81 المتعلقة بالظلم في القرآن الكريم والسنة المطهرة، يكتشف أن الهدف الكبير من البعثة المحمدية هي مقاومة الظلم وتتميم مكارم الأخلاق التي ترفضه وتقاومه1. 2 ـ خطر الظلم يحدث بالظلم ضياع الحقوق وقتل النفوس أو إيذاؤها وإهانة الإنسان وقهره، وانتهاك الحُ رمات أو ما يعرف في العصر الحديث بانتهاك حقوق الإنسان، ويدخل في انتهاكها استضعاف الناس وحرمانهم واضطهادهم بحجة قوية أو ضعيفة أو بدون حجة أصلاً. والظلم منبوذ في النفوس فطرة، ولكن النفوس المريضة تجد فيه لذة الانتصار والتشفي، فالسلوك العدواني ينشأ مكتسباً في الإنسان وليس جبلة في خلقه، فقد يعود إلى أساليب تربوية مخطئة أو حوادث معينة في حياته أدت إلى تشوه نفسي في شخصيته، على خلاف ما ذهب إليه المتنبي حين قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم وإذا كان ما ذهب إليه الشاعر شائعاً في بعض الأوساط التي عاش فيها صحبة الحكام، حيث التنافس بين الحاشية على أشده فإن ذلك ليس طابع الحياة العام ولعله قد لمس الحقيقة حين استثنى العلة التي تحول دون قبول الظلم، وهو الإيمان بالله والاستجابة لرسالته المنافية للعدوان والتشفي، أما النفوس السليمة فتستعيذ بالله من الظلم لقبحه ومعارضته لشيمها وأخلاقها. 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص32.
عدد الصفحات ٨١82 قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام :" قَالَ مَعَاذَ اللهِّ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ" (يوسف، آية : 79.) وقد يحدث نتيجة الظلم ظلم مضاد أقوى في ردة فعله من الظلم الأول ، وربما أدى إلى دمار الظالم ومن يتصل به مصداقاً لقوله تعالى :" وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً". وقد تحدث مضاعفات للمظلوم غير متوقعة حين يصاب بمرض نفسي أو جسدي خطير، فقد ثبت أن عدداً من الأمراض النفسية والعقلية عائ د إلى ضغوط ناتجة عن ظلم شديد من طرف أقوى. ومن الآثار القاسية نتيجة الظلم ما يسببه من الحروب والثارا ت الجماعية والفردية والعدوان بمختلف أشكاله المادية والمعنوية، وما ينتج عن كل ذلك من إراقة للدماء وهتك للأعراض وإكراه للنفوس وسلب للأموال، واغتصاب للأرض والعرض، وفي أدنى ذلك ما يثير غضب الله، وغضب الضمائر الحية في الناس1، قال تعالى :" وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ" (المائدة، آية : 107). وإن أسوأ ما يقع من ذلك على النفس البشرية من فقدان الأمن والشعور بالخوف والقلق، وهو ما يسبب مشاعر الإحباط، وضعف الأمل والإذلال والإقصاء وما يترتب عليه من قلة الغطاء المادي والمعنوي وضآلة الإبداع الذي يتطلب الاستقرار النفسي والأمن التام من جميع أنواع الخوف، ولذا فقد امتن الله على قريش بالأمن باعتباره أحد أهم الحاجات الضرورية للإنسان، فقال سبحانه :" فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوع وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف " (قريش، آية : 3 ـ4.) 1 المصدر نفسه، ص36.
عدد الصفحات ٨٢83 ويتضح من قراءة بعض آيات القرآن الكريم أن خطر الظلم ليس مقتصراً على المظلومين، بل هو على الظالمين أكثر قسوة وأعظم خطراً، لأنه يقودهم إلى جهنم حتى لكأنها لم تخلق لغيرهم نظراً لسعة الظلم وشدة خطره، قال تعالى:" لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَاد وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاش وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ" (الأعراف، آية : 41.) ولما بل نفهم من بعضآيات القرآن أن الصفة الجامعة لكل أهل النار هي الظلم ومن ذلك قوله تعالى :" وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقاا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقاا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّن بَ يْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِّ عَلَى الظَّالِمِينَ" (الأعراف، آية : 44.) 3 ـ ظلم الشرك با ثبت بنص القرآن الكريم أن الشرك بالله ظلم لا يُغتفر، لأن المشرك يجحد بأبرز الحقائق عظمة حين يجعل للخالق يداً في خلقه أو حين يسند خلقه إلى الطبيعة، فيجتنب الحقيقة بغير علم ويظلم نفسه بما يرتبه عليها من سوء المصير، ويجرمها من الصلة بخالقها والاهتداء لهديه، ولذلك كان التوحيد رسالة جميع الديانات الإلٰهية. قال تعالى:" وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهَِّ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُ لْم عَظِيم " (لقمان، آية : 13.) وإنها لعظة غير متهمة، فما يريد الوالد لولده إلا الخير وما يكون الوالد لولده إلا ناصحاً، وهذا لقمان الحكيم ينهى ابنه عن الشرك، ويعلل هذا النهي بأن الشرك ظلم عظيم، ويؤكد هذه الحقيقة مرتين، مرة بتقديم النهي وفصل علته، ومرة بإن واللام ـ وهذه هي الحقيقة التي يعرضها محمد صلى الله عليه وسلم ـ على قومه فيجادلونه فيها، ويشكون في غرضه من وراء عرضها، ويخشون أن يكون وراءها انتزاع السلطان منهم والتفضل عليهم، فما القول ولقمان الحكيم يعرضها على ابنه ويأمره بها؟ والنصيحة من الوالد لولده مبرأة من كل شبهة بعيدة من كل ظنة؟ إنها الحقيقة القديمة التي تجري على لسان
عدد الصفحات ٨٣84 كل من آتاه الله الحكمة من الناس، يراد بها الخير المحض، ولا يراد بها سواه وهذا هو المؤثر النفسي المقصود1. إن تجاهل حقيقة التوحيد البارزة هو الذي حال دون مغفرة ظلم الشرك لأنها الأساس الذي تبنى عليه بقية الحقائق كالإيمان بالرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر والحساب الذي ينصف المظلوم من الظالم، قال تعالى :" إِنَّ اللهَّ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِّ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا" (النساء، آية : 48.) بمعنى أن مشروعية الخلق ورسالته تفقد كل محتواها إذا أنكرنا خالق الوجود ووحدانيته ومسؤوليتنا أمامه، وهو ما يفتح الباب للظلم والطغيان دون خوف من عقاب عادل، ولذا سمّى الله المشركين بالظالمين في آيات كثيرة منها: قوله تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهَِّ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَْرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْك فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَة مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا" (فاطر، آية : 40.) وسواء كانت هذه المعبودات آلهة يتوهم من يعبدها أنها تضرُ وتنفع أو كانت أوثاناً يُتقرب بها إلى الله فإن التوجه إليها ظلم في حق الله، لأن من يتوجه إليها يعتقد في استقلالها بدور ليس له حقيقة في الواقع " وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِّ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ" (يونس، آية : 106.) وهو ظلم في حق النفس لما يترتب عليه من الأضرار بها، قال تعالى:" وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِّ مِن شَيْء لِّمَّا جَاء 1 في ظلال القرآن5 /2788.)
عدد الصفحات ٨٤85 أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيم شَدِيد " (هود، آية : 101 ـ102.) ومن الشرك ما هو ظاهريخفى كعبادة الأصنام، فقد عبد الناس التماثيل البشرية والحيوانية ووصمهم الله بالظلم في مثل قوله تعالى :" وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَار أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ " (الأعراف، آية : 148). ومن الظلم الخفي الذي قد يتمكن من النفوس الضعيفة كالاعتقاد في استقلال السحرة والمشعوذين والمنجمين وفي حكمهم بالنفع أو الضرر. ولكن المتتبع لمعتقدات الناس يجد أن أكثر ما أصابهم من ضرر في العقيدة جاء من عبادة الأشخاص الذين يبالغون في الاعتقاد باستقلالهم بالنفع أو الضرر، ولذا تراهم يلوذون بهم، ويستغيثون بأسمائهم حتى بلغوا ببعضهم مبلغ التأليه كبوذا والعزيز وعبس عليه فمن دونهم. ولقد أكّد الله في القرآن أن أحداً لا ينفع أو يضر بغير إذنه، ذكر ذلك سبحانه في ق صة العبد الصالح مع موسى حين قال :" وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي" (الكهف، آية : 82.) وذكره عند التعرض لمعجزات نبي الله عيسى عليه السلام فقال تعالى :" فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِّ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِّ" (آل عمران، آية : 49.) وقال في المعنى نفسه: " وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي" (الما ئدة، آية : 110.) ومع ذلك شاعت في الناس عبادة اشخاص والأصنام، فعبدوا وداً وسواع ويغوث ونسراً، وبنو مسجداً على أهل الكهف تعظيماً لهم ، وعبدوا المسيح عليه السلام بالرغم
عدد الصفحات ٨٥86 من قوله لمن حوله: " يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللهَّ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِّ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُّ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار " (المائدة، آية : 72.) ولكن عبادة الحيوانات كانت أدنى أنواع الشرك التي عرفها البشر، ولذلك اتجه سيدنا موسى عليه السلام إلى قومه يطلب التوبة منها كما جاء في قوله تعالى :" وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ" (البقرة، آية: 54.) وتوجه إلى أخيه باللوم الشديد على هذه الحال التي وجد عليها بنو إسرائيل،فاعتذر إليه بالضعف وبالحرص على عدم تفريق قومه، وقال :" فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (الأعراف، آية : 150). ومع أن المسيحيين أقرب أهل الديانات من المسلمين لصفات امتدحها الله فيهم، كصفات الرحمة والرأفة والأمانة التي يتصف بها الأتقياء منهم، قال تعالى :" وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً" (الحديد، آية : 27.) ومع إنصاف القرآن الكريم للسيدة مريم بأكثر مما أنصفتها الكتب المسيحية، فإنه لم يقبل من المسيحيين عبادتها وابنها عليهما السلام. ومِ ن أطرف ما كُ تِب في مجال تكريم القرآن للسيدة مريم عليها السلام، بحث أكد فيه مؤلفه أن القرآن الكريم هو أول مصدر حاسم في تبرئتها بالدليل مما رُميت به، فقد أوردت المصادر المختلفة ما رُميت به عليها السلام وهماً حين أنجبت ابنها ، ومعلوم أن الشريعة اليهودية كانت ترجم الزانية في ذلك الزمن 1، فلماذا حين رموها بالزنا لم يرجموها؟ سكتت المصادر المسيحية واليهودية عن الجواب في هذه المسألة، وأجاب 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص45.
عدد الصفحات ٨٦87 عنها القرآن الكريم بقوله تعالى :" فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِياا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهَِّ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِياا" (مريم، آية : 29 ـ30.) فلم يكن لهم مجال لرجمها بعد أن نطق وليدها بهذا الدليل الشافي أمامهم، وهو الدليل الذي اقتصر القرآن الكريم على روايته وحل لغزاً ما كان ليفهم من غيره من المصادر 1. 4 ـ ظلمالعدوان: وردت الإشارة إلى العدوان في القرآن الكريم سبعاً وستين مرة، وذلك في سياق استنكاره والنهي عن فعله، وألفاظه تلي ألفاظ الظلم عدداً وتقاربها معنى، وقد اقترنت هذه الصفة في القرآن الكريم بالإثم والبغضاء والظلم، فمن ذلك ما جاء في قوله تعالى: " وَ مَن يَفْعَ لْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِّ يَسِيرًا" (النساء، آية : 30.) فالعدوان محرم في الإسلام باعتباره أداة الظلم ووسيلة تحقيقه، ولا يباح العدوان إ للرد على المعتدي، ودون تجاوز حدود اعتدائه، وفي ذلك يقول تعا لى على سبيل المشاكلة :" فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ" (البقرة، آية : 194.) والعدوان ظلم سواء وقع على المسلم أو على غير المسلم، فقد امتدح الرسول الكريم حلف الفضول الذي عُقد في الجاهلية لأنه يدعو إلى دفع الظلم على كل مظلوم، حيث تعاقد مبرموه وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى تُرد إليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول2. 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص45. 2 السيرة النبوية لابن هشام1 /73.)
عدد الصفحات ٨٧88 فقال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وكان فيمن حضره«لقد شهدت في دار عبد الله حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى إليه في الإسلام لأجبت »1 ويتأكد تحريم الظلم في حق المعاهد، وهو الذمي الذي يكون في حماية الدولة ويحتفظ بدينه، فقد روي عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة »2. ثم انظر بعد ذلك كم يبدو غريباً رغم القائلين بالخوف من الإسلام والتحذير من كتاب الله بحجة التحريض على العنف، أو أنه لا يقبل الآخر ولا يستوعب الحوار معه، أو لا يحترم حريات غير المسلمين، أو لا يحفظ حقوقهم، وقد تبين بالدليل القاطع بطلان هذه المزاعم، وبدا جلياً أن العدوان مظهر مادي للظلم مرفوض من الإسلام بكل أنواعه وقد تناولته آيات الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من التفضيل والتمثيل3. 5 ـ العدوان المعنوي لا يقل العدوان المعنوي عن الظلم المادي في خطورته وتأثيره، ولذلك خصص الله في القرآن حيزاً واسعاً له، وفي صدارته الغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره والتجسس الذي له جانب مادي وهو استراق السمع أو البصر وكشف العورات، وله جانب معنوي وهو ما ينتج عن ذلك من كشف أسرار الناس، والإساءة إلى سمعهم، وكذلك سوء الظن بسبب تأثيره السلبي في العلاقات الإنسانية. 1 المصدر نفسه1 /73.) 2 أخرجه أبو داود، ك الخراج، الحديث رقم3052. 3 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص50.
عدد الصفحات ٨٨89 ـ قال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهََّ إِنَّ اللهََّ تَوَّاب رَّحِيم " (الحجرات، آية : 12.) وأولى منه حسن الظن حتى يثبت العكس، قال تعالى :" لَوْ لاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْك مُّبِين " (النور، آية : 12.) ومن الظلم المعنوي النميمة وهي إفشاء العداوة، قال تعالى :" وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف مَّهِين * هَمَّاز مَّشَّاء بِنَمِيم " (القلم، آية : 10 ـ11.) ولذلك حظيت المجالس والرفقة الطيبة بعناية خاصة في الإسلام ، فقد نهى الله عن صحبة الظالمين وغثيان مجالسهم إلا لنصحهم أو مقاومتهم " فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (الأنعام، آية : 68). لأن مجالستهم تجعل القلوب قاسية، بما فيها من الغيبة والنميمة والتآمر على الأبرياء وتسهم في تسويق أفكار الظلمة وعونهم على أفعالهم، ولو كان ذلك بالصمت عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة »1. وفي هذا السياق حذر الله من اللمز، وهو كثرة الطعن في الناس خفية والهمز وهو كثرة الطعن في الناس والبحث عن عيوبهم وكشفها، قال تعالى في الآية الأولى من سورة خصصها لهذا الجرم :" وَيْل لِّكُلِّ هُمَزَة لُّمَزَة " (الهمزة، آية : 1.) 1 صحيح البخاري، ك البيوع، الحديث رقم2101.
عدد الصفحات ٨٩90 واستعاذ من شر الحاسد الذي يتمنى زوال نعمة الناس، فقال:" وَمِن شَرِّ حَاسِد إِذَا حَسَدَ" (الفلق، آية : 5.) وكأن الحاسد يرتبط بالشر في لحظة حسده، وقال في آية أخرى عن قوم لعنهم: " أَمْ يَحْسُدُ ونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ" (النساء، آية : 54.) ومن الظلم المحذّر منه في القرآن الكريم السخرية من الآخرين وهي للعارف بآثارها النفسية والاجتماعية جريمة موجعة وفيها قال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوم مِّن قَوْم عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الح جرات، آية : 11.) فهو قد أبان باللفظ الصريح أن هذه الأفعال ظلم شك فيه1. ومن الظلم المعنوي الموجه للمسلمين في كل مكان يتمثل في نشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنمارك ونقلها إلى دول أوروبية أخرى بحجة حرية التعبير، وقد كانت الحجة مرفوضة ومستهجنة عقلاء العالم، لأنهم لم يقتنعوا بأن شتم الآخر وإهانة مشاعره الدينية ضرب من الحرية، ويرون أن الحرية والمسؤولية أمران مرتبطان لا يمكن لأحدهما أن ينفصل عن الآخر، وليس ثمة أي قدر من المسؤولية وراء هذه السخرية الرخيصة التي طالت رس ول الله صلى الله عليه وسلم، ونالت المسلمين في أقدس مقدساتهم، ومع ذلك كان ردهم حضارياً في الغالب الأعم، يعبر عن سخطهم على هذا العمل الأهوج وينتقد ذلك الظلم القاسي دون أن يعتمد العنف والفوضى في معظم البلدان الإسلامية. 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص45.
عدد الصفحات ٩٠91 وقد ربط الله بين الظالمين بأقوالهم ودسائسهم والشياطين في اعتمادهم البهتان وهو الكذب الشنيع الذي يبهت سامعه ويحيره، قال تعالى :" وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" (النساء، آية : 112.) وأي إثم أكبر من أن ترمي صاحبعقيدة ضد الظلم بأنه إرهابي يتبنى العنف؟ وقد خصّ الله الأفاك الأثيم، وهو كثير الكذب والفجور بتقريع أشد، كما تناول بالتقريع الضالين المائلين إلى الفساد، وهؤلاء جمعوا بين الإفك والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشار الله إلى شعراء السوء الذين يستخدمون تأثير الكلمة في الصدّ عن سبيل الله، أو الكذب والافتراء والظلم القولي كالهجاء، فقال تعالى:" هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاك أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَاد يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهََّ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّ ذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ" (الشعراء، آية : 221 ـ227.) ويتناول ذلك كل عمل فني يستهدف الفضيلة ويحارب القيم النبيلة بحجة حرية التعبير وهكذا، فإن الظلم بالكلمة لا يقل عن الأذى المادي، وبه نلحظ اتساع الحيز الذي خصه الله في القرآن الكريم لأصحاب الظلم المعنوي لأنه خلل يصيب الأمم في أخلاقها، فيدمر معنوياتها، ويحطم أصالتها، وقد كان مذموماً لدى العقلاء حتى في الجاهلية، وإن مما يحسب لأبي سفيان في جاهليته أنه قال لمن أراد معاقبة هشام بن عمرو على استجابته لواجب صلة الرحم مع بني هاشم في محنة شعب بني طالب1: أبقوا علينا بعض أخلاقنا2. 6 ـ إعانة الظالم على عدوانه 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص55. 2 سيرة ابن هشام، الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص55.
عدد الصفحات ٩١92 المعين على الظلم كفاعله، فهو الوسيلة التي ساعدت على إيذاء المظلوم بالرأي أو بالفعل، ولذا فقد روي ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعان على خصومة بظلم - أو يعين على ظلم - لم يزل في سخط الله حتى ينزع»1 وقد تأكد سخط الله على من يعين الظالم حتى بات من المعلوم ضرورة، ومن شواهده قوله صلى الله عليه وسلم: «من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله عز وجل»2، وعن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن تسعة فقال: «أنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، وليس بوارد عليّ الحوض ، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض »3. وقد وصف من يعين الظالم بالأحمق لأنه يقدم خدمة يفيد منها غيره وينال هو عقابها. وذكروا أن سليمان بن عبد الملك سأل عندما نزل بالمدينة إن كان بها أحد أدرك أحداً من أصحاب النبي فقالوا له: أبو حازم، فاستدعاه، وكان مما سأله عنه: فأي المؤمنين أحمق؟ قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره4، وعليه فإن مساعدة الظالم على ظلمه من أنواع الظلم التي قد يقلل من شأنها صاحبها على اعتبار أنه لم يباشر الظلم ولم يقصده5. 7 ـ ظلم المعاملة 1 سنن ابن ماجه، ك الأحكام، الحديث رقم: 2320. 2 مسند أحمد، الحديث رقم: 5129. 3 سنن الترمذي، ك الفتن، الحديث رقم: 2259. 4 سنن الدارمي، الحديث رقم: 645. 5 الإسلام وصراع العدالة والظلم، ص56.
عدد الصفحات ٩٢93 من أخلّ بعهد أو اغتصب حقاً لغيره أو غشّ أو أخلف موعداً يتضرر من خلفه غيره، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو ماطل وهو القادر على السداد، أو قاتل أو خاصم وهو ظالم، فقد عرّض نفسه لعقوبة ظلم المعاملة، وهي عقوبة مشددة إلا أن يعفو صاحب الحق عليه، قال تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاض مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَّ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِّ يَسِيرًا" (النساء، آية : 29 ـ30.) وجاء في شأن تسويف المدين القادر على السداد حديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «مطل الغني ظلم» الحديث1. ويتأكد الأمر مع أموال اليتامى والمستضعفين، قال تعالى :" إِن الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِ مْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا" (النساء، آية : 10.) وإذا ظهر الظلم في المعاملة بلا شبهة فإن فعله يستوجب سخط الله حتى تُرد المظلمة أو يعفو صاحبها وفي ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «.. ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال2، حتى يخرج مما قال»3. أما إذا اختلف الناس في أمر لاختلاف زوايا النظر فيه بين العدل والظلم فإن معيار الورع في الحكم عليه يكون في اجتناب الظلم بكل احتمالاته، ومما اختلف الناس فيه من المعاملات المالية زمن الرسول صلى الله عليه وسلم التسعير، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخشى من أن يظلم بالتسعير البائع أو المشتري، إذ قد تكون تكلفة 1 صحيحالبخاري، ك الاستقراض، الحديث رقم: 4002. 2 الردغة : الطين الوحل وما يسيل من عصارة أهل النار 3 سنن أبو داود، ك الأقضية، الحديث رقم3597.
عدد الصفحات ٩٣94 المبيع أعلى من التسعيرة فيُظلم البائع الآن أو غداً، أو تكون التسعيرة أعلى من قدرة المشتري على الشراء فيتضرر من ذلك ويقع الإثم على المسعّر في الحالتين، ول عل الأمثل أن يترك السوق مفتوحاً وتتاح الفرصة للجميع، فيدفع التنافس إلى تخفيض الأسعار دون تدخل، وهو ما يمكن فهمه من الحديث الذي جاء فيه: عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سعّر لنا. فقال: «إنالله هو المُ سعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألق ى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال»1. وهذا لا يتعارض مع التسعير إذا ثبت عدم الضرر بأحد أو تأكد الضرر عندعدم التدخل، ولا مع ما جاء في الإحياء للغزالي من كراهة الربح الزائد عن الثلث، فهو تهذيب لأخلاق المتعاملين دون التدخل في أمور تختلف فيها الظروف فتختلف أحكامها2. إن من أهمل قيم الإسلام في المعاملات والأخلاق وغيرها وقصر فهم الدين على العبادات، فقد ضيّق واسعاً في رسالة هذا الدين العظيم، إذ لا تمثل العبادات في كتاب الله إلا حيزاً قليلاً مقارنة بالأخلاق والنوايا والعبر والعقائد والمعاملات، ومن أدى العبادات ولم يسلم الناس من لسانه ويده أو أخذه الرياء في عبادته، لم يزد على أن ترك طعامه وشرابه في الصوم وأضاع وقته وماله في الحج ومات ميتة الجاهلية في الجهاد3. وعليه فالشخصية المسلمة تتكامل فيهاأركان الإسلام مع قيمه وأخلاقه ومعاملاته، ويأتي طلب العدل ونبذ الظلم نتاجاً لتلك الشخصية السوية المتوازنة ولقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يتحلل المسلم من المظالم قبل أن يفارق الحياة فقال: «من كانت 1 سنن الترمذي، ك البيوع، الحديث رقم: 1314، سنن أبي داود، ك البيوع، الحديث رقم: 3451. 2 اسلام وصراع العدالة والظلم، ص: 78. 3 تشهد على ذلك نصوص صريحة في الكتاب والسنة.
عدد الصفحات ٩٤95 عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها فإنه ليس ثَ مَّ دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه»1، ويشمل ذلك المظالم المادية والمعنوية المجموعة في قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا »، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، «بحسبامرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كلُّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»)2( . وزاد في حديث آخر«إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» وأشار بأصابعه إلى صدره3. وما ينطبق على المسلمين من العدل في التعامل ينطبق على غيرهم، فالمؤمن لا يخذل أخاه الإنسان ولا يحقره، مهما كان جنسه أو دينه، ولا يستبيح دمه ولا عرضه ولا ماله بغير حق، وذلك لا يخفى على من له أدنى معرفة بأخلاق الإسلام وتعاليمه ويتضح من الآية الآتية انتقاد أولئك الذين قصروا فعل الخير على أهلهم وأتباع دينهم حتى " قَالُو اْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيل " (آل عمران، آية : 75). ونسوا أن الله خالق الجميع، و يرضى الظلم من أحد لأيّ من مخلوقاته، فتكريم الإنسان المطلق مبدأ من الإسلام بغضّ النظر عن دينه وعرقه قال تعالى :" وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء، آية: 70.) ـ ومن مقتضيات التكريم المساواة في العدالة وتحريم الظلم على الجميع وشبّه الرسول عليه الصلاة والسلام من يسيء معاملة الناس بالمفلس، حين قال: «أتدرون من 1 صحيح البخاري، ك الرقاق، الحديث رقم: 6534. (2 )صحيح مسلم، ك البر والصلة، الحديث رقم2564. 3 صحيحمسلم، ك البر،الحديث رقم: 2564.
عدد الصفحات ٩٥96 المُ فلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال«إن المُ فلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقعد فيقتصّ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْتصَّ ما عليه أُ خذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار»1. وذلك عام يشمل كل الناس ولا يقتصر على المسلمين كما أن الوفاء بالعهد مطلوب من المسلم تجاه كل إنسان مهما كان دينه أو جنسه، لقوله تعالى :" وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً" (الإسرا ء، آية : 34.) وقوله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ" (المائدة، آية : 1.) والعقود هنا بمعنى العهود، ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين من الصحابة أعطيا عهداً للمشركين بعدم مقاتلتهم أن يوفيا بالعهد، فقد روي عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي ح سيل فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمداً. قلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منّا عهد الله وميثاقه: لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نَ فِي بعهدهم ونستعين الله عليهم»2. وقال صلى الله عليه وسلم في حث الظالم على التراجع عن ظلمه«رحم الله عبداً كا ن لأخيه قِبلة مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم». 1 سنن الترمذي، ك صفة القيامة، الحديث رقم: 2418. 2 صحيحمسلم، السير الجهاد، الحديث رقم: 1787.
عدد الصفحات ٩٦