49 لقهر وإذلال المغلوب أو سيطرةالضغائن والأحقاد على المشهد العام بعد انتهاء الحرب، لأن هذه التقوى الطريق لرحمة الله 1 لمن استجاب لشريعته والتز م بالعدل والقسط والأخوة في صراعه مع الآخرين. 7ـ قال تعالى:" سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (المائدة، آية : 42). بيّن المولى عز وجل وصف اليهود الذين كانوا في المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم سماعون للكذب. مما يشير بأن هذه أصبحت خصلة لهم، تهش نفوسهم لسماع الكذب والباطل وتنقبض لسماع الحق والصدق، وهذه طبيعة القلوب حين تفسد، وعادة الأرواح حين تنطمس. ما أحب كلمة الباطل والزور في المجتمعات المنحرفة، وما أثقل كلمة الحق والصدق في هذه المجتمعات وما أروج الباطل في هذه الآونة وما أشد بوار الحق في هذه الفترات الملعونة. وهؤلاء سماعون للكذب وأكّالون للسحت، والسُّ حت كل مال حرام والربا والرشوة وثمن الكلمة والفتوى. وفي مقدمة ما كانوا يأكلون، وفي مقدمة ما تأكله المجتمعات التي تنحرف عن منهج الله في كل زمان. وسمي الحرام سحتاً لأنه يقطع البركة ويمحقها وما أشد انقطاع البركة وزوالها من المجتمعات المنحرفة كما نرى ذلك بأعيننا في كل مجتمع شارد عن منهج الله وشريعة الله. ويجعل الله الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بالخيار في أمرهم إذا جاءوه يطلبون حكمه ـ فإن شاء أعرض عنهم ـ ولن يضروه شيئاً ـ وإن شاء حكم بينهم . فإذا اختار أن 1 العدالة والمصلحة الوطنية، علي الصلابي، ص893.
عدد الصفحات ٤٩50 يحكم حَ كم بينهم بالقسط غير متأثر بأهوائهم، وغير متأثر كذلك بمسارعتهم في الكفر ومؤامراتهم ومناوراتهم. " إِنَّ اللهَّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" والرسول صلى الله عليه وسلم والحاكم المسلم والقاضي المسلم، إنما يتعامل مع الله في هذا الشأن وإنما يقوم بالقسط لله، لأن الله يحب المقسطين، فإذا ظلم الناس وإذا خانوا وإذا انحرفوا، فالعدل فوق التأثر بكل ما يصدر منهم لأنه ليس عدلاً لهم وإنما هو لله، وهذا هو الضمان الأكيد في شرع الإسلام وقضاء الإسلام في كل مكان وفي كل زمان1. 8ـ قال تعالى:" لاَ يَنْهَاكُمُ اللهَُّ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة، آية : 8.) إن الإسلام دين سلام وعقيدة حب، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه وأن يجمع الناس تحت لواء الله، إخوة متعارفين متحابين، وليس هناك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله. فأما إذا سالموهم فليس الإسلام براغب في الخصومة ولا متطوع بها كذلك، وهو حتى في حالة الخصومة يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك وعدالة المعاملة، انتظاراً لليو م الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع. ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم الذي تستقيم فيه النفوس فتتجه هذا الاتجاه المستقيم، وهذه قاعدة في معاملة غير المسلمين هي من أعدل القواعد التي تتفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية، بل نظرته الكلية لهذا الوجود، والصادر عن إلٰه واحد، والمتجه إلى إلٰه واحد المتعاون في نعيمه اللدني وتقديره الأزلي من وراء كل اختلاف وتنويع. 1 في ظلال القرآن2 /893.)
عدد الصفحات ٥٠51 لقد بيّن الله للمؤمنين أهمية موادة من لم يقاتلوهم في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم ورفع عنهم الحرج في أن يبروهم، وأن يتحروا العدل في معاملاتهم معهم فلا يبخسوهم من حقوقهم شيئاً ، ولكنه نهى أشد النهي عن الولاء لمن قاتلوهم في الدين وأخرجوهم من ديارهم وساعدوا على إخراجهم وحكم على الذين يتولونهم بأنهم هم الظالمون1. 9ـ قال تعالى:" وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَا لَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْر وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم مُّحِيط * وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللهِّ خَيْر لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظ " (هود، آية : 84 ـ86.) والقضية هنا هي قضية الأمانة والعدالة ـ بعد قضية العقيدة والدينونة، أو هي قضية الشريعة والمعاملات التي تنبثق من قاعدة العقيدة والدينونة، فقد كان أهل مدين ـ وبلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام ـ ينقصون المكيال والميزان ويبخسون الناس أشياءهم، أي ينقصونهم قيمة أشيائهم في المعاملات، وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد، كما تمس المروءة والشرف. كما كانوا بحكم موقع بلادهم يملكون أن يقطعوا الطريق على القوافل الذاهبة الآيبة بين شمال الجزيرة وجنوبها ويتحكموا في طريق القوافل ويفرضوا ما يشاؤون من المعاملات الجائرة التي وصفها الله في هذه السورة. ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد والدينونة لله وحده بالأمانة والنظافة وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء ومكافحة السرقة الخفية سواء قام بها الأفراد أم قامت بها الدول، فهي بذلك ضمانة لحياة إنسانية أفضل وضمانة للعدل والسلام في الأرض بين الناس، 1 في ظلال القرآن6 /3544.)
عدد الصفحات ٥١52 وهي الضمانة الوحيدة التي تستند إلى الخوفمن الله وطلب رضاه، فتستند إلى أصل ثابت، لا يتأرجح مع المصالح والأهواء. إن المعاملات والأخلاق لابد أن تستند إلى أصل ثابت لا يتعلق بعوامل متقلبة، هذه هي نظرة الإسلام وهي تختلف من الجذور مع سائر النظريات الاجتماعية الأخلاقية التي ترتكن إلى تفكيرات البشر وتصوراتهم وأوضاعهم ومصالحهم الظاهرة لهم1. وهي حين تستند إلى ذلك الأصل الثابت ينعدم تأثيرها بالمصالح المادية القريبة، كما ينعدم تأثرها بالبيئة والعوامل السائدة فيها. " وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْر " فقد رزقكم الله رزقاً حسناً، فلستم في حاجة إلى هذه الدناءة لتزيدوا غنى، ولن يفقركم أو يضركم أن لا تنقصوا المكيال والميزان، بل إن هذا الخير ليهدده ما أنتم عليه من غش في المعاملة أو غصب في الأخذ والعطاء. " وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم مُّحِيط " إما في الآخرة عند الله و إما في هذه الأرض حين يؤتي هذا الغش والغصب ثمارهما المرة في حالة المجتمع وفي حركة التجارة، وحين يذوق الناس بعضهم بأس بعض، في كل حركة من الحركات اليومية وفي كل تعامل وفي كل احتكاك. ومرة أخرى يكرر شعيب نصحه في صورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية: " وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِ سْطِ" وإيفاء الكيل والميزان أقوى من عدم نقصهما لأنه أقرب إلى جانب الزيادة، وللعبارات ظل في الحس وظل الإيفاء غير ظل عدم النقص، فهو أكثر سماحة ووفاء. 1 في ظلال القرآن4 /1917.)
عدد الصفحات ٥٢53 " وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ" وهذه أعم من المكيالات والموزونات، فهو يشمل حسن تقويم أشياء الناس من كل نوع، تقويمها كيلاً أو وزناً أو سعراً أو تقديراً، وتقويمها مادياً أو معنوياً، وقد تدخل في ذلك الأعمال والصفات لأن كلمة شيء تطلق أحياناً ويراد بها غير المحسوسات. وبخس الناس أشياءهم ـ فوق أنه ظلم ـ يشيع في نفوس الناس مشاعر سيئة من الألم أو الحقد أو اليأس من العدل والخير وحسن التقدير، وكلها مشاعر تفسد جو الحياة والتعامل والروابط الاجتماعية والنفوس والضمائر، ولا تبقي على شيء صالح في الحياة. " وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ" والعثو هو الإفساد، فلا تفسدوا متعمدين الإفساد قاصدين إلى تحقيقه . ثم يوقظ وجدانهم إلى خير أبقى من ذلك الكسب الدنس الذي يحصلون عليه بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم في التقدير. " بَقِيَّةُ اللهِّ خَيْر لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" فما عند الله أبقى وأفضل وقد دعاهم في أول حدي ثه إلى عبادة الله وحده ـ أي الدينونة له بلا شريك ـ فهو يذكرهم بها هنا مع ذكر الخير الباقي لهم عند الله إن آمنوا كما دعاهم، واتبعوا نصيحته في المعاملات وهي فرع عن ذلك الإيمان. " بَقِيَّةُ اللهِّ خَيْر لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" ثم يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه، ويبين لهم أنه هو لا يملك لهم شيئاً، كما أنه ليس موكلاً بحفظهم من الشر والعذاب، وليس موكلاً كذلك بحفظهم من الضلال ولا مسؤولاً عنهم إن هم ضلوا، وإنما عليه البلاغ وقد أداه. " وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظ " ومثل هذا الأسلوب يشعر المخاطبين بخطورة الأمر ويثقل التبعة ويقفهم وجهاً لوجه أمام العاقبة بلا وسيط ولا حفيظ1. 1 في ظلال القرآن4 /1919.)
عدد الصفحات ٥٣54 1 ـ خطورة نقص المكيال والميزان على المجتمعات إن نقص المكيال والميزان آفة اقتصادية واجتماعية خطيرة، وينتج عن هذا العمل أضرار جسيمة على دين الناس ودنياهم، أما كونه ضرراً على دينهم فلأن هذا العمل يخالف ويناقض النهج الذي أنزل الله من عنده ليتعامل الناس بمقتضاه، ذلك النهج هو العدل في كل شيء. قال تعالى :" اللهَُّ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ" (الشورى، آية : 17.) والميزان هو العدل والموازين والمكاييل لإقامة العدل، ولذا أمر الله بإيفائها ونهى عن نقصها، فنقص الميزان والمكيال تعطيل للمنهج الإلٰ هي، ومخالفة للأوامر الربانية وتعرض لسخط الجبار وعذابه في الدنيا والآخرة. أما ضرر هذا العمل على دنيا الناس، فلأنه يجلب الشدة بدل الرخاء، وغلاء الأسعار بدل رخصها، ويؤدي إلى أضرار على معايش الناس، وفي حديث ابن عمر مرفوعاً : «...ولم ينقصوا المكيال إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة، وجور السلطان»1. 2ـ هلاك قوم شعيب نقص المكيال والميزان كان من الأسباب التي أدت إلى هلاك قوم شعيب، فقد أصروا على هذا العمل رغم الجهود التي بذلها شعيب عليه السلام في دعوتهم إلى اجتنابه، فلم تنفعهم المواعظ، بل كانوا يزدادون إصراراً عليه كلما بالغ شعيب في دعوتهم، ووصل بهم الأمر إلى حدّ الإنكار عليه والاستهزاء بمحاولاته ثنيهم عما اعتادوا عليه من المعاملات المالية الجائرة ثم انتهى الأمر بهلاكهم، وذكر القرآن الكريم لفعلهم هذا ضمن 1 سنن ابن ماجه، ك الفتن، باب العقوبات، الحديث رقم: 4019.
عدد الصفحات ٥٤55 سيئاتهم اخرى ثم تعقيب ذلك بذكر هلاكهم في عدة مواضع يدل على أن هذا العمل كان من جملة الأسباب التي أدت إلى ذلك المصير، ويعضد هذا الاستنباط ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب المكيال والميزان: «إنكم قد وليتم أمْرَ ين هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم»1. ووقف هذا الحديث على ابن عباس أصح من رفعه، فلعله مما فهمه حبر الأمة2. من قصة قوم شعيب الواردة في القرآن وهم وإن لم يذكروا نصاً في هذا الأثر فهم داخلون في حكمه دخولاً أولياً، إذ لم يُذكر لنا قوم كانوا يعملون هذا العمل غيرهم 3. 10ـ قال تعالى:" لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْس شَدِيد وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهَُّ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهََّ قَوِيٌّ عَزِيز " (الحديد، آية : 25.) فالرسالة واحدة في جوهرها، جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها، ومعظمهم جاء بالمعجزات الخوارق وبعضهم أنزل عليه كتاب والنص يقول:" وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ" بوصفهم وحدة وبوصف الكتاب وحدة كذلك، إشارة إلى وحدة الرسالة في جوهرها "وَالْمِيزَانَ" مع الكتاب، فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزاناً ثابتاً ترجع إليه البشرية لتقويم الأعمال والأحداث والرجال، وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة، وتصادم المصالح والمنافع ميزاناً لا يحابي أحداً لأنه يزن بالحق الإلٰ هي للجميع ولا يحيف على أحد لأن الله رب الجميع. هذا الميزان الذي أنزله الله في الرسالة الضمان الوحيد للبشرية من العواصف والزلازل 1 أسباب هلاك الأمم السالفة، سعيد محمد بابا، ص454. والحديث أخرجه الترمذي، ك البيوع، الحديث رقم 1217. 2 المصدر نفسه، ص455. 3 المصدر نفسه، ص: 455.
عدد الصفحات ٥٥56 والاضطرابات والخلخلة التي تحيق بها في معترك الأهواء ومضطرب العواصف، ومصطحب المنافسة وحب الذات، فلابد من ميزان ثابت يثوب إليه البشر، فيجدون عنده الحق والعدل والنصفة بلا محاباة. " لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ" فبغير هذا الميزان الإلٰ هي الثابت في منهج الله، وشريعته، لا يهتدي الناس إلى العدل، وإن اهتدوا إليه لم يثبت في أيديهم ميزانه، وهي تضطرب في مهب الجهالات والأهواء1. " وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْس شَدِيد وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهَُّ مَن يَنصُرُهُ". والتعبير " وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ" كالتعبير في موضع آخر بقوله :" وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَْنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج " كلاهما يشير إلى إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحداث فهي منزلة بقدره وتقديره فوق ما فيه هنا من تناسق مع جو الآية، وهو جو تنزيل الكتاب والميزان، فكذلك ما خلقه الله من شيء مقدر تقدير كتابه وميزانه. أنزل الله الحديد " فِيهِ بَأْس شَدِيد " وه و قوة في الحرب والسلم " وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" وتكاد حضارة البشرية القائمة الآن تقوم على الحديد " وَلِيَعْلَمَ اللهَُّ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ" وهي إشارة إلى الجهاد بالسلاح تجيء في موضعها في السورة التي تتحدث عن بذل النفس والمال2، وإقامة العدل بين الناس يحتاج لسلطات الدولة وقوتها والتي من أسبابها حسن التصرف مع مادة الحديد. 11ـ قال تعالى:" شَهِدَ ا أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آل عمران، آية : 18). أي بيّن سبحانه وحدانيته بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزال الآيات التشريعية الناطقة بذلك، والملائكة أخبروا الرسل بهذا وشهدوا شهادة مؤيدة بعلم ضروري، وهو عند الأنبياء أقوى من جميع 1 في ظلال القرآن6 /3494.) 2 المصدر نفسه6 /3495.)
عدد الصفحات ٥٦57 اليقينيات، وأولو العلم أخبروابذلك وبينوه وشهدوا شهادة مقرونة بالدلائل والحجج لأن العالم بشيء، لا تعوزه الحجة عليه. وقوله "بالقسط" أي: بالعدل في الاعتقاد، فالتوحيد: هو الوسط بين إنكار الإلٰ ه والشرك به، والعدل في العبادات والآداب والأعمال، فعدل بين القوى الروحية والبدنية، فأمر بشكره في الصلاة وغيرها لترفيه الروح وتزكية النفس، وأباح كثيراً من الطيبات لحفظ البدن وتربيته ونهى عن الغلو في الدين والإسراف في الدنيا. كما جعل سنن الخليقة قائمة على أساس العدل، فمن نظر في هذه السنن ونظمها الدقيقة تجلى له عدل الله فيها على أتم ما يكون وأوضحه، فقيامه تعالى بالقسط في كل هذا برهان على صدق شهادته تعالى فإن وحدة النظام في هذا العالم تدل على وحدة واضعه1. إن تدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس قائم على العدل، فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس، ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر....لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس، وبينه في كتابه. وإلا فلا قسط ولا عدل ولا استقامة ولا تناسق ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان، وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع. وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم العدل، واستقامت حياتهم وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر، لازمه جهل البشر وقصور البشر، كما لازمه الظلم وصوره المتعددة مع ركام من التناقض العجيب، ظلم الفرد للجماعة أو ظلم الجماعة للفرد أو 1 في ظلال القرآن1 /379.)
عدد الصفحات ٥٧58 ظلم طبقة لطبقة أو ظلم أمة لأمة أو ظلم جيل لجيل، وعدل اوحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء وهو إلٰه جميع العباد، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. " لاَ إِلٰ ـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط، فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها1. 12ـ قال تعالى يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهَِّ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهَِّ لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" (ص، آية : 26.) خاطب الله تعالى داود عليه السلام بأن جعله حاكماً بين الناس في الأرض، فله الحكم والسلطة وعليهم السمع والطاعة، ثم بيّن الله تعالى له قواعد الحكم تعليماً لغيره من الناس. ـ " فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ" أي : فاقض بين الناس بالعدل الذي قامت به السمٰوات والأرض وهذه أولى وأهم قواعد الحكم. ـ " وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى" أي : لا تمل في الحكم مع أهواء نفسك أو بسبب مطامع الدنيا، فإن اتباع الهوى مزلقة ومدعاة إلى النار، لذا قال: " فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهَِّ" أي : إن اتباع الهوى سبب في الوقوع في الضلال والانحراف عن جادة الحق وعاقبته الخذلان. 1 في ظلال القرآن1 /379.)
عدد الصفحات ٥٨59 قال تعالى :" إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهَِّ لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ" أي: إن الذين يتنكبون طريق الحق والعدل لهم عقاب شديد يوم القيامة والحساب الأخروي، بسبب نسيانهم أهوال ذلك اليوم وما فيه من حساب شديد دقيق لكل إنسان، وبسبب تركهم العمل لذلك اليوم ومنه القضاء بالعدل1. وفي هذه الآية وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق ولا يحيدوا عنه، فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد الله من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والحساب الشديد2، إن الآية الكريمة تبين أن الحكم بين الناس مرتبة دينية تولاها رسل الله وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجان بة الهوى، فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي، فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم ولا يحل له الإقدام عليه وتبين كذلك أن الحاكم ينبغي له أن يحذر الهوى ويجعله منه على بال، فإن النفوس لا تخلو منه بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق على مقصوده3. 13ـ قال تعالى:" وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُّبِين " (النمل، آية : 20 ـ21) لابد للدولة من قوانين حتى تضبط الأمور بحيث يعاقب المسيء ويحسن للمحسن، لابد من مراعاة التدرج في تقرير العقوبة، وأن تكون على قدر الخطأ وحجم الجرم، وهذا عين العدالة ولهذا لم يقطع سليمان بقرار واحد في العقاب عند ثبوت الخطأ، بل جعله متوقفاً على حجم الخطأ " لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُّبِين ". 1 فقه النصر والتمكين للصلابي، ص145. 2 تفسير المنير للزحيلي23 /188.) 3 تفسير السعدي1 /660.)
عدد الصفحات ٥٩60 وقد استدل أهل العلم بهذه الآية على أن العقاب على قدر الذنب، وعلى الترقي من الشدة إلى الأشد بقدر ما يحتاجه إلى إصلاح الخلل 1، ولاشك أن القيادة تحتاج إلى لجان ومؤسسات وأجهزة حتى تستطيع أن تقوم بهذه المهمة العظيمة. إن سليمان عليه السلام كان مهتماً بمتابعة الجند وأصحاب الأعمال وخاصة إذا راب شيء في أحوالهم، فسليمان عليه السلام لما هم لم ير الهدهد بادر بالسؤال: ﴿مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾ يعني: أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له2. ثم قال :" أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ" سؤال آخر ينم عن حزم في السؤال بعد الترفق، فسليمان عليه السلام أراد أن يفهم منه أنه يسأل عن الغائب لا عن شفقة ولكن عن جد وشدة إذ لم يكن الغيب بعذر3. فالدول تحتاج لمباشرة لأحوال الرعية وقوانين حتى تضبط الأمور ومؤسسات لخدمة العدل ورفع الظلم والقائمون عليها، يجب أن يتصفوا بصفات الحكام والقادة كالحزم والتريث وسعة الصدر وقبول الاعتذار والتروي في تصديق الخبر، وعدم الاغترار بتصديق الخبر وعدم الاغترار بقوة النفس وكثرة الجند وسعة السلطان والتواضع في قمة المجد والتمكين ومن خلال سيرة سليمان عليه السلام نجد هذه الصفات التي تساعد على إقامة العدل بين الناس والمخلوقات. - الحزم: ويظهر ذلك عند القيادة إن غلب الظن أن هناك تقصيراً أو تكاسلاً عن الحضور وقت الطلب أو التأخر وقت العمل :" لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأََذْبَحَنَّهُ" فإنه قد تبين لسليمان عليه السلام أن الهدهد غائب، فتهدد بذلك أمام الجمع الذي 1 الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /593)، فقه النصر والتمكين، ص155 للصلابي 2 فقه النصر والتمكين، ص155. 3 المصدر نفسه، ص155.
عدد الصفحات ٦٠61 يعلم أن الهدهد غائب حتى لا يكون غيابه - إن لم يؤخذ بالحزم ـ سابقة سيئة لبقية الجند1. - التريث والتأني قبل الحكم: فلعل للغائب عذراً، أو للمقصر حجة تدفع الإثم، وترفع العقوبة، ولهذا قال سليمان بعدها " أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَان مُّبِين " أي: بحجة تبين عذره في غيبته2، وهذاهو اللائق بالحاكم والقاضي إذا كان عادلاً ، وسليمان عليه السلام الذي اشتهر بالعدالة هو وجنوده حتى عند النمل، لا ينتظر منه مع الهدهد، أو ما دونه أو ما فوقه، إلا أن يكون عادلاً لا يعاجل بالعقوبة قبل ثبوت الجريمة ولا يبادر إلى المؤاخذة قبل سماع الحجة3. - سعة الصدر: التروي في الاستماع إلى اعتذار المعتذر، وحجة المتخلف وسليمان عليه السلام، وفيه نسبة عدم الإحاطة إليه :" أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإ بِنَبَإ يَقِين *إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْء وَلَهَا عَرْش عَظِيم * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهَِّ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ* أَلاَّ يَسْجُدُوا للهَِِّ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللهَُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" (النمل، آية : 22 ـ26). كل هذا وسليمان لا يقاطعه ولا يكذبه و يعنفه، حتى ينتهي من سرد الحجة التي كانت مفاجأة ضخمة لسليمان عليه السلام. - قبول الاعتذار: ممن يعتذر في الظاهر، وإيكال سريرته إلى الله تعالى، فسليمان سكت عن المؤاخذة وانتقل إلى تحرير الخبر، قال القرطبي رحمه الله: هذا دليل 1 في ظلال القرآن5 /2638.) 2 تفسير القرطبي13 /180.) 3 فقه النصر والتمكين، ص159.
عدد الصفحات ٦١62 على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه1. - التروي في تصديق الخبر فهذا الذي حكاه الهدهد، أمر ليس بالسهل ولا باليسير، ثم إن الهدهد لا يجرؤ على اختلاق هذه القصة الطويلة، وهو يعلم تمكن سليمان من الرعية ومقدرته على التأكد من صحة الأخبار، ومع ذلك لم يبدر عليه السلام إلى التصديق، كما أنه لم يتعجل التكذيب، بل قال :" سَنَنظُرُ" وهو من النظر أو التأمل والتحري2. " سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ" يعني: أَ صَدقْ تَ في خبرك أم كذبت لتتخلص من الوعيد3. - عدم الاغترار بقوة النفس: وكثرة الجند وسعة السلطان وإسناد الفضل إلى الله في كل نعمة، وتجديد الشكر على هذه النعم، وسليمان عليه السلام لما طلب الإتيان بعرش بلقيس أجابته جنوده التي سخرها الله له مسارعين إلى الطاعة، فلما وجد سليمان طلبه مجاباً وأمره مطاعاً سارع إلى ضبط النفس في سلك الخشية ومنهاج التواضع والطاعة لله رب العالمين " فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراا عِندَهُ" أي : رأى العرش ثابتاً عنده " قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي" أي : هذا النصر والتمكين من فضل ربي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها، فإن من شكر لا يرجع نفع شكره إلا إلى نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد، ومن كفر النعم فإن الله غني عن شكره، كريم في عدم منع تفضله عنه4. 1 تفسير القرطبي13 /184.) 2 تفسير الرازي (24 /193.) 3 تفسير ابن كثير3 /349.) 4 تفسير القرطبي13 /170.)
عدد الصفحات ٦٢63 - التواضع وهو قمة المجد والتمكين كان سليمان عليه السلام دائم التواضع حتى قيل إنه كان يمشي منكسر الرأس خشوعاً لله، وأثناء استعراضه لجنوده من الجن والإنس والطير، مر على وادي النمل، وفي نظرة التواضع إلى الأرض، أبصر نملة، فأشخص النظر صوبها، وأصاخ السمع إليها، وبما علم من منطق الطير والحيوان حاول أن يتفهم أمرها، لقد علم أنها تتخوف من بطش أقدام الجنود في ركب سليمان، لقد سمعها وفهم قولها:" قَالَتْ نَمْلَة يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ" (النمل، آية : 18.) نعم إنها كائن صغير في مملكة ضخمة عظيمة تسعى كأخوتها للرزق وتنصح لهم أن يفسحوا الطريق أمام الملك العادل حتى لا تقع مظلمة غير مقصودة من أحد منهم. قال القرطبي: التفاتة مؤمن: أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنده لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا1. إن هذه النملة لم تكن إلا واحدة من رعايا سليمان في مملكته التي ضمت إلى جانب الإنس والجن أنواعاً وألواناً من الحيوان والطير واله وام لقد سمع كلامها وتفهم شكواها، فتبسم من قولها فرق قلبه الكبير رفقاً لجرمها الصغير فرحمها وأخواتها، وشكر ربه إذ علمه منطق هذه المخلوقات حتى يتمكن من إنصافها وإيصال العدل إليها، وسُر بأن عدالته وجنوده قد عرفها كل مخلوق حتى مثل هذه النملة التي اعتذرت عنهم مقدماً، بأنهم إن أصابوا نملة بأقدامهم، فإن ذلك من غير قصد منهم ولا شعور2. " فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْ كُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ" (النمل، آية : 19.) 1 فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، د. علي الصلابي 2 الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /589.)
عدد الصفحات ٦٣64 لقد أدرك سليمان عليه السلام أنه ـ في جنب الله ـ في حاجة إلى الرحمة والعطف واللطف أشد من حاجة هذه النملة إلى ذلك منه، ولهذا قال :" وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النمل، آية : 19)1. 14ـ قال تعالى:" قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُ سْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا" (الكهف، آية : 87 ـ88.) إن المنهجية التي سار عليها ذو القرنين كحاكم مؤمن جعلته يلتزم بمعاني العدل المطلق في كل أحواله وسكناته ولذلك سار في الناس والأمم والشعوب التي حكمها سيرة العدل، فلم يعامل الأقوام التي تغلب عليها في حروبه بالظلم والجور والتعسف والتجبر والطغيان والبطش، وإنما عاملهم بهذا المنهج الرباني الذي بينته الآيات المذكورة. وهذا المنهج الرباني الذي سار عليه يدل على إيمانه وتقواه، وعلى فطنته وذكائه، وعلى عدله ورحمته لأن الناس الذين قهرهم وفتح بلادهم، ليسوا على مستوى واحد ولا على صفات واحدة، ولذلك لا يجوز أن يعاملوا جميعاً م عاملة واحدة فمنهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم الصالح ومنهم الطالح فهل يتساوون في المعاملة؟ قال ذو القرنين: أما الظالم الكافر فسوف نعذبه لظلمه وكفره، وهذا التعذيب عقوبة له، فنحن عادلون في تعذيبه في الدنيا ثم مرده إلى خالقه لينال عذابه الأخروي. إن الظالم والباغي والكافر في دستور ذي القرنين معذب مرتين، مرة في الدنيا على يديه، والأخرى يوم القيامة، حيث يعذبه الله عذاباً نكراً، أما المؤمن الصالح فإنه مقرب من ذي القرنين يجزيه الجزاء الحسن ويكافئه المكافأة الطيبة، ويخاطبه بيسر وسهولة 1 فقه النصر والتمكين، ص161.
عدد الصفحات ٦٤