21 الحالات الأخرى، كالفرح والرضا كما أن نفي الجوع والظمأ والخوف والحزن ... عن أهل الجنة، لا يمكن تصوره على حقيقته المطلقة؛ لأن تصوره في الدنيا يرتبط بضده. وعلى ذلك يمكن فهم الآية. والله أعلم. ** خلاصة المفهوم: فالخلاصة أن الضحى إذا أطلق فإنه يدل على: الضياء المنبعث بعد ظلمة، فكأنه أُ خرج من رحم ظلمة الليل البهيم، وهو أول ضحى كان في السماء (وأخرج ضحاها). وإذا قيد فإنه يدل على ما قيد به، كالوقت المعروف، أو الدلالة على البروز (ويرتبط بالبروز الحسي، نحو: ضاحية البلد).
عدد الصفحات ٨١22 المطلب الخامسالحبك (ذات الحبك): أولاً: مفهوم (الحُبُك): قال ابن فارس في مقاييس اللغة أن المعنى الأساس للجذر هو: (إحكام الشيء في امتداد واطراد). وهي عبارة اشتملت على مجموعة خصائص دلالية في مفهوم (الحبك)، وهي: طبيعة الحبك (الشدّ)، وطريقته (الامتداد والاطراد). إلا أن العبارة ينقصها عنصر أساس، وهو أن الخطوط تكون متكسرة، و قد ذكر ذلك الفراء كما في الصحاح: ( الحُبُكُ تكسُّرُ كل شيء، كالرمل إذا مرت به الريحُ الساكنة، والماءِ القائم إذا مرّت به الريح). وبذلك يمكن الوصول إلى المعنى الأساس لجذر (ح ب ك)، وهو: خطوط ممتدة متناسجة محكمة. وهذا التعريف يشتمل على خصيصتين دلاليتين أساسيت ين، في مفهوم (الحبك)، وهما: (3) بنية الحبك، فالمادة المحبوكة: خطوط ممتدة، غ مستقيمة، بل متناسجة، أيا كان شكل النسيج، والخطوط النسيجية عبارة عن ألياف يتم غزلها، فتكون مبرومة لولبية. (1) طبيعة الحبك: الشدّ. (فهي محكمة والشد المحكم، يقتضي الجودة في تضفير الخطوط، ونسجها.
عدد الصفحات ٨٢23 وكافة استخدامات اللفظ تعود إلى هذه المعاني، ويمكن تلخيصها في مفهوم "الحَ بيكة"، فكل خطوط ممتدة منسوجة محكمة، تسميها العرب: حَ بيكة، وجمعه: حُبُك. ومن ذلك: ضفائر الشعر، وطرائق الرمل، (وهي آثار مرور الريح على الرمل، فتصنع خطوطا طويلة متكسرة تشبه النسيج)، وكذلك طرائق الماء (آثار الريح على الماء). قال زهير بن أبي سلمى، يصف ماءً: مُكَلَّل بعَمِيم النَّبْت ، تَنْسُجُه ريحٌ خَرِيقٌ، لِضاحي مَائِهِ حُبُكُ الريح الخريق، هي الريح الشديدة، فهي تنسج وجه الماء حين تمر فوقه فتترك آثارها فيه، فتلك الحُبُك، كأنها طرق لولبية. وتسمي العرب الكساء المنسوج المخطط: محبوكا، (في اللسان: حَبَك الثوبَ: أجاد نسجه وحسّن أثر الصَّنْعة فيه، وحبك الوَتَر كذلك)، ونقل في الصحاح عن ابن الأعرابي: ( كل ش يء أحكمته وأحْسنْتَ عملَه فقد احْتبَكتَه )، والمقصود: كل شيء ذي خطوط طويلة، فالحبك ليس مطلق الإحكام. وعبارة مقاييس اللغة أدق، قال: ( كساء مُ حَبّك، أي : مُخَطّط)، فلا يوصف الشيء بالحبك إلا بمراعاة معنيين، الأول: الشكل، أن يكون ذا خطوط ممتدة منسوجة، والثاني: العلاقة بين هذه الخطوط: الشد بإحكام وإتقان. كذلك تجد الدقة في قول ابن الأثير في النهاية: ( وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ «رأسُه حُبُك »أَيْ شَعَرُ رَأسِه مُتَكَسِّر مِنَ الجُعُودة، مِثْلُ الْمَاءِ السَّاكِن، أَوِ الرَّمْل إِذَ ا هَبَّتْ عَلَيْهِمَا الرِّيحُ،
عدد الصفحات ٨٣21 فيَتَجَعَّدانِ ويَصِيرَان طَرَائقَ ). وبهذا يمكننا فهم جميع استعمالات (حبك)، ويمكننا تصويب بعض عبارات المعاجم، فمثلا: (الحِباك)، عرفه ابن دريد في جمهرة اللغة: (أَن يجمع خشب كالحظيرة ثمَّ يشد فِي وَسطه حَبل يجمعه فَذَلِك الْ حَبل الحباك ). أما عبارة الأزهري في تهذيب اللغة: (ربَاطُ الحظيرة بقصبات تُعَرَّضُ ثمَّ تُشَدّ. تَقول: حَبَكْتُ الحَظِيرَةَ كَمَا تُحْبَك عُرُوش الكرْم بالحِبَالِ. ) فعبارة الأزهري أدق وأدلّ، وقد اشتملت على الدلالتين الأساس. فوصف الرباط بأنه قصبات (وهي: خطوط ممتدة)، (تُعرَّض ثم تشد): فهي قصبات تتداخل، وتشد بإحكام، كما تحبك عروش العنب. وفي ضوء هذا يمكننا فهم قول العرب: (احتبك الرجل)، في جمهرة اللغة: ( تحبكت الْمَرْأَة بنطاقها إِذا شدته فِي وَسطهَا . وَكَذَلِكَ تحبك الرجل بثيابه إِذا تلبب بهَا. واحتبكت إزَارِي إِ ذا شددته عَلَيْك ). وفي اللسان: ( احتبك بإزاره: احتبى به وشده إلى يديه). فالمحتبِك عادة ما يشد إزاره بنطاقين متداخلين، حتى يعتمد عليه، ويجعله كالمسند لظهره، فلو كان النطاق خطا واحدا لما أمكنه الاستناد عليه إلا إذا كان عريضاً بحيث يشمل مقدمة الساق من الركبة إلى أسفل الساق. فسميت هذه الهيئة بالاحتباك لأنها اشتملت على دلالتين، الأولى: شكل الرباط الذي يُحتَبَك به، وهو نطاقان يربطان متداخلَين. والثاني: إحكام ربطهما. **
عدد الصفحات ٨٤22 ثانياً البنية النسيجية: نفهم البنية النسيجية بالنظر إلى النسيج الذي يصنعه الإنسان، والنسيج الذي ينشئه الخالق سبحانه وتعالى، كالنسيج الحيواني والنباتي، وفتائل الذرة. بالنظر إلى صناعة النسيج فإنها تمر بمجموعة من المراحل، يمكن تلخيصها في ما يلي: (انظر: الموسوعة العربية العالمية)، أولا: تجميع الألياف والشعيرات، وهي تمثل المادة الخام الأولية. ثانياً: غزلها، وذلك بفتل الألياف لولبياً، وتحويلها إلى خيوط مبرومة جاهزة للحبك. ثالثاً: حياكة الخيوط، ونسجها، لصناعة الأنسجة. كما تشمل الصناعات النسيجية: الأصبغة التي تلون الخيوط النسيجية، والمواد المستخدمة في الخصائص الوظيفية ل لأنسجة... الخ. وإضافة إلى البنية النسيجية فإنه يشمل أداءها ووظيفتها. (والسماء ذات الحبك)، فحُبُك السماء، تعني أنها تتألف من أنسجة ذات أنظمة نسيجية متعددة. وكل نسيج منها يتألف من خيوط طويلة متينة قوية، وكل خيط منها يتألف من ألياف صغيرة ودقيقة (فتائل). وكل خيوط نسيجية لها خصائصها المتميزة، ومن ثم فهي زينة في السماء الدنيا. وهي مشدودة شدا محكما، متقنا. وأما النظر إلى النسيج المخلوق، كالنسيج الحيواني والنباتي فإنه يمكن القول إن التركيب النسيجي يتحقق في كل المخلوقات، فكما ذكرتُ في بحث الغيب والشهادة، أن خلق الله يتشابه ولكنه لا يتماثل، كذلك البنية النسيجية (ذات الحبك) تتشابه في كل المخلوقات، ولكنها لا تتماثل، فلكل بنية نسيجية نظامها الخاص بها.
عدد الصفحات ٨٥26 ويمكن الوصول إلى وصف أدق للبنية النسيجية السماوية من خلال دراسة البنية النسيجية للخلايا النباتية، والحيوانية، ولفتائل الذرة.... فالنسيج (سواء الحيواني أم النباتي)، مجموعة خلايا موحدة البنية والوظيفة، وترتبط الخلايا بعضها ببعض في وسط مادة هلامية. (انظر: الموسوعة العربية)، وكل نوع من الأنسجة له بنية تناسب وظيفته. فتتعدد بنى الأنسجة وأنماطها بحسب وظائفها المختلفة. ولهذه البني ة النسيجية خ واص عديدة، كالنمو والتطور والمرونة، والموت والحياة، والصحة والمرض... الخ. فالسماء ذات الحبُك، أي: ذات البناء النسيجي، مثلها مثل سائر المخلوقات (الحيوانات والنباتات وغيرها) كلها ذات بناء نسيجي. فخلق الله يتشابه ولا يتماثل، تشابُهُهُ في أنه يخضع للأنظمة نفسها، وعدم تماثله في أن كل مخلوق يتفرد بصفاته الخاصة به (سواء أكان المخلوق على مستوى الجنس أو النوع أو الفرد)، قال تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ )، أي: ما ترى فيه اختلافاً، فبعضه يشبه بعضا، فهو خلق متشابه الغيب والشهادة في القرآن الكريم
عدد الصفحات ٨٦