المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ٣ من ٢٥

33 وقال أيضاً: الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحدود في كل شيء 1. 6 ـ البينية من ملامح العدل وأبرز سماته البينية، روى الإمام البخاري في صحيحه: أن أبا بكر رضي الله عنه خطب يوم السقيفة، وكان مما قال يخاطب الأنصار: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً 2. والوسطية المرادة هنا يظهرفيها معنى الخيرية جلياً لا لبس فيه، فأين البينية؟ فالبينية تتضح إذا علمنا ما امتازت به قريش من صفات أهلتها لأن تكون خير العرب، وهذه الصفات من الشجاعة والكرم والعدل وسائر الصفات الحميدة، هي في حقيقتها صفات اتصفوا بأفضلها دون إفراط أو تفريط، أو غلو أو جفاء. ولذلك فقد نالوا هذه المنزلة الرفيعة من كون العرب لا تدين إلاّ لهم وما ذلك إلا لثقتهم في عدلهم من قبائل وأطراف متنافرة في أخلاقها، متباينة في طباعها ، وذلك لخصيصة الوسطية فيهم ويصدق فيهم قول زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم3 والعدل هو سبب قبولحكمهم، والعدل فيه صفة البينية بين نوعي الظلم ولذلك كان وسطياً 4. 1 مدارج السالكين2 /104.) 2 تفسير الطبري2 /6.) 3 الوسطية في ضوء القرآن45 /4 ـ47.) 4 الوسطية للصلابي، ص41.

عدد الصفحات ٣٣

34 وتأمل معنى ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا: قالوا إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر أي: المتوسط بينهما1. وقال استاذ محمد قطب: إن الوسطية هي التوازن، والتوازن هو العدل، حيث قال في قوله تعالى :" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا" (البقرة، آية : 143.) وسطاً في كل شيء متوازنين في كل ما تقومون به من نشاط2. وقال الدكتور عمر الأشقر: من المعضلات التي لمينجح المشرعون من البشر في حلها التطرف في التشريع، فبعض القوانين تجنح إلى أقصى اليسار وبعض آخر يجنح إلى أقصى اليمين، وقلما يوفق وَاضِ عو القوانين إلى التوسط والاعتدال3. وقال في موضع آخر: إذا نظرت إلى الشريعة وجدتها وسطاً في كل أحكامها، فأحكامها بين الغالي والجافي4. 7 ـ دليل تطبيقي لملامح العدل وبعد أن اتضحت ملامح العدل سأذكر دليلاً عملياً تبرز فيه جميع هذه الملامح حيث يمثل أعلى درجات الوسطية، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً .... فجاء رسول الله فقال: «إني لأخشاكم 1 تفسير المنار2 /4.) 2 منهج التربية الإسلامية1 /28.) 3 خصائص الشريعة الإسلامية، ص: 86 ـ87. 4 المصدر نفسه، ص87.

عدد الصفحات ٣٤

35 لله، وأتقاكم له، ولكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»1. وتبرز صفة العدل في الحديث بالنظر إلى مطالب النفس وواجبات العبادة، فقد جعل لكل منها نصيباً، فعدل بين حق الرب وحق النفس، ولم يكن في ذلك حيف وشطط وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، كما أن الحديث تبرز فيه ملامح العدل والتي منها: أ ـ الخيرية: وهذا يتضح من قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له». ثم بين أنه يأخذ بالوسطية: فيصوم ويفطر ويصلي وينام ويتزوج النساء، فلولا أن هذا العمل لا يعارض الخشية والتقوى بل يطرد معهما لم يذكرهما في هذا المقام، واستخدم أفعل التفعيل «أخشاكم وأتقاكم» وهي أعلى درجات الخيرية. ب ـ الاستقامة: وتظهر هذه الحقيقة في قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» . إذن فالاستقامة هي بأن يصوم ويفطر وينام ويرقد ويتزوج النساء، والخروج عنها انحراف عن الاستقامة، فهذا العمل الذي يمثل الوسطية لا يقول إنه لا يعارض الاستقامة، بل هو الاستقامة بعينها، حيث جعله الرسول صلى الله عليه وسلم من سنته ، وهل الاستقامة إلا الالتزام بسنته والأخذ بها. ج ـ اليسر ورفع الحرج: 1 صحيح البخاري، ك الإيمان، الحديث رقم: 5063.

عدد الصفحات ٣٥

36 وهذا أمر جلي وبين، فنحن بين عملين وردا في هذا الحديث، تبتل وامتناع عن النساء والزواج مع ما في ذلك من مشقة وحرج، ويقابله تزوج النساء مع ما في ذلك من قضاء الوطر والمودة والرحمة وإنجاب الأولاد. الأول يمثل الانحراف عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع ما فيه من مشقة وعسر، والثاني يمثل الاعتدال مع ما فيه من تخفيف وتيسير ورحمة، ودفع الحرج وقل مثل ذلك في القيام والصيام، إذن فالاعتدال في اليسر ورفع الحرج، وليس في التكلف والمشقة والعنت. د ـ الحكمة: فإنه بالنظر إلى قدرة النفس ومدى تحملها وغفلة هؤلاء القوم عن قدرتهم في فورة الحماس والاندفاع ، جاء الرسول صلى الله عليه وسلم يضع الأمور في مواضعها ويجعلها في مسارها الطبيعي، فإن أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه، ولو التزم هؤلاء الرجال بما قالوا لتعبوا عاجلاً أو آجلاً ، ثم إن هذا الفعل نفسه مخالفة لصريح الحكمة وحقيقتها وذلك أن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والإصابة في القول والعمل وهذا هو عين ما وجه إليه صلى الله عليه وسلم. هـ ـ البينية: والأمثلة تبرهن على ذلك: ـ امتناع عن الزواج مطلقاً ـ إفراط ويقابله التفريط وهو اتباع الشهوات دون وازع أو قيد وبينهما قضاء الشهوة والوطر، ولكن ضمن الضوابط الشرعية ويتمثل في الزواج وهذا هو الوسط وهو المشروع. ـ صيام دائم إفراط. ـ إفطار دائم إفراط.

عدد الصفحات ٣٦

37 ـ الصيام أحياناً ـ والفطر أحياناً وسط بين الأمرين وهو المشروع في ضوابطه الشرعية ـ القيام مطلقاً إفراط. ـ النوم مطلقاً تفريط. القيام والنوم حسب الطاقة ودون تكلف ـ وسط وهذا هو المشروع1. ومن خلال هذا التطبيق العملي لملامح الوسطية في ضوء هذا الحديث يتضح المُ راد مما يساعد على فهم الوسطية. عاشراً: مكانة العدل في القرآن الكريم: تحدث القرآن الكريم عن قيمة العدل وجعلها من مقاصده، والكلمات التي دعت للعدل في القرآن الكريم مترادفة ومتفاوتة، فتارة تدعو بلفظ العدل أو تارة أخرى بلفظ القسط وأحياناً بالأمر بإيفاء الكيل والميزان أو الوزن بالقسطاس المستقيم وهكذا. 1ـ قال تعالى:" إِن اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِّ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَّ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَّ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ" (النحل، آية : 90 ـ91.) بعد أن حدثنا الله تعالى في كتابه أنه بيان لكل شيء وهدى ورحمة للمسلمين يأتي قوله {إِن اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ في كل شيء.. في أداء الحقوق والقيام بالواجبات، فيحدد الحقوق ويحدد الواجبات في السياسة الاقتصاد والاجتماع، فلا عدل إلا ما أمر به، ولا يتحقق العدل في الحياة البشرية إلا بإقامة كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والإحسان وهو معنى زائد على العدل، فالعدل في كل شيء حسن، والإحسان فعل الأحسن2. 1 الوسطية في ضوء القرآن، ص126 ـ127. 2 الأساس في التفسير ـ سعيد حوى6 /2988.)

عدد الصفحات ٣٧

38 2 ـ قال تعالى:" إِنَّ ا يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَّ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَّ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا" (النساء، آية : 58.) وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ ﴾ فالنص يطلقه هكذا عدلاً شاملاً ﴿بَيْنَ النَّاسِ ﴾ جميعاً لا عدلاً بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب ولا عدلاً مع أهل الكتاب، دون سائر الناس، وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه إنساناً . فهذه الصفة ـ صفة الناس ـ هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعاً : مؤمنين وكفاراً أصدقاء وأعداء سوداً وبيضاً عرباً وعجماً، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل ـ متى حكمت في أمرهم ـ هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط ـ في هذه الصورة ـ إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة فلم تذق له طعماً قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس ج ميعاً لأنهم "ناس" 1. 3ـ قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِِّ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَّ إِنَّ اللهَّ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة، الآية : 8). أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالعدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنآن، ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال، العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور، ومن ثم فهذا النداء: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِِّ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَّ إِنَّ اللهَّ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ" 1 في ظلال القرآن2 /414.)

عدد الصفحات ٣٨

39 لقد نهى الله الذين آمنوا من قبل أن يحملهم الشنآن لمن صدوهم عن المسجد الحرام، على الاعتداء. وكانت هذه قمة في ضبط النفس والسماحة يرفعهم الله إليها بمنهجه التربوي الرباني القويم، فها هم أولاء ينهون أن يحملهم الشنآن على أن يميلوا عن العدل، وهي قمة أعلى مرتقى وأصعب على النفس وأشق، فهي مرحلة وراء عدم الاعتداء والوقوف عنده تتجاوزه إلى إقامة العدل مع الشعور بالكره والبغض. إن التكليف الأول أيسر لأنه إجراء سلبي ينتهي عند الكف عن الاعتداء، فأما التكليف الثاني فأشق لأنه إجراء إيجابي يحمل النفس على مباشرة العدل والقسط مع المبغوضين المشنوئين. والمنهج التربوي الحكيم يقدر ما في هذا المرتقى من صعوبة، فيقدم له بما يعين عليه: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للهِِّ" ويعقب عليه بما يعين عليه أيضاً : " وَاتَّقُو اْ اللهَّ إِنَّ اللهَّ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ". إن النفس البشرية لا ترتقي هذا المُ رتقى قط، إلا حين تتعامل في هذا الأمر مباشرة مع الله حين تقوم لله متجردة عن كل ما عداه، وحين تستشعر تقواه وتحس أن عينه على خفايا الضمير وذات الصدور. وما من اعتبار من اعتبارات الأرض كلها يمكن أن يرفع النفس البشرية إلى هذا الأفق، ويثبتها عليه وما غير القيام لله، والتعامل معه مباشرة والتجرد من كل اعتبار آخر يملك أن يستوي بهذه النفس على هذا المرتقى. وما مِ ن عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المشنوئين، كما يكفله لهم هذا الدين حين ينادي المؤمنين به أن يقوموا لله في هذا الأمر، وأن يتعاملوا معه متجردين عن كل اعتبار، وبهذه المقومات في هذا الدين كان الدين العالمي الإنساني الأخير الذي يتكفل نظامه للناس جميعاً ـ معتنقيه وغير معتنقيه ـ أن يتمتعوا في ظله بالعدل، وأن يكون هذا العدل فريضة على معتنقيه يتعاملون فيها مع ربهم مهما لاقوا

عدد الصفحات ٣٩

40 منالناس من بغض وشنآن، وإنها لفريضة الأمة القوامة على البشرية، مهما يكن فيها من مشقة وجهاد. ولقد قامت هذه الأمة بهذه القوامة، وأدت تكاليفها هذه يوم استقامت على الإسلام. ولم تكن هذه في حياتها مجرد وصايا، ولا مجرد مثل عليا، ولكنها كانت واقعاً من الواقع في حياتها اليومية، واقعاً لم تشهد البشرية مثله من قبل ولا من بعد، ولم تعرفه في هذا المستوى إلا في الحقبة الإسلامية المنيرة.. والأمثلة التي وعاها التاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة تشهد كلها بأن هذه الوصايا والفرائض الربانية قد استحالت في حياة هذه الأمة منهجاً في عالم الواقع يؤدي ببساطة، ويتمثل في يوميات الأمة المألوفة، إنها لم تكن مثلاً عليا خيالية ولا نماذج كذلك فردية، إنما كانت طابع الحياة الذي لا يرى الناس أن هناك طريقاً آخراً سوا ه1. وحين نطل من هذه القمة السامقة على الجاهلية في كلأعصارها وكل ديارها ـ بما فيها جاهلية العصور الحديثة ـ ندرك المدى المتطاول بين منهج يضعه الله للبشر، ومناهج يضعها الناس للناس، ونرى المسافة التي لا تعبر بين آثار هذه المناهج وآثار ذلك المنهج الفريد في الضمائر والحياة. إن الناس قد يعرفون المبادئ ويهتفون بها، ولكن هذا شيء وتحقيقها في عالم الواقع شيء آخر، وهذه المبادئ التي يهتف بها الناس للناس طبيعي ألا تتحقق في عالم الواقع، فليس المهم أن يُدعى الناس إلى المبادئ، ولكن المهم هم من يدعوهم إليها، المهم هو الجهة التي تصدر منها الدعوة، المهم هو سلطان هذه الدعوة على الضمائر والسرائر. 1 في ظلال القرآن2 /853.)

عدد الصفحات ٤٠

41 يهتف ألف هاتف بالعدل وبالتطهر وبالتحرر وبالتسامي وبالسماحة وبالحب وبالتضحية وبالإيثار ولكن هتافهم لا يهز ضمائر الناس، ولا يفرض نفسه على القلوب، لأنه دعا ما أنزل الله به من سلطان. ليس المهم هو الكلام، ولكن المهم من وراء هذا الكلام، ويسمع الناس الهتاف من ناس مثلهم بالمبادئ والمثل والشعارات ـ مجرد من سلطان الله ـ ولكن ما أثرها؟ إن فطرتهم تدرك أنها توجيهات من بشر مثلهم، تتسم بكل ما يتسم به البشر من جهل وعجز وهوى وقصور. فتتلقاها فطرة الناس على هذا الأساس فلا يكون لها على فطرتهم من سلطان ولا يكون لها في كيانهم من هزة، ولا يكون لها في حياتهم من أثر إلا أضعف الأثر. ثم إن قيمة هذه الوصايا في الدين، أنها تتكامل مع "الإجراءات" لتكييف الحياة، فهو لا يلقيها مجردة في الهواء، فأما حين يتحول الدين إلى مجرد وصايا وإلى مجرد شعائر، فإن وصاياه لا تنفذ ولا تتحقق، كما نرى ذلك الآن في كل مكان. إنه لابد من نظام للحياة كلها وفق منهج الدين، وفي ظل هذا النظام ينفذ الدين وصاياه، ينفذها في أوضاع واقعية تتكامل فيها الوصايا والإجراءات، وهذا هو الدين في المفهوم الإسلامي دون سواه... الدين الذي يتمثل في نظام يحكم كل جوانب الحياة. وحين تحقق "الدين" بمفهومه هذا في حياة الجماعة المسلمة أطلت على البشرية كلها من تلك القمة السامقة، والتي لا تزال سامقة على سفوح الجاهلية الحديثة، كما كانت سامقة على سفوح الجاهلية القديمة. وحين تحول الدين إلى وصايا على المنابر، وإلى شعائر في المساجد وتخلى عن نظام الحياة لم يعد لحقيقة الدين وجود في الحياة1. 1 في ظلال القرآن2 /853.)

عدد الصفحات ٤١

42 4 ـ قال تعالى:" وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِّ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الأنعام، آية : 152.) بينت الآية الكريمة على من يتولى اليتيم ألا يقرب ماله إلا بالطريقة التي هي أحسن لليتيم، فيصونه وينميه حتى يسلمه له كاملاً نامياً عند بلوغه أشده، أي اشتداد قوته الجسمية والعقلية ليحمي ماله، ويحسن القيام عليه، وبذلك يكون المجتمع قد أضاف إليه عضواً نافعاً، وسلمته حقه كاملاً. ـ " وَأَوْفُواْ الْ كَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ". وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة التحري والإنصاف، والسياق يربطها بالعقيدة لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة. والذي يوصي بها ويأمر هو الله، ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية، وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة وعلاقتها بكل جوانب الحياة. وقد كانت أقوام قبل الإسلام - وحتى يومنا هذا ـ تفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع والمعاملات من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب :" قالوا: يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء" ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء، وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة للدلالة على طبيعة هذا الدين وتسويته بين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والمعاملة في أنها كلها من مقومات هذا الدين المرتبطة كلها في كيانه الأصل. وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري ـ وقد ربطه بالله ابتداء ـ إلى مستوى سامق رفيع، على هدى من العقيدة في الله ومراقبته. فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد بما أنه ضعيف ناقص

عدد الصفحات ٤٢

43 محدود الأجل، وفي قوة القرابة سند لضعفه، وفي سعة رقعتها كمـال لوجوده وفي امتدادها جيلاً بع ـد جيـل ضمان لامتداده، ومن ثم يجعله ضعيفاً تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم، أو القضاء بينهم وبين الناس، وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل، على هدى من الاعتصام بالله وحده ومراقبة الله وحده، اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه، وهو سبحانه أقرب إلى المرء من حبل الوريد، لذلك يعقب على هذا الأمر ـ وعلى الوصايا التي قبله ـ مذكراً بعهد الله :" وَبِعَهْدِ اللهِّ أَوْفُواْ" ومن عهد الله قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى، ومن عهد الله توفية الكيل والميزان بالقسط، ومن عهد الله ألا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ومن عهد الله حرمة النفس إلا بالحق، وقبل ذلك كله من عهد الله ألا يشركوا به شيئاً، فهذا هو العهد الأكبر، المأخوذ على فطرة البشر بحكم خلقتها متصلة.. ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد هذا التكليف: " ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" 1. 5 ـ قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِِّ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُّ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَّ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" (النساء، آية : 135.) إنه نداء للذين آمنوا، نداء لهم بصفتهم الجديدة وهي صفتهم الفريدة، صفتهم التي بها أنشؤوا نشأة أخرى وولدوا ميلادً ا آخر، ولدت أرواحهم وولدت تصوراتهم وولدت مبادئهم وأهدافهم، وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم، والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم أمانة القوامة على البشرية، والحكم بين الناس بالعدل، ومن ثم كان للنداء 1 في ظلال القرآن3 /1233.)

عدد الصفحات ٤٣

44 بهذه الصفة قيمته وكان له معناه :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ" فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة، كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى ، وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى. وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم تسبق التكليف الشاق الثقيل " كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِِّ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُّ أَوْلَى بِهِمَا". إنها أمانة القيام بالقسط، بالقسط على إطلاقه في كل حال وفي كل مجال، القسط الذي يمنع البغي والظلم في الأرض والذي يكفل العدل بين الناس والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين. ففي هذا الحق يتساوى عند الله المؤمنون وغير المؤمنين ويتساوى الأقارب والأباعد ويتساوى الأصدقاء والأعداء ويتساوى الأغنياء والفقراء "كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء للهِِّ" حسبة لله وتعاملاً مباشراً معه لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم ، ولا لمصلحة فرد أو جماعة أو أمة، ولا تعاملاً مع الملابسات المحيطة بأي عنصر من عناصر القضية؛ ولكن شهادة لله وتعاملاً مع الله وتجرداً من كل ميل ومن كل هوى ومن كل مصلحة ومن كل اعتبار. " وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ" وهنا يحاول المنهج تجنيد النفس في وجه ذاتها وفي وجه عواطفها، تجاه ذاتها أولاً وتجاه الوالدين والأ قربين ثانياً.. وهي محاولة شاقة أشق كثيراً من نطقها باللسان، ومن إدراك معناها ومدلو لها بالعقل، إن مزاولتها عملياً شيء آخر غير إدراكها عقلياً، ولا يعرف الذي نقوله إلا من يحاول أن يزاول هذه التجربة واقعياً.

عدد الصفحات ٤٤

45 ولكن المنهج يجند النفس المؤمنة لهذه التجربة الشاقة لأنها لابد أن توجد في الأرض هذه القاعدة، ولابد أن يقيمها ناس من البشر، ثم هو يجند النفس كذلك في وجه مشاعرها الفطرية أو الاجتماعية، حين يكون المشهود له أو عليه فقيراً، تشفق النفس من شهادة الحق ضده، وتود أن تشهد له معاونة لضعفه، أو من يكون فقره مدعاة للشهادة ضده بحكم الرواسب النفسية الاجتماعية، كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية. وحين يكون المشهود له أو عليه غنياً تقضي الأ وضاع الاجتماعية مجاملته، أو قد يثير غناه وتبطره النفس ضده فتحاول أن تشهد ضده، وهي مشاعر فطرية أو مقتضيات اجتماعية لها ثقلها حين يواجهها الناس في عالم الواقع، والمنهج يجند النفس تجاهها كذلك كما جندها تجاه حب الذات وحب الوالدين والأقربين. ـ "يَكُنْ غَنِياا أَوْ فَقَيرًا فَاللهُّ أَوْلَى بِهِمَا" وهي محاولة شاقة ولا نفتأ نكرر أنها محاولة شاقة، وأن الإسلام حين دفع نفوس المؤمنين ـ في عالم الواقع ـ إلى هذه الذروة التي تشهد بها تجارب الواقع التي وعاها التاريخ كان ينشىء معجزة حقيقية في عالم البشرية معجزة لا تقع إلا في ظل هذا المنهج الإلٰهي العظيم القويم1. ـ " فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ" والهوى صنوف شتى ذكر منها بعضها : حب الذات هوى، وحب الأهل والأقربين هوى، والعطف على الفقير ـ في موطن الشهادة والحكم ـ هوى، ومجاملة الغني هوى، ومضارته هوى، والتعصب للعشيرة والقبيلة والأمة والدولة والوطن ـ في موضع الشهادة والحكم ـ هوى، وكراهة الأعداء ولو كانوا أعداء الدين ـ في موطن الشهادة والحكم ـ هوى. 1 في ظلال القرآن2 /776.)

عدد الصفحات ٤٥

46 وأهواء شتى الصنوف والألوان، كلها مما ينهي الله الذين آمنوا عن التأثر بها، والعدول عن الحق والصدق تحت تأثيرها. وأخيراً يجيء التهديد والإنذار والوعيد من تحريف الشهادة والإعراض عن هذا التوجيه فيها. ـ " وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَّ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" ويكفي أن يتذكر المؤمن أن الله خبير بما يعمل ليستشعر ماذا وراء هذا من تهديد خطير، يرتجف له كيانه، فقد كان الله يخاطب بهذا القرآن المؤمنين. حدث أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدر على أهل خيبر محصولهم من الثمار والزروع لمقاسمتهم إياها مناصفة، حسب عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر.. أن حاول اليهود رشوته ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ ولأنتم والله أبغض إليّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم، على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض1. لقد كان رضي الله عنه قد تخرج من مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم على المنهج الرباني المنفرد، وكان إنساناً من البشر خاض هذه التجربة الشاقة ونجح وحقق ـ كما يحقق الكثيرون غيره في ظل ذلك المنهج ـ تلك المعجزة التي لا تقع إلا في ظل ذلك المنهج. ولقد مضت القرون تلو القرون بعد ذلك الفترة العجيبة، وحفلت المكتبات بكتب الفقه والقانون، وحفلت الحياة بالتنظيمات والتشكيلات القضائية، وضبط الإجراءات 1 في ظلال القرآن2 /777 .)

عدد الصفحات ٤٦

47 والشكليات التنظيمية وامتلأت الرؤوس بالكلام عن العدالة، وامتلأت الأفواه بالحديث عن إجراءاتها الطويلة ووجدت نظريات وهيئات وتشكيلات منوعة لضبط هذا كله. ولكن التذوق الحقيقي لمعنى العدالة والتحقق الواقعي لهذا المعنى في ضمائر الناس وفي حياتهم والوصول إلى هذه الذروة السامقة الوضيئة، لم يقع إلا في ذلك المنهج في تلك الفترة العجيبة في ذروة القمة. وبعدها على مدار التاريخ في الأرض التي قام فيها الإسلام، وفي القلوب التي عمرت بهذه العقيدة وفي الجماعات والأفراد التي تخرجت على هذا المنهج الفريد. وهذه حقيقة ينبغي أن ينتبه إليها الذين يؤخذون بالتشكيلات القضائية التي جدت وبالإجراءات القضا ئية التي استحدثت، وبالأنظمة والأ وضاع القضائية التي نَمت وتعقدت، فيحسبون أن هذا كله أقمن بتحقيق العدالة وأضمن مما كان في تلك الإجراءات البسيطة في تلك الفترة الفريدة، في تلك القرون البعيدة، وأن الأمور اليوم أضبط وأحكم مما كانت على صورتها البسيطة. هذا وَ هْم تنشئه الأ شكال والأحجام في تصورات من لا يدركون حقائق الأشياء والأوضاع، إن المنهج الرباني وحده هو الذي يبلغ الناس ما بلغ على بساطة الأشكال وبساطة الأوضاع، وهو وحده الذي يمكن أن يبلغ بالناس هذا المستوى على ما استحدث من الأشكال والأوضاع، وليس معنى هذا أن نلغي التنظيمات القضائية الجديدة، ولكن معناه أن نعرف أن القيمة ليست للتنظيمات ولكن للروح التي وراءها، أيا ا كان شكلها وحجمها وزمانها ومكانها والفضل للأفضل بغض النظر عن الزمان والمكان1. 1 في ظلال القرآن2 /777.)

عدد الصفحات ٤٧

48 6 ـ قال تعالى:" وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهَِّ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الحجرات، آية : 9.) ففي هذه اية الكريمة بيان للتعاليم الربانية التي يجب على المسلمين الالتزام بها، فقد أثبت سبحانه صفة الإيمان للمسلمين المتقاتلين ولم ينزع عنهم صفة الإيمان بسبب القتال، وعند اندلاع القتال بين المسلمين أمر الله بالعمل على إيقافه بالسعي للإصلاح، فإن امتنعت إحدى الطائفتين عن الإصلاح وإيقاف القتال أمر الله المسلمين جميعاً بالعمل على قتال الفئة الباغية الظالمة الجائرة حتى ترجع وتنقاد لأحكام الشريعة الإسلامية، فإن رجعت أو انهزمت أمام الطائفة الأخرى، فعلى المسلمين أن يجتهدوا في إصلاح ذات البين على أسس العدل وأصول القسط، وبيّن سبحانه وتعالى أن الله يحب المقسطين، مرغباً لنا للوصول إلى محبة الله عز وجل، والفرق بين العدل والقسط: هو أن القسط عدل مع مراعاة المشاعر والأحاسيس والنفوس للمهزومين والمكلومين والمصابين في هذا القتال؛ فلا بد في المصالحة الوطنية أن تقوم على العدل ومراعاة مشاعر وأحاسيس ونفوس الناس، ثم بيّن سبحانه بأ ن المؤمنين إخوة وحرك العواطف الأخوية المتبلدة بسبب الحرب في أعماق النفس البشرية، مذكراً بمعاني الأخوة الخالدة في عقيدتنا وديننا لكي تتغير النفوس من أعماقها نحو قيم السلم والأمن والتسامح والعفو والصفح وتتجاوز تبعات مرحلة القتال بالبعد الإيماني الأخوي الذي يتقرب به العبد المؤمن لخالقه جل في علاه. وأمر المولى عز وجل القيادات المؤثرة في المجتمع وأفراد الشعب بالإصلاح بين الإخوة وإزالة آثار الحرب النفسية والاجتماعية والاقتصادية. وذكرهم بالخوف من الله واتقاء سخطه وعقابه، وذلك بتقواه في الأعمال والأقوال وفي مشاعر الانتقام أو تشوق النفس

عدد الصفحات ٤٨