أَحَدَ عَشرََ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ ليِ سَاجِدِينَ ﴾ (يوسف:4 .) (ب) وسؤال ثانٍ، وهو: هل يجب أن تحتوي الرؤيا على صورة أو أكثر؟ أم يمكن أن يرى النائم رؤيا لا صورة فيها؛ كأن تقتصر رؤياه على شمِّ رائحة معيـَّنة ، أو على سماع صوت معينَّ مثلاً؟ والجواب هو: إنَّ الأصل في الرؤى والغالب عليها أنها تحتوي على صورة أو أكثر، فإن حدث غير ذلك، فهو قليل، كأن يرى النائم على سبيل المثال في بعض الرؤى أنـه يسمع كلامًا فقط دون صورة، وهذا الأخير هو نوع من الرؤى يُطلق عليه

عدد الصفحات ٢٥

26 4. ما هو الفرق بين الوعي في اليقظة والوعي في النوم؟ 1. الوعي في اليقظة مصدره الأساسيُّ الحواسُّ الخمس (السمع، البصر، الشمُّ، التذوُّق، اللَّ مس)؛ بينما لا تكون هذه الحواسُّ غالبًا مصدرًا للوعي أثناء النوم. 2 .الوعي في اليقظة محدود بقوانين ماديـَّة معينة، ومُقيَّد بقيود لا يستطيع الإنسان الخروج عنها عادة؛ فلسَمعِه حدود ، ولبصره حدود، ولحركة جسمه حدود. أمَّا في الرؤيا فتـتَّسع حدود الوعي بشكل أكبر كثيرًا من اليقظة؛ فيمكن أن يمرَّ ا لنائم بتجارب "حسيَّة أو شعوريَّة" ، لا يستطيع التعرُّض لها في اليقظة، كرؤياه لنفسه يطير في الهواء، أو يتكلَّم مع الأموات، أو رؤياه للجنَّة أو النَّار، أو أشباه هذه الأمور. 3. يستطيع الإنسان أن يتحكَّم في وعيه ويختار أثناء اليقظة؛ فيسمع أو لا يسمع، وينظر أو لا ينظر، ويفعل أو لا يفعل؛ بينما يفقد هذه القدرة في رؤيا المنام. 4. يختلفتفسير الوعي أثناء اليقظة عنه أثناء النوم. فأغلب الأشياء التي يدركها الإنسان في اليقظة لا تحتمل أيَّ معنى أبعد ممَّ ا يقوم المخُّ ب تفسيرها به فورًا . فمثلاً السيَّارة التي يراها الإنسان في اليقظة لا يمكن أن تعني إلا أن تكون سيَّارة، والطائرة طائرة...وهكذا. أمَّا الوعي أثناء النوم -أو رؤيا المنام- فقد يكون له تفسير مختلف عماَّ يراه النائم ، كتفسير السفينة بالنجاة من موقف عصيب، أو الأفعى بإنسان شرير.(4)

عدد الصفحات ٢٦

27 (4) (أ) مـايظهر هو أنَّ الشخص يفقد إحساسه بالزمان والمكان في أثناء النوم . والدليل على ذلك ما جاء في قصَّة أهل الكهف، التي حكى عنها القرآن الكريم، ممَّا يدلُّ على أنهم فقدوا إحساسهم بالزمان والمكان. فأمَّا فقدانهم الإحساس بالزمان، فدلَّ عليه قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَ ثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِماَ لَبِثْتُمْ﴾ (الكهف: 19). فهُنا اعتقدوا أنهم ناموا لمدَّة يوم أو ساعات، وذلك على خلاف ما ناموه فعليًّا فترة ثلاثمائة وتسع سنين، أو كما جاء في قول الله: ﴿وَلَبِثُوا فيِ كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف: 25 .) وأمَّا فقدانهم الإحساس بالمكان، فدلَّ عليه قول الله على لسانهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلىَ المْ ـَدِينَ ةِ فَلْيَنظُرْ أَيهَُّا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف :19). فعندما استيقظوا بعد هذه السنين الطويلة جدًّا، لم يدركوا التغيرُّات التي حدثت للمدينة التي كانوا يعيشون فيها ، من تعاقُب الأجيال، وتبدُّل الأحوال، وظنُّوا أنها مدينتهم ذاتها التي تركوها. (ب) نظرًا لأنَّ ما يستطيع النائم أن يمرَّ به من إدراكات في الرؤيا هو أوسع وأكبر ممَّا يستطيع أن يفعله في اليقظة، فقد دَرَج الناس على استخدام كلمة تطلُّعات الشاقَّة التي يصعب تحقيقها في الواقع أو يستحيل. فإذا تحقَّقت هذه الأمنيات قالوا . فيُقال مثلاً حُلماً للبشريـَّة على مرِّ العصور حتَّى تحقَّق وكذلك، تُستخدَم هذه الكلمة في التعبير عن الأوهام، والظنون، والتصوُّرات ا لبعيدة عن الواقع. فيُقال مثلاً: « كما يُستخدَم تعب بعقله في تحقيقها دون أن تتحقَّق في الواقع. (ج) ليس للنائم أيُّ اختيار في رؤياه، بل هي مفروضة عليه . والدليل على ذلك أنَّ الله لا يحُاسِبه على فترة النوم، بل إنها لا تحُسب عليه من عمله أصلاً، أو كما جاء في قول النبيِّ ﷺ حتَّى يستيقظ

عدد الصفحات ٢٧

28 5. ما هي مصادر الرؤى؟ للرؤى مصادر ثلاثة عند النائم: من الله (عز وجل)، أو الشيطان (لعنه الله)، أو النفس.(5) 6. ما هي رؤيـا حديث النـفـس؟ يُقصد بالنفس ذلك الجزء غير الماديِّ في الإنسان، والمسؤو ل عن اتخِّاذ القرارات والتفكير. أمَّا رؤياقد تحدث عندما تقوم نفس الشخص بإعادة عرض ما كان يُفكِّر فيه أو ينوي فعله في يقظته مرة أخرى داخل وعيه في أثناء نومه على شكل رؤيا. وليس لهذا النوع من الرؤى أيـة أهميـ ة تُذكر في العقيدة الإسلاميَّة، ما عدا فقط أن يعرف المسلم بوجودها، وبأنـ ها يمكن أن تأتِيَه في منامه؛ حتَّى يستطيع التمييز بينها وبين النوعين الآخرين من الرؤى.(6 ) (5) يقول النبيﷺ حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من ا (6) (أ) تعريف النفس مأخوذ من أحاديث النبيِّ ﷺ عن رؤيا حديث النفس كالتا قول النبيِّ ﷺ واصفًا رؤيا حديث النفس الصحيحة) . ومعنى يهُِمُّ به: ينوي القيام به. وكذلك، جاء في حديث آخر عن رؤيا حديث النفس في المنام

عدد الصفحات ٢٨

29 7. ما هـي الرؤيـا الشيطانية؟ الرؤيا الشيطانيـة هي نوع من الرؤى يُريه الشيطان للإنسان للإضرار به. وتحدث هذه الرؤيا عندما يأتي الشيطان إلى النائم، فيتسلَّط عليه، ويجعله يرى أشياء معيـَّنه تؤذيه . ليس معنى التعريف المذكور للنفس أنهَّا مسؤولة عن اتخِّاذ القرارات والتفكير فقط، بل قد تكون لها وظائف أخرى كاحتواء بعض المشاعر (كالخوف مثلاً)، أو كما في قول الله: ﴿فَأَوْجَسَ فيِ نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ (طه: 67 .) وقد تأتي كلمة (ب) الدليل على كيفيَّة حدوث رؤيا حديث النفس هما الحديثان النبويَّان السابقان؛ إذ يُفهم منهما أنَّ رؤيا حديث النفس هي انعكاس مناميٌّ لما يفكِّر فيه الشخص في اليقظة أو ينوي فعله. (ج) الدليل على أن ليس لرؤيا حديث النفس أهميـة هو: أوَّلاً: لا يوجد نصٌّ في القرآن أو الحديث يشير إلى أنَّ لها أية أهمية أو معنى. وثانيًا: ما رُوي عن النبيِّ ﷺ قوله عن رؤيا حديث النَّفس- المطالب العالية). (د) يُطلق على رؤيا حديث النفس أحيانًا. ومعناها لغويًا أخلاط أو أشياء مختلطة (المعجم الوسيط). أما أضغاث الأحلام فهي المذكورة في قول الله: ﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالمِِين﴾ 44] فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَماَ أُرْسِلَ الأَوَّلُون ﴾5]. ومعنى أضغاث الأحلام ما كان في المنام مشاهد مجتمعة مختلطة مختلفة، لا ارتباط بينها، ولا ترتيب، ولا تناسق. ولعل الغالب على رؤى حديث النفس التي لا معنى لها أنها تكون كذلك؛ ولهذا ربما يُطلق عليها أضغاث الأحلام.

عدد الصفحات ٢٩

30 وتتميَّز هذه الرؤى بصفات؛ لابدَّ أن تتوافر واحدة منهم على الأقلِّ فيها، وهي: 1. الحُزن والكآبة فيرى النائم ما يجعله يستيقظ حزينًا، مهمومًا، مُنقَبـِضَ النفس ، كرؤيا موت الأهل، واحتراق البيت، والطلاق، والرسوب في المدرسة، والإصابة بمرض خطير. 2. التَّخويف والإفزاع فيرى النائم ما يجعله يستيقظ في حالة من القلق، والخوف، والرُّعب ، كرؤى الجنِّ، والشياط ين، والقتل، والتعذيب، والسقوط. 3. العَبَثفيرى النائم أشيـاء تافهـة، كرؤى الأغاني البذيئة، والمزاح، والرقص، والتغيرُّ في شكل الجسم وحجمه، وأشخاص في صور غريبة. 4. الإيقاع بين الصا كالرؤى التي تزرع الشكوك والعداوات بين الأزواج والزوجات الطيبين والطيبات، أو المتحابـِّين في الله من الصالحين. مثال: رؤيا شخص مسلم صالح أنَّ أخ اه المسلم الصالح يقتله أو يسّقه ، أو رؤيا المسلم الصالح أنَّ زوجته المسلمة الصالحة تطلب الطلاق منه أو تخونه. 5. التشجيع على الكفر والمعا ويهدف الشيطان من هذه الرؤى إلى إضعاف إ يمان المسلم، وصدِّ ه عن سبيل الله. مثال: رؤيا الحضِّ على الكفر، والاستهزاء بالدِّين، والنهي عن الم عروف كالصلاة، والصيام، والصدقة؛ أو الأمر بالمنكر كالزنا، والسّقة، وشرب الخمر...إلخ. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنَّ الرؤى السيِّ ئة التي تأتي بعد أوقات يكون المسلم فيها في عبادة الله وطاعته (كأن تكون الرؤيا بعد توبة، أو صلاة، أو عمل خير...إلخ)، يُرجَّح أن تكون من الشيطان بغرض الإضرار بالمسلم.

عدد الصفحات ٣٠

31 أمَّا الضرر الذي ربما يسبِّ به هذا النوع من الرؤى، فهو ما قد يصيب المسلم بعده عادة من حالة نفسيـَّة سيِّئة . وأمَّا فوائدها - إن وجدت - فقد تكون تقوي ة شعور المسلم بعداوة الشيطان؛ فيدفعه إلى الاقتراب من الله، وتقوية علاقته به .(7) (7) (أ) الشيطان هو مخلوق من جنس الجنِّ. والجنُّ مخلوق من النار؛ لقول الله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِْن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف: 50)، وكذلك لقوله: ﴿وَالجَْآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر 27.) وهو كافر؛ لقول الله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبرََ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة 34). وهو يعيش على الأرض التي يعيش عليها الإنسان؛ لقول الله: ﴿فَأَزَلهَُّماَ الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُماَ ممَِّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فيِ الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلىَ حِينٍ﴾ (البقرة: 36). وهو يتزوَّج ويتكاثر؛ لقول الله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونيِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالمِِينَ بَدَلاً﴾ (الكهف: 50 .) وهو يعادي الإنسان منذ بدء الخليقة؛ لقول الله: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ (طه 117). وهو يسعى في إيذاء الإنسان وإضلاله؛ لقول الله على لسان إبليس اللعين: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلََّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء: 62). ومعنى أحتنِكَنَّ ذُريَّته: أُضِلُّ ذُريَّة آدم وهو مخفيٌّ عن الإنسان، بينما لا يخفى عنه الإنس ان؛ لقول الله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنهَُمْ﴾ (الأعراف:27.) كذلك، فإنَّ للشيطان نوعًا من التأثير على الإنسان يقلُّ في درجته كلَّما كان الإنسان مسلماً صالحًا قريبًا من الله؛ لقول الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ مْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر: 42.) كما تتعدَّد أشكال تأثيره على الإنسان . فأبرزها التشجيع على ارتكاب الشرِّ، والإبعاد عن عمل الخير . وهذا ما يُسمَّى بالغواية أو الوسوسة، أو كما جاء في قول الله: ﴿فَوَسْوَسَ لهَُماَ الشَّيْطَانُ﴾ (الأعراف:20.) ومن ضمن تأثيره السيء على الإنسان أيضًا الإيذاء الجسديُّ كالسِّحر والمسِّ، كما في قول الله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنيِّ مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص: 41 .)

عدد الصفحات ٣١

32 وقد يأتي هذا التأثير الشيطانيُّ على شكل رؤ يا منام كما تقدَّم ذكره. (ب) من بين الأدلَّة الشرعيَّة على الصفات التي يتَّصف بها هذا النوع من الرؤى الآتي: أوَّلاً: قول النبيِّ ﷺ عنها أنها ثانيًا: قول النبيِّ ﷺ عنها أنها ثالثًا: قول النبيِّ ﷺ (ج) أمَّا الإيقاع بين الصالحين، فهذا من أعمال الشيطان التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، في قول الله: ﴿إِنَّماَ يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْ عَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ (المائدة: 91). وقد يفعل الشيطان ذلك من خلال رؤى المنام. وعلى الصالحين أن يحذروا من أن يمنحوا الشيطان الفرصة لإيقاع العداوة والبغضاء بينهم بهذه الطريقة الرديئة. (د) أمَّا التشجيع على الكفر والمعاصي، فهذا من أعمال الشيطان التي جاء ذكرها في القرآن الكريم في قول الله على لسان الشيطان الرجيم: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ (النساء: 119.) وقد يقوم الشيطان بهذا الإضلال للناس من خلال الرؤى ومن أمثلة هذا النوع من الرؤى: أن يأتي الشيطان (لعنه الله) لإنسان مسلم صالح في المنام، فيريه رؤى فيها استهزاء بالدِّين (والعياذ بالله)، أو قد يقول له في المنام أنـه ربه، أو أنـَّه نبيٌّ من الأنبياء، ثم يأمره بالكفر، والفسوق، والعصيان (والعياذ بالله). ويرجو الشيطان من وراء هذا النوع من الرؤى أن يستيقظ المسلم بعدها وقد اهتزَّ إيمانه، وأحاطت به الشكوك. حفظنا الله والمسلمين من شرِّ الشيطان ومكائده. (هـ) الدليل على سوء تأثير هذا النوع من الرؤى على الإنسان ما جاء في الحديث الشريف من تسميتها بـ « (رضي الله عنه) أنه قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتُمرِضُنِي، حتَّى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا تمرضني، حتَّى سمعت النبيَّ ﷺ يقول يحُِبُّ، وإذا رأى ما يكرَهُ، فليَتَعَوَّذ بالله من شرِّها، ومن شرِّ الشيطان، وليَتْفِل ثلاثًا، ولا يحَُدِّثْ بها أحدًا، فإنهَّا لن تَضرَُّه

عدد الصفحات ٣٢