المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شمس دنيا المنام دراسة إسلامية في تعبير الرؤيا

جمال حسين عبد الفتاح

صفحة ١٠ من ٢٢

145 3. لا يؤدري إلى نتائج يقينيَّ ة: فنتائجه التي يُ تَ وَ صَّ ل إليها - من تعبيرات للرؤى - تكون دائماً احتماليَّ ه سواء كانت هذه الاحتمالات قويَّ ة أو ضعيفة. 4. يحتاج لموهبة خاص ة لممَرسته: فعلى الرغم من أنَّ قواعده معلومة، وممكنة الفهم والتدريس لكلِّ مسلم، إلاَّ أنَّ ممارسته وتطبيقه بكفاءة في حاجة إلى استعداد شخصي مخصوص عند من يمارسه؛ لا يهبه الله إلاَّ لأشخاص قليلين نسبيًّا على الأرجح. 15 .هل يتغ علم تعبير الرؤيا بتغيرُّ الأزمان؟ لا تتغيرَّ قواعده، ولكن يتغيرَّ العديد من تفاصيله؛ أي رموز الرؤى وتعبيراتها؛ وذلك نظرًا للتغيرُّ المستمرِّ في أحداث الحياة وأدواتها؛ ممَّ ا يؤدِّ ي بدوره إلى تغيرُّ في رموز الرؤى ومعانيها. فمثلاً : لم يكن الحاسوب، والساعة، والنظَّارة، والطائرة من رموز الرؤى منذ ألف عام؛ بينما هي الآن من رموز الرؤى التي تتطلَّ ب تعبيرً ا. 16. لماذا لا توجد مدارس أو جامعات لتدريس علمتعبير الرؤيا؟ لا توجد مدارس أو جامعات لتدريس علم تعبير الرؤيا؛ لندرة الموهوبين القادرين على القيام بهذا العمل، إلى جانب قلَّة المراجع والبحوث العلميَّ ة القويَّ ة في هذا العلم، والتي يمكن

عدد الصفحات ١٤٥

146 أنتُ شكِّ ل منهجًا مُفيدًا يُمكن تدريسه للجادِّين من طلبة هذا العلم. ذلك بالإضافة إلى ظنِّ بعض المعاصرين المنتسبين للمؤسَّ سات الإسلاميَّ ة والتعليميَّ ة بعدم وجود هذا العلم أصلاً، أو عدم انتسابه للشريعة الإسلاميَّة! 17. لماذا لا يُقبل الباحثون الشِّعيون على البحث والتأليف في علم تعبير الرؤيا؟ يرجع ذلك إلى عدَّ ة أسباب منها: 1 . عدم تعلُّق هذا العلم بالأحكام الشرعية من حلال، وحرام، ومستحب ، ومكروه، وتكاليف يترتَّ ب عليها ثواب وعقاب. وبالتالي، يقلُّ إقبال الباحثين عليه. 2 . ندرة مراجع وأصول هذا العلم، وضعف وفوضى الموجود منها، وامتلائه بالخرافات والفلسفة وكلام بعيد عن الإسلام، بل بعيد عن العقل. وهذا يتنافَّ مع ما يُفضِّ له أغلب الباحثين؛ إذ يُ فضِّ لون البحث في المواضيع التي تكثر فيها المراجع والمصادر القويَّ ة، والمحترمة، والموثوق بها. 3 . عدم وجود علماء كبار، متخصصين، معروفين في علم تعبير الرؤيا، أو ندرتهم؛ فلا يجد الباحث في هذا العلم من يلجأ إليه من أهل التخصُّ ص والخبرة من أجل أن يساعدوه، بعكس بقيَّ ة العلوم الشرعيَّ ة الأخرى. 4 . مجال غير مطروق، وشائك، وغمألوف، والجهل العام به كبير. فيُحتمل لمن يخوض فيه أن يتعرَّ ض لكثير من الانتقادات، وأن يجد نفسه محُارِبًا وحيدًا في ساحة معركة، أو مُغامِرًا

عدد الصفحات ١٤٦

147 مخُاطِرًا في أرض مجهولة، بعكس بقيَّ ة العلوم الشرعيَّ ة. 5. عدم الاعتراف به كعلم أكاديمي يمكن تدريسه أو الحصول على الشهادات فيه مثل بقيَّ ة العلوم الشرعيَّ ة؛ فلا يجد الباحث جدوى " لتضيـيع وقته" في علم لن يحصل فيه لا على شهادة جامعيَّ ة ولا عُليا، ولن يعترف به أحد غالبًا كباحث شرعي مُقدَّر ، ولن تؤهِّ له أبحاثه في هذا المجال للحصول على أيـَّة فرصة عمل مرموقة أو الانخراط في سلك التدريس بالجامعة. 6. صعوبة التعامل مع هذا العلم، وعوائق الاجتهاد والكتابة فيه ؛ لأنَّه يحتاج إلى موهبة خاصَّ ة في ممارسته لا تتوافر لدى كثير من المسلمين. 18. هل يستطيع المسلم تعلُّمتعبير الرؤيا وقواعده؟ ساد الاعتقاد لقرون طويلة أنَّ علم تعبير الرؤيا مغلق على نخبة من المسلمين أصحاب فراسة. والمقصود بالفراسة أنـَّها نور يقذفه الله في قلب المسلم يُدرِك به الصواب ، أو يفهم بها مكنونات الأشياء وبواطنها من ظواهرها؛ أو هي نوع من أنواع البصيرة يدرك بها المسلم أمورًا لا يدركها غيره. كما ساد الاعتقاد أيضًا بأنَّ تدريس هذا العلم ودراسته هي أمور غير ممكنة. وهذا الاعتقاد خطأ من وجه، وصواب من وجه آخر. فهو خطأ؛ لأنَّ علم تعبير الرؤيا ذو قواعد وأصول واضحة كما تقدَّ م ذكر الدليل على ذلك، وكما سيتمُّ تناولها بالتفصيل في هذا الكتاب (بمشيئة الله).

عدد الصفحات ١٤٧

148 أما وجه الصواب في هذا الكلام فهو أنَّ قواعد هذا العلم تحتاج إلى موهبة إلهيَّة خاصَّ ة؛ حتَّى يستطيع المسلم استخدامها وتطبيقها بشكل جيد. فالخلاصة، أنَّ تعلُّ م قواعد تعبير الرؤيا مسألة يسيرة نسبيًّا على المسلم؛ أمَّ ا تطبيقها فربَّما يصعب على كثير من المسلمين غير المتخصِّصين . 19. هل للرؤيا أكثر من تعبير؟ أم ليس لها إلاَّ تعبير واحد فقط؟ للرؤيا تعبير صحيح واقع، وتعبير محُتمل، و تعبير خطأ. فأمَّ ا التعبير الخطأ فهو التعبير الذي لا يقوم على أيِّ أساس أو قاعدة من القواعد الصحيحة لتعبير الرؤى، أو هو التعبير الذي أخطأ فيه المعبرِّ في استخدام القاعدة، فلم يطبِّ قها التطبيق الصحيح. وبالتالي، لا يصل إلى تعبير صحيح للرؤيا. أمَّ ا التعبير المُحتمل للرؤيا فهو تعبير واحد من بين عدد من التعابير لرؤيا واحدة يستندون جميعًا إلى القواعد الصحيحة لتعبير الرؤى. وبالتالي، يمكن أن ينطبقوا كلُّ هم على الرؤيا. وهذه التعابير تسمى تعبيرات احتماليَّ ة للرؤيا أو احتمالات لمعنى الرؤيا. وقد يكون للرؤيا الواحدة أكثر من تعبير يقومون كلُّ هم على قواعد صحيحة، ويحُتمل تحقُّ ق أيُّ واحد منهم. أمَّ ا التعبير الصحيح الواقع فهو تعبير واحد فقط من بين ال تعبيرات المُحتملة للرؤيا، وهو المعنى المقصود بها، وهو المُتحقِّ ق فعلاً من بين احتمالات معانيها .

عدد الصفحات ١٤٨

149 مثال: نفترض أنَّ مسلماً قد رأى في منامه طِفلاً صغيرًا ، ففي هذه الرؤيا لدينا ثلاثة أنواع من التعابير: الأول: تعبير خطأ: كأن يقول المعبرِّ للرائي مثلاً إنَّ الطفل معناه في الرؤيا مُصيبة. فنسأله: كيف وصلت إلى هذا التعبير؟ فإذا لم يكن هذا التعبير قائماً على قاعدة صحيحة من قواعد تعبير الرؤى، أو لم يكن ناتجًا عن تطبيق صحيح لهذه القاعدة، قلنا عنه تعبيرً ا خطأ، أو تعبيرً ا غير محُتمل، أو غير صحيح، أو غير واقع، ولم نقبله. الثاني : تعبير محُتمل: كأن يقول المعبرِّ للرائي مثلاً إنَّ الطفل في الرؤيا يحُتمل أن يدلَّ على مسؤوليَّ ة يتحمَّ لها، أو على نِعمة من الله له ، أو على عمل صغير يقوم به. فنسأل المعبرِّ عن القاعدة التي بنى عليها هذه الاحتمالات في تعبير الرؤيا، فإذا وجدنا أنـَّه استخدم القاعدة الصحيحة للتعبير، وطبَّ قها تطبيقًا صحيحًا على كلِّ واحدٍ من هذه التعبيرات، قبلناها كلَّ ها، وأصبح كلُّ واحد منها تعبيرا احتماليًّا للرؤيا؛ أي تعبيرً ا ينطبق عليها، ويحُ تمل أن يتحقَّ ق. الثالث: تعبير صحيح واقع: وهذا ال تعبير هو واحد فقط من الاحتمالات السابقة أو التعبيرات الاحتماليَّة للرؤيا، وهو الذي يتحقَّ ق فعلاً من بينها، ويكون هو المعنى المقصود بالرؤيا بإذن الله. وفي علم تعبير الرؤيا قواعد لترجيح التعبير الأقرب إلى الصحَّ ة والوقوع للرؤيا من بين الاحتمالات المختلفة. وسوف نتناول هذه القواعد في سياق هذا الكتاب بمشيئة الله.

عدد الصفحات ١٤٩

150 ومنبين الأمثلة المشهورة لهذه الأنواع من التعبيرات: 1. تعب خطأ غير واقع : تعبير أبي بكر الصدِّ يق (رضي الله عنه ) لرؤيا في حضرة النبيِّ ﷺ، حيث قال له النبيُّ ﷺ بخصوص تعبيرهأصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا »تفق عليه). 2. تعب صحيح محُتمل : تعبير النبيُّ ﷺ لرؤيا، لم يشأ الله أن يكشف له ﷺ تعبيرها الواقع؛ يقول النبيُّ ﷺ« :رأيت في المنام أنير أهاجر من مكَّ ة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلِ إلى أنـَّ ها اليمَمة أو هَجَر، فإذا هي المدينة يثرب »تفق عليه). فتظهر هنا رؤيا النبيِّ ﷺ لأرض بها نخل، ويظهر كذلك تعبيران احتماليَّ ان، وهما: المدينة أو هَجَر. وكلا ال تعبيرين يستند إلى القواعد الصحيحة لتعبير الرؤيا (كلتاهما أرض بها نخل)، فكلاهما محتمل الوقوع. وكذلك فالمدينة (يثرب) هو تعبير احتماليٌّ للرؤيا مثل اليمامة وهَجَر. 3 .تعب صحيح واقع: وهو ال تعبير الذي تحقَّ ق من ضمن ال تعبيرات الثلاثة السابقة المُحتملة (اليمامة، وهَجَر، ويثرب)، وهو المدينة (يثرب). 20 .إذاعُب ـِرت الرؤيا بأكثر من تعبير فأيُّ واحد يتحقَّ ق؟ وهل صحيح أنَّ ال تعبير الأوَّ ل فقط هو الذي يتحقَّ ق؟ هناك خَسة احتمالات في هذه المسألة: 1. يتحقق التعبير الأوَّ ل للرؤيا مطلقًا، ولا يتحقَّ ق أيُّ تعبير آخر بعده.

عدد الصفحات ١٥٠

151 ويُقصَد بذلك أن ـَّه بمجرَّ د أن يقوم شخص بتعبير الرؤيا على معنى معينَّ ، بصرف النظر عن كون هذا التعبير محُتملاً أو غير محُتمل، أو كونه صوابًا أو خطأ؛ فإنَّ هذا التعبير يثبُ ت على الرؤيا، ويكون هو المعنى المتحقِّ ق لها. وقد استند من قالوا بهذا الكلام إلى ظاهر معنى حديث النبيِّ ﷺ« :إنَّ الرؤيا تقع على ما تُعبرَّ، ومَثَلُ ذلك مثل رجل رفع رِجلَيه ، فهو ينتظر متى يضعها؛ فإذا رأى أحدكم رؤيا، فلا يحَُدرث بها إلاَّ ناصحًا أو عالمـًا»- صحيح الجامع وقال بعض أنصار هذا القول إن القَدَر يسوق للرؤيا من ي عبرِّ ها أول تعبير، فتـتحقَّ ق عليه. 2. يتحقق التعبير الأوَّ ل للرؤيا بشِّط أن يكون محُتملاً ، وإلاَّ فلا. ويُقصَد بذلك أنَّ التعبير الأوَّ ل للرؤيا يتحقَّ ق إن كان ممَّ ا تحتمله رموزها، أي ال تعبير الاحتماليُّ الذي يقوم على قاعدة صحيحة من قواعد تعبير الرؤى. أمَّ ا إن كان التعبير خطأ، أو غير محُتمل، أو لا يستند إلى قاعدة من القواعد الصحيحة ل تعبير الرؤى، فإنـَّه لا يتحقَّ ق، ولكن يتحقَّ ق أوَّ ل تعبير محُتمل بع ده، فإن لم يكن الذي بعده محتملاً ، تحقَّ ق الذي بعده من ال تعبير المُحتمل، وهكذا. وقد استند من قالوا بهذا الكلام إلى قول النبيِّ ﷺ لأبي بكر الصدِّ يق (رضي الله عنه ) عندما عبرَّ رؤيا في حضرة النبيِّ ﷺ« :أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا »تفق عليه)، فاستنتجوا من ذلك أنَّ التعبير الخطأ لا يتحقَّ ق، ولو كان أوَّ ل تعبير. وقد حاول أصحاب هذا القول بذلك تقييد وتصحيح الفهم الواسع جدًّا للمسألة عند أصحاب الحديث المُستَنَد إليه في القول الأوَّ ل، وذلك بالحديث المُستند إليه في القول الثاني.

عدد الصفحات ١٥١

152 فحديث أصحاب القول الأول صحيح عند أصحاب هذا القول، ولكن قيَّ دوه وحدَّ دوا معناه بالحديث الثاني، فاستثنوا التعبير الخطأ أو غير المُحتمل من التحقُّ ق، ولو كان هو التعبير الأوَّ ل للرؤيا. وقد كان الشيخ محُ مَّ د ناصر الدين الألبانيُّ (رحم ه الله) من أنصار هذا القول، فجاء عنه في السلسلة الصحيحةعبرَّ، ولذلك أرشدنا رسول الله ﷺ إلى ألاَّ نقصَّها إلاَّ على ناصح أو عالم؛ لأنَّ المفروض فيهما أن يختارا أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن ممَّا لا ريب فيه أنَّ ذلك مُقيَّد بما إذا كان التعبير ممَّا تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضًا، وإلاَّ فلا تأثير له حينئذ. والله أعلم . ومع ذلك، فهناك إشكال في القولين الأوَّ ل والثاني، وهو أنـَّه إذا ما افترضنا أنَّ أيًّ ا منهما صحيح، فبناء على ذلك ، يستطيع الإنسان أن يعرف المستقبل بشكل يقيني لا شكَّ فيه من خلال الرؤيا ، بمجرَّ د أن يتمَّ تعبيرها أوَّ ل تعبير أو أوَّ ل تعبير محتمل، وهذا غير ممكن؛ لأنَّ المستقبل اليقينيَّ لا يعلمه إلاَّ الله وحده لا شريك له (راجع السؤال رقم 17.) 3. تتحقق الرؤيا على الخير أو الشِّر في أوَّ ل تعبير محُتمل دون شرط أن تتحقَّ ق تفاصيل هذا التعبير الأوَّ ل. ويُقصَد بذلك أنَّ الرؤيا إذا عُبرِّ ت أوَّ ل مرَّ ة على معنى خير محُتمل ، تحقَّ قت على الخير، ولكن على أيِّ خير محتمل، وليس بالضرورة الخير الذي ذكره المعبرِّ في التعبير الأول. فمثلاً : إذا عُبرِّت رؤيا أوَّ ل مرة على أنـَّها بشرى بزواج، فهذا أوَّ ل تعبير للرؤيا على احتمال خير. وبالتالي، تقع الرؤيا على الخير عمومًا، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الخير زواجًا

عدد الصفحات ١٥٢

153 كما قال اعبرّ الأوَّ ل، فقد يكون زواجًا كما قال، أو قد يكون خيرًا آخر محتملاً أيضًا . وبالمثل، إذا عُبرِّت رؤيا أوَّ ل مرة على معنى شر محتمل، كإنذار بمرض خطير مثلاً (عياذًا بالله)، فهذا أوَّ ل تعبير للرؤيا على احتمال شر . وبالتالي، تتحقَّ ق الرؤيا على الشرِّ ، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الشرُّ مرضًا خطيرًا كما قال المعبرّ الأوَّ ل، فقد يكون كذلك أو قد يكون أيَّ شر آخر. ويستند هذا القول إلى حديث النبيِّ ﷺ« :إذا عبرتم للمسلم الرؤيا، فاعبروها على خ فإنَّ الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها»- فتح الباري وكذلك حديث النبيِّ ﷺ« :رأيت في المنام أنير أهاجر من مكَّ ة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلِ إلى أنـَّها اليمَمة أو هَجَر، فإذا هي المدينة يثرب »تفق عليه). فذهب أصحاب هذا القول إلى أنَّ الرؤيا إذا عُبرِّ ت على خير، تحقَّ قت على خير، وإذا عُبرِّ ت على شر ، تحقَّ قت على شر ، وذلك استنادًا إلى نصِّ الحديث السابق الأوَّ ل. ومع ذلك، فليس بالضرورة أن تتحقَّ ق الرؤيا على احتمال الخير (أو الشرِّ ) الذي ذكره المعبرّ الأوَّ ل، وذلك استنادًا إلى نصِّ الحديث السابق الثاني؛ حيث عُبرِّ ت الرؤيا تعبيرً ا أوَّ ل محُتملاً على الخير (اليمامة أو هَجَر)، فوقعت على الخير، و لكن على خير آخر مختلف (المدينة) عماَّ يحتمله تعبير الرؤيا غير الاحتمالين المذكورين في التعبير الأوَّ ل. وهذا القول هو محاولة لتلافي الإشكال في القولين الأوَّ ل والثاني. فهو من جهة يثبت وقوع التعبير الأوَّ ل للرؤيا، ومن جهة أخرى ينفي أن تكون الرؤيا مصدرًا للعلم بالمستقبل اليقينيِّ ، فيؤكِّ د على دخول الظنِّ والاحتمال في تعبيرها. وهذا القول أقوى وأفضل من سابقيه.

عدد الصفحات ١٥٣

154 4. للرؤياتعبير واحد فقط هو الذي يتحقَّ ق، وليس بالضْورة أن يكون أوَّ ل تعبير، ولا حتَّى أوَّ ل تعبير محتمل. لهذا القول شعبيَّ ة كبيرة بين معبرِّ ي الرؤيا. وقد استند من قال به إلى حديث النبي ﷺ: «رأيت المنام أنير أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وَهَلِ إلى أنََّّ ا اليمَمة أو هَجَر، فإذا هي المدينة يثرب»تفق عليه). فقال أصحاب هذا القول أنَّ النبيَّ ﷺ قد عبرَّ هذه الرؤيا تعبيرً ا أوَّ ل محُ تملاً (اليمامة أو هَجَر). ومع ذلك، لم يشأ لها الله أن تتحقَّ ق عليه. وبالتالي ، فلكلِّ رؤيا تعبير واحد صحيح متحقِّ ق، وليس بالضرورة أن يكون أوَّ ل تعبير، ولا حتَّى أوَّ ل تعبير محُتمل. وتظهر هنا محاولة أصحاب هذا القول لفهم الحديث بشكل مختلف عن فهم أصحاب القول السابق له. وهذا القول هو من الأقوال القويَّ ة المعتبرة؛ تؤيِّ د صحَّ ته وأهميته التجربة والخبرة لكثير من معبرِّ ي الرؤى. 5. جميع الأقوال السابقة تستند إلى أدلة صحيحة. وبالتالِ، فكلُّ ها محُتملة الصحَّ ة. وعلى المسلم أن يحسن الظنَّ بالله، وألاَّ يَ قُ صَّ رؤياه إلاَّ على عالم أو حبيب. ويُقصَد بذلك أنَّ جميع الأقوال السابقة يحُتمل أن يصحَّ بعضها أحيانًا، ويحُتمل أن يصحَّ البعض الآخر أحيانًا أخرى. فقد يتحقَّ ق أوَّ ل تعبير للرؤيا أحيانًا، وقد لا يتحقَّ ق في أحيانٍ أخرى. وقد تتحقَّ ق الرؤيا على أوَّ ل احتمال خير أو شر أحيانًا، وقد يكون لها تعبير واحد صحيح تتحقَّ ق عليه في أحيانٍ أخرى.

عدد الصفحات ١٥٤

155 وواجب المسلم دائماً في التعامل مع الرؤى أن يحسن الظنَّ بالله؛ وأن يعلم أنَّ الله لا يريد لعباده المسلمين الموحِّ دين إلا الخير في الدنيا والآخرة؛ وأن يعلم كذلك أنَّ المسلم الصالح يتقلَّ ب دائماً من خير إلى أفضل برحمة الله، وكرمه، وتوفيقه؛ فلا ينبغي لرؤيا أن تُ غيرِّ هذا المعتقد أبدًا عند المسلم الصالح مهما كان ظاهرها سيِّئًا. وينبغي للمسلم أن يدرك أنَّ رؤياه إن لم تتحقَّ ق على الخير الذي يتوقَّ عه، فستـتحقَّ ق بفضل الله وكرمه على خير أفضل. وهذا هو شأن المولى الكريم مع عباده المسلمين الصالحين. وكذلك ينبغي للمسلم - بعد أن أدرك ما قد يكون لتعبير الرؤى من خطورة - أن يحرص على ألاَّ يقصَّ رؤياه إلاَّ على عالمِ أو حبيب كما علَّمنا النبيُّ ﷺ. ولعلَّ هذا الأخير أفضل وأشمل ما قيل في هذه ا لمسألة، ولعلَّ هذا القول يكون حلاًّ لإشكالات كثيرة في مسألة تحقُّق أوَّل تعبير للرؤيا، لم تستطع الأقوال السابقة حلَّ ها.)20( (20) احتدم الجدال بين الذين قالوا بأنَّ التعبير الأوَّل للرؤيا هو الذي يتحقَّق يقينًا، وبين الذين قالوا إنـَّه يتحقَّق بالضرورة؛ فنذكر هنا جانبًا آخر منه. فبالإضافة إلى الحجج المذكورة في إجابة السؤال، فقد احتجَّ فريق القول الأوَّل بقول الله على لسان يوسف (عليه السلام) عندما عبرَّ الرؤيـيين لصاحبيه في السجن: ﴿قُضيَِ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (يوسف: 41)؛ أي أنَّ تعبير الرؤيـيين قد أصبح واقعًا مُتحقِّقًا لا محالة، بمجرَّد أنَّ عبرَّهما لهما يوسف (عليه السلام). بينما احتجَّ فريق القول الثاني بما ذهب إليه بعض المفسِّّين لقول الله: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُماَ اذْكُرْ نيِ عِندَ رَبِّكَ﴾ (يوسف: 42)، وهو أنَّ كلمة "ظنَّ " في الآية الكريمة تشير إلى أنَّ تعبير الرؤيا هو عمليَّة تخضع للاحتمال، وأنَّ و قوع تعبيرها هو مسألة ظنيَّة، وليست يقينيَّة. فَرَدَّ الفريق الأوَّل عليهم بأنَّ كلمة "ظنَّ " في الآية السابقة إنَّما تعني "عَلِم وأيقن "، كما أشار إلى ذلك عدد من

عدد الصفحات ١٥٥

156 21. هل هناك وقت مُعينَّ يُفضَّل تعبير الرؤيا أو السؤال عنها فيه؟ قيل إنَّ أفضل الأوقات للسؤال عن الرؤيا وتعبيرها هو بعد صلاة الصبح؛ لما رُوي عن النبيِّ ﷺ أن ـَّه كان إذا صلىَّ الصبح أقبل بوجهه الشريف على المسلمين قائلاً « :هل رأى أحدٌ منكم البارحة رؤيا؟ (مُ تَّ فق عليه). المفسِّّين؛ فهو (عليه السلام) قد أيقن أنَّ التعبير واقع، وليس ظنًّا. فَرَدَّ الفريق ال ثاني عليهم بأنَّ المقصود بقول الله: ﴿قُضيَِ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ ليس بالضرورة يعني أنَّ تعبير الرؤيا واقع لا محالة، بل قد يكون فيه إشارة إلى انتهاء الكلام، أي كأنـَّه (عليه السلام) يريد أن يقول لهما: تمَّت الإجابة على سؤاليكما. فَرَ دَّ الفريق الأوَّل بأنـَّه قد جاء عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) أنـَّه قال (عليه الصلاة والسلام) في الرؤيا إنَّما كانا تكاذبا، فلماَّ أوَّل رؤياهما قالا: إنـَّا كنـَّا نلعب، قال يوسف: قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان - رواه الحاكم في المستدرك). وقد أورد بعض المفسِّّين هذا الكلام بلفظ آخر، كما جاء في تفسير البغويِّ وغيره (أي الفتيان) قول يوسف، قالا: ما رأينا شيئًا؛ إنَّما كنَّا نلعب؛ قال يوسف: ﴿قُضيَِ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَ انِ﴾؛ أي فُرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما الذي أخبرتكما به، رأيتُما أم لم تَرَيا فردَّ الفريق الثاني بأنـَّه حتَّى ولو كان هذا الأثر، عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، صحيحًا، فلعلَّ يوسف (عليه السلام) أخبرهما بما سوف يقع لهما يقينًا بناء على وحي أوحاه الله إليه، وليس بناء على تعبير رؤيا فقط؛ لأنَّ الأنبياء لا يفتون الناس إلاَّ بوحي من الله تعالى. والله أعلم بالصواب.

عدد الصفحات ١٥٦

157 وقيل كذلك في فضل هذا الوقت إنـَّه أكثر وقت يتذكَّ ر فيه المسلم رؤياه؛ لأنَّ الذهن يكون في أكثر حالات صفائه بعد الاستيقاظ في هذا الوقت. ومع ذلك، فليس هناك دليل قاطع على أفضليَّ ة هذا الوقت عن غيره في السؤال عن تعبير الرؤيا. كما لا يوجد دليل أيضًا على أنَّ النبيَّ ﷺ قد خصَّ ص هذا الوقت فقط دون غيره للسؤال عن تعبير الرؤيا، أو أنـَّ ه ﷺ قد ذكر صراحة أنـَّه أفضل الأوقات في السؤال عن ذلك. وأيضًا ، فليس بالضرورة أن يكون هذا الوقت هو أفضل الأوقات التي يتذكَّ ر فيها المسلم رؤياه، فقد ينام المسلم في أيِّ وقت من اليوم أو اللَّ يلة، ويرى رؤى، ويكون تَذَكُّرُه لها أفضل بعد يقظته مباشرة، وليس بالضرورة بعد صلاة الصبح. 22 .ما هي الفكرة الأساسية التي يتمُّ تعبير الرؤيا الصادقة بـنـاء عليها؟ تقوم هذه الفكرة على أساس أن ـَّه من الثابت شرعًا أنَّ للرؤى الصادقة علاقة أو ارتباط ما بأحداث الواقع؛ إذ تشير رموز الرؤى إلى معانٍ واقعيَّ ة. وبالتالي، يتركَّ ز أكثر البحث في هذا المجال على محاولة اكتشاف القواعد التي يقوم عليها هذا الارتباط، والتي بناء عليها يمكن الربط بشكل صحيح أو إيجاد علاقة مفهومة بين رموز الرؤى وأحداث الواقع. مثال: رأى مسلم في منامه أباه المتوفََّّ ، فهذا رمز في الرؤيا له ارتباط بالواقع، فهو يدلُّ على معنى واقعي في حياة رائيه. ولكن لكي نفهم هذا المعنى، لابدَّ أن نعرف ما هي القاعدة التي يمكن من خلالها الربط الصحيح بين هذا الرمز وبين أحداث الواقع في حياة الرائي؛ حتَّى نستطيع أن نقول إنَّ الأبَّ المتوفََّّ في الرؤيا يدلُّ لهذا الرائي على كذا في الواقع، ويكون تعبيرنا صحيحًا .

عدد الصفحات ١٥٧

158 23. كيف تتم عمليَّ ة تعبير الرؤيا باستخدام أسلوب التعبير التفصيل ؟ تناولنا من قبل في سياق هذا الكتاب التعبير التفصيلَّ ومعناه. وتتمُّ عمليَّ ة تعبير الرؤى تفصيلاً على نوعين من القواعد، وهما: القواعد الأساسيَّ ة وقواعد الترجيح. 1. القواعد الأساسي ة: وهي التي يمكن م ن خلالها معرفة معنى الرمز عمومًا دون أن يكون مرتبطًا برؤيا معيَّ نة، وقد يكون للرمز أكثر من معنى محتمل. مثال: المرأة في الرؤيا قد تدلُّ على الدنيا. وذلك بناء على قاعدة معيَّ نة في تعبير الرؤى. والمرأة في الرؤيا قد تدلُّ على الفتنة. وذلك بناء على قاعدة معيَّ نة من قواعد تعبير الرؤى. والمرأة في الرؤيا قد تدلُّ على الضعف. وذلك بناء على قاعدة معيَّ نة من قواعد تعبير الرؤى. والمرأة في الرؤيا قد تدلُّ على الزوجة. وذلك بناء على قاعدة معيَّ نة في تعبير الرؤى...إلخ. 2. قواعد الترجيح وهي التي يتمُّ على أساسها ترجيح تعبير واحد من التعابير المحتملة لرمز ما في رؤيا معيَّ نة. مثال: المرأة في الرؤيا قد تدلُّ عمومً ا على أشياء كثيرة ذكرناها سابقًا . لكن لو افترضنا أنَّ مُ سلماً رأى امرأة في رؤيا معيَّ نة، فماذا تعني هذه المرأة في هذه الرؤيا بالتحديد؟ هل هي دنيا، أم فتنة، أم ضعف، أم زوجة؟ وبناء على أيـَّة قاعدة يتمُّ هذا الترجيح لمعنى معينَّ من بين هذه المعاني؟ فهذه هي ما يطلق عليها قواعد الترجيح. وسوف يتمُّ تناول هذه القواعد في سياق الكتاب بمشيئة الله.

عدد الصفحات ١٥٨

159 24. كيف تتم عمليَّ ة تعبير الرؤيا باستخدام أسلوب التعبير الإجمالِ ؟ تتمُّ عمليَّ ة تعبير الرؤى إجمالاً باستنباط الم عبرِّ لوصف أو معنى عام يجمع ما بين رموز الرؤيا معًا، بصرف النظر عن معنى رمز معينَّ فيها: أمثلة : 1. رأى مسلم أنـَّه يعطي طفلة مسكينة قطعة حلوى. التعبير الإجماليُّ : إحسان. 2. رأى مسلم أنـَّه يتصارع مع شخص آخر، ويتشاتمان. التعبير الإجماليُّ : عداوة. 3. رأىمسلم أنـَّه في مدرسة، ويمسك كتابًا، ويسأل المعلم. التعبير الإجماليُّ : طلب علم. 4. رأى مسلم النبي ﷺ يبتسم له. التعبير الإجماليُّ : خير مُ قبل. 5. رأى مسلم أن أباه الذي يحبُّ ه قد مات. التعبير الإجماليُّ : هموم. 6. رأى مسلم نفسه يتكلم في الهاتف. التعبير الإجماليُّ : اتصالات وعلاقات. 7. رأى مسلم نفسه يغرق في البحر، ثم نجى في النهاية ال تعبير الإجماليُّ : هموم يعقبها فرج. 8. رأى مسلم نفسه يعانِق شخصًا آخر، ويقبِّلُه. التعبير الإجماليُّ : مودَّة. ومن الجدير بالذكر هنا، أن ـَّه لا يمكن وصف أيِّ تعبير من هذي ن ال تعبيرين (الإجماليِّ والتفصيلِّ ) بأنـَّه أسهل أو أصعب؛ ولكن تعتمد سهولة وصعوبة كلِّ واحد منهما على الرؤيا نفسها. ففي بعض الرؤى يكون التعبير التفصيلُّ أسهل وأنسب؛ بينما في بعض الرؤى الأخرى يكون التعبير الإجماليُّ أسهل وأنسب.

عدد الصفحات ١٥٩

160 25. كيف يتم تعبير الرؤيا بآيات القرآن الكريم؟ يتمُّ تعبير الرؤيا بآيات القرآن الكريم بحسب ارتباط رموزها بالآيات الكريمة كالتالي: 1. التشبيههو اشتراك شيئين أو أكثر في وصف أو أكثر. وللتشبيه أنواع كثيرة لا مجال لذكرها في هذا السياق. ومع ذلك، فإذا ذُكر رمز الرؤيا في القرآن الكريم مُشبَّهًا بشيء، أو شُبِّه به شيء، فإنَّ هذا يجعل الواحد منهما في الرؤيا يدلُّ على الآخر في اليقظة؛ بمعنى أن يتمَّ تعبير أحدهما في الرؤيا بالآخر. مثال 1: تشبيه من يعبدون غ الله أو المشركين بالعنكبوت، كما في قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَََّذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَََّ ذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ (العنكبوت:41.) فبناء على هذا التشبيه في الآية الكريمة، يحُتمل أن يدل العنكبوت في الرؤيا على شخص مشرك أو غير مسلم. مثال 2: تشبيه الإنفاق في سبيلالله بالسبع سنابل؛ في كلِّ سنبلة مائة حبَّ ة، كما في قول الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالهَُمْ فيِ سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فيِ كُلر سُنبُلَةٍ مرئَةُ حَبَّةٍ ﴾ (البقرة:261.) فبناء على هذه الآية الكريمة، يحُتمل أن تدل رؤيا السبع سنابل؛ في كلِّ سنبلة مائة حبَّ ة، على الإنفاق في سبيل الله تعالى.

عدد الصفحات ١٦٠