62 أهلَ زمنه علماً، أي أ نه بعلمه يسعهم، فهو أعلم منهم، وإن سألوه وجدوا عنده علماً. فإسناد السعة إلى البشر نسبي، وليس إسنادا مطلقاً. وسع ربي كل شيء علما: وقوله تعالى: (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا )، أي: أن الله يسع كل شيء مخلوق بعلمه، فهو يعلم كل شيء عن كل شيء، فعلمه يسع كل المعلومات، لا يخفى عليه، فكل علم في الوجود يقع ضمن علمه سبحانه وتعالى. وسأضرب مثلاً، لو أتيت بمعلومة لزيد من الناس، وكان يعلمها فإن علمه قد وسع تلك المعلومة، فكأنها ضمن إناء علمه، ولو أنك أتيت زيداً بمعلومة ولم يكن يعلمها، فإنها كانت خارج (إناء علمه)، فعلمه لم يسعها. ولله المثل الأعلى، فالله وسع كل شيء علماً. وقوله تعالى: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )، أي أن رحمة الله سبحانه وتعالى أحاطت بكل شيء، قال الطبري: (ورحمتي عمّت خلقي كلهم)، فما يقع شيء من الخلق خارج رحمة الله سبحانه وتعالى. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه). وقوله (فسأكتبها..)، قال الحسن وقتادة: (رحمة الله وسعت في الدنيا البر والفاجر ، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة ). فأي مظهر من مظاهر الرحمة يقع في الخلق فإن رحمة الله تسعه.
عدد الصفحات ٦٥66 جاء فعل (وسع) في القرآن الكريم ست مرات، أسند في أربع منهن إلى الله سبحانه وتعالى: (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا )، (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا )، ( وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا )، ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ). ومرة أسند إلى رحمة الله ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )، والمفعول فيها كلها (كل شيء)، فعلم الله ورحمته يسعان كل شيء. والسادسة أسن د الفعل إلى الكرسي ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )، فلم يقل: وسع كل شيء، بل: السماوات والأرض. فلا يسع كل شيء رحمة وعلما وقدرة وإحاطة ورزقا إلا الله سبحانه وتعالى. ذو رحمة واسعة: وقد وصفت الرحمة بالسعة في قوله تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ )، قال الطبري: ("فقل ربكم ذو رحمة"، بنا، وبمن كان به مؤمنًا من عباده، ويغيرهم من خلقه ، "واسعة"، تسع جميع خلقه، المحسنَ والمسيء، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنِّقمة، ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه، ولا يحرمه ثواب عمله، رحمة منه بكلا الفريقين، ولكن بأسه وذلك سطوته وعذابه لا يردّه إذا أحله عند غضبه على المجرمين بهم عنهم شيء). فرحمة الله الواسعة تسع الخلق جميعا في الدنيا، تسع البر والفاجر، والذين يكفرون بالله تسعهم رحمته في الدنيا، ولولا رحمته لما بقوا على وجه الأرض، ولولا رحمة الله لما بقي إبليس على وجه الأرض. قال تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ).
عدد الصفحات ٦٦67 ** واقترن فعل (وسع) في القرآن الكريم مع علم الله ورحمته، ولم يقترن بشيء آخر. وكما قدمت فنحن نقول: وسع الله كل شيء رحمةً، أو: وسع كل شيء علماً، أو قدرةً ، أو غنىً ، أو رزقا... إلخ. فلا نطلق اللفظ، لا نقول: (الله يسع كل شيء)، بل نحدد ونعين النسبة، نقول: الله يسع ك ل شيء علماً، أو: يسع الله كل شيء برحمته وعلمه...الخ. ومن ثم فلا نضيف السعة إلى الله، بل إلى ما يتصف به، نحو: سعة رحمة الله، وسعة علمه. ولا نقول: سعة الله. **
عدد الصفحات ٦٧62 ثالثاً (واسع) جاء لفظ (واسع) في القرآن الكريم وصفا لله سبحانه وتعالى، في ثمانية مواضع، ستة منها وصف الله سبحانه وتعالى بأنه (واسع عليم)، وواحد منها ( وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا )، والثامن مركب إضافي: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ). قدمت أن الفعل (وسع) لم يسند إلى الله تعالى إلا ملاحظا فيه النسبة، كقوله: ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا )، والتقدير: وسعت رحمته ووسع علمه كل شيء. ومن ثم فنقول أن الله واسع العلم، واسع الرحمة. أي: الذي يحيط علمه بكل المعلومات، وتعم رحمته كل المخلوقات. ومن ثم فالوصف (واسع) تراعى فيه هذه الإضافة، وهو ما صرح به في الآية: (واسع المغفرة)، قال اب ن كثير: (مغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)). ومن ثم فقوله تعالى: (واسع عليم)، يقصد به: واسع العلم، وقوله (واسعا حكيما)، أي: واسع الحكمة. و الذي يتبين لي أن (واسع) من الأوصاف المركبة، وهو الغالب فيه: واسع العلم، واسع المغفرة، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع الفضل، واسع الغنى... الخ. وقد يستعمل مفردا (واسع)، ولكن الإضافة مراعاة فيه. وقد نظر بعضهم إلى لفظ (الواسع) على أنه لفظ مفرد، ففسروه بأنه (الذي يسع عطاؤه خلقه)، أو (الذي يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود)... وهو تفسير: الواسع بأنه: الموسع المغني.
عدد الصفحات ٦٨63 والأولى النظر إليه على أنه وصف مركب لا مفرد، فالواسع بحسب ما يقترن به: (واسع عليم)، أي: واسع العلم، (واسعا حكيما)، أي: واسع الحكمة. في النهاية لابن الأثير: الواسع: (هو الذي وسع غناه كلَّ فقير، ورحمته كلَّ شيء). فهو قَ صَر الواسع على بعض متعلقاته. وفي لسان العرب: ( هو الذي وسع رزقه جميعَ خلقه ووسعت رحمته كلَّ شيء وغناه كلَّ فقر. وقال ابن الأنباري: الواسع من أسماء الله : الكثير العطاء الذي يسع لما يسأل، قال: وهذا قول أبي عبيدة. ويقال: الواسع المحيط بكل شيء). وقال الإمام الغزالي في المقصد الأسنى: (الواسع: مشتق من السَّ عة، والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم وكيف ما قدر وعلى أي شيء نزل ، فالواسع المطلق هو الله سبحانه وتعالى لأنه إن نظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته بل تنفد البحار لو كانت مدادا لكلماته وإن نظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته، وكل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف ، والذي لا ينتهي إلى طرف فهو أحق باسم السعة . والله سبحانه وت عالى هو الواسع المطلق لأن كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهي إلى طرف فالزيادة عليه متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة. وأما سعة العبد في معارفه وأخلاقه فإن كثرت علومه فهو واسع بقدر سعة علمه وإن اتسعت أخلاقه حتى لم يضيقها خوف الفقر وغيظ الحسد وغلبة الحرص وسائر الصفات فهو واسع، وكل
عدد الصفحات ٦٩73 ذلك فهو إلى نهاية، وإنما الواسع الحق هو الله تعالى). ** فالواسع هو (الذي يسع كلَّ شيء رحمةً وعلماً وقدرةً وفضلاً). فما من شيء إلا وهو داخل في علم الله ورحمته وفضله وقدرته. فهو الواسع الحق، الذي لا حدّ لما يسعه برحمته وعلمه وقدرته وفضله. وكل شيء داخل في ذلك. وبهذا تفسر الآيات، فقوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا )، أي: واسع الحكمة، فهو أعلم بما يصلح للأزواج إذا وصلوا إلى حد الفراق. ولا أحد أوسع حكمة من الله. وقوله: ( ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )، أي: واسع العلم، فهو أعلم حيث يضع فضله، وهو أعلم بمن يستحق الفضل منه. **
عدد الصفحات ٧٠71 رابعاً أوسع، فهو موسع: جاء (أوسعَ) في لسان العرب على صيغتين: لازم ومتعد، فاللازم نحو: (أوسع الرجلُ)، أي: صار ذا سعة، فهو مُوسِع، أي: مليء. والمتعدي نحو: (أوسع الشيءَ)، أي: صيره واسعا، يقال: أوسعه إيساعاً ووَسّعه توسيعاً، ضد: ضيقه تضييقاً. ويقال: أوسع اللهُ فلاناً، أي: أغناه وصيره ذا سعة. وفي الدعاء: اللهم أوسعنا رحمتَك، أي: اجعلها تسعنا. (انظر لسان العرب). فـالتوسيع، هو زيادة في السعة، أي: إضافة سعة أخرى إلى السعة السابقة للشيء. وقد سبق أن عرفت السعة بأنها: طاقة محدودة للشيء قابلة للتوسع. ولذلك لا يصح إضافتها إلى الله، فلا نقول: (سعة الله) بل نضيف السعة إلى رحمته أو علمه، والله ذو الرحمة الواسعة، والعلم الواسع، فنسبة السعة إلى الرحمة بالنظر إلى من تعمهم الرحمة، وليس بالنظر إلى الرحمة نفسها. بمعنى أن رحمة الله واسعة سعة مطلقة، فهي غير قابلة للزيادة، وإلا كانت ناقصة قبل زيادتها. وكذلك علمه سبحانه وتعالى فهو ذو العلم الواسع، وهو علم لا يزيد، وإلا كان ناقصاً، سبحانه وتعالى. فالإضافة في قولنا: سعة رحمة الله، وسعة علمه، بالنظر إلى المخلوقات ؛ فمهما ازدادت فإن رحمة الله تسعها، والمعلومات؛ فمهما استجدت فإن علم الله يسعها. **
عدد الصفحات ٧١72 على الموسعقدره: قال تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ). قال ا لرازي: (ا لموسع الغني الذي يكون في سعة من غناه، يقال: أوسع الرجل إذا كثر ماله، واتسعت حاله، ويقال: أوسعه كذا أي وسّ عه عليه، ومنه قوله تعالى: "وإنا لموسعون"، وقوله: "قدره" أي قدر إمكانه وطلاقته، فحذف المضاف، والمقتر الذي في ضيق من فقره، وهو المقل الفقير، وأقتر إذا افتقر). وقال ابن عاشور: (الموسع من أوسع إذا صار ذا سعة، والمقتر من أقتر إذا صار ذا قتر وهو ضيق العيش، والقدر- بسكون الدال وبفتحها- ما به تعيين ذات الشيء أو حاله، فيطلق على ما يساوي الشيء من الأجرام، ويطلق على ما يساويه في القيمة، والمراد به هنا الحال التي يقدر بها المرء في مراتب الناس في الثروة، وهو الطبقة من القوم، والطاقة من المال). ونلاحظ أن الآية قابلت بين الموسع والمقتر، فالموسع ليس الغني على إطلاقه، والمقتر ليس الفقير على إطلاقه، بل الموسع: هو من صار ذا سعة بعد أن لم يكن، فالتحول في الواقع مراعى في صيغة الفعل، والمقتر: من أقتر، أي صار ذا قتر بعد أن لم يكن. وهذه المقابلة تشابهها المقابلة في قوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَا هَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )، فقابل بين (ذي السعة) وبين (من قدر عليه رزقه)، ثم قابل بين اليسر والعسر.
عدد الصفحات ٧٢73 والموسع هو (مَنْ صار ذا سعة)، أيا كانت تلك السعة – كما تقدم بيانه، ويتم تعيين (السعة) بحسب السياق، فسياق الآية يبين أن السعة هي الغنى. ويصح أن نقول: أوسع الرجل: إذا اتسع علمه وصار ذا سعة من العلم بعد أن لم يكن. ومن ثم فليس من الدقيق القول أن معنى: (أوسع الرجلُ): كثر ماله، أو صار ذا غنى. إلا إذا خرج مخرج الغالب فيه، فالناس غالباً ما يريدون بالسعة: الغنى. ولكنه يشمل الغنى ويشمل غيره. ** وإنا لموسعون: وقوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 42) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ( 43) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ). اختلف المفسرون في المراد بقوله (لموسعون) على خمسة أقوال، كما قال ابن الجوزي: ( أحدها: لموسِعون الرِّزق بالمطر، والثاني: لموسِعون السماء، والثالث: لقادرون، والرابع: لموسِعون ما بين السماء والأرض، والخامس: لذو سعة لا يضيق عمّا يريد ). ذكرت أن لفظ (موسع)، يرد عند العرب لازما ومتعديا، فأما اللازم نحو: أوسع الرجلُ، أي صار ذا سعة، (غنى، مثلاً)، فالصيغة تفيد الصيرورة، فنحن لا نقول للغني أوسع إلا إذا صار إلى الغنى بعد أن لم يكن. وكذلك: أوسع الرجلُ، صار ذا سعة في علمه أو قدرته، فأصبح غنيا قادرا عالما... وعليه فلا يصح حمل هذا المعنى على الله سبحانه وتعالى، فلا نقول: (أوسع اللهُ) بمعنى: أنه غني أو قادر...
عدد الصفحات ٧٣71 فلفظ (أوسع) يقتضي الصيرورة، وتعالى الله عن ذلك. ومن ثم فنحن لا نرتضي هذا المعنى تفسيرا في قوله (وإنا لموسعون). وأما المعنى الخامس الذي أورده ابن الجوزي (لذو سعة لا يضيق عمّا يريد )، فهو غير صحيح، فهذا معنى: واسع، من: وسِع فهو واسع، أي: ذو سعة، ولو كان هذا المعنى لقال: (لواسعون). وعليه فقوله (وإنا لموسعون) لا يحتمل إلا صيغة المتعدي، أي: وإنا لموسعون السماءَ، أي: نصيرها واسعة. وقد رجح ابن حيان – وهو من أئمة اللغة والتفسير هذا المعنى، قال: (وإنا لموسعون: أي بناءها، فالجملة حالية، أي بنيناها موسعوها، كقوله: جاء زيد وإنه لمسرع، أي مسرعا، فهي بحيث إن الأرض وما يحيط من الماء والهواء كالنقطة وسط الدائرة. وقال ابن زيد قريبا من هذا وهو: أن الوسع راجع إلى السماء). والآية تتحدث عن بناء السماء وإحكام بنائها، ومن ثم فالأنسب حمل قوله (لموسعون)، على البناء لا على شيء آخر، فهو أليق بالسياق، وأنسب بالمقام، فالمعنى: لموسعون بناءها. ذكرت أن السعة (طاقة محددة للشيء قابلة للتوسعة)، ومن ثم فتوسيع الشيء يتناسب مع طبيعته، فل و لديك دارٌ تريد توسيعها فإنك ستضيف حيزا جديداً لها دون أن تغير الحيز الأول، وربما هدمتَ شيئا يسيرا منه؛ إذ لا تستطيع التوسيع دون قليل من الهدم. وفي الجملة فإن التوسعة لا تغير من طبيعة الشيء الموَسّع، بل تتسق مع طبيعته، وتنسجم مع نظامه. والله سبحانه وتعالى أوسع بناءَ السماء، وهو لا يقتضي التغيير،
عدد الصفحات ٧٤72 بل يكون الاتساع في إطار البناء، وهذا يقتضي مرونة البناء وروعته ودقته، بحيث إنه يقبل التوسعة دون أن يغير ذلك منه، وإذا أمكن لنا التمثيل فيمكننا أن نمثل بالبالونة التي يمكنك أن توسعها، فيزداد حجمها، دون أن يغير ذلك من هيئتها. أو تمثيلها بالخبز الذي تضعه في الفرن عجينا فينتفخ ويكبر. فلعل السماء كذلك والله أعلم، بناء كروي ذو مرونة متناهية، يقبل التوسعة، دون أن يؤثر ذلك على بنائه شيئا. والتوسعة تتناسب مع طبيعة البناء، وهذا يقتضي أنها تتم بصورة دقيقة ومنظمة، لا عشوائية فيها، بل بإحكام وإتقان. كما أن توسيع البناء لا يقتضي استمرار التوسعة إلى ما لا نهاية، فالله سبحانه وتعالى أخبرنا أن للسماوات والأرض وما فيها أجلا مسمى، قال تعالى: (مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى).
عدد الصفحات ٧٥76 المطلب الرابعالضحى: أولاً: الضحى لغة: مادة ( ض ح و) في العربية كما قال ابن فارس في مقاييس اللغة تدل على: (بروز الشيء ووضوحه، فالضحاء: امتداد النهار، وذلك هو الوقت البارز المنكشف. ثم يقال للطعام الذي يؤكل في ذلك الوقت: ضحاء. .. ويقال: ضَ حِي الرجلُ يَضْحَى، إذا تعرض للشمس. ويقال: اضْ حَ يا زيد، أي ابرز للشمس ... ويقال: ليلة إضْ حِيانة وضَ حْياء، أي مضيئة لا غيم فيها ... وضاحية كل بلدة: ناحيتها البارزة...الخ). وهي دلالة دقيقة تجمع مفردات المادة، و(ض ح و) ذات صلة بـ (و ض ح)، فالوضوح بروز الشيء وظهوره، إلا أن الفارق بينهما أن دلالة (الضحو) ترتبط غالبا بـ(الضياء)، وترتبط بالوضوح الحسي. ومن ثم فـ(الضحى) في العربية لا يقتصر معناه على الساعة المعروفة من ساعات النهار، كما هو شائع، بل معناه: الضياء البارز الواضح. ثانياً: الضحى في استخدام القرآن الكريم: وإذا تتبعنا استخدام القرآن الكريم للفظ الضحى، فسنجد ما يلي: أولاً: قابل بين الضحى والليل في قوله ( وَالضُّحَى ( 3) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى )، وقابل بين العشية والضحى في قوله: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ). وقابل بين البيات (وهو حدث في
عدد الصفحات ٧٦77 الليل) وبين الضحى في قوله أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ( 92) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ). وهذا يعني أن (الضحى) في هذه الآيات مقابل مفهومي لليل، وليس ساعة النهار المعروفة. فالليل هو وقت الظلمة، أما الضحى فهو وقت الضياء. والقرآن الكريم يقابل بين الليل والنهار، كقوله: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا )، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا )، فقابل بين النهار والبيات، كما قابل بين الضحى والبيات. فالنهار مقابل زمني لليل يقع على ساعاته كلها. وكذلك الضحى معادل زمني للنهار كله، توجد، ويذهب حين تذهب. ** ثانيا: ورود الضحى مضافا إلى السماء والشمس. أضاف الضحى إلى السماء، كما في النازعات (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ). قال الزجاج: (أظهر نورها بالشمس)، وعند ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أخرج شمسها. وقال الطبري: (وأخرج ضياءها، يعني: أبرز نهارها فأظهره، ونوّر ضحاها ). فالخلاصة أن ضحى السماء فسر بـ: الشمس، والضياء، والنور، والنهار. (كما في الطبري). وسأعقب لاحقاً. وأضاف الضحى إلى الشمس، قال تعالى: ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا )، واختلف المفسرون في المقصود بضحى الشمس، قال الزجاج
عدد الصفحات ٧٧72 ومجاهد: الضياء، وفسرها مقاتل والسدي: حرها، وقال قتادة: النهار كله. ** ثالثاً: ورود (الضحى) مرادا به الوقت المعروف من النهار، كما في قوله: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى )، فحدد اليوم والوقت (الساعة). ** رابعاً: ورود الفعل (يضحى)، في قوله: ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ( 333) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ). فالحديث عن الجنة ألا جوع فيها ولا عُري، ولا ظمأ ولا ضَحْو. قال الزجاج: ( ولا تصيبك الشمس)، وقال الطبري: ( لا تظهر للشمس فيؤذيك حرّها )، وقال الزمخشري أن المراد بالنفي إثبات ضده، فالمعن ى أنك تكتنّ في ظل دائم. **
عدد الصفحات ٧٨73 ثالثاً: التحقيق في مفهوم الضحى مما سبق، يمكن القول أن (الضحى) مفهوم دلالي يرتبط بعنصر: الضياء، فالضياء يكون فيه وضوح الأشياء وبروزها. والضياء كما بينت في بحث ( الظلمات والنور ) يجمع بين عنصري: الحرارة والضوء، فهو يُ حْدث النور ويحدث الحرارة أيضاً. والقرآن الكريم يبين باطراد أن الله جعل الشمس ضياء. فقوله هنا (والشمس وضحاها) يعني: وضيائها (وفي الضياء: ضوء وحرارة). ويضعف تفسيره بالنهار؛ لقوله بعد ذلك: (والنهار إذا جلاها)، فلا يستقيم التفسير لو قلنا: والشمس ونهارها، والنهار إذا جلاها. ومقابلة الضحى بالليل، والليل هو وقت الظلام، فالضحى هو وقت الضياء، سائر النهار، بل أطلقت العرب على الليالي المقمرة: ضَحْيانة، فوصفتْ ها بالضَّ حْو، وذلك دلالة على أن الضحى: الضياء. وتخصيص بعض وقت النهار بالتسمية (وقت الضحى) لأمرين أنه أشد أوقات النهار إضاءة، وأشدها حرارة. وأخرج ضحاها: وقوله تعالى: (وأغطش ليلها وأخرج ضحاها)، يدل على أمر آخر إضافة إلى ما سبق، وهو أن الضحى لا يكون إلا بعد ليل. فقوله (وأخرج ضحاها)، أي: أخرج الضحى من رحم ذلك الليل البهيم، ويدل عليه أيضا الآيات السابقة التي تقرن بين ال ضحى والليل، أو الضحى والبيات. فالدلالة بين الضحى والليل دلالة تضايف، لا يفهم أحدهما إلا بالآخر، كالعلاقة بين (الأب والابن)، فلا يسمى أحد ابنا،
عدد الصفحات ٧٩23 إلا ويفهم منه أن ثمة أبا له. وهكذا فلا يطلق: الضحى إلا ويفهم أن ثمة ليلا له. ** لا تظمأ فيها ولا تضحى: وقوله تعا لى: (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى)، أي: لا تتعرض للحرارة، ولا للضياء، بل تكون في ظلال دائمة لا حر ولا قر، ولا ظلام ولا ضياء. فالجنة لا شمس فيها، كما قال تعالى: (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا )، وأهلها في ظلال دائمة ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ). ونفي الضحو في الجنة، يبينه ما قلته أن دلالة الضحى إضافية بالنسبة لليل، فالجنة لا ليل فيها ولا نهار (ضحى)، فهي حالة خاصة لا علاقة لها بالمفاهيم الزمنية التي في الدنيا، ولا بالتعاقب الزمني، ولا الحالات الطبيعية الناشئة عن هذا التعاقب من حرارة وبرودة، ومن ضياء وظلام، ولا الحالات الجسمية الناشئة عن ذلك كالنمو والهرم، ولا الحالات النفسية من خوف أو أمن، أو فرح أو حزن.... فالأمن في الدنيا مثلا، هو أمن مرتبط بمخاوف كثيرة، وسعي الإنسان إلى الحصول على الأمن من تلك المخاوف، ويظل أمنا نسبيا، مرتبطا ب أضداده. فهي حالة تفهم بضدها، وهو الخوف. أما الأمن في الجنة فهو مختلف عن ذلك، فلا يرتبط بخوف مطلقا، بل هو حالة مطلقة خاصة، لا يمكن للإنسان تصورها في الدنيا؛ لأن تصوره يرتبط بأضدادها. بينما هي حالة مطلقة في الجنة. وكذلك
عدد الصفحات ٨٠