13 كل عمل وكل قول وكل خطرة وكل نظرة، وهو العليم بما تخفيه الصدور. وفي الإنسان نفسه حافظ لفعله وقوله، أي: تسجيل ذاتي، قال تعالى: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ). وما أف ادته الآية أن الكلام الطيب للإنسان، والعمل الصالح له سيُ حفظ في كتاب، غير الكتاب الذي يحفظ فيه الكلام غير الطيب، أو العمل الصالح. فكتاب حفظ الكلم الطيب والعمل الصالح هو في عليين، قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 33) وَمَا أَدْ رَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ( 39) كِتَابٌ مَرْقُومٌ 10) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ )، فعليون كتاب مرقوم يسجل فيه الكلام الطيب الصاعد والعمل الصالح المرفوع. وأما الكتاب الذي يحفظ فيه الكلم غير الطيب والعمل غير الصالح فهو في سجين، قال تعالى: ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ( 2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ 3) كِتَابٌ مَرْقُومٌ )، وسجين هي مقابل عليين، فحركة الكلام إليه هبوط، وليس صعودا، وحركة الأعمال انخفاض، فالله يخفض أعمالهم حتى تصل إلى الكتاب المرقوم في سجين. قال تعالى: ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )، ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ). فالكتاب الذي وضع هو الكتاب المرقوم، كتاب الأبرار الذي كان في عليين، وكتاب الفجار الذي كان في سجين، والآية الثانية يراد بالكتاب فيها كتاب الفجار، فهم مشفقون
عدد الصفحات ٤٩23 مما فيه وهذا أيضا يفسر قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ )، فأقوالهم هابطة، وأعمالهم منخفضة، ومن ثم فهي تذهب إلى سجين، ولا تفتح لهم أبواب السماء، أي: لا تصعد أقوالهم ولا ترفع أعمالهم. ويفهم منه أن سجين في مكان هابط جدا، وطريقه ليست طريق السماوات، فطريق السماوات علو، وطيق سجين هبوط، والطريق إليه لا يمر بالسماء، ومن ثم فأبوابها لا تفتح لهم. فالخلاصة أن عليين هو أعلى الأمكنة، وهو منتهى قوله (إليه)، ولا نعلم أين هو. وسجين هو أسفل الأمكنة، ولا نعلم أين يكون.
عدد الصفحات ٥٠21 ثامناً رفع الدرجات: أخبر الله عن نفسه بأنه (رفيع الدرجات)، أي هو كثير رفع الدرجات، وقد ورد الحديث عن (رفع الدرجات) في ستة مواضع. (3 )تقسيم المواضع موضعان يبينان رفع درجات البشر بعضهم على بعض، قال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ )، وقال: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَ عْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ). فرفع الدرجات هنا هو تفاوت مراتب الناس. قال الطبري: (وخالف بين أحوالكم، فجعل بعضكم فوق بعض، بأن رفع هذا على هذا، بما بسط لهذا من الرزق ففضّله بما أعطاه من المال والغِنى، على هذا الفقير فيما خوَّله من أسباب الدنيا، وهذا على هذا بما أعطاه من الأيْد والقوة على هذا الضعيف الواهن القُوى، فخالف بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا، وخفض من درجة هذا عن درجة هذا). وقال ابن عطية: (لفظ عام في المال والقوة والجاه وجودة النفوس والأذهان وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر الله تعالى الخلق فيرى المحسن من المسيء). وقال ابن عاشور: (جعل منهم أقوياء وضعفاء، وأغنياء ومحاويج، فسخر بعضهم لبعض في أشغالهم على حساب دواعي حاجة الحياة، ورفع بذلك بعضهم فوق بعض، وجعل بعضهم محتاجا إلى بعض ومسخرا به).
عدد الصفحات ٥١22 ** وثلاثةمواضع اقترنت بالعلم: ( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )، وفي يوسف: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )، وفي الأنعام (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ). قال البغوي: ( نرفع من نشاء درجات بالعلم والفهم والفضيلة والعقل، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاج قومه في التوحيد، إن ربك حكيم عليم). وقال الشوكاني: (نرفع درجات من نشاء بالهداية والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة، أو بما هو أعم من ذلك). وقال ابن عطية في تفسير آية يوسف: ( والمعنى أن البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، فإما من البشر وإما الله عز وجل ). وقال ابن الجوزي في زاد المسير عند تفسير آية يوسف: (والمعنى: نرفع الدرجات بصنوف العطاء، وأنواع الكرامات، وابواب العلوم، وقهر الهوى، والتوفيق للهدى، كما رفعنا يوسف. وفوق كل ذي علم عليم أي: فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى، والكمال في العلم معدوم من غيره. وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة أقوال : أحدها: أن المعنى: يوسف أعلم من إخوته، وفوقه من هو أعلم منه. والثاني: أنه نبه على تعظيم العلم، وبين أنه أكثر من أن يحاط به. والثالث: أنه تعليم للعالم التواضع لئلا يعجب). ** وفي موضع جاءت في سياق الحديث عن تفضيل بعض الرسل
عدد الصفحات ٥٢23 على بعضتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْ نَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ). قوله (ورفعنا بعضهم درجات)، قال ابن عطية: ( قال مجاهد وغيره: هي إشارة إلى محمد صلى الله ع ليه وسلم، لأنه بعث إلى الناس كافة وأعطي الخمس التي لم يعطها أحد قبله، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله، ومن معجزاته وباهر آياته. ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد وغيره ممن عظمت آياته ويكون الكلام تأكيدا للأول . ويحتمل أن يريد رفع إدريس المكان العليّ ومراتب الأنبياء في السماء فتكون الدرجات في المسافة ويبقى التفضيل مذكورا في صدر الآية فقط). وقال ابن الجوزي في زاد المسير: (وفي المراد بقوله: ورفع بعضهم درجات قولان: أحدهما: عنى بالمرفوع درجات، محمدا عليه السلام، فإنه بعث إلى الناس كافة، وغيره بعث إلى أمته خاصة، هذا قول مجاهد. والثاني: أنه عنى تفضيل بعضهم على بعض فيما آتاه الله، هذا قول مقاتل). وقال ابن عاشور: (وقد خص الله من جملة الرسل بعضا بصفات يتعين بها المقصود منهم، أو بذكر اسمه، فذكر ثلاثة إذ قال: منهم من كلم الله، وهذا موسى عليه السلام لاشتهاره بهذه الخصلة العظيمة في القرآن، وذكر عيسى عليه السلام، ووسط بينهما الإيماء إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه، بقوله: ورفع بعضهم درجات.
عدد الصفحات ٥٣21 وقوله"ورفع بعضهم درجات " يتعين أن يكون المراد من البعض هنا واحدا من الرسل معينا لا ط ائفة، وتكون الدرجات مراتب من الفضيلة ثابتة لذلك الواحد؛ لأنه لو كان المراد من البعض جماعة من الرسل مجملا، ومن الدرجات درجات بينهم لصار الكلام تكرارا مع قوله "فضلنا بعضهم على بعض "، ولأنه لو أريد بعض فضل على بعض لقال : ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، كما قال في الآية الأخرى: "ورفع بعضكم فوق بعض درجات"). **
عدد الصفحات ٥٤22 (1 )التعليق على ما سبق: هذه التراكيب المتعلقة ببيان رفع الدرجات، يمكن ردها إلى تركيبين، أحدهما يدل على التفاضل، والآخر يدل على التفضيل. أ. التركيب الأول: الدلالة على التفاضل: التركيب الأول (رفع بعضكم فوق بعض درجات)، هذا التركيب يدل على التفاضل لا التفضيل (بعضكم فوق بعض)، ولذلك فالرفع يتجه إلى المرفوعين (بعضكم)، وتفاوتهم (فوق بعض)، ومراتبهم (درجات). وقد جاء في الموضعين الأولين. وفي كليهما دل على تفاوت الدرجات بين البشر، والدرجا ت هي ما قسمه الله لهم من مال وجاه وعلم ومنزلة وفهم، فتفاوتوا بين غني وفقير، ورئيس ومرؤوس، وتفاوتت أفهامهم ومنازلهم. وذلك ليكون بعضهم سخريا لبعض، ولتستقيم الحياة، وتكتمل المعايش، وهذا هو الابتلاء. ب. التركيب الثاني: الدلالة على التفضيل والتركيب الثاني: رفع فئةً درجات، وهذا التركيب يدل على التفضيل لا التفاضل، فهو يفضل فئة بعينها على غيرها. فالرفع يتجه إلى المرفوع وإلى ما رفع به، ولا يتجه إلى التفاوت. وهو في بقية المواطن. والفئة (من نشاء منكم والذين أوتوا العلم). أو (بعضهم) كما في آية الرسل. وهذه الفئة وإن جاءت بلفظ الإبهام إلا أن تخصيصها واضحة،
عدد الصفحات ٥٥26 فـ(من نشاء) في آية الأنعام يراد به إبراهيم، وفي سورة يوسف هو يوسف، كما يدل عليه السياق. والفئة في سورة المجادلة هي فئة المؤمنين والعلماء. و(بعضهم) في آية الرسل، فقد خصه بعض الم فسرين بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولعل ذلك هو الراجح، كما ذكر ابن عاشور. فهذا التركيب لا يدل على التفاضل كالتركيب الأول، بل على التفضيل، ومن ثم فهو يفضل رسولا بعينه، فتفسيره بأنه رسول الله هو ما يدل عليه السياق ودلالة التركيب. ويلحق بهذا قوله: (ورفعناه مكانا عليا)، فالمرفوع هو إدريس، وقد رفع مكانا عليا، فهو يبين المرتبة التي رفع إليها، والتركيب يدل على التفضيل، وقد قال بعض المفسرين أن الرفع حسي، وبعضهم قال أنه رفع المنزلة، والأرجح دلالته على المنزلة، كما هو في سائر التراكيب الدالة على ذلك. والرفع الحسي هو ما ورد مع عيسى عليه السلام (رفعه الله إليه)، فهذه دلالتها واضحة على الرفع الحسي ، ولذلك جاء بتركيب مختلف.
عدد الصفحات ٥٦27 تاسعاً (في بيوت أذن الله أن ترفع) قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْ آصَالِ ( 13) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ( 12) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِ هِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )، ما المراد بالرفع؟ للمفسرين قولان في الرفع، ذكرهما الطبري، الأول: الرفع هو البناء، والثاني: الرفع هو التعظيم. وترد على القولين مجموعة من الإشكالات. فالقول بأن الرفع هو البناء، فالسؤال: هل رفع هذه البيوت يقتضي إذنا خاصا من الله؟ فهي سترفع كغيرها من البيوت، فلماذا تقيد الآية ذلك (بإذن الله)؟ ومن ثم فلا دلالة في القول بأن المعنى أن يرفع بناء البيوت. فهي سترفع كما يرفع غيرها من عامة البيوت. وأما القول بأن الرفع هو التعظيم، فإن دلالة التشريف للشيء المرفوع لا ترد في مثل هذا التركيب، بل ترد مقترنة بالظرف، كقوله: (ورفعناه مكانا عليا)، وقوله: (ورفع بعضهم درجات)، ولم يقع الرفع بمعنى التشريف إلا على الناس. والسؤال الآن: ما المراد بالرفع؟ وما عائد ا لضمير في قوله: (ترفع)؟ قوله (أذن الله أن ترفع)، يطرد مجيء الفعل (أذن الله)، أو (بإذن الله) في القرآن الكريم للدلالة على فعل يقع من غير الله، ولا يقع إلا بإذن الله، كقوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ )، ( وَإِذْ
عدد الصفحات ٥٧22 تَخْلُقُ مِ نَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي )، (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ )... فقوله (أذن الله أن ترفع)، أي أذن بأن يرفعها الناسُ؟ ولكن من هم الناس؟ الملاحظ أن الآية الأولى جاءت الأفعال فيها مبنية للمجهول: تُرفَع، ويُذكَر، يسبَّح (في قراءة)، فالأفعال التي تكون في البيوت هي: الرفع، وذكر اسم الله، وتسبيحه بالغدو والآصال. ثم جاءت الآية التالية (رجالٌ لا تلهيهم...)، فهم الفاعلون، هم من يرفعون، وهم من يذكرون اسم الله، وهم من يسبحونه فيها. فهي تجيب على السؤال: من الذي يقوم بهذه الأفعال؟ فكان الجواب: رجال لا تلهيهم...، أي: هم رجال. وأوضحت دلالة الآية، ودلالة الرفع فيها، في شرح آية النورانظر بحث: الظلمات والنور في القرآن الكريم] يهدي به الناس
عدد الصفحات ٥٨23 المطلب الثالثأوسع: السعة: طاقة محددة للشيء قابلة للتوسع، إذا استوفاها ضاق عن أي شيء آخر. وهي بحسب ما تضاف إليه، فقد تكون: كمية، أو حيزا، أو عدداً، أو قدرة، أو قوة، أو علما، أو غ نى. الوُسْع: القدرة على بلوغ أقصى مدى للسعة. الواسع هو: الذي يسع كلَّ شيء رحمةً وعلماً وقدرةً وفضلاً. أولاً: السَّعَة والوُسْع: (3) السعة السعة: طاقة محددة للشيء قابلة للتوسع، إذا استوفاها ضاق عن أي شيء آخر. وهي بحسب ما تضاف إليه، فقد تكون: كمية، أو حيزا، أو عدداً، أو قدرة، أو قوة، أو علما، أو غنى. فالشيء إذا استوفى طاقته، يضيق عما زاد عليها، ولا يتحمله، ولا يتسع له. فمثلا: الإناء له سعة مح ددة لا يتسع لما عداها (كمية)، والمساحة من الأرض لها سعة محددة (حيز)، والإنسان له سعة محددة من الغنى، وله سعة محددة من القوة، وله سعة محددة من المال... وهذه السعة هي طاقة لا يتجاوزها الشيء. والقول بأنها (قابلة للتوسع)، يعني أن السعة إذا وصلت إلى حد الضيق و ذلك بالامتلاء، أمكن توسيعها بإضافة طاقة أخرى إليها. [ والعرب لا تستخدم لفظ (السعة) إلا إذا كانت الطاقة متجاوزة
عدد الصفحات ٥٩63 المدى المتوسط من الشيء. وذلك بتقدير أن لكل شيء مدى متوسطا، فإن قلّ عنه فهو إلى الضيق أقرب، وإن زاد عنه فهو إلى السعة أقرب. فمثلاً: المال، إن قلّ لدى شخص ما عن متوسط ما يملكه الناس فهو في ضيق، وإن زاد عن ذلك المدى فهو في سعة. فطاقته أوسع (قياساً إلى المتوسط). وليس من الدقيق السؤال عن الحجم أو الحيز أو المسافة بلفظ: السعة، فمثلا: كم سعة الإناء؟ الأدق أن تقول: كم حجم الإناء؟ لأن السعة ترتبط بالآنية الواسعة، وليست الضيقة. كذلك تقول: هل السفينة واسعة؟ فإن أجيب بـ: نعم، فقل: كم سعتها؟ أو: لِ كم شخص تتسع؟ وإن قيل: لا، فلا تسأل عن السعة، بل اسأل بنحو: كم شخصاً تحمله؟... إلخ. سعة من المال: قال تعالى: ( قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ )، فهم يقولون أنه غير غني، فسعته من المال ضيقة، غير واسعة، فهم لم ينفوا عنه المال، ولكن نفوا عنه: السعة من المال. وهو ربط يتكئ على تشبيهه بالسائد، ويربطه بالمتوسط. فالفقير يشبه صاحب الإناء الضيق، الذي يمتلئ بكمية قليلة، والغني يشبه صاحب الإناء الواسع الذي يتسع لكمية كبيرة. فالعرب تصف الشيء الزائد عن المتوسط (في نظيره) بالسعة، فتقول: إناء واسع، أرض واسعة، دار واسعة، وما قل عن المتوسط وصف بالضيق: إناء ضيق وأرض ضيقة... وهذا ينطبق تماما في ما يتعلق بالغنى والعلم، فالغني ذو سعة من المال، والعالم أيضاً ذو سعة من
عدد الصفحات ٦٠61 العلم لينفق ذو سعة من سعته: قال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )، فقوله (لينفق ذو سعة من سعته)، أي: ذو طاقة واسعة من الغنى، لينفق ذو الغنى من غناه. فالسعة هنا: طاقة الغنى. وقد قابل بينه وبين من ضاق عليه رزقه. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أي قدرتها على السعة، فهو الذي آتاها ربها. فالسعة يسر، والفقر عسر. ومثله قوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِ ي سَبِيلِ اللهِ ). فأولو السعة هم أولو الغنى. مراغما كثيرا وسعة: وفي قوله: ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً )، وسعة، أي: حيزا في الأرض أرحب، ورزقا أوفر، كما يمكن أن تشمل: الخبرة المستحدثة، والمعرفة المستج دة الناتجة عن الهجرة، فذلك يساعده على كسب مزيد من الرزق. وتشمل أيضا: الراحة النفسية، فما تجده النفس من راحة بعد ضيق، فهو سعة. يغن الله كلا من سعته: وقوله تعالى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا )، فقوله: (من سعته)، إلام يعود الضمير؟ أرجح عودة
عدد الصفحات ٦١62 الضمير إلى (الإنسان) لا إلى الله سبحانه وتعالى، فلفظ (السعة يسند إلى الله تعالى، بل أسند إلى رحمته أو علمه، فلم يرد في القرآن: أن الله وسع الأشياء، بل: وسعت رحمته وعلمه كل شيء، قال تعالى: (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا )، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )، (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ). فالفعل يسند إلى رحمة الله وعلمه، وقوله: (وسع ربي كل شيء علما)، أي: وسع علم ربي كل شيء، كما نطقت بذلك الآية: (ورحمتي وسعت كل شيء). فالتمييز تميي ز النسبة، وهو الذي يقع عليه الإسناد، كما تقول: اشتعل الرأس شيبا، فلو قلت: اشتعل الرأس، ووقفت لما تبين المعنى، فأنت تسند الاشتعال إلى شيب الرأس لا إلى الرأس. وكقوله: (أنا أكثر منك مالا)، فالكثرة مسندة إلى المال. ونحو: امتلأ الحوض ماء، فالامتلاء مسند إلى الماء، ونحو: زرعت الأرض بذرةً، أي: زرعت البذرة.... وهذا من حيث المعنى، أما من حيث اللفظ، فالحوض فاعل، و(ماء) تمييز... ومن ثم فنقول: سَعَة رحمة الله، وسَعَة علمه، ولا نقول: سَعَة الله. وعليه فالضمير في (من سعته) لا يعود إلى الله سبحانه وتعالى، بل إلى الإنسان: (الزوج أو الزوجة بعد تفرقهما)، والمعنى: إن يتفرقا فالله سبحانه وتعالى سيغني كلاً منهما، سواء بقرين، أو بسعادة وراحة، ... إلخ. وإفراد الضمير وتذكيره في (سعته) باعتبار لفظ (كلاًّ)، نحو: أعطيت كلاًّ من نصيبه. والتقدير: يغني الله كلا منهما من سعته المقدرة له من غنى وراحة وسعادة. **
عدد الصفحات ٦٢63 (1 )الوُ سع: والوُسْع: القدرة على بلوغ أقصى تلك الطاقة. وبلفظ آخر: القدرة على بلوغ أقصى مدى للسعة. فالسعة تتعلق بالطاقة نفسها، أما الوسع فيتعلق بالقدرة على استيفاء تلك الطاقة. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها: والوُسْع، كما في قوله: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )، (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )، أي: القدرة على بلوغ أقصى طاقتها، التي يمكنها القيام بها. فالله لا يكلف نفسا فوق طاقتها، أي فوق قدرتها على القيام بالشيء. والتكليف يتعلق بالقدرة على الشيء. وقوله تعالى : (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا )، فالوسع هنا: القدرة على النفقة. **
عدد الصفحات ٦٣61 ثانياً وَسِع: والفعل من (السعة) هو: وَسِع الشيءُ فهو واسعٌ، تقول: وسع البيتُ ساكنيه، أي رَحُبَ البيتُ بهم ولم يضق عنهم، فالبيت واسع. ووَسِع الإناءُ الماءَ، أي: اتسع له، ولم يفض عنه، فلو وضعت كمية من الماء في وعاء ففاض الماء فإن الإناء لم يسع الماء. وقوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ )، أي: رحب بها، ولم يضق عنها، فهي في جوفه كما قال السدي. وقد تحدثت عن الآية في بحث: السماء والسماوات في القرآن الكريم. والوصف من: وسع: واسع، نحو: دار واسعة، وإناء واسع. وفي القرآن الكريم وصفت الأرض بالسعة، ثلاث مرات، قال تعالى: (وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ )، وقال: ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا )، وقال: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ). أي: تسع الناس، فالله خلق الناس وخلق لهم أرضاً تسعهم جميعا، وإ ن ضاقت بإنسان منهم أرض وسعته أرض أخرى. وضِيق الأرض قد يكون محسوسا، وقد يكون غير محسوس، فالذي لا يستطيع أن يعبد الله في أرض، فإن الأرض تضيق عليه، فإذا هاجر سيجد أرضا واسعة تسعه وتسع عبادته. فكأن الأرض الأولى لم تَ سَعْ عبادته، أو لم تَسَعْ أفعاله، وذلك نتيجة لمضايقة أهلها له. فحين يهاجر إلى أرض أخرى، ويتمكن فيها من ممارسة أفعاله، فكأن الأرض وسعته ووسعت أفعاله. ** وتقول: وَسِع زيدٌ أهلَ قريته غنىً وجوداً، أي: غناه وجوده يسعهم جميها، فمهما طلبوا منه كان قادرا على إعطائهم. ونحو: وَسِع زيدٌ
عدد الصفحات ٦٤