المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ٢٤ من ٢٥

369 عثمان بن عفان كان إذا جاءه الخصمان قال لهذا: ادع علياً، وقال لهذا: ادع طلحة والزبير ونفراً من أصحاب ر سول الله، فإذا جاؤوا إليه قال لهما: تكلما، فإذا تكلما يقبل عليهم فيقول: ماذا تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق قوله قضى عليهما ولا ينظرهم بعد1. جـ ـ ميزات القضاء في العهد الراشدي إن القضاء في العهد الراشدي يمثل الدرجة الثانية بعد القضاء في العهد النبوي الذي يمثل الجذور والأساس، وجاء القضاء في العهد الراشدي يمثل البناء الكامل، والتنظيم الشامل من جهة، ويعطي الصورة البراقة للقضاء الإسلامي من الجهة الثانية، ويعتبر أنموذجاً ومثلاً وقدوة وتحت محط الأنظار طوال العهود التالية . ويمكننا أن نشير باختصار وإيجاز إلى أهم ميزات القضاء في العهد الراشدي وهي:  ـكان القضاء في العهد الراشدي امتداداً لصورة القضاء في العهد النبوي، بالالتزام به، والتأسي بمنهجه، وانتشار التربية الدينية، والارتباط بالإيمان والعقيدة والاعتماد على الوازع الديني والبساطة في سير الدعوى واختصار الإجراءات القضائية، وقلة الدعاوي والخصومات إذا قورنت باتساع الدولة، وتعدد الشعوب والأمصار، وحسن اختيار القضاة، وتوفر الشروط الكاملة فيهم.  ـيعتبر القضاء في العهد الراشدي صورة صحيحة وصادقة وسليمة للقضاء الإسلامي، ولذلك صار موئل الباحثين، ومحط الأنظار للفقهاء، وصارت الأحكام القضائية والتنظيم القضائي في العهد الراشدي مصدراً للأحكام الشرعية، والاجتهادات القضائية، والآراء الفقهية في مختلف العصور، وهذا بالاتفاق ولو 1 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 354.

عدد الصفحات ٣٦٩

370 أدبياً، عند جميع العلماء والمذاهب مع وجود الاختلاف في التدقيق والجزئيات والتفاصيل، ومن ذلك اختلاف الأئمة في حجية قول الصحابي وعدم حجيته، كما هو مقرر في علم أصول الفقه، وعلم مصطلح الحديث، وتاريخ التشريع.  ـ مارس الخلفاء الراشدون وبعض ولاة الأمصار النظر في المنازعات، وتولى القضاء بجانب الولاية، كما أولوا الاهتمام الكامل لتولي قضاء المظالم وقضاء الحسبة.  ـعين الخلفاء الراشدون في أكثر المدن والأقطار الإسلامية قضاة لممارسة القضاء خاصة، دون بقية السلطات، وظهر بشكل مبدئي ـ ولأول مرة ـ فصل السلطات القضائية عن بقية السلطات، وأن الولاة لا سلطان لهم على القضاة في المدن الكبرى التي تم فيها تعيين القضاة بجانب الولاة، بينما يتولى الولاة في بقية المدن والأمصار القضاء والولاية معاً وهم تحت بصر ومحاسبة الخليفة الراشد.  ـكان القضاة في العهد الراشدي مجتهدين، فينظرون في نصوص القرآن والسنة مباشرة ويعملون فيها بما يؤدي إليه اجتهادهم، فإن لم يجدوا فيها حكم الواقعة اجتهدوا رأيهم بعد الاستئناس ب ما قضى به أسلافهم، واستشارة العلماء المعاصرين لهم، ثم أصدروا الحكم الذي وصل إليه اجتهادهم.  ـ ظهرت مصادر جديدة للقضاء في العهد الراشدي نتيجة للمنهج السابق الذي التزموه، وصارت الأحكام القضائية هي: القرآن، والسنة، والإجماع، القياس، السوابق القضائية، الرأي الاجتهادي، مع المشورة.  ـ تم التنظيم الإداري الدقيق للقضاء في العهد الراشدي، وأرسل عمر وعلي رضي الله عنهما الرسائل الخالدة والمشهورة إلى القضاة والولاة، لتنظيم شؤون

عدد الصفحات ٣٧٠

371 القضاء، وبيان الدستور والمنهج، وتبع ذلك متابعة الخلفاء للقضاة، ومراقبتهم، وتبادل الرأي معهم، والسؤال عن أخبارهم وأقضيتهم، وطلب مراجعتهم في القضايا المهمة، والمعضلة والخطيرة، وكانت هذه الميزة في أوجها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وخفَّت قليلاً في عهد عثمان، وضعفت في عهد علي لاضطراب الأمور، وكثرة الفتن، ونشوب الحروب الداخلية، وظهور بذرة الاستقلال الذاتي في الشام وما يتبعها مع تعدد السلطة1.  ـ كانت اختصاصات القاضي في الغالب عامة وشاملة لجميع الوقائع، وكانت صلاحية القاضي واسعة، وله الحرية الكاملة في الإجراءات ولكن ظهر في هذا العهد نواة الاختصاص الموضوعي والنوعي للقضاة، وتم تعيين قضاة للنظر في القضايا الصغيرة والبسيطة، كما تم تعيين قضاة للأحداث ا لجسيمة والوقا ئع الكبيرة، وبقي معظم الخلفاء ـ غالباً ـ يتولون النظر في الجنايات والحدود، وقام بهذا الشأن بعض الولاة أيضاً، كما ظهر في هذا العهد تعدد القضاة في وقت واحد في المدن الكبرى والأقطار الواسعة كالمدينة المنورة، والكوفة، والبصرة، واليمن، كما ظهر قاض للعسكر لأول مرة.  ـ تأكد في هذا العهد ما كان في العهد النبوي من مراقبة الأحكام القضائية، وإقرار ما وافق القرآن والسنة، وما صدر عن الرأي والاجتهاد، لأن الاجتهاد لا ينقص بمثله وينقص ما خالف القرآن والسنة2.  ـ استحدث في العهد الراشدي رواتب القضاة بشكل منظم، وأ نشىء السجن للحبس، كما ظهر ولأول مرة امتناع كبار الصحابة عن القضاء، كابن عمر الذي 1 تاريخ القضاة، ص: 159. 2 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 349.

عدد الصفحات ٣٧١

372 طلبه عثمان فامتنع، وكعب بن يسار بن ضنَّة الذي طلبه عمر لتوليته القضاء بمصر فأبى أن يقبل، وقيل: قبله أياماً، ثم اعتزل 1.  ـ كانت إجراءات التقاضي في العهد الراشدي بسيطة وسهلة وقليلة، بدءاً من سماع الدعوى، إلى إقامة البينة والإثبات والحجج، إلى إصدار الحكم فيها، إلى التنفيذ، وكانت آداب القضاء، مرعية في حماية الضعيف، ونصرة المظلوم، والمساواة بين الخصوم، وإقامة الحق والشرع على جميع الناس، ولو كان الحكم على الخليفة أو الأمير أو الوالي، وكان القاضي في الغالب يتولى تنفيذ الأحكام، إن لم ينفذها الأطراف طوعاً و اختياراً، وكان التنفيذ عقب صدور الحكم فوراً، ولكن ظهرت في العهد الراشدي أمور تنظيمية جديدة، فوجد كاتب للقاضي في عهد عمر، وظهرت الشرطة والأعوان لمساعدة القاضي والوالي في عهد عثمان، وتطور التحقيق الجنائي على عهد سيدنا علي رضي الله عنه، وفرق بين الشهود للوصول إلى الحق وكشف الواقع حتى صار مضرب المثل2. 5 ـ العدل بين النظر والتطبيق إن ما ذكرنا من الأمثلة في عهد النبوة وعصر الخلافة الراشدة قليل من كثير، توضح كيف تقدم المسلمون بالعدل، إلى أعلى درجاته، ـ وخاصة الإنصاف من النفس ـ وأنه لم يكن عندهم مجرد فكر وتصور تحويه القلوب، أو هدف مأمول تطويه الكتب، ولكنه تحويل إلى واقع عملي تشهده العيون والأبصار. وهذا التطابق الحقيقي لمبدأ العدل بين النظر والتطبيق، الذي حصل في الإسلام منذ أربعة عشر قرناً، يعد غ ريباً ونادر الوقوع في النظم الأخرى، القديمة منها والحديثة، إذ 1 علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 349. 2 تاريخ القضاةنقلاً عن علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي، ص : 249.

عدد الصفحات ٣٧٢

373 من السهل جداً أن يقع فيها العدل بين المحكومين أنفسهم، ولكن من الصعب أن يقع بينهم وبين حكامهم، فيتنازل الحكام والرؤساء، عن مكاسبهم الشخصية، ومراكزهم الاجتماعية خضوعاً لصوت الحق والعدل، وإذعاناً ل حكم المبدأ والقانون1. ففي القديم، وضعت الملوك والرؤساء في مصاف الآلهة وكانوا فوق القانون، وفوق الانتقاد البشري، وكانت لهم حقوق على رعاياهم وليس لرعاياهم عليهم حقوق2. وفي الحديث قررت لهم امتيازات وحصانات متنوعة تصون ذواتهم، عن المؤاخذة بأقوالهم وأفعالهم، وتصرفاتهم، وتمنع أي إدانة توجه ضدهم، اللهم في حالة مستثناة هي: الخيانة العظمى للدولة على اختلاف في تفسيرها. والغريب أن تلك النظم هي التي تنادي اليوم عبر دساتيرها بمبدأ المساواة والعدل، ولكن الواقع شاهد على أن هذا المبدأ، لم يتم نضجه وتكوينه فيها حتى الآن، بينما تم ذلك في الإسلام، ووصل فيه إلى أقصى مداه، فالإسلام منذ مجيئه قرر العدل والمساواة على إطلاقها، بلا قيود ولا استثناءات3، وإنما هو عدل تام بين أفراد المجتمع كافة، ومساواة تامة، بين الأصناف والأجناس، سواء كانت بين المحكومين، والرُّعاة والرعية، فلا فضل في هذا لحاكم على محكوم، ولا لشريف على وضيع، ولا لغني على فقير، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي، لأنه صلة الإنسان بغيره، في مجال الحقوق والواجبات لا يؤثر فيه شيئًا مادياً أو معنوياً، وإنما يؤثر ذلك في صلته بربه 4، وهو ما 1 مبدأ المساواة في النظام الإسلامي، محمد الشافعي، ص: 128. 2 التشريع الإسلامي، عبد القادر عودة (1 /311.) 3 واقعية التشريع الإسلامي، زياد صالح (1 /293.) 4 واقعية التشريع1 /294.)

عدد الصفحات ٣٧٣

374 جاء مصرحاً به في قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَِّ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات ، آية : 13)1. 6 ـ اعتراف الخصوم بعدالة الأمة بلغت عدالة هذه الأمة يوم أن كانت في أوج قوتها ونفوذ سلطانها، وقدرتها على البطش والظلم ـ إن أرادت ـ حدا ا أذهل الأعداء والخصوم، وجعلهم مشدوهين أمام عظمة هذه الأمة، والدين الذي تدين به وتدعو الأمم إليه ـ على ما في قلوبهم من غل وحقد وحسد ـ يشيدون بعدالة هذه الأمة وسماحتها وقيامها بالقسط مع خصومها من يعيش في كنفها من أهل الديانات الأخرى من قبل أبنائها ومواطنيها. فنطقت ألسنتهم بما رأوا ولمسوا من العدل والإنصاف والسماحة التي عاشوها وعوملوا بها في رحاب هذه الأمة وتحت سلطانها، وحين تأتي الشهادة لهذه الأمة من الأعداء والخصوم، فهي شهادة غير متهم ولا محاب، بل شهادة عدو، وخصم أنطقه واقع العدل الذي نعم به في جوار هذه الأمة، والرحمة التي مسته مما لم يجد لها مثيلاً حتى من بني قومه وعقيدته. وقديماً قيل: والفضل ما شهدت به الأعداء، وهذه مجموعة من اعترافات وشهادات الأمم وأهل الأديان الأخرى بعدالة هذه الأمة وإنصافها لمن عاش تحت شريعتها منهم. أ ـ روى البلاذري، من طريق سعيد عبد العزيز قال: بلغني أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع وبلغ المسلمون إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم، والدفع عنكم، فأنتم على أمركم، 1 المصدر نفسه1 /294.)

عدد الصفحات ٣٧٤

375 فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم1، ولندفعن جند هُرقل عن المدينة مع عاملكم 2. وكان أهل حمص نصارى، صالحهم المسلمون على أن يدفعوا الجزية والخراج ويتكفل ولي أمر المسلمين بحمايتهم، ودفع الأعداء عنهم، وقد كانوا قبل حكم المسلمين تحت حكم الروم وهم على دينهم، فلما رأى المسلمون أنهم غير قادرين على الوفاء لهم بشرط الحماية ردوا عليهم ما أخذوا منهم، فأكبر ذلك أهل حمص، لأنهم لم يعهدوا مثله في أمة غير المسلمين، وأشادوا بعدل المسلمين وحسن ولايتهم عليهم، وأنهم أحب إليهم من الروم مع كونهم على دينهم، وهذه شهادة صريحة بعدالة هذه الأمة التي مارست منهج القرآن في حياتها. وهذا اعتراف آخر وشهادة أخرى من أهل وادي الأردن: لقد كتبوا إلى قائد المسلمين آنذاك وهو أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، معربين عن تمنيهم لحكم المسلمين لما لمسوا من عدالتهم ووفائهم ورأفتهم بهم وأنهم يفضلونهم على الروم، وإن كانوا على دينهم، قائلين: يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا3. ب ـ شهادة المستشرق توماس و. آرنولد: يقول في كتابه: "الدعوة إلى الإسلام" وهو يتحدث عن اضطهاد الفرس للمسيحيين، موازناً بين سلكوهم وسلوك المسلمين: ولكن مبادىء التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال ـ التي كان يمارسها الفرس على 1 الغشم: الظلم والعصب. 2 فتوح البلدان، ص: 143. 3 فتوح الشام، ص: 97.

عدد الصفحات ٣٧٥

376 رعاياهم من المسيحيين التي تنطوي على الظلم ـ بل كان المسلمون على خلاف غيرهم، إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهداً في أن يعاملوا كل رعاياهم من المسيحيين بالعدل والقسطاس1. وقال عن إيثار أهل القدس وفلسطين لحكم المسلمين واغتباطهم به: ومن المؤكد أن المسيحيين من أهالي هذه البلاد، أي: القدس ، قد آثروا حكم المسلمين على حكم الصليبيين2. جـ ـ شهادة واعتراف المستشرق الأمريكي وول ديورانت: وهذا مستشرق يهودي صهيوني حاقد وضع في كتابه "قصة الحضارة" السم في الدسم وطعن في الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وتعرض للمسيح بالطعن كثيراً، مما يجعلني أن أحذ ر من هذا الكتاب وأُ ذكّ ر من أراد أن يطلع عليه أن يتوخى الحذر ويتنبه لتلك السموم التي نشرها في كتابه هذا، ومع هذا أراد الله أن يظهر الحق على لسانه. يقول ديورانت مبيناً أوضاع حال أهل الذمة الذين يعيشون في ظل الدولة الإسلامية: ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون3، واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظير في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص، وضريبة عن كل شيء شخصي، تختلف باختلاف دخله، ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، وبعض منها الرهبان، والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ والأرقاء 1 الوسطية في القرآن، ص: 101. 2 الدعوة إلى الإسلام، ص: 116. 3 الزرادشتيون: أتباع زرادشت بن بورشب

عدد الصفحات ٣٧٦

377 والشيوخ والعجزة، والعمى، والفقر الشديد وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية، ولا تفرض عليهم الزكاة، وكان لهم على الحكومة أن تحميهم1. د- اعتراف المستشرق ستانلي لين بول فقد نقل عنه صاحب " قصة الحضارة " العبارة التالية: لم تنعم الأندلس طول تاريخها بحكم رحيم عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين2. 1 قصة الحضارة13/130 ـ131.) 2 الوسطية في القرآن الكريم، ص: 102.

عدد الصفحات ٣٧٧

378 الخلاصة 1 ـ العدلهو ميزان الله في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوي وللمحق من المبطل. 2 ـ العدل قيمة مطلقة ربانية غرس الله محبتها في نفوس أصحاب الفطر السوية، والعقول الراجحة الذكية التي تنبذ الظلم والجور والتعسف. 3 ـ يُعد مفهوم العدالة من المفاهيم الأساسية في فلسفة الأخلاق والسياسة والحقوق. 4 ـ والعدالة هي شعور كامن في أعماق النفس ويكشف عنه العقل السليم ويوصي به الضمير المستنير لإعطاء كل ذي حق حقه. 5 ـ للعدل ملامح وسمات تحف به وتميزه عن غيره ومن أهم هذه الملامح الوسطية، الخيرية، رفع الحرج والأخذ باليسر، الحكمة، الاستقامة، البينية. 6 ـ تحدث القرآن الكريم عن قيمة العدل وجعلها من مقاصده والكلمات التي دعت للعدل في القرآن الكريم مترادفة ومتفاوتة بلفظ القسط وأحياناً بالأمر بإيفاء الكيل والميزان أو الوزن بالقسطاس المستقيم وهكذا. 7 ـ إن نقص الميزان والمكيال آفة اقتصادية واجتماعية خطيرة، وينتج عن هذا العمل أضرار جسيمة على دين الناس ودنياهم: أما كونه ضرراً على دينهم فلأن هذا العمل يخالف ويناقض النهج الذي أنزل الله من عنده ليتعامل الناس بمقتضاه، ذلك النهج هو العدل في كل شيء، ونقص المكيال والميزان كان من الأسباب التي أدت إلى هلاك قوم شعيب، فقد أصروا على هذا العمل رغم الجهود التي بذلها شعيب عليه السلام في دعوتهم إلى اجتنابه. 8 ـ الظلم في المنظور الإسلامي نقيض العدل فهو وضع الشيء في غير موضعه المناسب شرعاً وهو عدوان على الآخر بسبب أو بدونه، ولذلك كان الظلم صفة ذميمة

عدد الصفحات ٣٧٨

379 ترفضها كل بصيرة واعية، بحيث لا يختلف عاقلان على قبح وقوعه عليهما، وقد يختلفان إذا وقع على غيرهما بحسب حظهما من الإنصاف وحب العدل. 9 ـ اقتضت الحكمة الإلهية أن يعقل الإنسان بالدين جماح نفسه وأن يتحمل أمانة العدل والإنصاف بالتمييز والرشد والإرادة والعزيمة. 10 ـ حظيت صفة الظلم باهتمام خاص في كتاب الله، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعرفنا من خلالهما مظاهرها وأنواعها وعقابها، وظهرت بشاعتها التي صورها القرآن الكريم والسنة المطهرة حتى كادت أن تكون مقاومتها مفتاح الرسالة الإسلامية واستحقت بها هذه العقيدة الخاتمة أن تكون " عقيدة ضد الظلم". 11ـ إنالصراع ضد الظلم هو علة بعث الرسالة ولذلك كانت إزالة الظلم أسس التربية الدينية القويمة وهو عنوان أخلاق الأنبياء التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم متمماً لها حتى قال: «إنما بعثتتمم مكارم الأخلاق» وكان التذكير بمصير الظالمين عنواناً بارزاً في أدبيات الثقافة العربية الإسلامية التي تعد مقاومة الظلم من الفرائض وليس مجرد الفضائل. 12 ـ للظلم عقوبات معجلة في الدنيا وأخرى مؤجلة إلى يوم القيامة، وعقوبات عامة يمكن أن تقع عاجلاً أو آجلاً، والرد الغالب للمعاقبين عند وقوعها هو الاعتراف بالظلم " فَمَا كَانَ دَعْوَ اهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ" (الأعراف، آية : 5.) 13 ـ فالركون إلى الظلم أو الميل إليه ومساعدته ظلم في حد ذاته. 14 ـ إن أشد ما يثبت المؤمن في المواقف العصبية ثقته غير المحدودة في الله تلك القوة التي تزاد بزيادة الإيمان.

عدد الصفحات ٣٧٩

380 15 ـ موقف الظالم المتوقع منه يوم القيامة هو الندم والاعتراف بالخطيئة والطمع في تجاوزها، وتفصل الآيات القرآنية هذا الموقف ابتداء من الحشر إلى إتمام الحساب والقضاء الإلهي لمصير الناس وفي ذلك إنذار للإنسان ليأخذ حذره مما ينتظره. 16 ـ المقصود بالعدل القضائي هي القناعة بأن أفراد المجتمع البشري كلهم من حيث الإنسانية، والكرامة والحقوق متساوون وكلهم طبقاً لهذا متساوون أمام القانون، لذا يجب على القضاء إعادة الحق للشخص الذي تم التجاوز والاعتداء على حقوقه. 17 ـ أقرت الشرعية الإسلامية مجموعة الضمانات لإجراء محاكمة عادلة وتوفير العدالة للجميع فيما يتعلق بالحقوق المقررة لهم شرعاً أو قانوناً. 18 ـاستقلالية القضاء وحياد القاضي واستقلاله هو من شروط توفير المحاكمة العادلة للمتهم. 19 ـ كل إنسانمسؤول عن نفسه ولا يؤخذ أحد بجريرة الآخر عملاً بقوله تعالى: " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرَى" فاطر ، آية : 18.) فالإسلام يرفض مساءلة أهل الجاني أو أخذ أقاربه بجريرة قريبهم، كما يرفض هذا الأسلوب الشائع الآن من وسائل الضغط على المتهم، أعني تهديده في أولاده وزوجته وفي أنفسهم وأعراضهم لحمله على الاعتراف، أو الإقرار، وهذا الأسلوب فوق أنه من الظلم البين، فإن إقرار المتهم تحت تأثيره يعتبر باطلاً ولا يعتد به، لأنه يمثل حالة من حالات الإكراه. 20 ـمنح المتهم الحق في الدفاع عن نفسه من أهم الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية للإنسان. 21 ـ من العدلالاجتماعي، تكافؤ الفرص، والحفاظ على التوازن الاجتماعي، والتكافل الاجتماعي، والضمان الاجتماعي، وإعادة توزيع الدخل والثروة.

عدد الصفحات ٣٨٠

381 22 ـ من أسس العدالةالاجتماعية، التحرر الوجداني، والمساواة الإنسانية، والتكافل الاجتماعي. 23 ـ إن النظم السياسية الديكتاتورية من أكبر الأخطار التي تهدد الإنسانلأنها تسلبه حريته وعقلانيته، وبالتالي إنسانيته التي بها كرم الله الإنسان، وأسجد له الملائكة، إن تلك النظم الظالمة تفرض على الإنسان أنظمة بعيدة كل البعد عن شرع الله وأحكامه العادلة. وتتضخم في هذه الأنظمة عبادة الذات والشهوات والمال والمتع المادية، وتبتعد كل البعد عن شكر الخالق الرازق المنعم على الإنسان بكل شيء، وتقع هذه الأنظمة في صور الظلم المتعددة والتي منها استخدام الثروة والمال واسترقاق الإنسان واستعباده، وذلك بحرمانه المقومات الأساسية للعيش الكريم. 24 ـ من وسائل العدالةالاجتماعية الزكاة التي تساهم في التهذيب الوجداني العميق والتضامن الإنساني الوثيق، ومن وسائل العدالة الاجتماعية كذلك الميراث الذي يبين القرآن الكريم أحكامه المبنية على العدل، فلم ينس فيه حق أحد، ولم يغفل من حسابه شأن الصغير والكبير، والرجل والمرأة، بل أعطى كل ذي حق حقه على أكمل وجوه التشريع، وأروع صور المساواة، وأدق أصول العدل، ووزع التركة بين المستحقين عادلاً حكي ماً بشكل لم يدع فيه مقالة لمظلوم، أو شكوى لضعيف، أو رأياً لتشريع من التشاريع الأرضية يهدف إلى تحقيق العدالة أو رفع الظلم عن بني الإنسان. 25 ـ مظاهر العدل الهي متعددة، ومتنوعة، منها في الفرائض وفي إرسال الرسل، وفي الثواب والعقاب، والعدل في العقوبة على الجرائم، كجريمة الزنا والقذف وشرب الخمر والحرابة والسرقة وقتل النفس والبغي، فكل الأحكام الشرعية خاضعة للعدل الرباني.

عدد الصفحات ٣٨١

382 إن هذا المجهود المتواضع قابل للنقد والتوجيه وما هي إلا محاولة جادة لإبراز قيمة العدل في التصور الإسلامي، وأسأل الله العلي العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل هذا الجهد المتواضع قبولاً حسناً وأن يبارك فيه، وأن يجعله من أعمالي الصالحة التي أتقرب بها إليه. وأختم هذا الكتاب بقول الشاعر: والله ما خوفي من الذنوب فإنها لعلى طريق العفو والغفران لكأنما أخشى انسلاخ القلب عن تحكيم هذا الوحي والقرآن ورضا بآراء الرجال وخرصها لا كان ذاك بمنة الرحمن ويقول الشاعر: فإذا أحب الله باطن عبده ظهرت عليه مواهب الفتاح وإذا صفت لله نية مصلح مال العباد إليه بالأرواح ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك)) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته علي محمد محمد الصَّلاَّبي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

عدد الصفحات ٣٨٢

383 فهرس الكتاب المبحث الأول: العدل لغة واصطلاحاً ومفهومه وأنواعه 11 أولاً: العدل لغة 11 ثانياً: العدل في الإصطلاح 12 ثالثاً: أوجه العدل في القرآن 13 رابعاً: مرادفات كلمة العدل 14 1 ـ القسط 14 2 ـالوسط. 15 3 ـ الحق 15 4 ـ الإنصاف 15 5 ـ السواء 15 خامساً: العدل المطلق، والعدل النسبي 16 1 ـ العدل المطلق 16 2ـ العدل النسبي 17 سادساً: قيمة العدل 18 سابعاً: مفهوم العدل 21 ثامناً: الفرق بين مفهومي العدالة والعدل 23 تاسعاً: ملامح العدل وأبرز سماته 25 1 ـ الوسطية 25

عدد الصفحات ٣٨٣

384 2 ـ الخيرية 27 3 ـ اليسر ورفع الحرج 28 4 ـ الحكمة 31 5 ـ الاستقامة 32 6 ـ البينية 33 7 ـدليل تطبيقي لملامح العدل. 35 عاشراً: مكانة العدل في القرآن الكريم 37 الحادي عشر: التحذير من الظلم وتحريمه 77 1 ـ مقاربة إحصائية 79 2 ـ خطر الظلم 81 3 ـ ظلم الشرك با 83 4 ـ ظلم العدوان 87 5 ـ العدوانالمعنوي. 89 6 ـ إعانة الظالم على عدوانه 92 7 ـ ظلم المعاملة 93 8 ـ الإفتراء على الله والتكذيب بآياته 101 9 ـ كتمان الشهادة 104 10 ـ الصد عن المساجد والسعي في خرابها 105 11 ـ أول مظلمة في حياة البشر 106 12 ـ ظلم النفس 108 13 ـ الظلم في قصص الأنبياء 111

عدد الصفحات ٣٨٤