المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دراسة معجمية لخمسة ألفاظ في القرآن الكريم بنى، رفع، وسع، الضحى، الحبك

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٣ من ٦

33 هنا يوسف عليه السلام. والرفع هنا نقل للمرفوع من درجة إلى درجة أخرى يبينها (على). 1) الدلالة على التفضيل أو التفاضل، وله تركيبان أ. الأول: وقوعه على مفعول، والمجيء بالظرف الدال على المرتبة: درجات، مكانا...، في قوله: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ )، ( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )، ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ) بتقديم الظرف، (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّ ا)، فالمفعول هو الإنسان، والظرف: درجات، مكانا، يدل على التفضيل، أي تفضيل هذا المرفوع، وبيان مرتبته. ومن الباب قوله: ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا )، وقوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ). فـقوله: ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا )، أي: لرفعناه درجة بها، فحذف الظرف؛ لوضوحه من جهة، ولعدم استحقاق هذا أن ينال المرتبة، فلم ينلها الرجل، ولم يذكرها الله في الآية ، فدل حذفها على عدم حصولها. والباء تبين سبب الرفع، أي رفعناه بسبب الآيات، فهي دالة على سبب استحقاقه للرفع. وأما قوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ )، أي: رفعنا ذكرك درجات، واللام للتعليل، قال الرازي: ( كأنه تعالى يقول لام بلام، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال: "إلا ليعبدون "، "أقم الصلاة

عدد الصفحات ٣٣

31 لذكري"، فأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك )، وذكر وجها ثانيا، وهو ( أن فيها تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام، كأنه تعالى قال: إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي ). وقال الزمخشري للإيضاح بعد إبهام ( كأنه قيل: ألم نشرح لك، ففهم أن ثم مشروحا، ثم قيل: صدرك، فأوضح ما علم مبهما، وكذلك "لك ذكرك " و"عنك وزرك"). ب. الثاني: وقوعه على مفعول، والمجيء بالظرف (فوق)، والظرف ا لدال على المرتبة: درجات، في قوله: ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) ( وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ )، فهذا التركيب يدل على التفاضل والتفاوت، بخلاف التركيب السابق الذي يدل على التفضيل، أي تفضيل المرفوع، أما هنا فيدل على تفاوت مراتب المرفوعين.

عدد الصفحات ٣٤

32 ثالثاً الرافع والرفيع: ورد لفظ (رافع) في قوله: ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ )، فالرافع هو الذي يفعل الرفع، والله رافعٌ عيسى إليه، ووقع فعل الرفع من الله على: السماء، والطور، وعيسى، وإدريس، والنبيين، ورفع الذكر، ومن رفع درجاتهم، ورفع العمل الصالح. فالرافع هو الذي يرفع هذه الأشياء. كما جاء وصف "رافعة" للواقعة ( خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ). وسأتناول دلالته. وأما الرفيع فورد في قوله: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ )، وأضيف إلى (الدرجات)، واختلف المفسرون في المراد به على قولين، الأول: أنه عليّ الصفات، ذو مكانة علية، فالرفع بم عنى العلو، والتقدير: رفيعة درجاته، فـ(رفيع) صفة مشبهة، و(الدرجات) كما قال ابن عاشور: ( مستعارة للمجد والعظمة، وجمعها إيذان بكثرة العظمات باعتبار صفات مجد الله التي لا تحصر). والثاني: أنه رافع الدرجات، فـ(رفيع)، بمعنى: رافع، وجاء بصيغة (فعيل)؛ لإفادة المبالغة، أي: كثير رفع الدرجات. وأضيف إلى مفعوله، والدرجات، قيل: درجات الأنبياء والمؤمنين، وقيل: السماوات، وقيل: معارج الملائكة. والذي يترجح هو القول الثاني، فقد اطرد استخدام القرآن الكريم لـ"الرفع" بملاحظة وجود فاعل الرفع، كما بينت أعلاه، ولم يرد بمعنى: العلو، وحمله على ما اطرد أولى، ثم إن دلالة الرفع لغة

عدد الصفحات ٣٥

36 تقتضي وجود رافع ومرفوع، فاستخدام "الرفع" يلاحظ فيه وجود شيء يقع عليه الرفع. فالأولى أن تكون الإضافة إلى (الدرجات) من إضافة الشيء إلى مفعوله، لا فاعله. والمتتبع لاستخدام القرآن الكريم، يجد أن العلو يقابل السفل، ويستخدم غالبا في الوصف (مدحا أو ذما)، وأنه لا يلاحظ فيه الفاعل، فيستخدم لازما: علا يعلو علوا، ولا يستخدم متعديا: أعلى، بخلاف الرفع، الذي يلاحظ فيه الفاعل، ويستخدم متعديا. ورفيع الدرجات، هو: من يرفع عباده درجات في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ )، ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ )، (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ )، ( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ). فرفع الدرجات الوارد في القرآن الكريم يكون لرفع درجات بع ض الناس على بعض، سواء في الدنيا، أو في الآخرة، وقد قصره بعض المفسرين على الآخرة، كالبغوي، قال: (رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة )، ولا وجه لقصرها، فالله يرفع درجات عباده في الدنيا، كما يرفعهم في الجنة أيضا. وعليه فـ(رفيع الدرجات)، أخص من (الرافع)؛ فالرافع هو الذي يرفع، سواء رفع الأشياء المحسوسة أو غيرها، فالله رفع السماء، ورفع الطور، ورفع عيسى، ويرفع العمل الصالح، ويرفع درجات الناس... أما الرفيع، فيختص برفع الدرجات، فيا رفيع الدرجات ارفعنا درجاتٍ في الدنيا والآخرة.

عدد الصفحات ٣٦

37 رابعاً (خافضة رافعة): قال تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ( 3) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ 1 ) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ )، أي الواقعة خافضة رافعة، وقد لخص ابن عطية تفسير العلماء لقوله: خافضة رافعة، فقال: (واختلف الناس في معنى هذا الخفض والرفع في هذه الآية، فقال قتادة وعثمان بن عبد الله بن سراقة: القيامة تخفض أقواما إلى النار، وترفع أقواما إلى الجنة. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الصيحة تخفض قوتها لتسمع الأدنى وترفعها لتسمع الأقصى. وقال جمهور من المتأولين: القيامة، بتفطر السماء والأرض والجبال فبانهدام هذه البنية، ترفع طائفة من الأجرام وتخفض أخرى، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب). وبالنظر في دلالة الرفع والخفض، فالرفع هو تحريك الشيء إلى أعلى، والخفض عكسه، ومن ثم فالمرفوع كان مخفوضا قبل ذلك، والمخفوض كان مرفوعا قبل ذلك. وبهذا نستبعد القول الثالث، ففيه الخفض (خفض الجبال التي كانت مرفوعة والأجرام)، ولكن ليس فيه الرفع. وأما القول الثاني بأنها الصيحة، فلا دلالة عليه، ولا وجه له، والقرآن الكريم يتحدث عن الصيحة والنفخ في الصور، ويبين ما يترتب عليه من الصعق والفزع، فهي ستسمع القريب والبعيد، والسياق لا يدل عليه. أما القول الأول وهو أنها ترفع وتخفض الأقوام، فالسورة تتحدث عن الأزواج الثلاثة، وهم المقربون وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال. وتبين مراتبهم؛ فإذا وقعت الواقعة فإن أصحاب الشمال ستخفضهم إلى النار، وترفع المقربين وأصحاب اليمين إلى الجنة.

عدد الصفحات ٣٧

32 والرفع والخفض هنا حسي ومعنوي، فجهنم تحت، وهم سيلقون فيها، ويكبون كبا، والجنة فوق، وأهلها سيرفعهم الله إليها. وهذا يدل على أن أرض المحشر وسط بين الجنة والنار، فالجنة فوقها، والنار تحتها، والله عليم بمقدار المسافات بينهما، فبعد انتهاء أعمال الحساب يأتي الخفض والرفع. وهو كذلك معنوي، فالمكرمون مرفوعون، والمعذبون مخفوضون. كما أن الخفض والرفع يكون أيضا في الدرجات، فأهل الجنة كلهم مرفوعون، وتتفاوت مراتبهم، فالمقربون أرفع من أصحاب اليمين، وفي كلٍّ درجات متفاوتة، كما في الصحيحين: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدّ رّي الغابر في الأفق، من المشر ق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم »قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ». وكذلك أهل جهنم دركات، والعياذ بالله، فبعضهم في الدرك الأسفل وبعضهم أعلى. قال تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَ ا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ).

عدد الصفحات ٣٨

33 خامساً والسقف المرفوع: جاء في زاد المسير لابن الجوزي: ("وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ " فيه قولان، أحدهما: أنه السماء، قاله علي رضي الله عنه والجمهور. والثاني: العرش، قاله الربيع)، وفي البحر المحيط: (قال ابن عباس: هو العرش، وهو سقف الجنة)، وقال ابن كثير: (وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات). المرفوع هو ما يرفعه غيره. والذي رجحته في بحثي: السماء والسماوات في القرآن الكريم، أن السقف المرفوع هو العرش؛ فهو سقف لكل المخلوقات، وهو مرفوع لا شيء من المخلوقات أرفع منه. فحمل السقف على العرش أولى؛ إذ هو سقف المخلوقات كلها، ولا يوجد مخلوق يسقف العرش. فدلالة العرش في اللغة، تشتمل على ثلاثة عناصر: الارتفاع، (فهو أرفع ما في البناء)، والثاني: السقف، فهو سقف مرتفع، و ليس عمودا أو جدارا مرتفعا، وإلا فلا يسمى عرشا. والثالث: التظليل، فهو يظلل ما تحته. وفي القرآن الكريم جاء وصف المرفوع؛ لأعلى المخلوقات التي رفعها الله، وهي: السقف ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ )، وهو العرش الذي هو أرفع المخلوقات. والصحف المكرمة ( فِي صُحُفٍ مُكَرَّ مَةٍ ( 31) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ )، وهو اللوح المحفوظ. وكذلك سرر الجنة وفرشها، فالله جعلها مرفوعة (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ )، (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ )، وهذا يقتضي أنها عالية الارتفاع على ما سواها في الجنة، ويجعل الله أهل الجنة مهيئين لبلوغ هذه الارتفاعات. وكل هذه المرفوعات (العرش واللوح

عدد الصفحات ٣٩

13 المحفوظ) هي أرفع من السماوات والأرض، وهي خارج مدى السماوات والأرض، فالعرش (على اعتبار أنه السقف)، واللوح المحفوظ كلها موجودة من قبل خلق السماوات والأرض، والجنة وما فيها يسقفها عرش الرحمن. فحمل السقف على العرش أولى من حمله على السماء.

عدد الصفحات ٤٠

11 سادساً (رفع السماء): ورد الحديث عن رفع السماء في أربعة مواطن، في آية النازعات: (رفع سمكها)، وفي سورة الغاشية: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (32 )وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ). وفي سورة الرحمن: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)، وفي سورة الرعد متحدثا عن السماوات كلها: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا). فالسماء بناء، بناها الله، فرفع سمكها، كما في النازعات. والآيات تخبرنا عن: (رفع السماء)، و(رفع سمكها)، و(رفع السماوات بغير عمد ترونها). أما الرفع، فكما بينته: تحريك الشيء باتجاه الأعلى، بنقل أو إطالة أو زيادة، وقد يكون ذاتا أو مرتبة. فرفع السماء هو تحريك لها بإطالة، كما ترفع قواعد البيت، ولذا قال تعالى: (رفع سَمْكَها)، فبدأت بناء منخفضا، ثم رفعها الله فأطالها، وجعلها بنا ء عظيما (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ). كما أن رفع السماء يعني الزيادة في حجمها، وتوسعتها، كما قال تعالى: ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )، فالسماء كانت في بدء أمرها جرما صغيرا، فرفعها الله بزيادة حجمها، ومع زيادة الحجم كانت الإطالة أيضا. كما أن رفع السماء يتعلق بالمرتبة أيضا، فالسماء مرفوعة والأرض موضوعة، كما قال تعالى: ( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (2) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ 3) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَ ا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ( 9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ).

عدد الصفحات ٤١

12 (رفع سمكها - فما السَّمْك؟ فسر بعض المفسرين "السَّمْك" بالسقف، وفسره بعضهم بـ(غلظ السقف)، إلا أن المعنى الأدق له ليس السقف، بل هو كما في تهذيب اللغة: (مَا سمكْتَ بِهِ حَائِطا أَو سقفاً )، وقال الفراء: (كل شيء حمل شيئا من البناء أو غيره فهو سَ مْك)، والعرب تسمى الأعمدة التي تحمل الخباء وترفعه: المِسْماكُ . وتقول العرب: طويل السَّمْك: إذا كان الشيء مرتفع القامة. وما أجمل ما قاله الإمام الرازي في تفسيره: (واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عُمْقا، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سَ مْكا). فالسَّمْك، هي الجوانب التي تمتد من أسفل البناء إلى أعلاه، ورفعها يقتضي ارتفاع البناء، وإذا كان السمك مرفوعا فإن السقف سيكون مرفوعا أيضا، فقوله (رفع سمكها)، أي رفع امتداد البناء حتى سقفها. (بغير عمد ترونها) وأما الشيء الذي رفعت به، فيبينه قوله تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، فهو قد رفعها (كما رفع السماوات كلها بعد ذلك) بغير عمد مرئية، والوصف (ترونها) في قوله (بغير عمد ترونها) معتبر في النفي كما يقر ذلك أهل اللغة، فالمعنى: بعمد لا نراها، فهو لم ينف العمد وإلا قال (بغير عمد) واكتفى بذلك، ولكنه نفى رؤيتنا لها، كما تقول: زيد ليس برجل نزيه، فأنت تنفي النزاهة لا الرجولة، فالمعنى: بغير عمد مرئية، أي فهي عمد غير مرئية. ومثله قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ

عدد الصفحات ٤٢

13 عَمَدٍ تَرَوْنَهَا). وقد قال بهذا التأويل - كما في الطبري - ابن عباس ومجاهد وقتادة، وغيرهم من أئمة التفسير بعد ذلك. وهذا كما قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا)، أي: لا يثقله حفظهما بأمر الله سبحانه وتعالى. وسأتحدث عن الآية عند الحديث عن الكرسي. وهو كقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ). وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا).

عدد الصفحات ٤٣

11 سابعاً (والعمل الصالح يرفعه) قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) . اختلف المفسرون في قوله: (والعمل الصالح يرفعه)، واختلافهم في عائد الضميرين، من الفاعل ومن المفعول في (يرفعه)، بعضهم قال: المرفوع هو العمل الصالح، والفا عل: الله، والمعنى: الله يرفع العمل الصالح، أي يتقبله، وقال بعضهم: الفاعل: الكلم الطيب، أي: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح، وفسروا الكلم الطيب بالتوحيد الذي لا يقبل العمل إلا به. وبعضهم قال : العمل هو الفاعل والكلم هو المفعول، أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. يمكن الرجوع إلى تفسير القرطبي ففيه عرض مبسوط لهذه الأقوال ومناقشتها. ** والمتدبر للآية يجد أن الآية تفرق بين نوعين من عبادة الإنسان: الكلم، والعمل، ومع التفريق بينهما، فقد اختلف وصفهما : الكلم الطيب، والعمل الصالح، واختلفت طبيعة حركتهما: صعود الكلم الطيب، ورفع العمل الصالح. فالعمل الصالح هو المرفوع لا شيء سواه، وحركته إلى فوق تقابل حركة الكلم الطيب. (3) صعود الكلم الطيب ورد الفعل (صعِد يصْعَد) في هذا الموطن فقط، فالصعود هو علو الشيء إلى مكان عالٍ، ويقترن بما يصعد من ذاته غالبا، أما الرفع

عدد الصفحات ٤٤

12 فيقترن بما يرفعه غيره، ولم يرد في القرآن الكريم إلا واقعا من فاعل على مفعول، كما سبق بيانه. فتقول: صعدتُ إلى الجبل، ولا تقول: ارتفعت إلى الجبل، إلا إذا رفعك شيء آخر. فصعود الكلم الطيب يعني أن فيه قدرة ذاتية على الصعود بنفسه، والكلم هو صوت، والصوت هو موجات تتحرك متذبذبة في الأوساط المادية، ولا تنتشر في الفراغ، ومن ثم فصعود الكلم الطيب ليس مجرد كناية عن القبول كما قال المفسرون، بل هو صعود حقيقي، وتدل الآية على أن كلام الإنسان إذا كان طيبا فإن حركة ذبذباته تكون صاعدة، حتى تصل إلى الله سبحانه وتعالى، فهي لا تفنى ولا تنتهي، بل هي محفوظة. أما إذا كان كلام الإنسان غير طيب، فإن حركة ذبذباته تكون هابطة، حتى تصل أسفل سافلين، وتكون محفوظة يجدها الإنسان في يوم ما. ويفهم من الآية أيضا، أنه لا يوجد فراغ بين الأرض والسماوات، فما بينهما هو وسط مملوء بالمادة والطاقة، وعليه يظل الصوت الطيب صاعدا إلى الله، محفوظا في سجل، ويجده الإنسان يوما ما. وتبين الآية أيضا أن حركة الأصوات تختلف عن حركة الملائكة أو الروح أو حتى الإنسان في الوسط بين الأرض والسماء، فالكلم الطيب حركته صاع دة، أما الملائكة أو الروح فحركتهم عروج، لا صعود، والعروج هو الصعود ولكن ليس باستقامة، بل بخط متعرج. كما قال تعالى: ( تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ )، ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ )، ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ

عدد الصفحات ٤٥

16 يَعْرُجُونَ ). والقرآن الكريم يضفي صفة "الطيب" على القول، أو الكلمة، في مقابل صفة "الخبيث"، قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَ لًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ( 14 ) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 12) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِ يثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ )، وقال تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ )، وقال تعالى: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ). ** (1) رفع العمل الصا وأما قوله (و العمل الصالح يرفعه). فالرفع كما تقدم، هو (تحريك الشيء باتجاه الأعلى، وقد يكون التحريك بنقل أو إطالة أو زيادة. وقد يكون التحريك لذات الشيء أو مرتبته). فالعمل الصالح هو المرفوع، وحركته تقابل حركة صعود الكلم الطيب، وصعود الكلم الطيب ذاتي، كما تقدم، أما العمل الصالح فالرافع له هو الله، فهو يقابل الضمير في قوله (إليه يصعد)، أي: إلى الله يصعد الكلم الطيب، والله يرفع العمل الصالح. وقد فسر المفسرون رفع العمل الصالح بالقبول، إلا أن الرفع في حقيقته تحريك لذات الشيء أو مرتبته تجاه الأعلى، فالآية دليل واضح على أن العم ل الصالح شيء يرفعه الله، ونحن لا نعلم كنه هذا الشيء، ولا نعلم حقيقته، وكيف يكون رفعه، إلا أن الآية تدل على أن الله يرفع العمل الصالح، وسأتحدث في النقطة التالية أين

عدد الصفحات ٤٦

17 مستقر العمل الصالح المرفوع ومن أبجديات الفيزياء أن أي حركة تحدث اهتزازات، تنتقل في الوسط المادي، وقد وصل اليوم علماء الفيزياء إلى نتائج دقيقة في قياس الحركة، وقياس سرعتها، وتحليل الحركة التي تمّت، وقياس اهتزازها، ورسم ذبذباتها. كما أن التسجيل المرئي يصور الحركات ويوثقها، ويمكن من استرجاعها. فالعمل شيء، والله سبحانه وتعالى يخبرنا أن الإنسان سيرى عمله رأي العين، قال تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( 2) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )، فنحن نحمل الرؤية على رؤية العين، ولا داعي لحملها على معنى آخر، وسأورد أدلة أخرى تبين أن العمل مثل القول، له وجود، والإنسان سيجده يوما ما. ورفع العمل الصالح يكون بنقله إلى عليين، وحفظه هناك، كما يكون الرفع أيضا بالزيادة، والنماء والبركة، فالله يبارك في العمل الصالح وينميه، والرفع كما سبق القول يكون بالزيادة. قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )، وقال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّ يِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ )، (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً )، (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا )... وكما في الحديث: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إ الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها ل صاحبه، كما يربي

عدد الصفحات ٤٧

12 أحدكم فُلُوَّهُ، حتى تكون مثل الجبل » . ** (1) مستقر الكلام والعمل هناك عديد من الآيات التي تبين أن الإنسان سيأتي يوم القيامة ويجد ما عمل حاضرا أمامه، يجد ما عمل من خير أو شر، فكل شيء محفوظ ومسجل، قال تعالى: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْ مُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )، فالكتاب الذي يوضع هو أرشيف أعمال وأقوال البشر، فكل شيء مدون فيه، مدون بذاته، فيه الكلام والعمل. وقوله (ووجدوا ما عملوا) يدل على أن الإنسان سيجد ذات عمله وقوله، وليس مجرد الإخبار عن قبوله أو رفضه. وقال: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْ نَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ )، فقوله: أتينا بها، يدل على وجود حقيقي للعمل والقول، وليس مجازياً، وأنه في يوم من الأيام سيأتي الله بها، ويجدها كل إنسان، (وكفى بنا حاسبين)، أي: نحسب على العباد حتى مثقال حبة من خردل من أعمالهم وأقوالهم. فهذه الآيات وغير ها تدل على أن كلام الإنسان أو عمله له وجود، ونحن لا نعلم حقيقة هذا الوجود، واليوم فإن التقنية تساعدنا كثيرا على الفهم، فتسجيل الصوت مثلا، يحفظ صوت الإنسان، ويمكنه من استرجاعه، والاستماع إلى ما قاله مرة أخرى، والتسجيل المرئي يسجل عمل الإنسان ويوثقه، ويمكن من استرجاعه، فهذه تقنية البشر، فما بالك بما عند الله سبحانه وتعالى، الذي يسجل

عدد الصفحات ٤٨