337 ويجوز للخليفة أن يعزل القاضي لسبب من الأسباب الداعية لذلك، كما إذا زالت أهلية القاضي وصلاحيته لم يجد سبباً للعزل، فالأولى ألا يعزله، لأن القاضي معين لمصلحة المسلمين، فيبقى ما دامت المصلحة محققة1، وقد عزل عمر رضي الله عنه بعض القضاة وولى غيرهم2، مثلما عزل أبا مريم الحنفي، فقد وجد فيه ضعفاً فعزله ـ رزق القضاة كان عمر رضي الله عنه يوصي الولاة باختيار الصالحين للقضاء، وبإعطائهم المرتبات التي تكفيهم3، فقد كتب إلى أبي عبيدة ومعاذ: انظروا رجالاً صالحين فاستعملوهم على القضاء وارزقوهم4. ـالاختصاص القضائي: كان القاضي في عصر الخلافة الراشدة يقضي في الخصومات كلها، أيا ا كان نوعها في المفاوضات المالية، وفي شؤون الأسرة، وفي الحدود والقصاص، وسائر ما يكون فيه الشجار، وليس هناك ما يشير إلى ما يعرف اليوم بالاختصاص القضائي سوى ما جاء في تولية السائب بن يزيد بن أخت النمر من قول عمر بن الخطاب له: رُدَّ عني الناس في الدرهم والدرهمين 5. ويجوز أن يعهد الخليفة إلى القاضي أن يقضي في قضية بعينها وينتهي اختصاصه بالنظر فيها، وكان القضاة يقضون في الحقوق المدنية والأحوال الشخصية، أم ا القصاص والحدود فكان الحكم فيها للخلفاء وأمراء الأمصار، فلابد من موافقتهم 1 مغنى المحتاج4 /382) النظام القضائي، ص: 77. 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 277. 3 عصر الخلافة الراشدة، أكرم العمري، ص: 143. 4 النظام القضائي، ص: 76. 5 عصر الخلافة الراشدة، ص: 144.
عدد الصفحات ٣٣٧338 على الحكم، ثم انحصرت الموافقة على تنفيذ حد القتل بالخليفة وحده، وبقي للولاة حق المصادقة على أحكام القصاص دون القتل، ولم يكن للقضاء مكان مخصص، بل يقضي القاضي في البيت والمسجد، والشائع جلوسهم في المسجد1، ولم تكن الأقضية تسجل لقلتها وسهولة حفظها، وكان بإمكان القاضي حبس المتهم للتأنيب واستيفاء الحقوق، وقد فعل ذلك عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فكانت الدولة تهيء السجون في مراكز المدن وكان القصاص ينفذ خارج المساجد2. د ـ صفات القاضي وما يجب عليه: صفات القاضي: من خلال سيرة عمر رضي الله عنه استنبط العلماء أهم صفات القاضي المراد تعيينه: ـالعلم بالأحكام الشرعية: لأنه سيطبقها على الحوادث ويستحيل عليه تطبيقها مع الجهل بها. ـالتقوى: فقد كتب عمر إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة: أن انظرا رجالاً من صالحي من قِبلكم ف استعملوهم على القضاء3. ـالترفع عما في أيدي الناس: فقد قال عمر رضي الله عنه: لا يقيم أمر الله إلا من لا يصانع ولا يضارع4، ولا يتبع المطامع ـ الفطنة والذكاء: ويشترط في القاضي أن يكون فطناً ذكياً ينتبه إلى دقائق الأمور، فعن الشعبي: أن كعب بن سُور كان جالساً عند عمر فجاءته امرأة فقالت: يا أمير 1 عصر الخلافة الراشدة، ص: 145. 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 278. 3 المصدر نفسه، ص: 278. 4 يضارع: يرائي
عدد الصفحات ٣٣٨339 المؤمنين ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائماً، ويظل نهاره صائماً في اليوم الحر ما يفطر، فاستغفر لها وأثنى عليها وقال: مثلك أثنى بالخير، قال: فاستحيت المرأة فقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها!! قال: وما شكت؟ قال: شكت زوجها أشد الشكاية، قال: أوَ ذاك أرادت؟ قال: نعم، قال: رُدُّوا عليَّ المرأة ، فقال: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك تشكين زوجك أنه يَجْنب فراشك، قال ت: أجل، إني إمرأة شابة وإني لأبتغي ما تبتغي النساء، فأرسل إلى زوجها فجاء فقال لكعب: اقضِ بينهما، قال: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما، قال: عزمت عليك لتقضين بينهما! فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهمه، قال: إني أرى كأنها عليها ثلاثة نسوة هي رابعتهم فأقضي له بثلاثة أيام بلياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة فقط، فقال عمر: والله ما رأيك الأول أعجب إليَّ من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة1. ـالشدة في غير عنف واللين من غير ضعف: قال عمر بن الخطاب: لا ينبغي أن يلي هذا الأمر إلا رجل فيه أربع خصال: اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، والإمساك في غير بخل والسماحة في غير سرف2، وقال: لا يقيم أمر الله إلا رجل يتكلم بلسانه كلمة لا يُنقص غرْبُه ولا يطمع في الحق على حدته3. 1 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 279. 2 المصدر نفسه، ص: 279، موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص: 723. 3 المصدر، ص: 279.
عدد الصفحات ٣٣٩340 ـقوة الشخصية: قال عمر: لأعزلن أبا مريم وأولين رجلاً إذا رآه الفاجر فرِقه، فعزله من قضاء البصرة وولَّى كع ب بن سور مكانه1. ـ أن يكون ذا مال وحسب: فقد كتب عمر إلى بعض عماله: لا تستقضين إلا ذا مال وذا حسب، فإن ذا المال لا يرغب في أموال الناس، وإن ذا الحسب لا يخشى العواقب بين الناس2. هـ ـ ما يجب على القاضي: هناك أمور بينها الفاروق لابدَّ للقاضي من مراعاتها لإقامة صرح العدالة منها: ـ الإخلاص لله في العمل فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: إن القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ـ ولو كان على نفسه ـ كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بمن ليس في قلبه شانه الله، فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصاً، وما ظنك بثواب غير الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته3. ـ فهم القضية فهماً دقيقاً ودراستها دراسة واعية قبل النطق بالحكم ولا يجوز له النطق بالحكم قبل أن يتبين له الحق، فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: افهم إذا أُ دْلِيَ إليك، وقال أبو موسى مرة: لا ينبغي لقاض أن يقضي حتى يتبين له الحق كما يتبين له الليل والنهار، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: صدق أبو موسى4. 1 الصدر نفسه، ص: 279. 2 المصدر نفسه، ص: 279. 3 إعلام الموقعين لابن القيم1 /85.) 4 موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص: 725.
عدد الصفحات ٣٤٠341 ـ الحكم بالشريعة الإسلامية سواء أكان الخصوم من المسلمين أم من غير المسلمين، فعن زيد بن أسلم: أن يهودية جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت: إن ابني هلك فزعمت اليهود أنه لا حق لي في ميراثه، فدعاهم عمر، فقال: ألا تعطون هذه حقها، فقالوا: لا نجد لها حقاً في كتابنا، فقال: أفي التوراة؟ قالوا: بل في المثناة، قال: وما المثناة؟، قالوا: كتاب كتبه أقوام علماء وحكماء، فسبهم عمر وقال: اذهبوا فأعطوها حقها1. ـ الاستشارة فيما أشكل عليه من الأمور: فقد كتب عمر إلى أحد القضاة: واستشر في دينك الذين يخشون الله عز وجل2. وكتب إلى شريح: وإن شئت أن تؤامرني ولا أرى مؤامراتك إياي إلا أسلم لك3 . وكان عمركثير الاستشارة حتى قال الشعبي: من سره أن يأخذ بالوثيقة من القضاء، فليأخذ بقضاء عمر فإنه كان يستشير4. ـالمساواة بين المتخاصمين: وقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: سوِّ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، وكتب أيضاً: اجعلوا الناس عندكم في الحق سواء قريبهم كبعيدهم، وبعيدهم كقريبهم. وعندما ادَّعى أبي بن كعب على عمر دعوى ـ في حائط ـ فلم يعرفها عمر فجعلا بينهما زيداً بن ثابت فأتياه في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا ـ وفي بيته يؤتى الحَكَم ـ قال: فتنحى له عن صدر فراشه ـ وفي رواية فأخرج له زيد وسادة فألقاها إليه ـ وقال: هاهنا يا 1 موسوعة عمر بن الخطاب، ص: 725. 2 سنن البيهقي10 /112.) 3 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 280. 4 المصدر نفسه، ص: 281.
عدد الصفحات ٣٤١342 أمير المؤمنين. فقال عمر: جُرت يا زيد في أول قضا ئك، ولكن أجلسني مع خصمي، فجلسا بين يديه1. ـ تشجيع الضعيف حتى يذهب عنه الخوف ويجترىء على الكلام، فقد كتب عمر لمعاوية: أدنِ الضعيف حتى يجترىء قلبه وينبسط لسانه. ـ سُ رعة البَ تّ في دعوى الغريب أو تعهده بالرعاية والنفقة: وقد كتب عمر إلى أبي عبيدة: تعاهد الغريب فإنه إن طال حبسه ـ أي طالت إقامته وبعده عن أهله من أجل هذه الدعوى ـ ترك حقه وانطلق إلى أهله، وإنما أبطل حقه من لم يرفع به رأساً 2. سعة الصدر: فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: إياك والضجر، والغضب والقلق والتأذي بالناس عند الخصومة. فإذا رأى القاضي من نفسه شيئاً من هذا، فلا يجوز له النطق بالحكم حتى يذهب عنه ذلك لئلا يكون الدافع إلى الحكم حالة نفسية معينة، فقد كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: ولا تحكم وأنت غضبان3، وعن شريح قال: شرط عليَّ عمر حين ولاني القضاء ألا أقضي وأنا غضبان4، ومما يؤدي إلى ضيق الصدر ويدفع أحياناً إلى الاستعجال المخِلِّ في البت في بعض القضايا كالجوع والعطش ونحو ذلك، ولذلك قال عمر: لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريَّان 5. 1 المصدر نفسه، ص281. 2 عمر بن الخطابللصَّلاَّبي، ص : 281. 3 موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص: 726. 4 المصدر نفسه، ص: 726. 5 موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص: 726.
عدد الصفحات ٣٤٢343 ـ تجنب كل ما من شأنه التأثير على القاضي كالرشوة وتساهل التجار معه في البيع والشراء والهدايا ونحو ذلك، ولذلك منع عمر القضاة من العمل بالتجارة، والصفق بالأسواق، وقبول الهدايا والرشاوى، فكتب إلى أبي موسى الأشعري: لا تبيعن ولا تبتاعن ولا تضاربن ولا ترتشِ في الحكم، وقال شريح: شرط عليَّ عمر حين ولاني القضاء ألا أبيع ولا أبتاع ولا أرتشي، وقال عمر: إياكم والرشا والحكم بالهوى1. ـ الأخذ بالأدلة الظاهرة دون البحث عن النوايا، فقد خطب عمر بالناس، فكان مما قال: إنا كنا نعرفكم ورسول الله فينا، والوحي، ينزل وينبئنا بأخباركم، وأما اليوم فإننا نعرفكم بأقوالكم، فمن أعلن لنا خيراً ظننا به خيراً وأحببناه علي ه، ومن أعلن لنا شرَّاً ظننا به شرَّاً وأبغضناه عليه ، وسرائركم فيما بينكم وبين الله2. ـ الحرص على الصلح بين المتخاصمين قال عمر: ردّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس، فإن عادوا بصلح يتفق مع شرع الله أمضاه القاضي، وإن كان صلحهم لا يتفق مع أحكام الشريعة نقضه القاضي، قال عمر: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً 3. وعلى القاضي أن يحرص على الصلح خاصة بين المتخاصمين إذا لم يتبين له الحق، فقد كتب عمر إلى معاوية: احرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء، أو 1 المصدر نفسه، ص: 727. 2 صحيح البخاري، الحديث رقم 2641. 3 تاريخ المدينة2 /769) محمد شرَّاب
عدد الصفحات ٣٤٣344 كان بين المتخاصمين قرابة، قال عمر: ردوا الخصوم إذا كانت بينهم قرابة، فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن1. ـ العودة إلى الحق إذا أصدر القاضي حكماً في قضية من القضايا ثم تغير اجتهاده في الحكم فيها، فلا يجوز له أن يجعل للاجتهاد الجديد أثراً رجعياً، فينقض به الحكم الذي أصدره قبل تغير اجتهاده، كما لا يجوز لقاض بعده أن ينقض الحكم الصادر، فعن سالم بن أبي الجعد قال: لو كان علي طاعناً على عمرى يوماً من الدهر لطعن عليه يوم أتاه أهل نجران، وكان علي كتب الكتاب بين أهل نجران وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فكثروا على عهد عمر حتى خافهم على الناس، فوقع بينهم الاختلاف، فأتوا عمر فسألوه البدل، فأبدلهم، ثم ندموا، ووقع بينهم شيء فأبوه فاستقالوه، فأبى أن يقيلهم، فلما ولي علي أتوه فقالوا: يا أمير المؤمنين شفاعتك بلسانك وخطك بيمينك، فقال علي: ويحكم إن عمر كان رشيد الأمر2. فعمررفض نقض القضاء الأول الذي قضاه فيهم، ورفض علي ـ من بعد عمر ـ نقض القضاء الذي قضاه عمر فيهم3. وقد حدث كثير من التغير في اجتهاد عمر في قضايا كثيرة، منها الحكم في الجد مع الإخوة، واشتراك الإخوة لأب وأم مع الإخوة لأم في الثلث عندما لم يبق للإخوة لأب وأم من الميراث شيء، ولم ينقل إلينا أنه عاد إلى قضائه الأول فنقضه، ولكنه يعمل باجتهاده الجديد في القضايا المستقبلية، ولا يمنعه حكمه القديم من اتباع الحق إذا لاح له، فقد كتب 1 إعلام الموقعين1 /108.) 2 سنن البيهقي(10 /120) موسوعة فقه عمر، ص: 828. 3 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 282.
عدد الصفحات ٣٤٤345 عمر إلى أبي موسى الأشعري: ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه رأيك وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل1،. وبناء على ذلك فقد قضى عمر بن الخطاب في الجد بقضايا مختلفة، وقضى في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخويها لأبيها وأمها وأخويها لأمها، فأشرك عمر بين الأخوة للأم والأب والإخوة لأم في الثلث فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا. قال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم2. ـ تقرير البراءة للمتهم حتى تثبت إدانته: فعن عبد الله بن عامر قال: انطلقت في ركب حتى إذا جئنا ذا المروة سُرقت عيبة لي، ومعنا رجل منهم ، فقال له أصحابي: يا فلان: أردد عليه عيبته فقال: ما أخذتها، فرجعت إلى عمر بن الخطاب فأخبرته. فقال: من أنتم؟، فعددتهم، فقال: أظنه صاحبها – للذي اتُّ هِمَ – فقلت: لقد أردت يا أمير المؤمنين أن آتي به مصفوداً، قال عمر: أتأتي به مصفوداً بغير بينة؟ ـاجتهاد في مورد النص: قال عمر: ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور. ـ إخضاع القضاة أنفسهم لأحكام القضاة 1 إعلام الموقعين1 /85.) 2 إعلام الموقعين1 /111.)
عدد الصفحات ٣٤٥346 كان عمر رضي الله عنه أول من يخضع للقضاء وهو في ذروة الخلافة خضوعاً يزينه الرضى القلبي بالحكم ويتوجه بالإعجاب الواضح إذا ما أصاب، والثناء الصادق على القاضي حتى ولو صدر الحكم ضده1. وهذا مثال على ذلك، فقد ساوم عمر أعرابياً على فرس، فركبه ليجربه، فَعطِبَ الفرس، فقال عمر: خذ فرسك. قال الرجل: لا، قال عمر: فاجعل بيني وبينك حكماً، قال الرجل: شريح. فتحاكما إليه فلما سمع قال: يا أمير المؤمنين خذ ما اشتريت أو رد كما أخذت. فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا؟ فبعثه إلى الكوفة قاضياً 2. و ـ مصادر الأحكام القضائية في عهد عمر: اعتمد القضاة في العهد الراشدي على المصادر نفسها التي اعتمدها رسول الله وقضاته، وهي الكتاب والسنة والاجتهاد، ولكن ظهر في العهد الراشدي أمران: ـ تطور معنى الاجتهاد والعمل به، وما نتج عنه من مقدمات ووسائل، وغايات، فظهرت المشاورة والشورى، والإجماع، والرأي والقياس. ـ ظهور مصادر جديدة لمن تكن في العهد النبوي، وهي السوابق القضائية التي صدرت عن الصحابة من عهد خليفة إلى عهد آخر، فصارت مصادر القضاء في العهد الراشدي هي: الكتاب والسنة، والاجتهاد والإجماع، والقياس، والسوابق القضائية، ويظلل ذلك كله الشورى، والمشاورة في المسائل والقضايا والأحكام، وقد وردت نصوص كثيرة، وروايات عديدة تؤكد هذه المصادر السابقة ونقتطف جانباً منها 3: 1 شهيد المجراب، عمر التلمساني، ص: 211. 2 عصر الخلافة الراشدةصـ147. 3 تاريخ القضاء في الإسلام، د. محمد الزحيلي، ص: 118.
عدد الصفحات ٣٤٦347 ـقال الشعبي عن شريح: قال لي عمر: اقضِ بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعلم كل كتاب الله، فاقضِ بما استبان لك من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله فاقضِ بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضي به أئمة المهتدين، فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح1. ـقال ابن القيم: فلما استخلف عمر قال: إني لأستحي من الله أن أردَّ شيئاً قاله أب و بكر2. وأما الإجماع: فإن لم يجد القاضي نصا ا في القرآن والسنة، رجع إلى العلماء واستشار الصحابة والفقهاء، وعرض عليهم المسألة وبحثوا فيها، واجتهدوا، فإن وصل اجتهادهم إلى رأي واحد، فهو الإجماع، وهو اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر شرعي، وهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي باتفاق العلماء، وظهر لأول مرة في العهد الراشدي، ووردت فيه نصوص كثيرة وبحوث طويلة في كتب الفقه، وأصول الفقه، وتاريخ التشريع، ولكن القضايا والمسائل التي حصل فيها الإجماع قليلة، وإن إمكانيته محصورة في المدينة المنورة عاصمة الخلافة، ومجمع الصحابة والعلماء والفقهاء، وهذا يندر في الأمصار الأخرى3، فمن ذلك ما روي أن ابن العباس قال لعثمان رضي الله عنه: الأخوان في لسان قومك ليسا إخوة فلم تحجب بهم 1 إعلامالموقعين (1 /224.) 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 284. 3 تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 122.
عدد الصفحات ٣٤٧348 الأم من الثلث إلى السدس؟، وإنما قال تعالى: "فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَة فَلأُمِّهِ السُّدُسُ" (النساء ، آية : 11.) فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض ما كان قبلي، ومضى في البلدان وتوارث به الناس، وهذا معناه أنه إجماع تم قبل مخالفة ابن عباس، ولا يعتد بمخالفته . والإجماع يتضمن ثلاثة عناصر رئيسية: المشاورة والاجتهاد، والاتفاق، فإن فُقد عنصر منها لجأ القاضي إلى المصدر التالي. ـ السوابق القضائية: التي قض ى بها السابقون من الخلفاء والصالحين وكبار الصحابة رضي الله عنهم، وهذا ما عبر عنه صراحة عمر رضي الله عنه في سوابق أبي بكر، وما أمر به قضاته وولاته كما سبق1. وهذا ما بينه صراحة ابن القيم تحت عنوان: "رأي الصحابة خير من رأينا لأنفسنا"، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر في قلب نبيهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا ا طرياً، ولم يَشُبه إشكال، ولم يشُبه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس 2. ـ والقياس: لكن السوابق القضائية قليلة أيضاً، فإن لم يجد القاضي نصا ا ولا إجماعاً، ولا سابقة قضائية اعتمد على الاجتهاد، كما جاء في حديث معاذ، ويأتي في أولويات الاجتهاد قياس مسألة لم يرد فيها نص بمسألة ورد فيها نص، وهو المصدر الرابع للتشريع والفقه والأحكام، وهذا ما جاء في رسالة عمر رضي 1 تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 122. 2 إعلام الموقعين1 /87.)
عدد الصفحات ٣٤٨349 الله عنه لأبي موسى الأشعري، قال: ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق1. ـوالرأي: فإن لم يكن للمسألة والقضية أصل من النصوص لتقاس عليها، اعتمد القاضي على الاجتهاد بالرأي فيما هو أقرب إلى الحق والعدل والصواب وقواعد الشرع ومقاصد الشريعة، وهو ما تكرر في النقول السابقة، في رسائل عمر لشريح وغيره2. وكانت المشورة والشورى من أهم الوسائل التي يستعين بها القضاة، كما ورد في الروايات والكتب والرسائل السابقة، وهو ما أكده عمر رضي الله عنه قولاً وفعلاً، لكثرة محبته للشورى مع فقهه، وقلما يقدم على أمر إلا بعد استشارة كبار الصحابة وفقهائهم3. وعن الشعبي قال: كانت القضية ترفع إلى عمر رضي الله عنه، فربما يتأمل في ذلك شهراً ويستشير أصحابه 4، وكان رضي الله عنه عندما يريد أن يحكم بين خصمين يدعو بهذا الدعاء: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان على من كان الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين5. 3 ـ العدل في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه سار عثمان بن عفان في حكمه على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في إقامة العدل، وكتب إلى الناس في الأمصار: أن ائتمروا بالمعروف، 1 تاريخ القضاء في الإسلام، ص: 124. 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص 286. 3 المصدر نفسه، ص286. 4 المصدر نفسه، ص: 288. 5 المصدر نفسه، ص288.
عدد الصفحات ٣٤٩350 وتناهوا عن المنكر، ولا يُذِلَّ المؤ من نفسه، فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلوماً إن شاء الله 1. فقد كانت سياسته تقوم على العدل بأسمى صوره، فقد أقام الحد على والي الكوفة الوليد بن عقبة "أخوه لأمه" عندما شهد عليه الشهود بأنه شرب الخمر، وعزله عن الولاية بسبب ذلك. وروي عنه أيضاً أنه غضب على خادم له يوماً فعرك أذنه حتى أوجعه، ولم يستطع أن ينام ليلته آنذاك إلا بعد أن دعا خادمه إلى مضجعه وأمره أن يقتص منه فيعرك أذنه، وقد أبى الخادم في بادىء الأمر، ولكن عثمان أمره ثانية في حزم فأطاعه2، وقال عثمان: شدّ حتى ظن أنه قد بلغ منه مثل ما بلغ منه، ثم قال عثمان رضي الله عنه: واهً ا لقصاص قبل قصاص الآخرة3. وقد اتصف أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بصفة العدل، فعن عبد الله بن عدي بن الخيار: أنه دخل على عثمان رضي الله عنه وهو محصور فقال له: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وهو ذا يصلي بنا إمام فتنة ـ عبد الرحمن بن عُدَيس البلوي ـ وأنا أتحرَّج من الصلاة معه. فقال له عثمان: إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس، فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم4. أ ـ أول كتاب كتبه عثمان إلى جميع ولاته أما بعد، فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة 1 المصدر نفسه، ص288. 2 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي، ص : 90. 3 أخبار المدينة لابن أبي شيبة3 /236.) 4 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي، ص : 109.
عدد الصفحات ٣٥٠351 ولا يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنُ وا بالذمة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدو الذي تنتابون فاستفتحوا عليهم بالوفاء1. والملاحظ أن عثمان رضي الله عنه أكد في هذا الكتاب الموجه إلى ولاته في الأمصار واجبهم نحو الرعية، وعرَّفهم: أن مهمتهم ليست في جمع المال، وإنما تتمثل في رعاية مصالح الناس، ولأجل ذلك بيَّن السياسة التي يسوسون بها الأمة، وهي أخذ الناس بما عليهم من الواجبات وإعطاؤهم حقوقهم، فإذا كانوا كذلك صلحت الأمة، وإذا انقلبوا جباة ليس همهم إلا جمع المال انقطع الجباء وفقدت الأمانة والوفاء2. لقد كان في كتاب عثمان للولاة التركيز على قيم العدل السياسي، و الاجتماعي والاقتصادي بإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم، وأخذ ما عليهم وإعلاء شأن مبدأ الرعاية السياسية لا الجباية وتكثير الأموال3. ونبَّه على ما سيكون عند تغير الولاة من رعاة إلى جباة بأن ذلك سبب في تقلص مكارم الأخلاق التي مثل لها بالحياء والأمانة والوفاء، وذلك أن بين الراعي والرعية خيطاً سامياً من العلاقات المتينة، ويؤكد ويثبته اتفاق الجميع على هدف واحد، وهو ابتغاء وجه الله.. ثم يوصي عثمان ولاته بالعدل في الرعية، وذلك بأخذ ما عليهم من الحقوق وبذل ما لهم من ذلك، ويشير إلى نقطة مهمة، وهي أن الوفاء بالعهود 1 تاريخ الطبري5 /244.) 2 تحقيق مواقف الصحابة، د. محمد المحزون1 /393.) 3 الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، حمدي شاهين، ص: 248.
عدد الصفحات ٣٥١352 من أهم أسباب الفتح والنصر على الأعداء، وقد بيَّن التاريخ أثر هذا الخلق الرفيع في تفوق المسلمين الإداري والحربي. ب ـ كتابه إلى عمَّال الخراج: وكان أول كتاب كتبه إلى عمال الخراج: أما بعد فإن الله خلق الخلق بالحقّ، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق به، والأمانة الأمانة، قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يَ سْلُبُها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم ، والوفاء الوفاء، لا تظلموا اليتيم، ولا المعاهد، فإن الله خصم لمن ظلمهم1. خص من هذا الكتاب وزراء المال الذين يجبونه من أفراد الأمة لينفق في مصالحها العامة، فبين لهم أن الله لا يقبل إلا الحق والحق قائم على الأمانة والوفاء، ثم ميَّز صنفين من الرعية، هما ضعيفاهما: اليتيم والمعاهد، فخص عن التجافي عن ظلمهما، لأن الله هو المتولي حمايتهما2. ويذكرهم بأنهم إذا ظلموهم فإنهم معرضون لنقمة الله تعالى، لأنه خصم لمن ظلم هؤلاء المستضعفين، وفي هذا لفتة إلى جانب من جوانب عظمة الإسلام، حيث يدعو إلى نصرة المظلومين، وإن كانوا من الكفار المعاهدين3. جـ ـ المؤسسة القضائية في عهد عثمان بن عفان: عندما تولى عثمان رضي الله عنه الخلافة كان على قضاء المدينة يومئذ: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، والسائب بن يزيد رضي الله عنهم، ويذكر بعض الباحثين أن عثمان لم يترك لأحد من هؤلاء القضاة الاستقلال بالفصل في قضية من القضايا، 1 عثمان بن عفان للصَّلاَّبي، ص : 86. 2 المصدر نفسه، ص: 86، التاريخ الإسلامي عبد العزيز الحميدي20 /371.) 3 المصدر نفسه، ص: 86، التاريخ الإسلامي عبد العزيز الحميدي20 /371.)
عدد الصفحات ٣٥٢