17 والتكسيات والواجهات وشكل البناء وغيرها)، والأمان والاقتصاد (وذلك بحساب كميات المواد اللازمة لإقامة هيكل البناء الإنشائي من حديد وخرسانة وغيرها، بحيث يضمن تحقيق عنصري الأمان والاقتصاد). وبناء السماء، يبين الله سبحانه وتعالى أنه ما خلق السماء والأرض إلا بالحق، كما تبين آيات القرآن الكريم أن السماء بنيت بدقة وإتقان وإحكام، لا مثيل له، وقد جعلها الله آمنة للساكنين، وهيأ لهم فيها كل ما يحتاجون إليه. واليوم يبين علماء الكون الحسابات المتناهية الدقة في هذا البناء، والتوازن الدقيق في نسب المواد والطاقات والقوى ووظائفها، وترابطها الوثيق بعضها ببعض... ثم المرحلة الثالثة: التنفيذ، ويمكن توزيعها على الخطوات التالية، وهي: (أعمال ما قبل البناء)، و(التأسيس والرفع)، و(التركيب)، و(التسوية)، و(التشغيل والصيانة). فأعمال ما قبل البناء: تشمل استكشاف التربة، ودراستها، ومعرفة مدى متانتها وتوازنها وثباتها واستقرارها، وتجهيز المكان. وأعمال التأسيس والرفع: التأسيس إشارة إلى الجزء القاعدي من البناء، والرفع إشارة إلى الجزء العلوي منه، وتشمل: الحفر، وبناء القواعد، ثم رفع البناء العلوي من أعمدة وجدران وأسقف. والتركيب يشمل تمديدات الخدمة، كتغذية المبنى بالماء، وتمديد خطوط الكهرباء، ومد أنابيب الغ از والماء والصرف الصحي، والعزل، وتزويد المبنى بنظام التدفئة، فالتركيب بمثابة تزويد البناء
عدد الصفحات ١٧12 بالأعصاب والتسوية، وتشمل التكسية المعمارية (وتمثل كساء العظم بالجلد)، كما تشمل إعداد الوجه الظاهر في داخل المبنى، من طلاء، وديكور، وتلميع، وصقل الأرضيات، وأعمال الزخ رفة، والتزيين، والتشجير، وغيرها. وأخيرا تشغيل المبنى، والصيانة الدورية للمبنى، والمحافظة عليه. هذه باختصار أهم خطوات تنفيذ البناء، مع وجود كثير من التفصيلات في كل خطوة. وسنتدبر حديث القرآن الكريم عن بناء السماء، في ضوء هذه العناصر. بالنسبة لما قبل البنا ء، فإن الله سبحانه وتعالى بين أنه الذي خلق السماوات والأرض، فكانتا رتقا، أي: متضامتين ملتصقتين. ثم لما أذن فتقهما، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، وبناها. فالله هو خالق المكان، وهو خالق كل شيء، وهو الذي خلق كل شيء مهيأ لما سيكون عليه، خلق كل شيء فقدره تقديرا. وأما التأسيس والرفع ، فقد تحدث القرآن الكريم أن الله بنى السماوات فكانت شدادا، (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا )، قال الزمخشري: (محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان )، وقال ابن عطية: (ووصفها بالشدة؛ لأنه لا يسرع إليها فساد لوثاقتها). فهو بناء شديد متين وثيق، هيئ لحمل الخلائق التي لا يعلمها إلا الله سبحانه
عدد الصفحات ١٨13 وتعا ولذلك قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ )، قال ابن عباس: أي: بقوة. وقال: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ )، فهي بناء نسيجي، نسجت نسجا شديدا محكما متقنا، كالنسيج الذي شدت خيوطه بإحكام. (انظر بحثي: السماء والسماوات في القرآن الكريم). كما تحدث القرآن الكريم عن أن الله رفع السماء بلا عمد مرئية: (والسماء رفعها)، (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ). فالناس يبنون ويحتاجون إلى وضع الأسس لحفظ المبنى من التصدع والانهيار، ولضمان ثباته على الأرض، فيضعون القواعد ويرفعون الأركان. أما الله سبحانه وتعالى، فقد رفع السماء بلا عمد مرئية، فهي محفوظة، وللكرسي دور في حفظها بإذن الله (انظر بحثي: السماء والسماوات في القرآن الكريم). والآيات التي تحدثت عن الرفع أخبرتنا عن رفع سَمكها، وأنها رفعت بغير عمد مرئية.( انظر المطلب التالي: رفع). كما أخبر القرآن الكريم عن مرونة هذا البناء، فهو بالرغم من شدته ومتانته ووثاقته، فإنه يتوسع باستمرار، (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )، وهذا ما لا يكون في بنيان الناس، فهم لا يوسعون ما يبنون إلا بالهدم الجزئي، أما الله فيوسع بناء السماء دون الحاجة إلى هدم أجزاء من ذلك البناء. (انظر المطلب: وسع). وأما التركيب، فالقرآن الكريم يتحدث عن أن الله جعل السماء
عدد الصفحات ١٩23 بناء مهيأ للساكنين، ومن ثم فقد زودت بكافة (تمديدات الخدمة)، التي يحتاجها هؤلاء الساكنون، وقد ذكر لنا القرآن شيئا منها، ممتنا علينا، واليوم يتسابق العلماء في كشوفاتهم، وكل يوم يكتشفون لنا مزيدا من هذه (التمديدات)، فمن ذلك قوله: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَ اءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ )، حيث يتحدث عن الماء الذي ينزل من السماء، [ وهو جزء من السماءأَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( 12 ) رَفَعَ سَمْكَ هَا فَسَوَّاهَا ( 13) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا )، فإغطاش الليل وإخراج الضحى من السماء، هو من هذا القبيل. ولم يتحدث القرآن الكريم عن شيء كما تحدث عن هذا الأمر، وما امتن الله به على الإنسان وسخر له ما في السماوات والأرض، وتهيئة الأرض له أيضا. وأما التسوية، فقد أخبرنا القرآن الكريم أنه زين السماء (الدنيا)، والسماء الدنيا هي واحدة من السماوات السبع، بمصابيح، وبالكواكب، وجعل فيها النجوم، والبروج، ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ )، وتدبر قوله: (وزيناها للناظرين)؛ فزينتها للناظرين عمل مقصود، واليوم يتحدث المهندسون عن (هندسة المناظر)، أي: تزيين البناء للناظرين. ويَرِد الحديث عن زينة السماء الدنيا، بعد الحديث عن بناء السماء الأولية، وتسويتها، ثم تسوية السماوات السبع، ثم يتحدث عن زينة السماء الدنيا، فالزينة تكو ن في الأخير، كما قال: ( فَقَضَاهُنَّ
عدد الصفحات ٢٠21 سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا )، وقال: ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ). ويتصل به أيضا ما جعله الله في الأرض من زينة، نباتها وألوانها وأحياؤها، فالأرض جزء من البناء. وأما التشغيل، فقد خلق الله ساكني السماوات والأرض من أحياء، بعد أن بنى لهم السماء، ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ). والقرآن الكريم يستخدم لفظ (التدبير)، قال تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ )، فهو يدبر أمر المخلوقات. سبحانه وتعالى (انظر بحثي: السماء والسماوات في القرآن الكريم). وأما الصيانة، فإن القرآن الكريم يتحدث عن أن الله بنى السماء بناء محكما، لا شقوق فيه ولا صدوع ولا فروج، ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ( 1) ثُمَّ ارْجِ عِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ )، وقال: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ). و(من تفاوت) كما قال الزمخشري: ( أي: من اختلاف واضطراب في ا لخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة. وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه. ومنه قولهم: خلق متفاوت).
عدد الصفحات ٢١22 ومهندسو البناء (وخصوصا ناطحات السحاب) يشيدونه قويا، ويستخدمون أجود المواد التي تتحمل الأحمال الثقيلة والجهد العالي، ويجعلون أساسه متينا، وواجهاته مقاومة للتلف وتسرب الرطوبة؛ حتى يظل أطول فترة ممكنة دون صيانة. وبالرغم من ذلك فإنه يظل لمدة ما، ثم بعد ذلك تبدأ أعمال الصيانة. والتصدع في البنيان، له ظواهر عديدة، منها: التشققات، أو تآكل المواد، أو الميلان، أو غير ذلك. أما السماء فقد وصف الله بنائها بأنه شديد؛ فلا يتصدع ولا يتشقق، وهو بناء متين محكم، يظل بإذن الله دون حاجة إلى صيانة أو إصلاح، فما فيها من تفاوت، وما لها من فطور، أو شقوق، أو صدوع. وحين يأذن الله بانتهاء الدنيا، فإن ذلك البناء كله يتفطر ويتشقق ويتصدع. **
عدد الصفحات ٢٢23 رابعاً (ابن لي عندك بيتا) هذه دعوة آسية امرأة فرعون، فقد طلبت من ربها أن يبني لها عنده بيتا في الجنة، فمن يبني هو الله سبحانه وتعالى، والمبني بيت لهذه المرأة الصالحة. قال ابن عاشور: ( والظاهر أن قولها: "ابن لي عندك بيتا في الجنة" مؤذن بأن فرعون وقومه صدوها عن الإيمان به، وزينوا لها أنها إن آمنت بموسى تضيع ملكا عظيما وقصرا فخيما، أو أن فرعون وعظها بأنها إن أصرت على ذلك تقتل، فلا يكون مدفنها الهرم الذي بناه فرعون لنفسه لدفنه. ويؤيد هذا ما رواه المفسرون أن بيتها في الجنة من درة واحدة فتكون مشابهة الهرم الذي كان معدا لحفظ جثتها بعد موتها وزوجها). ومن المقابلات أن امرأة فرعون طلبت من ربها أن يبني لها بيتا في الجنة، أما فرعون فقد طلب من وزيره هامان أن يبني له صرحا لعله يصل إلى إله موسى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ( 13) أَسْبَ ابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ). ولم يرد الأمر من البناء للمفرد سواهما، فشتان بين طلب وطلب. والآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى يبني للمؤمنين بيوتهم في الجنة، وهذا غاية الإكرام لهم، فإن المضيف إذا جاءه ضيف قام بنفسه في خدمته، وهذا غاية الكرم. والله سبحانه وتعالى، كما بنى السماء، فإنه يبني للمؤمنين بيوتهم في الجنة. فيا رب ابن لنا عندك بيوتا في الجنة.
عدد الصفحات ٢٣21 واطرد تسمية منازل الجنة في القرآن الكريم: الغرف، كقوله (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ )، وكقوله: ( أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا )، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ )، (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ). أما في السنة فقد سميت: بيوت، وغرف، وخيمة، وقصر. ومنها: في الصحيحين: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدّ رّي الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم»قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: «بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». وفي مسلم «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثن عشرة ركعة تطوعا، غير فريضة، إلا بنى الله له بيتا في الجنة»، و الصحيحين: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤ واحد مجوفة ، طولها ستون ميلاً ، فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضا»، وفيهما«أدخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب». **
عدد الصفحات ٢٤22 خامساً (غرف مبنية) ويتصل بما سبق، أن الله يبني للمؤمنين غرفا في الجنة، قال تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ )، فوصف الغرف بأنها مبنية. والغرفة في اللغة العربية، هي العِ لِّيّة، وهي البيت المرتفع فوق بيت آخر، فلا يطلق على البيت الذي على الأرض مباشرة غرفة، بل على البيت الذي فوقه، فمعنى الارتفاع ملحوظ فيه. وقوله "لهم غرف من فوقها غرف"، قال الزمخشري: ( علالي بعضها فوق بعض )، وقال ابن كثير: ( طباق فوق طباق )، وقال ابن عاشور: (موصوفة باعتلاء غرف عليها وكل ذلك داخل في حيز لام الاختصاص، فالغرف التي فوق الغرف هي لهم أيضا لأن ما فوق البناء تابع له وهو المسمى بالهواء في اصطلاح الفقهاء. فالمعنى: لهم أطباق من الغرف). وقوله "مبنية"، تساءل المفسرون: لماذا وصفت الغرف بأنها "مبنية"، مع أن الغرف لا تكون إلا مبنية؟ قال الزمخشري: ( فإن قلت: ما معنى قوله مبنية؟ قلت: معناه- والله أعلم -: أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسويت تسويتها ، تجري من تحتها الأنهار كما تجرى من تحت المنازل، من غير تفاوت بين العلو والسفل). وقال الرازي: (فإن قيل: ما معنى قوله مبنية؟ قلنا لأن المنزل إذا بني على منزل آخر تحته كان الفوقاني أضعف بناء من التحتاني
عدد الصفحات ٢٥26 فقوله: مبنية معناه أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساو للمنزل الأسفل، والحاصل أن المنزل الفوقاني والتحتاني حصل في كل واحد منهما فضيلة ومنقصة، أما الفوقاني ففضيلته العلو والارتفاع ونقصانه الرخاوة والسخافة، وأما التحتاني فبالضد منه، أما منازل الجنة فإنها تكون مستجمعة لكل الفضائل وهي عالية مرتفعة وتكون في غاية القوة والشدة). وقال ابن القيم: (فأخبر تعالى أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة ؛ لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل وأنه ليس هناك بناء، بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض ، حتى كأنها ينظر إليها عيانا. و"مبنية" صفة للغرف الأولى والثانية، أي: لهم منازل مرتفعة، وفوقها منازل أرفع منها). وقال الشوكاني: (ومعنى مبنية أنها مبنية بناء المنازل في إحكام أساسها وقوة بنائها وإن كانت منازل الدنيا ليست بشيء بالنسبة إليها، "تجري من تحتها الأنهار "، أي: من تحت تلك الغرف، وفي ذلك كمال لبهجتها وزيادة لرونقها). وقال ابن عاشور: (ويجوز عندي أن يكون الوصف احترازا عن نوع من الغرف تكون نحتا في الحجر في الجبال مثل غرف ثمود... ويجوز أن يكون مبنية وصفا للغرف باعتبار ما دل عليه لفظها من معنى المبني المعتلي ، فيكون الوصف دالا على تمكن المعنى الموصوف، أي مبنية بناء بالغا الغاية في نوعه كقولهم: ليل أليل، وظل ظليل).
عدد الصفحات ٢٦27 والوجه عندي في "مبنية"، أن الله يبين للمؤمنين كرامتهم عنده، فالغرف التي أعدها لهم مبنية بناء، بنيت خصيصا لهم، حتى لا يظنوا أن إعدادها لهم تم بطريقة أخرى غير البناء، كالخلق مثلا، بل أعدت لهم مبنيات. ووجه آخر وهو أن الغرف كما ذكرت في اللغة العربية لا تطلق على البيت الذي يكون مباشرة على الأرض، بل البيت الذي فوق بيت آخر، فالآية تبين أن تلك الغرف مبنية ليست كبناء الدنيا، فبينيان الدنيا يكون على أساس وقواعد في الأرض، أما الغرف المبنية فهي مرتفعة في الجنة، دون الحاجة إلى أسس وقواعد تقوم عليها، وهذا يأخذ خيال المؤمن في تصور غرفته التي بناها الله تجري من تحتها الأنهار، غرف من فوق ها غرف، مبنية، مختلفة عن أسس البناء في الدنيا. فالله الذي يرفع السما وات بغير عمد ترونها، هو الذي بنى تلك الغرف المرتفعة دون قواعد، بل تجري من تحتها الأنهار. وأما المواد التي بنيت بها الغرف، فيبينها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الترمذي من ح ديث أبي هريرة، وصححه الألباني: "قلنا: الجنة ما بناؤها؟ قال: «لَبِنَةٌ من ذهب ولَبِنَةٌ من فضة ، ومِ لاطُ ها المسك الأذْ فر، وحَ صْباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وتُ رْبتها الزعفران. من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، ولا يبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم». و يصح قياسها على مواد البناء في الدنيا، كما قال به بعض المفسرين.
عدد الصفحات ٢٧22 سادساً (أتى الله بنيانهم) قال تعالى: ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ). وقد اختلف المفسرون في المراد بقوله (فأتى الله بنيانهم من القواعد)، وهل هو حقيقة أم تمثيل. قال الطبري: ( معناه: هدم الله بنيانهم من أصله، والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس . وكان بعضهم يقول: هذا مثَل للاستئصال، وإنما مع ناه: إن الله استأصلهم، وقال: العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء ). وقد أورد القرطبي العديد من تلك الأقوال. وقال ابن كثير: ( أي: اجتثه من أصله، وأبطل عملهم، وأصلها كما قال تعالى: "كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله"، وقوله: "فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا"). وقال ابن عاشور: ( تمثيل لحالات استئصال الأمم، فالبنيان مصدر بمعنى المفعول. أي المبني، وهو هنا مستعار للقوة والعزة والمنعة وعلو القدر... وهي تشبيه هيئة القوم الذين مكروا في المنعة ، فأخذهم الله بسرعة وأزال تلك العزة، بهيئة قوم أقاموا بنيانا عظيما ذا دعائم وآووا إليه، فاستأصله الله من قواعده فخر سقف البناء دفعة على أصحابه فهلكوا جميعا). ونلاحظ أن فعل الهدم ورد في القرآن الكريم مرة واحدة، مسندا إلى البشر: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِ دُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا ). فالبشر هم من يهدمون البنيان، أما الله فلا يهدم، ولكنه يأتي البنيان من القواعد،
عدد الصفحات ٢٨23 كما في الآية وقد ذكرت في تعريف البناء أنه يكون محسوسا وغير محسوس، ومنه قولهم: بنى مجده، والأمم بنيانها بقوتها وعزتها ومنعتها، فهو جار على حقيقته، وليس على التمثيل، وهدم البنيان الظاهر مثله مثل هدم البنيان غير الظاهر من مجد وعزة. وعليه فالآية على ظاهرها، أن الله أتى بنيان هؤلاء القوم، فالبنيان لا يقتصر على البناء المحسوس، بل يشمله، ويشمل البناء غير المحسوس من مجد وعزة وقوة. فأتى الله كل ذ لك البنيان من أساسه، فتقوضت الأركان، وخر عليهم السقف، وتهاوى البنيان. وقد اطرد المجيء بفعل (أتى) مسندا إلى الله سبحانه وتعالى، للدلالة على استئصال شأفة الأمم، كقوله: (فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ )، (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ )، (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ). فالتركيب اللغوي (أتى) يستخدم للدلالة على الاستئصال، كما قال المفسرون، فالله هو الذي يهلكهم بأمره، ولله جنود السماوات والأرض، وأما البنيان فهو على حقيقته، ويشمل كما ذكرت البنيان المحسوس وغير المحسوس.
عدد الصفحات ٢٩33 المطلب الثانيرفع: الرفع: تحريك الشيء باتجاه الأعلى، بنقل أو إطالة أو زيادة. إما لذات الشيء أو مرتبته. أولاً: الرفع في اللغة: تعرف المعاجم العربية (الرفع) بأنه: خلاف الوضع، أو الخفض. وقال الراغب الأصفهاني: (الرَّفْعُ يقال تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها عن مقرّها، وتارة في البناء إذا طوّلته، وتارة في الذّكر إذا نوّهته، وتارة في المنزلة إذا شرّفتها )، فالرفع كما يعرفه الراغب: الإعلاء أو التطويل أو التنويه أو التشريف، بحسب ما يضاف إليه. وبتتبع مفردات "الرفع" وتراكيبه في اللغة العربية، يتبين أن "الرفع" يشتمل على عنصرين أساسين، الأول: الحركة، والثاني: الاتجاه. فالرفع حركة للشيء باتجاه الأعلى. ومن ثم فحالة الشيء المرفوع السابقة تراعَ ى في دلالة الرفع، فالشيء المرفوع لم يكن مرفوعا قبل ذلك، أو كان أدنى من مكانه الذي رفع إليه. وبتأمل استخدام القرآن الكريم للفظ "الرفع"، نجد أنه يستخدمه مراعيا فيه ثلاثة عناصر، الأول: الحركة، والثاني: الاتجاه، وهما المذكوران سابقا، والثالث: الفاعل الذي يقوم برفع الشيء، فلم يستخدم فعل الرفع في القرآن الكريم إلا متعديا، ويعبر عن اللازم بفعل (صعد)، كقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ). وعليه يمكن تعريف "الرفع" في القرآن الكريم بأنه: تحريك
عدد الصفحات ٣٠31 الشيء باتجاه الأعلى. وقد يكون التحريك بنقل أو إطالة أو زيادة وقد يكون التحريك لذات الشيء أو مرتبته لا الوضع، وسأتناول كلا منهما في موضعه فالتحريك بنقل، كقوله: ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ )، وقوله: ( بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ )، (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ )، وقوله: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ). فا لتحريك بالنقل هو تحريك لذات الشيء، ونقله من مكان إلى مكان أعلى منه، ولا يبقى شيء منه في مكانه الأول. والتحريك بإطالة، كقوله ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ )، فهو يطيل القواعد من مستوى الأساس إلى مستوى أعلى، والإطالة في حقيقتها تحر يك للشيء، ولكن لا بنقله، بل بإطالته، فأصله يبقى في مكانه الأول، ولكن أعلاه هو ما يرتفع إلى مكان أعلى. ومنه رفع السماء، كقوله: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ). والتحريك بزيادة، كقوله: ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ )، فالرفع هنا حركة للصوت بزيادة فيه إلى درجة أعلى مما كانت عليه. ومنه: رفع الأسعار، أي زيادتها عما كانت عليه. وتحريك مرتبة الشيء بالتشريف، فالتشريف نقل لمرتبة المشرَّف إلى مرتبة أعلى، كما يتضمن أيضا زيادة المراتب تصاعديا، كقوله: ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ )، ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ )، ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ )، وقوله: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا )، وقوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ )، فرفع الشخص هو رفع لذكره أيضا، وقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا )، أي بالآيات، فهو يبين استحقاق الرفع، أي أنه كان يستحق الرفع بالآيات.
عدد الصفحات ٣١32 وكل التعبيرات المجازية والاصطلاحية (في الرفع) تنبثق من هذه الدلالة التي ذكرناها للرفع. ** ثانياً: التراكيب المستخدمة في القرآن: جاء اسما، اسم الفاعل: (رافعك إلي)، و(رافعة)، والمبالغة من اسم الفاعل: (رفيع). واسم المفعول وصفاً : (مرفوع). أما الفعل فقد جاء بثلاثة تراكيب، هي: 3) وقوعه على مفعول واحد فقط،رَفَعَ السَّمَاوَاتِ )، وحيث وقع الرفع على السماوات فهو من هذا، فالفاعل فيها هو الله، وأيضا ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ )، فالرفع هنا هو إطالة البناء إلى الأعلى. 1) وقوعه على مفعول، مقترنا بالظرف (فوق) أو حرف الجر، وله صور: أ. اقترانه بالظرف (فوق)، في قوله: ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ )، فالرفع هنا: نقل الشيء بأكمله إلى أعلى. وقوله (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ )، فالرفع زيادة الدرجة، قياسا إلى درجة أخرى (صوت النبي). ب. اقترانه بـ(إلى) للدلالة على غاية المرفوع، قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ )، (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ )، أي: انتهاء الرفع إليه سبحانه وتعالى. والرفع هنا نقل للشيء بأكمله. ج. اقترانه بـ(على)، للدلالة على الشيء الذي رفع إليه المرفوع، في قوله: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ )، والفاعل
عدد الصفحات ٣٢