113 واتعاظ بأخبارهم، فمن ذلك قوله تعالى: "فَكُلاا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَْرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهَُّ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (العنكبوت ، آية : 40.) فقد أورد ذلك بعد تفصيل محدود لجرم كل قوم منهم وذلك ليتم تأكيد العبرة والموعظة في نفوس المتلقين، ومن الإجمال الذي لا يراد به قوم بعينهم قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَْرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهَُّ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (الروم ، آية : 9.) 14 ـ عقوبة الظلم للظلم عقوبات معجلة في الدنيا وأخرى مؤجلة إلى يوم القيامة، وعقوبات عامة يمكن أن تقع عاجلاً آجلاً، والرد ال غالب للمعاقبين عند وقوعها هو الاعتراف بالظلم: "فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ" (الأعراف ، آية : 5.) ولتهويل شأن عقوبة الظالم تضع الآية التالية بمعادلةاقتصادية بين يدي الإنسان لتريه فداحة الخسارة في تجارة الظلم قال تعالى: "وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْس ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ" (يونس ، آية : 54 .) ويقول في المعنى نفسه وزيادة: "وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهَِّ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" (الزمر، آية : 47.)
عدد الصفحات ١١٣114 وهذا كفيل بتوجيه الأنظار إلى شدة تلك العقوبة على كل نفس ظالمة لم تتب من ذنوبها1. أـ العقوبات المُ عَجَّلة: عجّل الله عقوبات في الدنيا، قصد منها إنصاف المظلومين من المستضعفين من ظالمهم في حياتهم، ليكونوا عبرة لغيرهم، وليشفي ما في صدورهم من ضيق الظلم وشقاء العدوان، وقد حرّض الله المؤمنين على قتال الظلمة لهذه الغاية بمثل قوله تعالى: "وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِياا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا" (النساء ، آية : 75.) وعن أبي بكر الصديق أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ" (المائدة ، آية : 105.) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول«إن الناس إذا رأوا ظالماً فلم ي أخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» 2. والصدّيق لا يعترض على معنى الآية، ولكنه يفسرها بمفهوم غير هذا الذي يبدو ظاهراً، وكأنه يقول: نعم إن الضرر لا يلحقكم في عقيدتكم من ضلالهم إذا اهتديتم، ولكن يلحقكم الإثم على عدم إنكاركم لظلمهم والأخذ على أيديهم. ويؤيد هذا ما ورد في حديث آخر عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه على الذنب فينهاه عنه، فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزله 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص150 2 سنن الترمذي، ك الفتن، الحديث رقم: 2168.
عدد الصفحات ١١٤115 فيهم القرآن»، فقال: " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ" ( المائدة ، آية : 78)، فقرأ حتى بلغ " وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـ كِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ" » ( المائدة ، آية81)، قال: وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، فقال « لا حتى تأخذوا على يد الظالم فتأطروه على الحق أطراً »1. لقد أخذ الله الظالمين في الدنيا أخذ عزيز مقتدر بقصد العقاب العاجل لهم وليكونوا عبرة لغيرهم، فكان من ذلك عقابهم بالريح المدمرة والمطر، والقحط، والطير الأبابيل، وكل ذلك دون عذاب يوم القيامة زمناً وقوة، ولعل الإشارة التالية توم ىء إلى هذا المعنى المزدوج لتلك الدونية: "وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ" (الطور ، آية : 47.) وأشار الله تعالى إلى أنواع هذا العذاب الأدنى كثيراً في قصص الأنبياء وغيرهم، وأردف ذلك بقوله: " فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ" (يونس ، آية : 39.) وتندرج العقوبات العاجلة التي ساقها الله عبرة للمعتبرين من ا لعذاب الأدنى الذي يستهدف التأنيب والتوبيخ إلى الأقصى الذي يدمر المدنيين ويجعلهم عبرة لغيرهم، فمن الأول تحريم بعض الحلال على بني إسرائيل: "فَبِظُلْم مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِّ كَثِيرًا" (النساء ، آية : 160.) كالحرمان من بعض الممتلكات بأن ترسل الكوارث الطبيعية لتدميرها: "كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْم ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُّ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (آل عمران ، آية : 117.) 1 سنن الترمذي، ك التفسير، الحديث رقم: 3048.
عدد الصفحات ١١٥116 وكما ورد في قصة أصحاب الجنة الذين قرروا ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين: "وَغَدَوْا عَلَى حَرْد قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ" (القلم ، آية : 25 ـ29.) وهي صورة من صور الندم يمكن أن تفيد أصحابها وأشباهها، لأن العقوبات المعجلة إذا لم تكن قاضية أمكن أن تكون درساً مفيداً للظالم الذي يعلن التوبة. أما إذا كان الظلم شديداً، فالعقوبة تأخذ الحد الأقصى، وهي لذلك لا تستهدف الدروس للمعذبين، ولكنها تفيد غيرهم، كهذا العذاب الذي دمر الأجسام وجعلها: "أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة " (الحاقة ، آية : 7.) قال الشاعر إذا ما المظلوم استوطأ الظلم مركباً ولجَّ عتواً في قبيح اكتسابه فكِله إلى صرف الزمان وعدله سيبدو له ما لم يكن في حسابه1 وأهم العقوبات المعجلة ما يأتي ـ الحرمان من حب ا من العقوبات التي ينبغي أن يهتز لها قلب الظالم الحرمان من حب الله، وقد ربط سبحانه بين الإيمان به والعمل الصالح من جهة، وما يقابله من بغض الظالمين من جهة أخرى. 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص152
عدد الصفحات ١١٦117 قال تعالى: "وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُّ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" (آل عمران ، آية : 57.) فأيسماء تظل من يكرهه الله وأي أرض تحمله. ثم أعاد هذا الربط في السورة نفسها1 حيث قال: "وَلِيَعْلَمَ اللهُّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُّ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" (آل عمران ، آية : 140.) وجاء في سورة "الشورىاستكمال لأوصاف المؤمنين، فيه موازنة لطيفة قابل فيها السيئة بالسيئة، وأردفهما بالحديث عن العفو والإصلاح من جهة، وعدم محبة الظالمين من جهة أخرى، قال تعالى: "وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهَِّ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِ مِينَ" (الشورى ، آية : 40.) وفي الجانب الأول من الآية إنصاف وعفو، وفي الجانب الآخر سخط وبغض، ويكفي أن يتدبر الإنسان في أن يكون مبغضاً من الله ليعرف سوء مقامه عنده، ويدرك فداحة خسارته بظلمه. ومما يدلُّ دلالة قاطعة على أن الإسلام عقيدة ضد الظلم وأن الله لم يحرم حبّه أحداً سوى الظالمين، ومن فعل فعلهم، وقد عبَّر الله ـ جل جلاله ـ في ذلك صراحة أو إشارة، وإليك بيان ذلك: ـ أورد القرآن عبارة "إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" في ثلاثة مواضع، من سورتي آل عمران والشورى ودلَّ ذلك على سخط الله عليهم بصورة مباشرة، وتب ين من سياقها أن النصر 1 المصدر نفسه، ص152
عدد الصفحات ١١٧118 موافق للمظلوم، فقد سُ بقت الآية السابعة والخمسين من آل عمران بقوله تعالى: "وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ" (آل عمران ، آية : 56 .) وسُ بقت الآية الأربعين بعد المائة من السورة نفسها بقوله تعالى: "وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ" (آل عمران ، آية : 139.) أما آية الشورى فكانت مسبوقة بقوله تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ" (الشورى ، آية : 39.) وهو دليل على أن الله ناصر المظلوم ومؤيداً له، وناقم على الظالم، ساخط عليه وورد نفي حب الله للمستكبرين في خمس آيات كريمة، وبعبارات مختلفة، منها قوله تعالى: "إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ " ( النحل ، آية : 23)، في خمس آيات وقوله سبحانه: " لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور " (لقمان ، آية : 18 .) وورد اللفظ نفسه في الآية الثالثة والعشرينمن سورة الحديد ومثله قوله سبحانه في سورة النساء: "وَاللهَُّ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور " (الحديد ، آية : 23 والنساء ، آية36.) ومعنى المختال الفخور في هذه الآيات هو المتكبر المتباهي. وفي هذا المعنى دون لفظه جاء قوله تعالى: في سورة القصص: "إِنَّ اللهََّ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ" (القصص، آية: 76.) والفرحين جمع "الفرح" أي الأثر البطر المستكبروليس من الفرح بمعنى السرور، والاستكبار من الظلم الشنيع الذي سبق ذكره في ظلم العدوان. ـ ورد نفي حب الله للفساد، والمفسدين في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: أولهما قوله تعالى: "وَاللهُّ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" (المائدة ، آية : 64 .) إذ لمَّا كان هدف خلاف ة الإنسان في الأرض هو إصلاحها كان نقيضه هو الإفساد فيها، وكان ذلك سبباً رئيساً في عقب الله وسخطه على المفسدين.
عدد الصفحات ١١٨119 قال سبحانه: "وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَْرْضِ إِنَّ اللهََّ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" (القصص ، آية : 77 .) وقال تعالى: "تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُّ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ" (البقرة ، آية : 205.) وفي القرآن الكريم إشارة إلى العلاقة بين الظلم والفساد. قال تعالى: "فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّة يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ" (هود ، آية : 116.) وفيه اجتمع في المفسد الظلم والإجرام ثم إن الله ضرب فرعون وملأه مثلاً للربط بين الفساد والظلم، قال تعالى: "ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" (الأعراف ، آية : 103.) فكيف يحب الله من جعله في مرتبة فرعون وأضرابه من كبار المفسدين؟ ـ وورد أن الله لا يحب المعتدين في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُ واْ إِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة، آية: 190.) ـ وقال تعالى: "وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" ( المائدة ، آية : 87.) ـ وقال: "إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (الأعراف ، آية : 55 .) وكلا الآيتين من النصوصالقاطعة في موقف الإسلام من الظلم والعدوان، حتى تبين أنهما مذيلتان بخاتمة واحدة هي أن "اللهَّ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ" ويتضح بذلك مدى زيف القائلين بأن هذا الدين قد انتشر بالسيف، والعدوان، ومدى بعدهم عن حقيقة الإسلام. ـ ومن الظلم الذي لا يحبه الله الخيانة، فقد ورد أن الله لا يحب الخائنين.
عدد الصفحات ١١٩120 قال تعالى: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْم خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ" (الأنفال ، آية : 58 .) وقال تعالى: "إِن اللهََّ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهََّ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور " ( الحج ، آية : 38.) وهذه الآية تمثل القطيعة بين الإيمان والخيانة كما تفصل بين الإيمان والكفر، فإذا اجتمعت الخيانة مع الإثم تأكد بغض الله لذلك الخائن الأثيم. قال تعالى: " إِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا " (النساء ، آية : 107.) وفي القرآن ربط معنوي بين الخيانة والظلم نجد مثالاً عليه في سورة يوسف عليه السلام حين رفض خيانة الرجل الذي آواه وأكرم مثواه، فقال وقد طلبت منه امرأة العزيز الخيانة: "مَعَاذَ اللهِّ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" (يوسف ، آية : 23.) ـ ومن الظلم الذي لا يحبه الله الكفر، بل في القرآن ما يشبه أن يكون قصراً للظلم على الكافرين قال تعالى: "وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (البقرة ، آية : 254 .) فإذا اجتمع الكفر والظلم ضاقت فسحة المغفرة والهداية، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُّ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِّ يَسِيرًا" (النساء ، آية : 168 ـ169.) وأحرى إن كان الكافر قد جمع مع ظلم كفره إثماً آخر، وهو ما نص القرآن على حرمانه من حب الله في قوله تعالى في الأثيم: "وَاللهُّ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّار أَثِيم " (البقرة ، آية : 276.) وقوله فيمن جمع الكفر والخيانة: "إِن اللهََّ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّان كَفُور " (الحج ، آية : 38.)
عدد الصفحات ١٢٠121 بل تضيق مساحة الأمل من أن يفيد هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر والظلم من التدبر في ملكوته وفي سننه في الكون والحياة "أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِر عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا" (الإسراء ، آية : 99) والنفس بذلك تتحمل وزرها وسوء عملها قال سبحانه: "مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَِنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" (الروم ، آية : 44 ـ45.) ـ والله لا يحب المسرفين، لأن في الإسراف مبالغة في الإفراط أو التفريط وهو يشترك مع الظلم في مجاوزة الحد ووضع الشيء في غير موضعه قال تعالى: "وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ" (الأنبياء ، آية : 9.) وقال سبحانه: "إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأنعام ، آية : 141.) وكل إسراف مذموم حتى ما كان منه في الطعام والشراب، لما يلحق صاحبه من الأذى في نفسه وماله، قال تعالى: "كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأعراف ، آية : 31.) ـ ولا يحب الله الجهر بالسوء من القول، والمراد بالجهر إظهاره وإعلان كل قبيح من القول، فالله يبغض هذه المجاهرة إلا إذا كان صاحبها مطلوباً يجهر بذلك تبرماً من ظالمه. قال تعالى: "لاَّ يُحِبُّ اللهُّ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهُّ سَمِيعًا عَلِيمًا" (النساء ، آية : 148.)
عدد الصفحات ١٢١122 ويدخل في المجاهرة بالسوء السب والشتم والبذاءة التي تصدرابتداء من صاحبها1. إن الآيات القرآنية حرمت طائفة من الناس من حب الله أولئك الموصوفين بالظلم، والعدوان والاستكبار، والخيانة، والفساد، والكفر، والإسراف والجهر بالسوء ومقابلهم نجد آخرين من خلال الآيات القرآنية، يمنحهم سبحانه ذلك الحب وهو شرف كبير، وفضل عظيم، وفي طليعتهم أهل العدل والإنصاف، وذلك في قوله الحكيم: "وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (المائدة ، آية : 42 .) ـ وحين أمر الله المسلمين أن يعدلوا بين المتحابين من المسلمين، وأن يكونوا من الطائفة المظلومة حتى تفيء الطائفة الباقية إلى أمر الله ناسب أن يذيل الآية الكريمة بحب المقسطين فقال: "فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُ وا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الحجرات ، آية : 9.) ولا تقتصر محبته سبحانه ـ على الذين يعدلون بين المسلمين، بل تشمل على الذين يعدلون بين الناس كافة، قال تعالى: "لاَ يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة ، آية : 8.) وهذه درجة عالية من تكريم الإنسان بغض النظر عن جنسه أو دينه، فهو أهل للإنصاف والعدل والبر ما لم يكن ظالماً، فما أعظم هذا الدستور الإلٰ هي وأرفقه بالبشرية على ما هو عليه2. 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص152 إلى157 مع التصرف. 2 المصدر نفسه، ص158.
عدد الصفحات ١٢٢123 الكوارث الطبيعية ومن العقوبات المعجلة الكوارث الطبيعية التي أصاب الله بها الأمم الظالمة، ولكن ليس كل الكوارث تحدث لهذا الغرض كما قد يدعي بعض المغالين في تفسيرها غيبياً إذ منها ما يكون لأغراض طبيعية خاضعة لناموس الكون، ومن الكوارث التي أريد بها العقاب تلك الحجارة الواردة في قوله تعالى: "فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيل مَّنضُود * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّ كَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد " (هود ، آية : 82 ـ83). وقد يشتبه ما يصيب غير الظالم من الناس بما يصيب الظالم من البلايا والمحن، والفرق أن الأول يثاب عليها، وتخفف من صغائرها، أما الظالم فتلك عقوبته المعجلة، وقد توعده الله بأسوء منها، وذلك الفرق أيضاً بين الموت الطبيعي الذي يدرك جميع الناس، والموت الشنيع الذي يفتح الله به على الظالمين أبواب العقاب الأخروي، فيذهب الجميع إلى جوار الله يترحم عليهم كل من يسمع نبأ وفاتهم ويخزى هؤلاء بما يلحقهم من دعوات المظلومين وعقاب رب العالمين1. وضرب الله الأمثلةبكثير من الأمم التي كذبت أنبياءها أو آذتهم، فعاقبها لتكون عبرة لمن بعدها وأشار في ذلك صراحة في مثل: قول الله تعالى: "وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاَء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ" (الزمر ، آية : 52.) وسلط بعض الظالمين على أمثالهم عقاباً للفريقين وقال: "وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ" (الأنعام ، آية : 129.) 1 المصدر نفسه، ص158.
عدد الصفحات ١٢٣124 سلط بعض الظالمين على بعض فانتقم من ظالم بظالم1 وفي تاريخ البشرية أمثلة كثيرة من هذا القبيل: وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيُبلى بظالم ومن العقوبات المعجلة انتقام المظلوم لنفسه عند قدرته، والدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فاصبر، ولكن صبر غير جميل. فلا تأمننَّ الدهر حُرّ ظلمته فما ليل حرَّ إن ظلمت بنائم الحرمان من الهداية لعل أخطر وعيد للظلمة هو أن يحرمهم الله من هدايته، ولا هادي لهم من بعده: "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهََّ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (القصص، آية: 56.) وقد تكررذلك الوعيد في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: "وَاللهُّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (البقرة ، آية : 258.) ومثلها آيات متفرقة في عشر من سور القرآن الكريم فيها يرتبط الحرمان من الهداية بأسباب الظلم، كهذه الآية التي تعيده إلى الكفر بعد الإيمان: "كَيْفَ يَهْدِي اللهُّ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِّ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (آل عمران ، آية : 86 ـ 87.) 1 المصدر نفسه، ص159.
عدد الصفحات ١٢٤125 وحال الكفر بعد الإيمان كحال اختلاف بعد الاجتماع على كلمة الإيمان، فكلاهما نقض لعهد الله، قال تعالى: "فَاخْتَلَفَ الأَْحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْل لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْم أَلِيم " (الزخرف ، آية : 65.) لقد أنزل الله القرآن رحمة وهداية للناس، ولكن الظالمين حجبوا قلوبهم عن هدايته، فلا تزيدهم آياته إلا ضلالاً وخسراناً. قال تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا" (الإسراء ، آية : 82.) الحرمان من النصر ورد في الكتاب العزيز أن ليس للظالم من نصير بعينه ولا مغيث يوم القيامة، فقد جاء ذلك في قوله الحكيم: "وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِي وَلاَ نَصِير " (الشورى ، آية : 8.) ومثل قوله جل شأنه: "وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِير " (الحج ، آية : 71.) وقد يبدو الظالم مبتهجاً في جولات أولية عابرة ولكن النصر النهائي يكون للمظلوم يوم القيامة حتى تكون جهنم مثوى للظالمين. قال تعالى: "وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِير " (فاطر، آية: 37.) ومن ذلك قوله الحكيم: "رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار " (آل عمران ، آية : 192.) ب ـ العقوبات المؤجلة
عدد الصفحات ١٢٥126 أورد الله سبحانه وتعالى عدداً من العقوبات المؤجلة للظالمين، بل يفهم من الكتاب العزيز أن الله لا يعجل العذاب لعباده غالباً قال تعالى: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَّ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّ رُهُمْ لِيَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ" (إبراهيم ، آية : 42.) وذلك ليمنحهم من الوقت ما يعينهم على التفكير والمراجعة والتدبر حتى إذا جاء أجلهم بطلت حجتهم واستحقوا العذاب بعد انقضاء فرص المغفرة. ـ قال تعالى: "وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُّ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّة وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَل مُّسَماى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ" (النحل، آية : 61.) حيث يبدأ الندم الذي لا يجدي نفعاً . قال الشاعر: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم يرجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعينُ الله لم تنم ويصوّر الله ما يحدث في ذلك اليوم المؤجل ليرتدعوا ولتقام الحجة على المكذبين في قوله تعالى: "فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْض نَّفْعًا وَلاَ ضَراا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ" (سبأ ، آية : 42.) ويترك هذا الوعيد شعوراً بطمأنينة العدالة في نفوس المظلومين وعظة موجهة إلى نفوس الظلمة لا تعادلها موعظة وهو ما عبر عنه الشاعر بقوله: أما والله إن الظلم شوم وما زال المسيء هو الظلوم
عدد الصفحات ١٢٦127 ستعلم يا ظلوم إذا التقينا غداً عند المليك من الملوم 1 وقد بين القرآن الكريم صورة بشعة لمآل الظالم وحالكة كهذه التي تصور جهنم فراشاً وغطاء للظالمين. ـ قال تعالى: "لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَاد وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاش وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ" (الأعراف ، آية : 41.) أو تلك التي تصور الهلع في أعين الظلمة يوم القيامة: "وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَة أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ" (الأنبياء، آية : 97.) ويكرر الله تعالى مشاهد أهل النار في صور يبدأها بفعل "الرؤية" ليستحضر القارىء تلك المشاهد وكأنها بين يديه، انظر إلى قوله جلّ شأنه: "تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِع بِهِمْ" (الشورى ، آية : 22.) وتزداد صورة هذا الإشفاق وضوحاً في قوله تعالى: "وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَد مِّن سَبِيل " (الشورى ، آية : 44.) ثمانظر إلى قوله جل شأنه وهو يربط بين مشهد العذاب وقوة الله: قال تعالى: "وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِِّ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَّ شَدِيدُ الْعَذَابِ" (البقرة ، آية : 165.) لتجد في هذا استحضار التركيز على استخدام حاسة البصر ومدركة الخيال، تقريباً لصورة المصير وتحريكاً لمشاعر الإنسان الفاضل، وتنبيهاً للظالمين المقصودين 1 المصدر نفسه، ص159 إلى163.
عدد الصفحات ١٢٧128 بالدرجة الأولى بمثل هذا التحذير المريع قال تعالى: "وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ" (النحل ، آية : 85.) ثمانظر إلى قوله تعالى وهو يصور الحالة النفسية للظالمين يوم القيامة. قال تعالى: "وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْف خَفِي وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَاب مُّقِيم " (الشورى ، آية : 45.) وإنك لتكاد تسمع صراخهم في جهنم حين تقرأ قوله تعالى: "وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ" (فاطر ، آية : 17.) ـ ويعرض القرآن نماذج للحوار غير المجدي بين الظالمين، حيث يحمَّل ضعفاؤهم المسؤولية لكبرائهم فيما وقعوا فيه "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ" (سبأ ، آية : 31.) ويكون الرد الٰهي الذي يساق في الدنيا للتحذير من هذا المصير على هذا النحو: "وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ" (الزخرف ، آية : 39.) وقد عبر سبحانه عن مشاعر أخرى لحوار الظلمة مع الله أو مع الملائكة في مثل قوله: "وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَل قَرِيب نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَال * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ" (إبراهيم ، آية : 44 ـ45). وفي حوار الظلمة طلب متكرر بأن يمنحهم الله الفرصة الثانية ليعودوا إلى
عدد الصفحات ١٢٨