المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ٢٣ من ٢٥

353 كما كان الحال في عهد عمر رضي الله عنه، بل كان ينظر في الخصومات بنفسه، ويستشير هؤلاء وغيرهم من الصحابة فيما يحكم به، فإن وافق رأيهم رأيه أمضاه، وإن لم يوافق رأيهم رأيه نظر في الأمر بعد ذلك، وهذا يعني أن عثمان رضي الله عنه قد أعفى من القضاة الثلاثة في المدينة من ولاية القضاء وأبقاءهم مستشارين له في كل شجار يرفع إليه مع استشارة آخرين. ويرى بعضهم أنه لم يثبت نص صريح يفيد الإعفاء، وغاية ما ورد في ذلك يدل على أن عثمان رضي الله عنه قد أقر قضاة عمر بالمدينة، ولكنه تحمل عنهم النظر في كثير من القضايا الكبيرة مع استشارتهم فيها، ومنشأ هذا الخلاف تعارض الروايات الواردة في ذلك1.  ـ روى البيهقي في سننه، ووكيع في أخبار القضاة ـ واللفظ له ـ عن عبد الرحمن بن سعيد قال: أخبرني جدي، قال: رأيت عثمان بن عفان في المسجد، إذا جاءه الخصمان، قال لهذا: اذهب فادع علياا، ولللآخر: اذهب فادعُ طلحة بن عبيد الله والزبير وعبد الرحمن، فجاؤوا، فجلسوا، فقال لهما: تكلَّ ما، ثم يقبل عليهم فيقول: أشيروا عليَّ ، فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه عليهما ، وإلا نظر، فيقومون مسلِّمين، ولا يعلم أن عثمان بن عفان استعمل قاضياً بالمدينة إلى أن قتل.  وجاء في تاريخ الطبري عند الحديث على أعمال عثمان: وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت، وهذا يشعر بأن عثمان أبقى زيداً على ولاية القضاء، ويستلزم الإذن له الفصل في الخصومات، وما دام الجمع بين النصين ممكناً ، فإن الأخذ به أولى من الأخذ بأحد النصين في غير المرجح، ويجمع بين النصين بأن عثمان بن عفان أبقى قضاة المدينة للفصل في بعض الخصومات، ولكن 1 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي، ص : 147.

عدد الصفحات ٣٥٣

354 بعضها الآخر من معضلات القضايا جعله خاصاً به، مع استشارة أصحابه فيها، ومنهم قضاته1. وكان عثمان رضي الله عنه يعين القضاة على الأقاليم حيناً مثل تعيينه كعب بن سور على قضاة البصرة، ويترك القضاء للوالي حيناً آخر ، مثل طلبه من واليه على البصرة أن يقوم بالقضاء بين الناس إضافة إلى عمل الولاية، وذلك بعد عزل كعب بن سور، وكذلك كان يعلى بن أمية والياً وقاضياً على صنعاء 2. ويلاحظ أن بعض الولاة كانوا يختارون قضاة بلدانهم بأنفسهم، ويكونون مسؤولين أمامهم، ما يشير إلى ازدياد نفوذ الولاة في خلافته، ومن المأثور عن عثمان كتبه ورسائله إلى أمراء الأمصار، وإلى أمراء الأجناد بالثغور، وإلى عامة المسلمين، وهذا يدعو إلى غلبة الظن بأنه جعل القضاء من اختصاص الولاة يتولونه بأنفسهم، أو يعينون له من يستطيع القيام به3. ففي الوقت الذي نجد فيه مراسلات كثيرة بين عمر وقضاة الأمصار، نجد ندرة في المراسلات في عهد عثمان بينه وبين أولئك القضاة4.  ـ ابن عمر يعتذر عن القضاء قال عثمان لابن عمر: اقض بين الناس، فقال: لا أقضي بين اثنين ولا أؤمَّ رجلين، أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ »، قال عثمان: بلى، قال: فإني أعوذ بالله أن تستعملني، فأعفاه، وقال: لا تُخبر بهذا أحداً 5. 1 النظم الإسلامية1 /378) وقائع ندوة أبو ظبي 2 عصر الخلافة الراشدة، ص: 143. 3 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي، ص : 148. 4 اللولاية على البلدان2 /92) عبد العزيز العمري 5 مسند الإمام أحمد، الحديث رقم: 475 حسن لغيره

عدد الصفحات ٣٥٤

355  ـ دار القضاء: تذكر بعض كتب التاريخ أن من مآثر ذي النورين اتخاذه داراً للقضاء، كما يظهر ذلك من رواية رواها ابن عساكر عن أبي صالح مولى العباس قال: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه فأتيته في دار القضاء.. إلى آخر الحديث، فإذا صح فيكون عثمان هو أول من اتخذ في الإسلام داراً للقضاء، وقد كان الخليفتان قبله يجلسان للقضاء في المسجد كما هو مشهور1.  ـ أشهر القضاة في خلافة عثمان: ـ زيد بن ثابت (المدينة). ـ أبو الدرداء (دمشق). ـ كعب بن سور (البصرة). ـ أبو موسى الأشعري (البصرة بالإضافة إلى ولايته). ـ شريح (الكوفة). ـ يعلى بن أمية (اليمن). ـ ثمامة (صنعاء). ـ عثمان بن قيس بن أبي العاص (مصر)2. هذا وقد ترك الخليفة الراشد أحكاماً فقهية في مجال القصاص، والجنايات والحدود والتعزير، والعبادات والمعاملات، كان لها الأثر الواضح في المدارس الفقهية الإسلامية. وهذه بعض الأحكام التي أصدرها عثمان أو أفتى بها3: 1 أشهر مشاهير الإسلام(4 /740.) 2 عصر الخلافة الراشدة، ص: 159،160. 3 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي، ص : 149.

عدد الصفحات ٣٥٥

356 د ـ أول قضية واجهت عثمان رضي الله عنه قضية قتل: أول قضية حكم فيها عثمان بن عفان قضية عبيد الله بن عمر، وذلك أنه غدا على ابنة أبي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، وضرب رجلاً نصرانياً يقال له: جفينة بالسيف فقتله، وضرب الهرمزان الذي كان صاحب تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالآ أبا لؤلؤة على مقتل عمر فالله أعلم1. وكان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما وُ لِّي عثمان وجلس للناس كان أول ما تحوكم إليه من شأن عبيد الله، فقال علي: ما من العدل تركه، وأمر بقتله، وقال بعض المهاجرين: أيقتل أبوه بالأمس ويقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين قد برأك الله من ذلك، قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك، فودى2 .عثمان رضي الله عنه أولئك القتلى من ماله، لأن أمرهم إليه، إذ لا وارث إلا بيت المال، والإمام يرى الأصلح في ذلك، وخلَّى سبيل عبيد الله 3. وقد جاءت رواية في الطبري تفيد بأن القماذبان بن الهرمزان قد عفا عن عبيد الله، فعن أبي منصور، قال: سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه، قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمر فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟. فقال: آنس به، فرآه رجل، فلما أصيب عمر، قال: رأيت هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز، فأقبل، فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولى عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بني، هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله، فخرجت به وما في الأرض أحد 1 البداية والنهاية7 /154.) 2 ودى: دفع دية القتلى 3 البداية والنهاية7 /154.)

عدد الصفحات ٣٥٦

357 إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلى فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم ـ وسبوا عبيد الله ـ فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبوه فتركته لله ولهم. فاحتملوني ، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم1. ولا يوجد تعارض بين هذه الرواية والرواية الأخرى التي تذكر أن الخليفة عثمان عفا عن عبيد الله بن عمر وتحمَّل هو الدية الشرعية لورثة الهرمزان، لأنه يوجد في فهم جميع الصحابة حق لابن الهرمزان في القصاص، وقد استجاب لرجائهم له في العفو على النحو السالف ذكره، كما أن عفو الخليفة يرجع إلى سلطة التحقيق في الجريمة والحكم فيها هو للخليفة وليس لابن المقتول، فيكون عبيد الله قد اعتدى على حق الخليفة، ومن ثم فرواية العفو منه تنصرف إلى العفو بسبب هذا الحق، وهذه المخالفة من عبيد الله حيث أضاع على الدولة أمراً مهماً هو معرفة الخلايا التي تتصل بالجريمة من الجناة والأشخاص والجهات التي كانت خلف هذه المؤامرة، كما ينصرف العفو من الخليفة إلى من ليس لهم وليّ وهم جفينة وابنه المجوسي القاتل، ولا يوجد خلاف في الروايات والمصادر التاريخية على أن الخنجر الذي قتل به عمر بن الخطاب كان بيد الهرمزان وجفينة قبل الحادث، وقد شاهد ذلك اثنان من الصحابة وهما: عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن أبي بكر، ورواية عبد الرحمن بن أبي بكر تفيد أن القاتل أبا لؤلؤة كان مع هذين الشريكين يتناجون ثلاثتهم، فلما باغتهم سقط الخنجر من بينهم، وبعد قتل عمر وجدوا أنه نفس الخنجر الذي وصفه الشاهدان2. 1 تاريخ الطبري5 /243) إسناده لا يصح 2 الطبقات الكبرى3 /350 ـ355.)

عدد الصفحات ٣٥٧

358 وبالتالي فالهرمزان وجفينة يستحقان القتل، أما ابنة أبي لؤلؤة الذيقتل نفسه ليخفي المشتركين معه، فهذه قتلت خطأ ولا يقتل فيها أحد، وقد رأى عبيد الله أنها من المشاركين في القتل حيث كانت تخفي السلاح لأبيها1. هـ ـ قتل اللصوص إن شباباً من شباب أهل الكوفة في ولاية الوليد بن عقبة نقبوا على ابن الحيسُمان الخزاعي وكاثروه، فنذر بهم، فخرج عليهم بالسيف، فلما رأى كثرتهم استصرخ، فقالوا له أسكت فإنما هي ضربة نريحك من روعة هذه الليلة ـ وأبو شريح الخزاعي مشرف عليهم ـ فصاح بهم وضربوه فقتلوه، وأحاط الناس بهم فأخذوهم، وفيهم زهير ابن جُندب الأزدي ومورِّع بن أبي مورِّع الأسدي، وشبيل بن أبي الأزدي في عدة، فشهد عليهم أبو شريح وابنه وأنهم دخلوا عليه، فمنع بعضهم بعضاً من الناس، فقتله بعضهم، فكتب فيهم إلى عثمان، فكتب إليه في قتلهم، فقتلهم على باب القصر في الرَّحبة. وقال في ذلك عمر بن عاصم التميمي لا تأكلوا أبداً جيرانكم سَرَفاً أهل الزعارة في ملك ابن عفان وقال أيضاً إن ابن عفان الذي جرَّبتم فطم اللصوص بمحكم الفرقان ما زال يعمل بالكتاب مهيمناً في كل عنف منهم وبنان2 1 الخلافة والخلفاء الراشدون، ص: 218 ـ219. 2 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي، ص : 151.

عدد الصفحات ٣٥٨

359 4 ـ العدل في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قام أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه بإقامة العدل بين الناس، وقد تضافرت كل الخصال الحميدة والمعطيات العلمية والفقهية التي جعلته مؤهلاً للقيام بدوره هذا على أكمل وجه، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لثقته به وبقدرته بعثه قاضياً إلى اليمن 1. وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء العظيم: «اللهم ثبت لسانه،واهد قلبه»2. ولذلك كان من الطبيعي أن يقيم حكمه على العدل الشامل، وأن يجعله على رأس غايات وأهداف الحكم، لأنه به تستقيم الأمور، وتظهر المودة بين الرعية3. ولا شك أن العدل في فكر أمير المؤمنين علي هو عدل الإسلام الذي هو الدعامة الرئيسية في إقامة المجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. لقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قدوة في عدله، أسر القلوب وبهر العقول، فالعدل في نظره الذي يسعى لتطبيقه في الحكم هو أحد أهم ركائز الخلافة الراشدة، ودعوة عملية للإسلام تفتح قلوب الناس للإيمان، وقد سار على ذات نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت سياسته تقوم على العدل الشامل بين الناس.  ـ فعن شريح قال: لما توجه علي رضي الله عنه إلى حرب معاوية رضي الله عنه افتقد درعً ا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة، أصاب الدرع في يد يهوديى يبيعها في السوق، فقال له يا يهودي هذا الدرع درعي، لم أبع ولم أهب، 1 نظام الحكم في العهد الراشدي، حمد العمد، ص: 141. 2 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 282. 3 نظام الحكم في العهد الراشدي، ص: 141.

عدد الصفحات ٣٥٩

360 فقال اليهودي: درعي وفي يدي. فقال علي: نصير إلى القاضي، فتقدما إلى شريح، فجلس علي إلى جنب شريح، وجلس اليهودي بين يديه، فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم، إن هذه الدرع التي في يد اليهودي درعي، لم أبع ولم أهب. فقال شريح: ما تقول يا يهوديّ؟، فقال : درعي وفي يدي، فقال شريح: يا أمير المؤمنين! بينة، قال: نعم، قنبر1 والحسن يشهدان أن الدرع درعي، قال: شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»2. فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه؟ أشهد أن هذا الحق، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الدرع درعك، كنت راكباً على جملك الأورق و أنت متوجه إلى صفين، فوقعت منك ليلاً، فأخذتها. قال: أما إذ قلتها فهي لك. وحمله على فرس، فرأيته وقد خرج فقاتل مع علي الشراة بالنهروان3.  ـ ومن أمثلة عدله في الحكم: عن ناحية القرشي، عن أبيه قال: كنا قياماً على باب القصر، إذ خرج علي علينا، فلما رأيناه تنحينا عن وجهه هيبة له، فلما جاز صرنا خلفه، فبينما هو كذلك إذ نادى رجل: يا غوثاً بالله، فإذا رجلان يقتتلان، فلكز صدر هذا وصدر هذا، ثم قال لهما: تنحيا، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين إن هذا اشترى مني شاة وقد شرطت عليه أن لا يعطيني مغموزاً ولا محذقاً ـ 1 مولى لعلي رضي الله عنه 2 سنن الترمذي، ك المناقب، الحديث رقم: 3768. 3 الشراة: الخوارج. النهروان: بين واسط وبغداد

عدد الصفحات ٣٦٠

361 يعني الدراهم المعيبة ـ فأعطاني درهماً مغموزاً، فرددته عليه، فلطمني، فقال للآخر: ماذا تقول؟ قال: صدق يا أمير المؤمنين، قال: فأعطه شرطه، ثم قال للاطم: اجلس، وقال للملطوم اقتص، قال: أوَ أعفو يا أمير المؤمنين، قال: ذلك إليك، قال: فلما جاز الرجل، قال علي: يا معشر المسلمين خذوه، قال: فأخذوه فحمل على ظهر رجل كما يحمل الصبيان الكتاب، ثم ضربه خمس عشرة درة، ثم قال: هذا نكال لما انتهكت من حرمته، وفي رواية أنه قال: هذا حق السلطان1. هذا وإن هذا الخبر ليعتبر مثلاً عالياً للتواضع، حيث يخرج أمير المؤمنين من بيته إلى السوق يتفقد أحوال الناس، ويقوم بنفسه في حل مشكلاتهم، وهو نوع من السلوك العالي الذي يبرز وجود الولاة في واقع حياة الرعية، سواء قام بذلك الوالي الأكبر أو من دونه، ولا يلزم تكرار هذا الوجود كل يوم، إذ يكفي شعور الناس بأن الولاة معهم في مشكلاتهم ليطمئن صاحب الحق على بقاء حقه في حوزته، وعودته إليه، فيما لو اعتُدي عليه، وليرتدع من تس وِّل له نفسه الاعتداء على حقوق الناس، وقبل ذلك وأهم منه: أن يرتدع كل من يحدث نفسه بالاعتداء على حق الله تعالى. وهذا الوجود المتلاحم بين الوالي والرعية يظهر بصورة متعددة تتناسب مع أنماط الحياة في كل عصر، فلا يقولن قائل: بأن ما قام به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يعتبر سائغً ا في عصره، ولكنه بعيد التصور في هذا العصر، فإنه لا عبرة بالأشكال والصور، وإنما العبرة بالأهداف والمقاصد التي بها تتحقق الحياة السعيدة للمسلمين، وذلك برعاية حق الله أولاً ثم حقوق الناس العامة 1 تاريخ الطبري6 /72 ـ73.)

عدد الصفحات ٣٦١

362 والخاصة، وفيما أمر به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من إجراء العقوبة على المعتدي مع تنازل صاحب الحق دلالة على إدراكه رضي الله عنه لمقاصد الإسلام من حفظ الأمن، وإشاعة السلام بين المؤمنين، وذلك سيردع من تميل نفسه إلى الاعتداء على غيره إذا عرف بأن العقوبة ستجري عليه ولو عفا عنه خصمه1.  ـ ومن مواقف عدله رضي الله عنه: ما رواه عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم على علي بن أبي طالب مال من أصبهان2، فقسمه سبعة أسباع، فوجد فيه رغيفاً، فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم، أيهم يعطي أول3.  ـ ومن عدله كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، يقسم المال فور وروده إليه على الناس بالتساوي بعد أن يحتجز منه ما ينبغي أن يأخذ للمرافق العامة، ولم يكن يستبيح لنفسه أن يأخذ من هذا المال إلا مثلما يأخذ غيره من الناس، كما أنه كان يعطي معارضيه من الخوارج من العطاء مثلما يعطي غيرهم، وهذا قبل سفكهم للدماء، واعتدائهم على الناس4.  وكان رضي الله عنه يساوي في العطايا بين الناس، وذلك يكون اقتداء بالصديق في هذا الباب، وكان رضي الله عنه لا يفضل شريفاً على مشروف، ولا عرب ياً على أعجمي، فقد دفع مرة طعاماً ودراهم بالتساوي إلى امرأتين إحداهما عربية، والثانية أعجمية، فاحتجت الأولى قائلة: إني والله امرأة من العرب، وهذه من 1 التاريخ الإسلامي للحميدي12 /433.) 2 أصبهان: مدينة عظيمة في بلاد فارس 3 الكامل في التاريخ2 /442.) 4 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين، ص: 216.

عدد الصفحات ٣٦٢

363 العجم، فأجابها علي: إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق.  وكذلك لما طلب إليه تفضيل أشراف العرب وقريش على الموالي والعجم، قال: لا والله، لو كان المال لي لساويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالهم1.  ـ وعن يحيى بن سلمة قال: استعمل علي عمرو بن سلمة على أصبهان، فقدم ومعه ماله وزقاق فيها عسل وسمن، فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمناً وعس لاً، فأرسل إليهما ظرف عسل وظرف سمن، فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأله عنهما، فكتمه، وقال: نحن نحضرهما، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزقين منها فرآهما قد نقصا، فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إليها فأخذها منها، ثم قسم الجميع2.  ـ وعن أبي رافع وكان خازناً لعلي رضي الله عنه على بيت المال، قال : دخل يوماً وقد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال قد كان عرفها، فقال : من أين لها هذه؟ لله علي أن أقطع يدها، قال: فلما رأيت جده في ذلك قلت: أنا والله يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها، فسكت3. أـ المؤسسة القضائية: 1 علي بن أبي طالبللصَّلاَّبي، ص : 285. 2 الكامل في التاريخ لابن الأثير2 /442.) 3 تاريخ الطبري6 /72.)

عدد الصفحات ٣٦٣

364 ولي الخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واقترنت توليته التي نجمت عن قتل عثمان، وما تبعها من أحداث شقت صف المسلمين ، وفرقت كلمتهم ، وأصبحت مواجهة تلك الأحداث لرأب الصدع شغله الشاغل، ولم يكن هذا الصراع الدامي في عهد علي رضي الله عنه مانعاً له من أن يعطي للقضاء نصيباً من الاهتمام به وتنظيمه، ويدل على هذا رسالته التي أرسلها إلى الأشتر الثقفي واليه على مصر، حين كانت تابعة لحكمه، وفيها يقول: ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر في الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تستشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقَفُ هُم في الشبهات وآخذهم بالحجج، وأقَلَّهم تبرماً بمراجعة الخصوم، وأصبرهم على كشف الأمور، وأصرمهم على ا تضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء ولا ي ستميله إغراء، وأولئك قليل، ثم أكثر من تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال عندك1. وفي هذه الرسالة أيضاً: أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حرباً، حتى ينزع أو يتوب. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله، وتعجيل نقمته من إقامة على ظالم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد2. 1 شرح نهج البلاغة، نقلاً عن نظام الحكم للقاسمي 2 /103.) 2 المصدر السابق2 /559.)

عدد الصفحات ٣٦٤

365 ونلاحظ أن هذا العهد تضمن صفات القاضي، كما تضمن حقوقه وواجباته، والذي يتأمل في الذي كتبه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لواليه على مصر، يعجب لهذا العهد الذي كتب عام 40هـ، أو حولها في وقت لم يكن للعرب فيه أي اتصال بالحضارات الأخرى بعد، وكيف كان العقل المسلم الذي ينظر بنور الله قادراً على تفتيق المعاني، ووضع أمور الدولة في نصابها، على خير ما نرى اليوم من الدساتير والقوانين1. وهذه النظرات من أمير المؤمنين علي في إنصاف الرعية، وتجنب ظلمها، كانت فيما بعد عماداً في تنظيم ولاية المظالم 2. ب ـ إبقاؤه على أسلوب القضاء يظهر أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه كان ينوي إدخال بعض التعديلات في أسلوب القضاء وأصول المحاكمات بما يتناسب مع التطورات الجديدة التي طرأت على المجتمع، إلا أنه أرجأ ذلك إلى أن تستقر الأمور، فقد أثر عنه أنه رضي الله عنه قال: اقضوا3 كما تقضون حتى تكونوا جماعة، فإني أخشى الاختلاف.  ـ عدم نقضه الأحكام الصادرة قبله وحرصاً على استقرار الأمور، فإن أمير المؤمنين علي كان يرى بأنه لا يحق للقاضي أن ينقض حكماً أصدره قاض آخر، وقد كان هو رضي الله عنه كتب الكتاب بين أهل نجران وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فكثروا في عهد عمر حتى خافهم الناس، فوقع بينهم الاختلاف، فأتوا عمر، فسألوه البدل، فأبدلهم، ثم 1 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 344. 2 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 344. 3 المصدر السابق، ص: 351.

عدد الصفحات ٣٦٥

366 ندموا، ووضع عليهم شيئاً فأبوه، فاستقالوه، فأبى أن يقيلهم، فلما ولي علي أتوه فقالوا: يا أمير المؤمنين، شفاعتك بلسانك، وخطك بيمينك، فقال علي: ويحكم إن عمر كان رشيد الأمر1، ولنأرد قضاءً قضى به عمر 2.  ـ الأهلية للقضاء القضاء من الولايات العامة، ولذلك يشترط في القاضي ما يشترط فيمن تكون له ولاية عامة على المسلمين من العقل والبلوغ والإسلام، ويشترط في القاضي أن يكون عفيفاً عما في أيدي الناس، حليماً لا تثيره الكلمة، ولا يغضبه التصرف النابي، عالماً بأحكام الشريعة، وبناسخها ومنسوخها، فقد قال علي بن أبي طالب لقاض : هل تعلم الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت 3. وإنما سأله علي عن الناسخ والمنسوخ لأن معرفته ليس بالأمر السهل في ذلك العصر، ويشترط فيه أن يكون عالماً بما قضي به القضاة ا لسابقون، حتى لا يخرج عن خطهم في القضاء، حسماً لفوضى الأحكام، وأن يكون متواضعاً لا يرى غضاضة في استثارة ذوي العلم والعقل الراجح، لأن هذه الشورى تبعده عن الخطأ في الأحكام، وأن يكون جريئاً في الحق لا يتأخر عن النطق بالحكم به ولو أغضب ذوي السلطان، وقد جمع ذلك كله قول علي رضي الله عنه: لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتى تكون فيه خمسة خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم4.  ـ مكان القضاء 1 سنن البيهقي10 /120.) 2 المغني9 /57.) 3 سنن البيهقي10 /117.) 4 المغني9 /43.)

عدد الصفحات ٣٦٦

367 على القاضي أن يختار مكان جلوسه بين المتخاصمين في وسط المدينة، بحيث لا يشق على أحد الوصول إليه، ولذلك كان علي رضي عنه، يأمر شريحاً القاضي بالجلوس في المسجد الأعظم1، لتيسير الوصول إليه2.  ـ مجانبة الحصول على الحكم لما كانت إقامة العدل بين الناس من أهداف الدولة الإسلامية، فإن الفقه الإسلامي يقضي بأن لا يقام أي حائل بين صاحب الحق وبين الحصول على حقه، ولذلك فإن المتقاضين لا يدفعان للقاضي ولا للدولة شيئاً من المال للحصول على الحكم الذي يفصل الخلاف بينهما، بل الدولة الإسلامية هي التي تتكفل بنفقات الحاكم والمحكمة، وقد كان علي رضي الله عنه يعطي شريحاً على القضاء رزقاً، وقد رزقه حين ولاه القضاء في الكوفة كل شهر خمسمائة درهم3.  ـ بذور المحاماة في العهد الراشدي ظهرت بذور المحاماة، فكان علي رضي الله عنه يوكل أخاه عقيلاً في المخاصمة، و لما أسن عقيل، وكَّ ل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام القضاء، وكان يقول: ما قضي لوكيلي فلي، وما قضي على وكيلي فعلي4.  ـ ما يجب على القاضي لكي يحقق القاضي العدل في الأحكام لابد له من مراعاة ما يلي: 1 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 353. 2 المصدر نفسه، ص: 353. 3 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 353. 4 تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 132.

عدد الصفحات ٣٦٧

368 ـ دراسة القضية المعروضة عليه دراسة واعية ولا يجوز له أن يتسرَّع في إصدار الحكم قبل الانتهاء من الدراسة، والاطمئنان إلى الحكم، ولذلك قال علي لشريح: لسانك عبدك ما لم تتكلم، فإذا تكلمت فأنت عبده، فانظر ما تقضي وفيمَ وكيفَ تقضي 1. ـ المساواة بين الخصومفقد نزل على علي ضيف، فكان عنده أياماً، فأتى في خصومة، فقال له علي أخصم أنت؟ قال: نعم، قال: فارتحل عنا، فإنا نهينا أن ننزل خصماً إلاّ مع خصمه2. ـ عدم الصياح بالمتخاصمين وَلَّى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبا الأسود الدؤلي القضاء، ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ولا جنيت؟ فقال: إنما رأيتك يعلو كلامك على الخصمين3. ـالابتعاد عن المؤثرات ومجاهدة النفس: سواء كانت هذه المؤثرات قرابة، أو مالاً، أو بغضاً، أو غيره... فقد جاء جعدة بن هبيرة إلى علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين، يأتيك الرجلان أنت أحب إلى أحدهما من نفسه، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضي لهذا على هذا؟ قال: فلمزه علي وقال: هذا شيء لو كان لي لفعلت، ولكن إنما ذلك شيء لله. ـ الشورى: وعلى القاضي أن يستشير ذوي العلم والرأي لئلا يفلت منه حق، وقد كان علي رضي الله عنه أحد أعضاء الشورى الذين يحرص الخلفاء على استشارتهم عندما تعرض عليهم مشكلة، فقد روى الخصاف في أدب القاضي أن 1 كنزالعمال، الحديث رقم: 14433. 2 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 353. 3 المغني لابن قدامه9 /104.)

عدد الصفحات ٣٦٨