المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ٢ من ٢٥

17 وشرع العدلفي العشرة بين الزوجين، فبيّ ن أن لكل واحد منهما على الآخر مثل ما عليه تجاهه وهذا في قوله تعالى: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (البقرة، آية : 228.) وشرع العدل في المعاملة المالية، فحرّ م أكل الأموال بالباطل فقال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ" (النساء، آية : 29.) وفي الجملة فإن الله عز وجل لا يظلم ولا يحب لعباده أن يظلموا، ولذلك قال في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا 1..» والظلم هو مكمن الخطر على حقوق الإنسان، والعدل هو منبع الرعاية لحقوق الإنسان لذلك فإن إنشاء حقوق الإنسان في الإسلام على أساس العدل شاهد على أن هذا الدين العظيم لا يمكن أن يهدر شيئاً من حقوق عدل الإنسان 2. إن العدل في الإسلام مطلق صرف لا يخضع للعواطفوالأهواء والمؤثرات ولا يتغير مهما كانت الدوافع والأسباب، فالعدل هو العدل والقيمة الكبيرة له في أنه نهائي في تعريفه وبُ عده ومرماه، ولا يسمح أن يغير الإنسان المسلم من طبيعته خضوعاً لعاطفة من الكره أو الحب، ولا خضوعاً لخوف أو إكراه، كما لا يسمح أن يأخذ العدل غير مجراه مع فلان لأنه صديق قريب، أو مع فلان لأنه عدو غريب3، قال تعالى ﴿لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْم عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (المائدة، آية : 8.) 2ـ العدل النسبي فهو ما أقره العقلاء والحكماء وأهل الرأي ويمثل السياسة الإصلاحية التي ارتضاها الناس لأنفسهم4. 1 صحيح مسلم، ك البر والصلة، الحديث رقم2577. 2 الأحكام الشرعية، د. عطية عدلان، ص: 105. 3 الإسلام ومفهوم الحرية، حورية الخطيب، ص61. 4 الإسلام والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أسامة العبادي، ص162.

عدد الصفحات ١٧

18 ويشكل العدل في الإسلام ضوابط ومعايير لإقامة مجتمع العدل والإنصاف، وأبرز هذه المعايير هو العدالة في جانبين: أ ـ التعامل ب ـ القضاء. فحق العدالة في التعامل "التعامل بين الناس" يكاد وحده يتناول موضوع حقوق الإنسان كله "المساواة والحرية والأمن والكرامة" ويحققها بتحقيق العدالة في التعامل. كذلك العدالة في القضاء التي تقتضي الحكم العادل وأن يذهب الخصمان إلى القاضي وهما مطمئنان بإحقاق الحق بينهما، فالعدل هو ميزان الله المبرأ من كل زلة وبه يستتب أمر العالم. قوله تعالى:﴿اللهَُّ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيب (الشورى، آية : 17)1. سادساً: قيمة العدل العدل قيمة مطلقة ربانية غرس الله محبتها في نفوس أصحاب الفطر السوية والعقول الراجحة الذكية التي تنبذ الظلم والجور والتعنيف وهو بهذا له معنى محدود غير قابل للتبديل أو التعديل وله أيضاً قواعد وشروط محدودة، أي العدل يمثل نموذجاً مطلقاً محدداً سلفاً ومطلوب من الإنسان السعي حتى يقترب من هذا النموذج، رغم أنه لن يبلغه بالكامل، ولكن القيم النسبية لها معنى نسبي وهذا المعنى بشري، وهي قابلة للتغيير والتبديل والقيمة النسبية البشرية، هي مجرد معيار يحدد الحد الأدنى الممكن، لهذا سنجد معظم القيم النسبية تتحول إلى إجراءات وضمانات، أي إنها معايير يلتزم بها النظام السياسي، مما يؤدي إلى تحقيق قدر معقول من القيمة. 1 المصدر نفسه، ص163.

عدد الصفحات ١٨

19 وإذا أخذنا قيمة العدل في الدولة الحديثة المسلمة فهي تعني تحقيق العدل بين الناس جميعاً في مختلف أوجه الحياة وهي بهذا قيمة تهدف إلى تحقيق غاية، أي تحقيق العدل بالفعل بين الناس ولكن في المقابل سنجد أن قيمة العدل في المنظومة الغربية وهي ليست القيمة الأولى في النظام السياسي الليبرالي، تأخذ معنى مختلفاً، فهي تتحول إلى عدالة الفرص، وعدالة الإجراءات، وعدالة المعايير وعدالة اللوائح. أي إن العدالة في المنظومة الغربية عدالة إجرائية، وهذه العدالة الإجرائية تمثل العمليات الممكنة للحفاظ على العدل بين الناس ولكن هذا العدل قد يتحقق وقد لا يتحقق ولأن القيمة نسبية، لذا فيكفي أن يتبع النظام السياسي الإجراءات الكفيلة بتحقيق العدالة حتى وإن لم تتحقق، كما يكفي أن يلزم القانون كل الأطراف بالإجراءات العادلة، حتى وإن لم يتحقق العدل على أرض الواقع، ولأن العدل قيمة نسبية، ولها مفهوم بشري في المنظومة الغربية، لذا فإن تحقق العدل بصورة قريبة من الكمال غير وارد أصلاً ، وغالباً ما يُعتبر تف كيراً غير عملي وغير واقعي، فالكمال في البشري النسبي لا يوجد أصلاً، ولكن الكمال في المفهوم الإسلامي الرباني يوجد وعلى الإنسان محاولة تحقيقه، وإن كان لم يبلغه بلوغاً نهائياً لذا يمكننا القول بأن العدالة الإجرائية تختلف عن هدف تحقيق العدل بوصفه قيمة مطلقة في المنظومة الإسلامية. صحيح أن عدالة الإجراءات مطلوبة في كل الأنظمة، ولكنها قد تكون الهدف في بعض الأنظمة، وقد تكون وسيلة في أنظمة أخرى نقصد من هذا أن النظام الليبرالي يحاسب إذا اتخذ إجراء غير عادل، ولكنه لا يحاسب لأن العدل لم يتحقق على أرض الواقع، أما النظام الإسلامي فيحاسب إذا لم يتحقق على أرض الواقع حتى وإن كان كل ما اتخذه النظام من إجراءات تم بصورة عادلة. لهذا نتصور أهمية تعريف النظرية السياسية التي تستند على المرجعية الإسلامية بأنها تمثل رؤية لإقامة العدل، من خلال نظام سياسي مكلف بإقامة العدل بجانب تكليفاته

عدد الصفحات ١٩

20 الأخرى، مما يجعل الدولة وكل السلطات في النظام السياسي مكلفة بإقامة العدل كقيمة سياسية مركزية، فإذا فشل النظام السياسي في تحقيق العدل، أو إذا أصبح نظاماً ظالماً، فقد بهذا شرعية وجوده وشرعية حكمه للأمة الإسلامية أو لأي مجتمع من مجتمعاتها، فقيمة العدل هي غاية تكسب الشرعية للنظام السياسي، وتنزعها عنه. ومن قيمة العدل، يتضح لنا الفروق الكثيرة بين نظام سياسي إسلامي عن غيره من النظم، لأن تحقيق العدل يمثل تحدياً أمام البشرية، وأمام التاريخ البشري كله، لذا تعد قيمة العدل بوصفها القيمة المركزية في المنظومة السياسية الإسلامية بمثابة الضابط الأكبر على أداء النظام السياسي، وعلى كل السلطات فيه، وهي بهذا تفرض قاعدة لمحاسبة النظام السياسي، وإسقاط شرعيته، مما يستلزم تأسيس للإجراءات التي تسمح بمحاسبة الحاكم، وأيضاً مراجعة ممثلي المجتمع أو الأمة حتى يظل التزامهم بقيمة العدل مستمراً، وحتى يعزل من يخرج على القيمة المركزية 1، والقرآن الكريم هوالذي أنبت جذور العدل في القلوب ورعاها وأوجد في الأرواح فكرة العدل في الأمة الإسلامية، سواء في الجانب الفكري أو الفلسفي أو الجانب العملي والاجتماعي، إن القرآن الكريم هو الذي طرح مسألتي العدل والظلم بمظاهرهما المتعددة. العدل التكويني، العدل التشريعي، العدل الأخلاقي، والعدل الاجتماعي. إن قيمة العدل في الإسلام شاملة لكل ميادين الحياة كقيمة عليا وأساس للتعامل في المجتمع الإسلامي في مختلف أوجه التعامل والعلاقات، وكونه قوام الدولة ونظام الحكم فيها وأساس ولاية القضاء وولاية المال العام وغيرها من الولايات ، وهذه النظ رة الشمولية لقضية العدل في التصور الإسلامي تتجاوز نطاق العالم إلى الكون كله ويرى 1 الوسطية الحضارية، د. رفيق حبيب، ص183.

عدد الصفحات ٢٠

21 أن ظلم الإنسان لا يقتصر على حرمانه من المتطلبات البيولوجية فحسب بل يتجاوز إلى مظالم وصور أصعب وأشد تعقيداً ، وفي مقدمتها مصادرة حريته وكبت تعبيره عن الذات والوقوف في وجه طموحاته المشروعة وسحق آماله وإخراجه عن موقفه الصحيح في الخارطة الكونية، وإن المبادئ العادلة هي التي تستجيب لحاجات الناس المشروعة وليس لأهدافهم فحسب1. سابعاً: مفهوم العدالة يُعد مفهوم العدالة من المفاهيم الأساسية في فلسفة الأخلاق والسياسة والحقوق 2، واليوم هو من أوسع المفاهيم المطروحة في الدراسات الاجتماعية والسياسية 3، ومن أقدم المفاهيم التي عرفها البشر منذ فجر التاريخ وبداية حضارته، وجعله هدفاً له وسع ى لتحقيقه و إرسائه، ومن أكثر الموضوعات قدسية وشيوعاً في السلوك الاجتماعي، فالعدالة وليدة المجتمع وقواعدها، ظهرت قبل أن تظهر فكرة القانون ومفهومه4. ومن أقدم التعريفات للعدالة وأكثرها فاعلية عبر العصور، هو ما جاء على لسان "أرسطو": من أن العدالة هي تعامل المتساويين سواسية والمتمايزين خلافاً . ويلي نظرة أرسطو في أهمية التعريف الوارد في شرائع جوستيان ومفاده: أن العدالة هي العزم الثابت لإعطاء كل امرئ ما يخصه وحسب تعبير أكثر شيوعاً في التراث الإسلامي : كل ذي حق حقه5. وقد عرفها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: «وضع الأمور في موضعها»6. 1 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص134. 2 العدالة مفهومهاومنطلقاتها، د. أبو بكر علي، ص: 21. 3 المصدر نفسه، ص21. 4 المصدر نفسه، ص21. 5 العدالة مفهومهاومنطلقاتها، د. أبو بكر علي، ص: 30. 6 المصدر نفسه، ص31.

عدد الصفحات ٢١

22 والعدالة عند د. سعيد عبد الكريم هي: شعور كامن في أعماق النفس ويكشف عنه العقل السليم ويوصي به الضمير المستنير لإعطاء كل ذي حق حقه، ولكن مع هذا فالعدالة لا تقتصر على مجرد الامتناع عن إيقاع الضرر بالغير وعلى إعطاء كل ذي حق حقه وإنما تنطوي فوق كل ذلك على شيء أعمق وأبعد وهو التوازن بين المصالح المتعارضة بغية توفير النظام الضروري لسكينة المجتمع الإنساني وتقدمه1. وهناك أصل أخلاقي عالمي مشترك بين جميع الثقافات العالمية وبالإمكان القول إن معتنقي جميع الأديان يتفقون حوله، ويتضمن معنى العدالة أو عنواناً رئيسياً من عناوينها وهذه القاعدة المعروفة هي: أحب لنفسك ما تحب لغيرك، واكره لغيرك ما تكره لنفسك2. ولقد جاء في إعلان "نحو أخلاق عالمية" والذي تم تدوينه في برلمان أديان العالم سنة 1997م في نيودلهي حول هذا الأصل بأنه من أحد الأصول الأربعة التي تشكل المرشد الرئيسي للأخلاق الإنسانية في القديم3. والإعلان أكد على أن: هناك أصل أو مبدأ في الأديان والسنن الأخلاقية للبشر والذي بقي منذ آلاف السنين وهو أن الشيء الذي لا تحبه لنفسك لا تحبه لغيرك أو بالقراءة الإيجابية الذي تحبه لنفسك فأحبه لغيرك، يجب أن يكون هذا الأصل شاملاً لجميع مجالات الحياة البشرية للمجتمعات ويجب الاعتراف به من قبل جميع الشعوب والقوميات والأديان، كمعيار غير قابل للإلغاء وغير مشروط بشروط وعلى أساسه كل رفض له هو تمركز حول الذات والأنانية سواء كانت في قالب فردي أو جماعي، مدانة بكل أشكالها سواء كانت هذه النزعات طبقية أو قومية أو عرقية4. 1 المصدر نفسه، ص32،أصول القانون، ص: 187. 2 المصدر نفسه، ص33. 3 المصدر نفسه، ص33. 4 العدالة مفهومهاومنطلقاتها، د. أبو بكر علي، ص: 33.

عدد الصفحات ٢٢

23 وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وصية قيمة لابنه تحمل في طياتها هذا المعنى إذ يقول مخاطباً ابنه: «يا بنياجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحب لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكرهه، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك، و استقبح لنفسك ما تستقبح من غيرك وارض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقُ ل ما لا تعلم ولكن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك»1. ثامناً: الفرق بين مفهومي العدالة والعدل هل العدل والعدالة مترادفان؟ أم أن هناك اختلافات بينهما من حيث استعمال المصطلح؟ فإذا كانت هناك فأين تكمن؟ وما هي أوجهها؟. في الحقيقة عندما ترجع إلى المصادر الفكرية والقانونية ترى بأنه هناك عدم اتفاق بين الكتّاب والمفكرين حول هذا الموضوع، بل يوجد اختلاف في وجهات النظر، فقد استعمل بعض الكتّاب المفهومين "العدل والعدالة" كمرادفين ، أي العدل عندهم كالعدالة دون التمييز بين المفهومين، وذهب آخرون إلى وجود اختلاف بين المفهومين ولكن هم أيضاً ليسو على اتفاق حول تحديد نوع هذا الاختلاف أو إعطاء مضامين موحدة لكلا المفهومين2. والكثير من الباحثين لا يفرقون بين المصطلحين. وقد ورد مفهوم العدل في القرآن والسنة وفي التراث الفكري لدى علماء المسلمين ما يشير إلى معنى العدالة في الفكر الغربي ولكن العدالة أخذت بها كشرط لممارسة بعض المهام مثل الإمام الأكبر أو الخليفة والقاضي والشاهد، والعدالة بهذا المعنى هي: عدم ارتكاب الكبيرة وعدم المداومة 1 المصدر نفسه، ص34. 2 المصدر نفسه، ص39،40.

عدد الصفحات ٢٣

24 على الصغيرة واجتناب كل ما يخل بالمروءة. والفقيه ابن الحزم الظاهري يقول: العدالة هي عدم التعرف بالكبيرة ولا المجاهرة بالصغيرة1. والعدالة عند الماوردي: هي عدم ارتكاب المحظورات والإقدام على المنكرات تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى 2. والعدل: الوصف للشخص الذي يتصف بالعدالة، وقد قال بعض الفقهاء المسلمين: أن العدل هو الإنصاف، أي أن تعطي من الحق كالذي يستحق لنفسك، ومن هذا يتفق مفهوم العدل في الشريعة الإسلامية مع مفهومه في الفكر الغربي، وهو أن العدل يقوم على أساس المساواة أو التناسب بين الأخذ والعطاء وقد اتخذ الميزان رمزاً له يتحقق بتساوي كفتيه، ومن ثم وجب أن يكون الميزان مستقيماً، فإذا اختلت ك فتاه فهو الجور والظلم، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ (الرحمن، آية : 9). وفي هذا السياق تجب الإشارة إلى وجود مفهوم إسلامي آخر ذي صلة بموضوعنا هذا وهو القسط وهو "مفهوم" محوري في القرآن وقد ورد فيه أكثر من مرة ومن مفهوم متقارب مع مفهوم العدالة في الفكر الغربي بالمضمون الذي شرحه الأستاذ عبد الباقي البكري ويتعلق بإعادة الحقوق إلى أصحابها والوفاء بالحقوق وخاصة الحقوق المالية3. تاسعاً: ملامح العدل وأبرز سماته للعدل ملامح وسمات تحف به، وتميزه عن غيره بمجموع تلك الملامح لا بأفرادها، ومن أهم سمات وملامح العدل: 1 نظام القضاء في الشريعة، عبد الكريم زيدان، ص176. 2 الأحكام السلطانية، ص41. 3 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص41.

عدد الصفحات ٢٤

25 1ـ الوسطية وردت مادة وسط في القرآن الكريم في عدة مواضع وذلك بتصاريفها المتعددة، حيث وردت بلفظ "وسطاً" و"الوسطى" و"أوسط" و"أوسطهم" و"ووسطن". أ ـ كلمة وسطاً : وردت في قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا" (البقرة، آية : 143.) وروى الطبري بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا" قال: «عدولاً »1. وقال محمد رشيد عن مجموعة من العلماء: إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك إن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تقصير وتفريط وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما2. وقال عبد الرحمن السعدي في تفسيره " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا" أي: عدلاً خياراً. وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الخطر. ولهذا الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها ومن الأعمال أفضلها ووهبهم من العلم والحلم والعدل والإحسان ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا " أُمَّةً وَسَطًا" كاملين معتدلين ليكونوا " شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ" سبب عدلهم وحكمهم بالقسط يحكمون على الناس من سائر الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم3. ب ـ كلمة "أوسط: 1 تفسير الطبري2 /7.) 2 الوسطية في القرآن الكريم للصلابي، ص24. 3 الوسطية في القرآن الكريم للصلابي، ص25.

عدد الصفحات ٢٥

26 وردت هذه الكلمة في آيتين: الأولى في قوله تعالى :" فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ" (المائدة، آية : 89.) والثانيةفي سورة القلم في قوله تعالى :" قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ" (القلم، آية : 28.) قال الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله: " مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ" أعدله قال عطاء بن أبي رباح التابعي الجليل والفقيه الكبير أوسطه :أعدله1. وقال الطبري وقوله أَوْسَطُهُمْ" يعني : أعدلهم، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أوسطهم: أعدلهم. وقال قتادة: أعدلهم قولاً 2. إن الوسطية هي مؤهل الأمة الإسلامية من العدالة والخيرية للقيام بالشهادة على العالمين وإقامة الحجة عليهم3، ومكانة الشهادة علىالناس والاضطلاع بدور عالمي مشهود مرتبط بمدى استجابتها لعناصر القوة، ومنها التمسك بالعدالة كقيمة محورية في الحياة وفي بناء المجتمع ولا تكون أمة وسطاً أو خير الأمم إلا بشروط أخلاقية وحضارية وثقافية وسياسية، إذ لا يمكن لأمة واهية متخلفة ضعيفة تئن تحت الاستبداد السياسي والاجتماعي والتهاون فيما يخص حقوق الإنسان وكرامته، أمة مسكينة فقدت المبادرة في المجال الحضاري والعدالة غائبة في أوطانها وبين أبنائها ومكوناتها أن تكون شاهدة على الناس أو أن تكون مؤهلة لذلك. 1 المصدر نفسه، ص29. 2 المصدر نفسه، ص: 31. 3 المصدر نفسه، ص38.

عدد الصفحات ٢٦

27 إن الأمة الشاهدة الصالحة تهدي بالحق وتعدل به، وكتابه تعالى نزل بالحق والعدل هي "أمة يهدون بالحق وبه يعدلون" والعدل بالحق يقتضي إقامة نظام على أساس من الشورى والديمقراطية والحرية1 والمساواة وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية 2ـ الخيرية قال تعالى:" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِّ" (آل عمران، آية : 110.) لم تَ نَلْ هذه الأمة هذه المكانة السامقة بين الأمم مصادفة ولا جزافاً ولا محاباة، فالله سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون في ملكه شيء من ذلك، فكل شيء عنده مقدار، وهو يخلق ما يشاء ويختار، وهو سبحانه عندما أخبر أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بيّن وجه ذلك وعلته. فبهذه الأمور الثلاثة العظيمة القدر كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، على أن هذه الأمور ليست هي كل ما كانت به هذه الأمة خير أمة، إذ هناك أمور وخلال كثيرة أهّلت هذه الأمة لهذه الخيرية ولكن هذه الثلاثة أهمها وأعظمها، إذ لا تدوم ولا تستمر هذه الخيرية ولا تحفظ إلا بإقامتها وأدائها، فإن فقدت هذه الأمور في جيل من أجيال هذه الأمة لم يكن حرياً بهذه الخيرية التي حظيت به ا هذه الأمة2. إن إيمان هذه الأمة بالله عز وجل يدل على عدلها لأن الشرك بالله ظلم عظيم ووجه كونه عظيماً أنه لا أفظع وأبشع ممن تسوى المخلوقات من تراب بمالك الرقاب، وسوى 1 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص135. 2 الوسطية للصلابي، ص72.

عدد الصفحات ٢٧

28 الذي لا يملك من الأمر شيئاً بمالك الأمر كله وسوّى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه1. وباتفاق الجميع أن الإيمان با هو الأساس الذي يُب نى عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم يكن ثمة إيمان على أساسه يتصور المعروف فيؤمر به، والمنكر فينهى عنه، فليس هناك أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمعنى الشرعي2. 3ـ اليسر ورفع الحرج من ملامح العدل وأبرز سماته اليسر ورفع الحرج، وقد تقرر أن الدين هو دين الوسط فلا غلو ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط، واليسر ورفع الحرج مرتبة عالية بين الإفراط والتفريط وبين التشدد والتنطع وبين الإهمال والتضييع. يقول الدكتور صالح ابن حميد: إن رفع الحرج والسماحة والسهولة راجع إلى الاعتدال والوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فالتنطع والتشديد حرج من جانب عسر التكاليف، والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح وعدم تحقيق مصالح الشرع3. فالتوسط هو منبع الكمالات، والتخفيف والسماحة ورفع الحرج على الحقيقة هو في سلوك طريق الوسط والعدل4. ـ قال تعالى:" يُرِيدُ اللهُّ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة، آية : 185.) ـ وقال تعالى:" يُرِيدُ اللهُّ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" (النساء، آية : 28.) ـ وقال تعالى:" وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى" (الأعلى، آية 8.) 1 تفسير السعدي، ص761. 2 الوسطية للصلابي، ص73. 3 رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، ص13، صالح بن حميد. 4 المصدر نفسه، ص13.

عدد الصفحات ٢٨

29 هذه بعض الآياتالتي تفيد التيسير على هذه الأمة، قال القاسمي في تفسير آية البقرة: قال الشعبي: إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الأمة1، ومن أقوى الأدلة في الدلالة على رفع الحرج قوله تعالى:" وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج " (الحج، آية : 78.) قال الطبري في تفسير هذه الآية: جعل الدين واسعاً ولم يجعله ضيقاً. قال ابن كثير: أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً 2. وقال سبحانه:" مَا يُرِيدُ اللهُّ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (المائدة، آية : 6.) وفي سورة التوبة :" لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَج إِذَا نَصَحُواْ للهِِّ وَرَسُولِهِ" (التوبة، آية : 91.) وقال في سورة الأحزاب :" مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَج فِيمَا فَرَضَ اللهَُّ لَهُ" (الأحزاب، آية : 38.) وفي سورة النور:" لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَج وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَج وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَج " (النور، آية : 61.) وفي هذه الآيات دلالة ظاهرة على رفع الحرج عن هذه الأمة، وأن الله لم يجعل في التشريع حرجاً، وبعض هذه الآيات وإن كانت خاصة في أحكام معينة، ولكننا نجد التعليل عاماً، فكأنما التخفيف ورفع الحرج في هذه الأحكام والفروض بإعادة الشيء إلى أصله وهو رفع الحرج عن هذه الأمة، فكل شيء يؤدي إلى الحرج لسبب خاص أو عام فهو معفو عنه، رجوعاً إلى الأصل والقاعدة 3. 1 تفسير القاسمي3 /427.) 2 تفسير الطبري17 /207.) 3 الوسطية في ضوء القرآن، د. ناصر العمري، ص106 ـ107.

عدد الصفحات ٢٩

30 ومن أدلة عدم التكليف بما يضاد الوسع والطاقة: ـ قال سبحانه في سورة البقرة :" لاَ يُكَلِّفُ اللهُّ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا" (البقرة: 286). وفي الآية نفسها: " ربنا لا تُحمِّ لنا ما لا طاقة لنا به". وقال الله تعالى كما في الحديث الصحيح : «قد فَعَلنا »1. وكذلك قوله :" رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا" (البقرة، آية : 286.) وقد بيّن ابن القيم: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها2. 4 ـ الحكمة ومن ملامح العدل وأبرز سماته الحكمة، وتستعمل بمعنى العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل. والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم ، ويقال لمن يُ حسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم. والحكم والحكيم هما بمعنى: الحاكم والقاضي والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو فعيل بمعنى: مفعل3. 1 أعلام الموقعين3 /14.) 2 المصدر نفسه. 3 النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الاثير1 /419.)

عدد الصفحات ٣٠

31 والحكم: هو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة: لأنها تمنعها1. واستعملت الحكمة في عدة معان تتضمن معنى المنع. ـ فالعدل: يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم. ـ والحلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب. ـ والعلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل. وقد ذكر بعض العلماء تسعة وعشرين قولاً في تعريف الحكمة 2. فقد قيل: الإصابة في القول والفعل، وقيل: معرفة الحق والعمل به، وقيل: العلم النافع والعمل الصالح، وقيل: الخشية لله، وقيل: وضع كل شيء في موضعه، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة3. وعند التأمل والنظر نجد أنالتعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذه الأقوال في تعريف الحكمة هو: الإصابة في الأقوال والأفعال ووضع كل شيء في موضعه4. إن الحكمة لابد من اعتبارها عند تحديد معنى العدل، بل إن الالتزام بالعدل وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التفريط هو عين الحكمة وجوهرها وذلك أن الخروج عن العدل له آثاره السلبية إما عاجلاً أو آجلاً، وهذا يخالف الحكمة وينافيها، قال تعالى:" وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" (البقرة، آية : 269.) 5 ـ استقامة: 1 المصباح المنير مادة حكم1 /145.) 2 الوسطية في القرآن الكريم، ص133. 3 المصدر نفسه، ص133. 4 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي3 /330.)

عدد الصفحات ٣١

32 ومن ملامح العدلالاستقامة، وقد وردت آيات كثيرة تأمر بالاستقامة وتحث عليها فالله جل وعلا يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:" فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ" (هود، آية : 112.) وقال تعالى:" فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ" (الشورى، آية : 15.) وقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهَُّ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ" (فصلت، آية : 30.) فهذه الآيات وغيرها تُ بين منزلة الاستقامة ومكانتها، وبما أن لزوم الصراط المستقيم استقامة على دين الله وشرعه، وهذا عين العدل وجوهره ، لذلك لا بد من تعريف الاستقامة. قال الراغب: استقامة الإنسان: لزومه للمنهج المستقيم. وقال عمر رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب1. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنهاستقاموا: أخلصوا العمل لله2. وقال علي بن أبي طالب وابن عباس: استقاموا: أدوا الفرائض3. وقال ابن القيم: فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها وقوعها لله، وبالله وعلى أمر الله ثم قال: سمعت شيخ الإسلام يقول: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة4. 1 تهذيب مدارج السالكين2 /528.) 2 المصدر نفسه2 /528.) 3 المصدر نفسه2 /328.) 4 الوسطية، ص162.

عدد الصفحات ٣٢