97 وقال أيضاً «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة»، فقال له رجل: يا رسول الله، ولو كان شيئاً يسيراً؟ قال «ولو كان قضيباً من أراك»)1(. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال«ألا إن الظلم ثلاثة، فظلم لا يُغفر وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يُطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والع ياذ بالله تعالى، قال الله تعالى :﴿إِنَّ اللهَّ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ (النساء، آية : 48.) وأما الظلم الذي لا يُ تْرك فظلم العباد بعضهم بعضاً، وأما الظلم المغفور الذي لا يُطلب فظلم العبد نفسه». وكما حثّ الإسلام الظالم على رد المظلمة بشيء من التشديد والوعيد، حثّ المظلوم على العفو عند المقدرة، قال تعالى :" فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهَِّ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" (الشورى، آية : 40.) وعن عقبة بن عامر قال: لقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: «يا عقبة بن عامر صِ ل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمَّ ن ظلمك»2. ومن نماذج ظلم المعاملة الربا، وسبب الظلم فيه أنه من أكل أموال الناس بالباطل، وأنه كسب بلا جهد يخل بالعدل، وقد يعطي القاعد أكثر مما يعطي العامل، ويُرهق المدين بالديون المضاعفة، وقد يبلغ بالأفراد والدول مبلغ العجز عن السداد، ويرمي بهم في مهاوي الاسترقاق المعنوي، أو التنازل عن أشياء لا تقدر بثمن كالأوطان أو الكرامة، )1( صحيح مسلم، ك الإيمان، الحديث رقم:137. 2 مسند الإمام أحمد، الحديث رقم: 17121 ،مسند عقبة بن عامر.
عدد الصفحات ٩٧98 ولذلك فالله يحرمه، ويشدد العقوبة عليه ليعتبره حرباً ضده، ويتوعد المرابين بحرب إلٰهية، قال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْب مِّنَ اللهِّ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُ ونَ" (البقرة، آية : 278 ـ279.) فمثل هذه الكبائر من المظالم ما لا يستقيم معه نظام حياة الأفراد والجماعات وقد عانى الناس قبل الإسلام من الربا المضاعف حتى هددوا برهن أبناءهم بدل الدين، فكان من الأوليات التي نبَّ ه الرسول صلى الله عليه وسلم إليها في حجة الوداع، فقال: «ورِ بَا الجاهلية موضوعٌ وأول رِ بًا أضعه رِ بَا عمي العباس»1. ـ ومن الظلم الغش والخداع لما فيه من إيقاع بالناس وضرر لهم، وهو ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم ينفي انتماء الغاش إلى الأمة الإسلامية، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرّ على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً فقال: «ما هذايا صاحب الطعام ؟»، قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: «أف جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟»، ثم قال: «من غش فليس مني»2. ومن الظلم بين الناس السرقة وفيها تجتمع رذائل كثيرة فهي اعتداء، وأكل لأموال الناس بالباطل وتقاعس عن العمل الصالح، وتعريض للنفس والآخرين للمخاطر، وإفساد في الأرض، ولذلك كان أحد بنود مبايعة الرسول للمسلمين والمسلمات ترك السرقة، وقد تعارف الناس في الدنيا على ظلم السارق فاجتمعت قوانينهم على تجريمه، واعتباره ظالماً، قال تعالى في سورة يوسف عليه السلام حين اتُهم أخوته بسرقة صواع الملك :" قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ" (يوسف، آية : 75.) 1 سنن البيهقي، ك السير، الحديث رقم4795. 2 صحيح مسلم، ك الإيمان، الحديث رقم102، والترمذي، الحديث رقم1315.
عدد الصفحات ٩٨99 وإذا كان الظلم في المعاملة شنيعاً فإن الظلم في مقام العدالة والتقاضي أكثر فداحة وإثماً وينطبق ذلك على القضاة الذين يحكمون ظلماً بقصد أو بإهمال، والمحامين الذين يسوغون الظلم، والحكام الذين لا يعدلون فيما خولهم الله من حقوق الناس1. ـ ومن الظلم كلمة الحق يراد بها الباطل، كان لط لب بعض الناس الانتصار على خصومهم بالقرآن وهم لا يؤمنون به، فإذا لم يكن في صالحهم عدلوا عنه إلى غيره وفي ذلك يقول تعالى :" وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهَِّ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيق مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَض أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهَُّ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (النور، آية : 48 ـ50.) ـ ومن الظلم التعصُّب ضد الآخرين حميّة للأقارب وليس انحيازاً للحق ، قال تعالى :" وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى" (الأنعام، آية : 152.) وسأل الصحابة واثلة بن الأسقع رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ما العصبية؟ قال: «أن تعين قومك على الظلم»2. وقال النبي صلى الله عليه وسلم«من أعان قومه على ظلم فهو كالبعير المترديفهو يُنْزَعُ بذنبه»3. وعن فسيلة قالت: سمعت أبي يقول: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه. قال: «لا، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم»4. 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص84. 2 رواه أبو داود، ك الأدب، الحديث رقم: 5119. الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص85. 3 ذكره البيهقي، شعب الإيمان، الحديث رقم7159. 4 سنن ابن ماجه، ك الفتن، الحديث رقم: 9439.
عدد الصفحات ٩٩100 ـ ومن الظلم الغصب ويشمل اغتصاب عرض بشر أو ماله أو أرضه، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قُتل دون ماله فهو شهيد»1. وقدأراد معاوية أن يأخذ أرضاً لعبد الله بن عمرو يقال لها الوهط، فأمر مواليه فلبسوا آلَتَهُمْ وأرادوا القتال، قال: فأتيته فقلت ماذا؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما مِ ن مُ سلم يُظلم بِ مظلمة فيقاتل فيُ قْتَل إلا قُ تل شهيداً »2. وعن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق»3. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«مَن ظلم مِ نَ الأرض شيئاً طُوّقه من سبع أرضين»4. 8 ـ الافتراء على الله والتكذيب بآياته لقد جعل الله الافتراء عليه من أنواع الظلم المغلظة حتى تستقر في أذهان الناس فداحة الاختلاق على الله، ويستعظم المفتري جريمة ما يُقدم عليه من إثم الدعوى الباطلة على الله، قال تعالى :" مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِّ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللهُّ" (الأنعام، آية : 93.) ولا يمكن أن يدّعي النبوة كاذباً من نزلت ع ليه مثل هذه الآية، أو أن يفتري على الله ما لم ينزل عليه من الوحي لأنه يعلم عاقبة المفتري على الله بتلك الصورة الرادعة ويتأكد ذلك في الدعوة إلى الإسلام، لأن التسليم الكامل لله في كل ما أمر به ونهى عنه يحول 1 صحيحمسلم، ك الإيمان، الحديث رقم: 359. 2 مسند أحمد، الحديث رقم: 6738. 3 سننأبو داود، ك الخراج، الحديث رقم: 3073. 4 صحيح البخاري، ك المظالم، الحديث رقم: 2452.
عدد الصفحات ١٠٠101 دون الافتراء على صاحب الأمر، فلا يجتمع الافتراء معالتسليم والهداية وفي ذلك1 يقول تعالى:" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِّ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْم إِنَّ اللهَّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (الأنعام، آية : 144.) وتكرر نفي الجميع بين الهداية والافتراء في أكثر من آيةقرآنية، لتأكيد استحالة هذا الاقتران، ومنه قوله تعالى :" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهَِّ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِْسْلاَمِ وَاللهَُّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (الصف، آية : 7.) ولذلك استحق المفترون على الله لعنته على رؤوس الأشهاد، وذلك في قوله سبحانه: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِّ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِّ عَلَى الظَّالِمِينَ" (هود، آية : 18.) وتأتي صفة الافتراء في القرآن الكريم منفردة حيناً آخر لتدل على أنها من الظلم الأشد في مثل قوله تعالى :" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِّ كَذِبًا" (الكهف، آية : 15.) وهو ما يعزز قوة التعبير المراد به تشنيع جريمة الافتراء، ولا يمكن لمن افترى على الله زوراً أن يقول : أوحي إليّ ولم يوح إليه وهو يستشعر خطورة هذه المعاني قبل أن يبثها في الناس، بل أن يجعلها قرآناً يتلى على الناس إلى يوم القيامة 2، ومن الظلم الجحود بصدقه عليه السلام ممن عرفوه عن قرب، لأن الجاحد منهم ينكر ما استقر في قلبه من الحق، فهو مستيقن بقلبه جاحد بلسانه، مستكبر عن الحق باستفزازه وردة فعله، ولذلك كان أسوأ من المكذب، وأشبه حالاً بالمنافق، قال تعالى :" وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" (النمل، آية : 14.) 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص89. 2 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص90.
عدد الصفحات ١٠١102 وقد كان هذا الجحود محزناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ليس من الج هل الذي يمكن تقويمه بالتعليم، ولا من التكذيب الذي يمكن علاجه بالدليل أو المنطق ولكنه من العناد الذي يدل على قسوة القلوب وانغلاقها عن نوافذ الحق والخير، قال تعالى :" قَدْ نَعْلَمُ إِنَّ هُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِّ يَجْحَدُونَ" (الأنعام، آية : 33.) فالجحود صفة ذميمة وتتضمن خصالاً غير حميدة منها: عدم الوفاء والكذب وعدم الإنصاف في معاملة الناس، وتدخل في ذلك في المنكر الذي نهانا الله عنه ولما كانت آياته واضحة للعيان فيما حولنا وفي أنفسنا، فإن إنكارها جحود لا يصدر إلا عن ظالم، قال تعالى :" بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ" (العنكبوت ، آية : 49.) وقد جُمع الظلم بالتكذيب بآيات الله والكذب على الله في أكثر من آية قرآنية، وكان الكفر هو النتيجة الطبيعية لهذا الجمع ومنها قوله تعالى :" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِي بُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِّ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ" (الأعراف، آية : 37.) ومنه قوله تعالىفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهَِّ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ" (الزمر، آية : 32.) وفي الآيتين يوصف هذا النوع من الكذب والتكذيب بالكفر ويوصف في آية أخرى بالظلم " فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللهِّ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" ( آل عمران، آية : 94). ويُربط الظلم في آية أخرى بالجريمة حيث يقول تعالى :" فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ" (يو نس، آية : 17.)
عدد الصفحات ١٠٢103 ومن أمثلة اقتران صفة التكذيب بآيات الله بصفة الافتراء على الله وصلتها بالظلم قوله تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" (الأنعام، آية : 21). فهو يدل على أنالمفترين عادة من الظلمة المكذبين بآيات الله الجاحدين لفضله، ومن لا يستحي أن يفتري على الله لا يمكنه أن يصدق بآياته فضلاً عن أن يدعو لها، أما عدم الفلاح فيؤدي في هذه الحالة إلى الكفر، ولذلك جعله تذييلاً في آية مشابهة، والقرآن يفسر بعضه بعضاً بتشابه المناسبا ت والسياقات، ومن ذلك المقارنة بين الآية السابقة وهذه التي تقول :" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهَِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ" (العنكبوت، آية : 68). وقد جعل الله للتكذيب سببين هما: عدم العلم، وعدم الفهم، فعلاج الأول طلب العلم والمعرفة وليس التكذيب والجحود، وعلاج الثاني التدبر أو طلب التفسير والتأويل وليس التسرع في الإنكار والتكذيب، وبذلك نتعلم من الآية التالية درساً في منهجية التعامل مع الخبر، حيث قال تعالى :" بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ" (يونس، آية : 39)1. 9 ـ كتمان الشهادة لقد كانت مهمة الرسل الأولى هي التبليغ، قال تعالى :" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُّ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (المائدة، آية : 67.) 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص98.
عدد الصفحات ١٠٣104 ولذلك كان التقاعس عن هذه المهمة من أنواع الظلم الشديد حتى عبّر الله تعالى بأسلوب التفصيل في قوله الحكيم :" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِّ وَمَا اللهُّ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ" (البقرة، آية : 140.) ولقد عرّض الأنب ياء أنفسهم للسوء من الناس وتحمّ لوا من الأذى السخرية والصدود ما جعلهم نماذج إنسانية فريدة في الصبر والثبات على المبادئ وذلك حرصاً منهم على تبليغ الرسالة، وتفادياً لصفة الكتمان لما أنزل الله إليهم من الحق، قال تعالى :" فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِّ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُّ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ" (آل عمران، آية : 146). ولكنهم تفاوتوا في ذلك الصبر، فكان منهم ذوو العزم، وهم الذين صابروا وصبروا حتى أتاهم نصر الله، أو ماتوا وهم يأملونه فما فلت الأزمات في عزائمهم، ولا ندبوا بعد كثرة الجهد حظهم، لأنهم يعلمون أن عليهم الدعوة وعلى الله الهداية " إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهََّ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (القصص، آية : 56.) ولما كان كتمان الشهادة بهذه الدرجة من الضرر كانت عقوبته على المستوى من الشدة، قال تعالى :" إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُّ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم " (البقرة، آية : 174.) 10ـ الصدّ عن المساجد والسعي في خرابها: قال تعالى:" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِّ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْي وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاب عَظِيم " (البقرة، آية : 114.)
عدد الصفحات ١٠٤105 وإذا كانت للمساجد هذه الحرمة فلا يجوز أن تؤسس لغير الله، أو أن تبنى على أرض حرام أو بمال حرام، أو يراد بها الضرر :" وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهَِِّ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهَِّ أَحَدًا" (الجن، آية : 18.) فهي محل التقوىومأوى المتطهرين " لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِد أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَال يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُّ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" (التوبة، آية : 108.) فالمسجد في الإسلام مكان مقدسطاهر، لا يقبل الله تدنيسه بأهل الرياء والنفاق ولا ينبغي أن تحاك فيه المؤامرات لتفريق المسلمين، وإذا كان بهذه الصفات الإسلامية الشريفة، فإن حرمته أكيدة، ودوره في الحياة كبير، وإن أيّ مساس به يُعَ دُّ من الظلم الشديد1. ولذلك عقد الله مقارنة بين مسجدين أحدهماخالص لوجه الله، لأنه يؤدي الوظيفة المناطة به في الإسلام، من عبادة الله وتآلف وتعارف وتعاون بين المسلمين إلى آخر وظائف المسجد ومهماته. والآخر بني لغرض الإضرار بالمسلمين وتفريق كلمتهم فقال سبحانه: "أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِّ وَرِضْ وَان خَيْر أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُّ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"(التوبة ، آية : 109)2. 11ـ أول مظلمة في حياة البشر تعود أول مظلمة في حياة البشر إلى معصيتين: 1 المصدر نفسه، ص106. 2 المصدر نفسه، ص106.
عدد الصفحات ١٠٥106 إحداهمارفض الشيطان لأمر الله بالسجود لآدم بدوافع الاستكبار والأنانية: " أَنَ اْ خَيْر مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّار وَخَلَقْتَهُ مِن طِين " (الأعراف ، آية : 12.) وقد ترتب على هذه المعصية وقوع المعصية الثانية حيث قرر إبليس أن ينتقم من هذا المخلوق الذي كان سبباً في غضب الله عليه: "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ " (الأعراف ، آية : 16 . ) وقد جاءت فرصة إبليس لتنفيذ وعيده حين دعا آدم وزوجه إلى معصية الله الذي نهاهما عن الاقتراب من الشجرة المذكورة في قوله: " وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ" (البقرة، آي ة: 35 .) فوسوس لهما الشيطان مستخدماً أسلوب الإغراء ومستغلاً الضعف البشري: " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُور فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَا نِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين " (الأعراف ، آية : 20 ـ22.) وعليه فقد بدأ الظلم بتجاهل أمر الله ونهيه، والسبب هو كيدالشيطان: " فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا" (البقرة ، آية: 36.) وقد اعترفا بالظلم فقالا: " رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" (الأعراف ، آية : 23.) وبذلك كان ظلم المعصية أول ماارتكبه الإنسان والشيطان، وكان الاستكبار هو الدافع الأول له، أما الدافع الثاني فكان الزلل والاغترار بإغواء الشيطان، وقد يكون من سوء
عدد الصفحات ١٠٦107 الأدب أن نقول ذلك في حق سيدنا آدم عليه ولكنه التعبير القرآني"فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ" (البقرة ، آية : 36.) أي: أوقعهما في الزلل، ثم الطبيعة البشرية التي جعلته يضعف أمام الشيطان، والعبرة بتوبته لا بضعفه، وباستغفاره وعدم إصراره، فضعفه من قبيل الاستجابة للناصح، لا بقصد التوغل في الغواية والزلل: " فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ" (البقرة، آية: 37 .) أما أول مظلمة بين البشر حدثت على الأرض فهي قتل أحد ابني آدم لشقيقه، ويكفي هذه المظلمة تشنيعاً ما أورده الرسول صلى الله عليه وسلم من أن القاتل فيها يتحمل تبعات القتلة بعده إلى يوم القيامة، قال رسول الله صلى عليه وسلم: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على إبن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سنّ القتل »1. وكان قد باء بإثمه وإثم المقتول كما جاء في قوله تعالى: "إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ" (المائدة ، آية : 29.) 12ـ ظلم النفس يعد ظلم النفس أكثر أنواع الظلم شمولاً، إذ كلاهما تندرج تحته مباشرة أو بواسطة أمر آخر، فكما أن الذي يلقي بنفسه إلى التهلكة عن طريق تناول المحرمات من مخدرات وغيرها يعد ظالماً لنفسه، شأنه في ذلك شأن المنتحر، فإن من يعتدي على الآخر يعد ظالماً لنفسه أيضاً، لأن ذلك يؤدي إلى القصاص منها في الدنيا أو في الآخرة، قال تعالى: "وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُّ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا" (الإسراء ، آية : 33). بل جعل الله ظلم 1 صحيحالبخاري، ك أحاديث الأنبياء الحديث رقم: 3335.
عدد الصفحات ١٠٧108 النفس مقابلاً لمطلق الإحسان في قوله الحكيم: "وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِن وَظَالِم لِّنَفْسِهِ مُبِين " (الصافات ، آية : 113.) وقد يطلق ظلم النفس ويراد به ظلم الآخر أيضاً، لدخوله في مج موع الأنفس التي ينتمي إليها الظالم والمظلوم، ومن ذلك قوله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِّ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِّ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُم ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ" (التوبة ، آية : 37.) وكثيراً ما يكون ظلم النفس مقترناً بظلم الآخر وذلك لما يترتب عليه من العقاب، قال تعالى: "وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ" (البقرة ، آية : 231.) فظلم النفس هنا نتيجة لضرر لحق المرأة الممسوكة ضراراً. ومثله ما جاء في قوله سبحانه وتعالى في آية أخرى: " لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة وَتِلْكَ حُدُودُ اللهَِّ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهَِّ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ" (الطلاق ، آية : 1.) فظلم الآخر هنا تعد لحدود الله، وظلم النفس مترتب عليه، وذلك لا يقل خطراً على ظلمها المباشر كما يأتي ظلم النفس بالإشراك بالله، لأنه يؤدي بها إلى سوء العاقبة، فالله لا يظلم الناس بإغوائهم أو أخذهم عن غرة، دون أن يبعث عليهم الرسل ويقيم عليهم الحجج، قال تعالى: "وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ" (القصص ، آية : 59.) فهم يظلمون أنفسهم حيث يجتنبونالحق بعد نزول ما يدل عليه: "إِنَّ اللهَّ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (يونس ، آية : 44.)
عدد الصفحات ١٠٨109 وعن عبدالله رضي الله عنه: لما نزلت: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم " (الأنعام، آية: 82). قلنا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه، قال: «ليس كما تقولون ،﴿لم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ بشرك. أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾»1. لقد توالت الحجج على وجود الله الواحد، وتعددت الآثار الدالة على قدرته حتى أنها تخفى على العاقلين، فلا مجال معها للشك والتردد الذي بنى في رسوخ العقيدة، ولذا قال تعالى: "هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُّ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (النحل ، آية : 33.) وحينئذ لا يغني عن الذين ظلموا أنفسهم بالتردد والشك كل ما يقدمونه من الحجج الواجبة والأعذار المردودة، كما لا يغني عنهم الإنكار شيئاً لوضوح الأدلة لكل ذي بصيرة وفي ذلك يقول تعالى: "الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلا ئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء بَلَى إِنَّ اللهَّ عَلِيم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل ، آية : 28.) ويأتي ظلم النفس من الإصرار على الوهم والاغترار به، ومنه المثل الذي ضربه الله لرجل تمتلىء نفسه بالوهم والظنون ويتصرف على أساسها، فهو يشك في قيام الساعة، ويدعوه البطر إلى المفاخرة والغرور حتى قال الله عنه: "وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِم لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأََجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا" (الكهف ، آية : 35 ـ36.) 1 صحيحالبخاري، ك أحاديث الأنبياء، الحديث رقم: 3360.
عدد الصفحات ١٠٩110 ومن ظلم النفس التكذيب بآيات الله، لما في ذلك من الجحود للحق لغير علم، وما يترتب على ذلك من اتهام الأنبياء بالكذب وصدّ الناس عن سبيل الله ، ولذا كان المكذبون بآيات الله مثلاً سيئاً في ظلم النفس لأنهم لم يقتصروا على الشك فيها، ولم يكتفوا بعدم الإيمان بها، فذهبوا إلى أبعد من ذلك حيث أعلنوا التكذيب بها: "سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ " (الأعراف، آية: 177)، وفرصة ا ستغفار متاحة باستمرار قبل الوفاة لغير المشركين، فالله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء إذا عاد إلى الجادة، وندم على ما فرط في جنب الله "وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَّ يَجِدِ اللهَّ غَفُورًا رَّحِيمًا " (النساء ، آية : 110)1. 13ـ الظلم في قصص الأنبياء قال تعالى: "فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّة يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ" (هود، آية: 116.) والفساد في الأرض أنواع كثيرة تناولها القرآن في تتبعه لقصص الأمم السابقة وقد تفاوتت تلك الأمم في الفساد، فمنهم من كذّب رسل الله وآياته: "كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ" (الأنفال ، آية : 54.) فقد كان فرعون مضرب مثل في الظلم حتى وصفته زوجه بذلك وهي أقرب الناس إليه فقالت: "رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (التحريم ، آية : 11.) 1 المصدر نفسه، ص130
عدد الصفحات ١١٠111 وورد وصف قوم فرعون بالظالمين في مواطن كثيرة من القرآن الكريم منها قوله تعالى: "إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْ مَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ" (الشعراء، آية: 10 ـ11). فكان عقابهم الغرق. ومن الأمم من جادلت رسولها بالباطل، فكان عقابها الهلاك الجمعي كقوم نوح وغيرهم الذين قال الله فيهم: "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَالأَْحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّة بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ" (غافر ، آية : 5.) ومن الظلمة من خيَّر رسوله بين الطرد والردة فقال الله فيهم: " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ" (إبراهيم ، آية : 13.) ومنهم من هدد نبيه بالقتل وأشدّهم قوم نوح الذين هددوه بالموت رجماً وقالوا له: "قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ" (الشعراء ، آية : 116.) ولولا أن نجاه ربه لفعلوا به ما عزموا عليه من الرجم لشدة ظلمهم، ولذلك قال الله فيهم "وَقَوْمَ نُوح مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى" (النجم ، آية : 52.) ولقداستنفد معهم أساليب الدعوة دهراً طويلاً ذكره الله في قوله الكريم: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ" (العنكبوت ، آية : 14.) أي: لبث داعياً غير مستجاب من هؤلاء الظلمة طيلة هذه المدة، فلم يكن له بد من أن يدعو عليهم بالتبار فكانت نهايتهم بالطوفان الذي لا يبقي ولا يذر "فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهَِِّ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (المؤمنون ، آية : 28.)
عدد الصفحات ١١١112 ثم كان قوم إبراهيم ـ عليه السلام ـ الذين حاولوا قتله حرقاً: "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" (الأنبياء ، آية : 68.) وكانت حجته في مقاومة هذا الشرك هي الحكمة والجدال العقلي، قال تعالى: "وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِّ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْء عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ" (الأنعام ، آية : 80.) واستمر في نقاشه العقلي ليصل منه إلى حقيقة أن الأمن والهداية الإلٰهية مرتبطتان بالإيمان وعدم الظلم: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَات مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيم عَلِيم " (الأنعام ، آية : 82 ـ83.) وأورد الله بعد ذلك مباشرة أسماء عدد من الرسل في آيات متتالية وصفتهم بالهداية والاستقامة: "وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم " (الأنعام ، آية : 87 .) هم: إسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوطاً ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لينتهي إلى محمد صلى الله عليه وسلم موضحاً أن الكتاب الذي أنزل عليه مصدق لما بين يديه من كتب ويشمل جميع ما تقدم قوله جل شأنه: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَ ى اللهِّ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْء وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللهُّ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِّ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ" (الأنعام ، آية : 93.) وقد تناول الله سبحانه عقاب هذه الأمم الظالمة بطرق مختلفة منها التفصيل والإجمال والتصريح والتلميح والتعريض والتعيين، والقصد من كل ذلك هو الاعتبار بقصصهم
عدد الصفحات ١١٢