65 وإشراق وبرّ ومودة . لقد كان ميزان العدالة في حكمه بين الناس هو التقوى والإيمان والعمل الصالح، ودائماً يتطلع إلى مقامات الإحسان. إن الله تعالى أوجب العقوبة الدنيوية على من ارتكب الفساد في المجتمع وكلف أهل الإيمان ممن مكن لهم في الأرض أن يحرصوا على تنفيذ العقوبات للمفسد والظالم لكي تستقيم الحياة في الدنيا، إن ذي القرنين يقدم لكل مسؤول أو حاكم أو قائد منهجاً أس اسياً، وطريقة عملية لتربية الشعوب على الاستقامة والسعي بها نحو العمل لتحقيق العبودية الكاملة لله تعالى1. وهذا دستور الحاكم الصالح، فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم، والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء... وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء الإحسان جزاءً حسناً، أو مكاناً كريماً وعوناً وتيسيراً، ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة، عندئذ يجد أن ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج، أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم، مقدمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون، فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد، ويعبر نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد2. إن التربية العملية للقيادة الراشدة هي التي تجعل الحوافز المشجعة هدية للمحسن ليزداد في إحسانه وتفجر طاقة الخير العاملة على زيادة الإحسان وتشعره بالاحترام والتقدير وتأخذ على يد المسيء لتضرب على يده، حتى يترك الإساءة وتعمل على توسيع دوائر 1 فقه النصر والتمكين، ص166. 2 في ظلال القرآن4 /2291.)
عدد الصفحات ٦٥66 الخير والإحسان في أوساط المجتمع وتضييق حلقات الشر إلى أبعد حدود وفق قانون الثواب والعقاب1. 15ـ قال تعالى:" وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ" (الشورى، آية : 15.) يعني أنني مأمور بالإنصاف دون عداوة فليس من شأني أن أتعصب لأحد أو ضد أحد، وعلاقتي بالناس كلهم سواء وهي علاقة العدل والإنصاف فأنا نصير من كان الحق في جانبه، وخصم من كان الحق ضده، وليس في ديني أي امتيازات لأي فرد كائناً من كان، وليس لأقاربي حقوق وللغرباء عني حقوق أخرى، ولا للأكابر عندي ميزات لا يحصل عليها الأصاغر والشرفاء والوضعاء عندي سواء، فالحق حق للجميع، والذنب والجرم ذنب للجميع والحرام حرام على الكل والحلال حلال للكل والفرض فرض على الكل، حتى أنا نفسي لست مستثنى من سلطة القانون الإلٰ هي2. 16ـ قال تعالى:" وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (الأنعام، آية : 115.) قال بعض المفسرين أنها كلمة "التوحيد" وقيل "القرآن" وقيل ما وعد الله به رسوله من نصر على الأعداء فتمامها على كل أوجه التفسير صدقاً وعدلاً، بلا تبديل لكلماته ولا لسنته في خلقه فتمامها حتم لا مرد له وكما يقول ابن تيمية: وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال تصلح جميع الأحوال وهما قرينان3. والشورى: التي هي أساس الحكم في الإسلام ومنهج حياة المسلمين، مبناها في الحقيقة على العدل الذي يناقض استبداد الحاكم بالسلطة وعدم اشتراك الرعية في الأمر. 1 فقه النصر والتمكين للصلابي، ص167. 2 الحكومة الإسلامية للمودودي، ص379. 3 الحسبة في الإسلام، ابن تيمية، ص7.
عدد الصفحات ٦٦67 ومبدأه مساءلة الحاكم هو أيضاً من مقتضى العدل، فالأمة هي التي تختار الحاكم ليقيم فيها أحكام الشرع ويرعى مصالحها، وهو لا يعدو أن يكون كأحد أفرادها إلا أنه أكثرهم ثقة والسلطة بالمسؤولية، فكان من الطبيعي تحقيقاً للعدل والمساواة واستجابة للمنطق، أن يسأل الحاكم عن كل عمل مخالف للشريعة1. وأن يكون للأمة حق مساءلته بلوحق عزله عند المقتضى ويكون الإسلام بذلك قد سبق الشرائع الوضعية إلى تقرير مبدأ "السلطة التنفيذية" وكذلك الأمر بالنسبة لمبدأ المساواة والحرية وحقوق الإنسان، فإن العدل أساسها ذلك أن العدل نظام كل شيء2. ومن ثمّ قيل بحق أن العدل هو أعرف المعروف 3. 17ـ قال تعالى" وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" (الأنبياء، آية : 47). يخبر تعالى عن حكمه العدل وقضائه القسط بين عباده إذا جمعهم يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة التي يبين فيها مثاقيل الذرة التي توزن به الحسنات والسيئات " فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس " مسلمة ولا كافرة " شَيْئًا" بأن تنقص من حسناتها أو يُزاد من سيئاتها وإن كان مثقال ذرة من خردل التي هي أصغر الأشياء وأحقرها من خير أو شر أتينا بها وأحضرناها ليجازى بها صاحبها، كقوله: " فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَراا يَرَهُ". " وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا" " وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" يعني بذلك نفسه الكريمة، فكفى بها حاسباً أي: 1 التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة1 /44.) 2 الحسبة في الإسلام لابن تيمية، ص81. 3 في الفقه السياسي الإسلامي، د. فريد عبد الخالق، ص: 196.
عدد الصفحات ٦٧68 عالماً بأعمال العباد حافظاً لها مثبتاً لها في الكتاب عالماً بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها، موصلاً للعمال جزاءها 1. 18ـ قال تعالى:" وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَان * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ" (الرحمن، آية : 7 ـ9.) قال القرطبي: وسمي العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإنصاف والعدل 2، والإشارة إلى السماء ـ كباقي الإشارات القرآنية إلى مجالي هذا الكون ـ تقصد إلى تنبيه هذا القلب الغافل وإنقاذه من بلادة الألفة وإيقاظه لعظمة هذا الكون وتناسقه وجماله وإلى قدرة اليد الذي أبدعته وجلالها. وإلى جوار هذه العظمة في رفع هذه السماء الهائلة الوسيلة "وضع الميزان" ميزان الحق وضعه ثابتاً راسخاً مستقراً وضعه لتقدير القيم، قيم الأشخاص والأحداث والأشياء كي لا يختل تقويمها ولا يضطرب وزنها، ولا تتبع الجهل والغرض والهوى، وضعه في الفطرة ووضعه في هذا المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسالات وتضمنه القرآن3. وضع الميزان " أَ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ" فتغالوا وتفرطوا " وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ" ومن ثم يستقر الوزن بالقسط، بلا طغيان ولا خسران ومن ثم يرتبط الحق في الأرض وفي حياة البشر، ببناء الكون ونظامه، يرتبط بالسماء في مدلولها المعنوي حيث يتنزل منها وحي الله ونهجه ومدلولها المتطور حيث تمثل ضخامة الكون وثباته بأمر الله وقدرته ويلتقي هذان المدلولان في الحسن بإيقاعهما وظلالهما الموحية4، قال القلعي: العدل ميزان الله في أرضه، وضعه للخلق ونصبه للحق، فمن خالف الله في 1 تفسير السعدي، ص608. 2 الجامع لأحكام القرآن16 /17.) 3 في ظلال القرآن6 /3449.) 4 في ظلال القرآن6 /3450.)
عدد الصفحات ٦٨69 ميزانه وعارضه في سلطانه فقد عرض دينه للخبال ودولته للزوال وعزه للذل وكثرته للقل1. 19ـ قال تعالى:" إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُّ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمً * وَاسْتَغْفِرِ اللهِّ إِنَّ اللهَّ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا" (النساء، آية : 105 ـ107). هذه الآيات تحكي عن قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً، ولا تعرف لها البشرية شبيهاً، وتشهد وحدها بأن هذا القرآن وهذا الدين لابد أن يكون من عند الله لأن البشر ـ مهما ارتفع تصورهم، ومهما صفت أرواحهم ومهما استقامت طبائعهم ـ لا يمكن أن يرتفعوا ـ بأنفسهم ـ إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات إلا بوحي من الله، هذا المستوى الذي يرسم خطاً على الأفق لم تصعد إليه البشرية ـ إلا في ظل هذا المنهج ـ ولا تملك الصعود إليه إلا في ظل هذا المنهج كذلك. إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة التي تحويها جعبتهم اللئيمة، على الإسلام والمسلمين والتي حكت هذه السورة، وسورة البقرة وسورة آل عمران جانباً منها ومن فعلها في الصف المسلم في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب ويؤلبون المشركين ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق ويطلقون الإشاعات، ويضللون العقول، ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة، ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج. 1 تهذيب الرياسة وترتيب السياسة، ص189.
عدد الصفحات ٦٩70 والإسلام ناشىء في المدينة ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس، ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم، تمثل خطراً حقيقياً على تماسك الصف المسلم وتناسقه. في هذا الوقت الحرج الخطر الشديد الخطورة كانت هذه الآيات كلها تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الجماعة المسلمة، لتنصف رجلاً يهودياً، اتهم ظلماً بسرقة ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت الأنصار في المدينة والأنصار يومئذ هم عدة الرسول صلى الله عليه وسلم وجنده في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة، أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي، ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى؟ وكل كلام وكل تعليق، وكل تعقيب يتهاوى دون هذه القمة السامقة التي لا يبلغها البشر وحدهم، بل لا يعرفها البشر وحدهم، إلا أن يقادوا بمنهج الله إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء؟ والقصة التي رويت من عدة مصادر في سبب نزول هذه الآيات أن نفراً من الأنصار ـ قتادة بن النعمان وعمه رفاعة ـ غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فسرقت درع لأحدهم "رفاعة" فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم: بنو أبيرق. فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، وفي رواية: إنه بشير ابن أبيرق .. وفي هذه الرواية: أن بشيراً هذا كان منافقاً يقول الشعر في ذم الصحابة وينسبه لبعض ا لعرب، فلما رأى السارق ذلك، عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي اسمه "زيد بن السمين" وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علماً. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه،
عدد الصفحات ٧٠71 فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، ولما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس، وكان أهله قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهور الدرع في بيت اليهودي: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال: «عمدت إلى أهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح وترميهم بالسرقة من غير ثبت ولا بينة؟». قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله المستعان.. فلم نلبث أن نزلت :" إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُّ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا" أي : أبيرق، وخصيماً ، أي: محامياً ومدافعاً ومجادلاً عنهم "وَاسْتَغْفِرِ اللهِّ" أي : مما قلت لقتادة " إِنَّ اللهَّ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" " وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ" إلى قوله تعالى : " رَّحِيمًا" أي لو استغفروا الله لغفر لهم " وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُّ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" "وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِّ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَة مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْء وَأَنزَلَ اللهُّ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِّ عَلَيْكَ عَظِيمًا * لاَّ خَيْرَ فِي كَثِير مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاَح بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِّ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا". فلما نزل القرآن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة. قال قتادة: لما أتيت عمي السلاح وكان شيخاً قد عمى أو عشى في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح، قال: يا ابن أخي هي في سب يل الله. فعرفت إن
عدد الصفحات ٧١72 إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فأنزل الله تعالى :" وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللهَّ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِّ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا" . إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام ـ وإن كانت تبرئة بريء أمراً هائلاً ثقيل الوزن في ميزان الله ـ إنما كانت أكبر من ذلك. كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى ولا مع العصبية ولا يتأرجح مع المودة والشنآن، أيا ا كانت الملابسات والأحوال. وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد، وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية، في كل صورها حتى في صورة العقيدة، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس، وإقامة هذا المجتمع الجديد الفريد في تاريخ البشرية على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترج رج مع الأهواء والميول والشهوات1. وفي قوله تعالى :" إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُّ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللهِّ إِنَّ اللهَّ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَّ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِّ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُّ بِمَا يَعْ مَلُونَ مُحِيطًا * هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَّ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً" 1 في ظلال القرآن1 /753.)
عدد الصفحات ٧٢73 إننا نحس في التعبير صرامة تشيع في جو الآيات وتفيض منها، وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله، واتباع هذا التذكير بالنهي على أن يكون خصيماً للخائنين، يدافع عنهم ويجادل ، وتوجيهه لاستغفار الله سبحانه عن هذه المجادلة وتستمر الحملة التي يفوح منها الغضب على كل من جادل عن الخائنين " هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَّ عَنْهُم يوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً" وبعد هذه الحملة الغاضبة على الخونة الآثمة، والعتاب الشديد للمنافقين عنهم والمجادلين، يجيء تقرير القواعد العامة لهذه الفعلة وآثارها، وللحساب عليها والجزاء. القاعدة العادلة التي يعامل بها الله العباد ويطلب إليهم أن يحاولوا محاكاتها في تعاملهم فيما بينهم وأن يتخلقوا بخلق الله ـ خلق العدل ـ فيها. ـ قال تعالى :" وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَّ يَجِدِ اللهَّ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُّ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" . إنها آيات ثلاث تقرر المبادئ الكلية التي يعامل بها الله عباده، والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضاً بها، ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء. ـ الآية الأولى: تفتح باب التوبة على مصراعيه وباب المغفرة على سعته، وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول. ـ " وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَّ يَجِدِ اللهَّ غَفُورًا رَّحِيمًا" إنه سبحانه موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفر منيب، والذي يعمل السوء يظلم غيره وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة التي لا تتعدى شخصه.
عدد الصفحات ٧٣74 وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين في كل حين، ويغفر لهم ويرحمهم متى جاؤوه تائبين، هكذا بلا قيد ولا شرط ولا حجاب ولا بواب حيثما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفوراً رحيماً . والآية الثانية: تقرر فردية التبعة، وهي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في الجزاء والتي تثير في كل قلب شعور الخوف وشعور الطمأنينة، الخوف من عمله وكسبه، والطمأنينة من لا يحمل تبعة غيره. ـ " وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُّ عَلِيمًا حَكِيمًا" ليست هناك خطيئة موروثة في الإسلام، كالتي تتحدث عنها تصورات الكنيسة، وعندما تنطلق كل نفس حذرة مما تكسب مطمئنة إلى أنها لا تحاسب إلا على ما تكسب، توازن عجيب في هذا التصور الفريد هو إحدى خصائص التصور الإسلامي وأحد مقوماته التي تطمئن الفطرة وتحقق العدل الإلٰهي المطلق، المطلوب أن يحاكيه بنو الإنسان. ـ والآية الثالثة: تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البريء، وهي الحالة المنطبقة على حالة العصابة التي يدور عليها الكلام. ـ " وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا". البهتان في رميه البريء، والإثم في ارتكابه الذنب الذي رمي به البريء، وقد احتملها معه وكأنما هما حمل يحمل على طريقة التجسيم التي تبرز المعنى وتؤكده في التعبير القرآني المصور. وبهذه القواعد الثلاثة يرسم القرآن ميزان العدالة الذي يحاسب كل فرد على ما اجترح ولا يدع المجرم بمعنى ناجياً إذا ألقى جرمه على سواه، وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه، ويضرب موعداً مع الله سبحانه في كل لحظة للتائبين
عدد الصفحات ٧٤75 المستغفرين الذين يطرقون الأبواب في كل حين، بل يلجونها بلا استئذان فيجدون الرحمة والغفران1. 20ـ قال تعالى:" وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" (الأعراف، آية : 181.) وما كانت البشرية لتستحق التكريم لو لم تكن فيها دائماً ـ وفي أحلك الظروف ـ تلك الجماعة التي يسميها الله "أمة" بالمصطلح الإسلامي للأمة وهي الجماعة التي تدين بعقيدة واحدة وتتجمع على آصرتها، وتدين لقيادة واحدة قائمة على تلك العقيدة ـ فهذه الأمة الثابتة على الحق، العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض الشاهدة بعهده على الناس التي تقوم بها حجة الله على الضالين المتنكرين لعهده في كل جيل. وقفة أمام صفة هذه الأمة: " يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ" إن صفة هذه الأمة ـ التي لا ينقطع وجودها من الأرض أيا ا كان عددها ـ أنهم " يَهْدُونَ بِالْحَقِّ" فهم دعاة إلى الحق، لا يسكنون عن الدعوة به وإليه، ولا يتقوقعون على أنفسهم، ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه، ولكنهم يهدون به غيرهم فلهم قيادة فيمن حولهم من الضالين عن هذا الحق، المتنكرين لذلك العهد، ولهم عمل إيجابي لا يقتصر على معرفة الحق، إنما يتجاوزه إلى الهداية به والدعوة إليه والقيادة باسمه. 1 في ظلال القرآن1 /567.)
عدد الصفحات ٧٥76 " وَبِهِ يَعْدِلُونَ" فيتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس والحكم به بينهم تحقيقاً للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق، فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس، ولا مجرد وعظ يُهدى به ويعرّف، إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله يحكم تصوراتهم الاعتقادية فيصححها ويقيمها على وقفه ويحكم شعائرهم التعبدية فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد ربه، ويحكم حياتهم الواقعية فيقيم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدة من هذه الشريعة ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم، فيقيمها كلها على التصورات الصحيحة المستمدة منه، ويحكم مناهج تفكيرهم وعلومهم وثقافاتهم كلها ويضبطها بموازينه، وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق وهذا ما تزاوله هذه الأمة بعد التعريف بالحق والهداية به1. الحادي عشر: التحذير من الظلم وتحريمه ـ الظلم في اللغة العربية: مجاوزة الحد ووضع الشيء في غير موضعه، والظليمة: ما أخذ ظلماً بغير وجه حق ، وكذلك الظلامة والمظلمة، وظلم فلاناً حقه : غصبه أو نقصه إياه2. ـ الظلم في المنظور الإسلاميالظلم هو نقيض العدل، فهو وضع الشيء في غير موضعه المناسب شرعاً وهو عدوان على الآخر بسبب أو بدونه، ولذلك كان الظلم صفة 1 في ظلال القرآن3 /1403.) 2 الإسلام وصراع العدالة والظلم، عبد الحميد عبد ا
عدد الصفحات ٧٦77 ذميمة ترفضها كل بصيرة واعية، بحيث لا يختلف عاقلان على قبح وقوعه عليهما، وقد يختلفان إذا وقع على غيرهما بحسب حظهما من الإنصاف وحب العدل. ولا تكاد تجد صفة كرّر ا لله ذمها في القرآن الكريم وأوعد المتصفين بها أقسى العقوبات وأشدها إيلاماً أكثر من صفة الظلم والعدوان، ولعل الأصل في العدوان كونه من الغرائز الحيوانية التي يحمي بها الحيوان نفسه من الآخر ليرهبه ويخافه ويحقق بها بعض حاجاته الأولية كيفما اتفق، ولكنها تعقدت عند الإنسان لكثرة حاجاته الأولية والثانوية، وظنه أن هذه الطبيعة العدوانية تحقق له الكثير من تلك الحاجات، ولما كان الإنسان أكثر المخلوقات حيلة بما اكتسب من صفات العقل والنطق والخيال وحرية الإرادة وغيرها من النعم التي ائتمنه الله عليها، فقد كانت صفة الظلم والعدوان فيه أقوى وأنكى من غيره، ولعل هذا ما يفسر صيغة المبالغة في قوله تعالى :" إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُوم كَفَّار " (ابراهيم، آية : 34.) واقتضت الحكمة الإلٰهية أن يعقل الإنسان بالدين جماح نفسه وأن يتحمل أمانة العدل والإنصاف بالتمييز والرشد والإرادة والعزيمة، قال تعالى:" إِنَّا عَرَضْنَا الأَْمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِْنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً" (الأحزاب، آية : 72.) فهذه الصفات هي مصدر تكليفه ومناط حسابهوعقابه بعد بعث الرسل وتوصيل رسالتهم " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الإسراء، آية : 15). وعليه فقد حظيت صفة الظلم باهتمام خاص في كتاب الله، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعرفنا من خلالهما مظاهرها وأنواعها وعقابها وظهرت بشاعتها التي صورها القرآن الكريم والسنة المطهرة حتى كادت أن تكون مقاومتها مفتاح الرسالة الإسلامية واستحقت بها هذه العقيدة الخاتمة أن تكون "عقيدة ضد الظلم" بل إن الصراع ضد الظلم هو علة بعث
عدد الصفحات ٧٧78 الرسالة، ولذلك كانت إزالة الظلم أسس التربية الدينية القويمة. وهو عنوان أخلاق الأنبياء التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لها حتى قال: «إنما بُعث ت لأتمم مكارم الأخلاق». وكان التذكير بمصير الظالمين عنواناً بارزاً في أدبيات الثقافة العربية الإسلامية التي تعد مقاومة الظلم من الفرائض وليس من مجرد الفضائل. قال الإمام الشافعي: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد1. وخصص عبد الرحمن بن خلدون فقرة في مقدمته الشهيرة بعنوان: "في أن الظلم مؤذن بخراب العمران" والظلم أنواع متعددة، ومتفاوتة الضرر والعقوبة فمنها ظلم الإنسان لربه وظلمه لأخيه الإنسان وظلمه للحيوان، وظلمه للطبيعة وظلمه لنفسه، ومن الظلم ما هو بدني كالقتل، وما هو مالي كالسرقة والغصب والاحتيال والربا والاستغلال والإسراف والبخل والتقتير والاحتكار وبخس الناس أشياءهم والغش والخديعة والتطفيف والوزن بمكيالين، قال تعالى:" وَيْل لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ" (المطففين، آية : 1 ـ3). ومن الظلم ما هو معنوي كالغيبة والنميمة والإهانة والكذب، وأشده البهتان والافتراء على الله والنفاق، ومنه اللمز والهمز والحسد والإرهاب والترويع والطغيان والشتم والغواية وانتهاك العرض والخيانة. وللتعبير عن أشدّ أنواع الظلم تكررّت في القرآن الكريم صيغة أفعل التفضيل في سياق استفهامي هو قوله تعالى :" وَمَنْ أَظْلَمُ" (هود، آية : 18.) وهذه الأنواع الشديدة ستة منها خمسة وُ ضِعت في سياق أفعل التفضيل المذكور، وهي: الافتراء بالله وتكذيب رسله، ثم كتمان الشهادة ومنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه 1 الإسلام وصراع العدالة والظلم، د. عبد الحميد عبد الله، ص28.
عدد الصفحات ٧٨79 والسعي في خرابها والإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها، على أن الظلم الأشد يبقى هو الشرك بالله سبحانه1. 1ـ مقاربة إحصائية ورد لفظ الظلم صريحاً في ثلاث وتسعين ومائتي صيغة ضمن ثمان وخمسين سورة قرآنية، منها تسع وثلاثون سورة مكية، وتسع عشرة سورة مدنية، ولم ترد أي منها في الجزء الثلاثين المكوّن من قصار السور، ووردت الصيغ في ثلاث سور فقط من الجزء التاسع والعشرين هي: القلم، نوح، والإنسان، بينما تكررت بعض الصيغ بلفظها في ثمان وعشرين سورة من الطوال، ومعنى وجود ثلث مجموع الصيغ في السور المدنية أن رسالة الإسلام ضد الظلم لم تقتصر على الفترة المكية التي عانى فيها المسلمون من الظلم المباشر، ولكنها امتدت إلى الفترة المدنية التي حظيت بشيء من الاستقرار والعزة، وهو ما يعني أننا أمام مبادئ عامة لديانة ضد الظلم تحمل رسالتها تلك في عقيدتها وأحكامها حيثما كانت. وأكثر ورود صيغ الظلم في القرآن ما كان جماعياً ، فقد تكرر لفظ الظلم في فعل منسوب إلى الجماعة ثلاثاً وتسعين مرة، وورد جمعه "الظالمون، والظالمي ن، وظالمي أنفسهم" في الصدارة بين ألفاظ الظلم المكررة ستاً وثمانين مرة، أي أن مجموع ما نسب إلى الجماعة من هذا اللفظ من النوعين تسع وسبعون ومائة مرة من أصل ثلاث وتسعين ومائتي مرة، ودلالة ذلك أن خطر الظلم يكمن في شيوعه وقبوله اجتماعياً. وتؤكد هذه الإحصائية ارتفاع نسبة ألفاظ الظلم في القرآن الكريم إذا ما قورنت بأي إثم آخر، فقد ورد لفظ العدوان مثلاً 67 صيغة، ولفظ الذنب38 صيغة، ومادة الجور في 1 المصدر نفسه
عدد الصفحات ٧٩80 آيتين، ولفظ الشقاوة في12 صيغة، ولفظ الإفك في30 صيغة، ولفظ الأذى في23 صيغة، ولفظ الإثم في46 صيغة، ولفظ الفساد في53 صيغة، فأين هي من 293 صيغة من مادة الظلم؟ وليس الشرك الذي يتكرر في 164 آية إلا نوعاً واحداً من الظلم غير المحسوب في الصيغ المشار إليها . إن هذه الإحصائية كافية لتوضيح السبب في اعتبار الرسالة الإسلامية عقيدة ضد الظلم، ومع ذلك فإن هذه الإحصائية ليست سوى جزء من اهتمام القرآن بمعاني الظلم في غير لفظه، وهو مجال واسع لا يمكننا تتبعه بالدقة نفسها التي تتبعنا بها ألفاظ الظلم في القرآن الكريم، فالذي " يسوم أحداً سوء العذاب" يظلمه وكذل ك الذي "يسخر منه" والذين يعتدون على الناس فـ "يذبحون" أبناءهم ويستحيون نساءهم" يُخسرون الميزان أو يبخسون الناس أشياءهم، إنما يمارسون أنواعاً من الظلم لم تدخل في هذه الإحصائية، برغم وجودها في الكتاب العزيز، ويقتصر التركيز في هذه المقالات على الأنواع التي ذكر فيها لفظ الظلم، لتبين موقف الإسلام منها ولتعرف من خلال ذلك ما أعد للظالمين من عقوبات معجلة أو مؤجلة، عسى أن يدرك الذين ظلموا سوء العاقبة فيتوبوا قبل فوات الأوان. والذي نخرج به من هذه الإحصائية هو اتساع مفهوم الظلم في القرآن الكريم والسنة المطهرة يجعل العقيدة الإسلامية رسالة إلٰهية ضد الظلم بجميع أشكاله وأنواعه، وذلك لما له من آثار خطيرة على الإنسانية وقيمها ومعنوياتها إذ لا شيء يُخرج دمعة الرجل الشهم، ويطفئ انشراح النفس الطموحة، ويخفض من سمو الروح، ويشوه البراءة في عيون الأطفال، ويكدر صفو الطبيعة الحية والجامدة كالظلم، ولذا فإن المطالع للألفاظ
عدد الصفحات ٨٠