المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ٢١ من ٢٥

321 والجيوش عند توديعهم1. ومن خلال فقرات الوصية التي جاءت في البحث تظهر الغاية من حروب المسلمين، فهي دعوة إلى الإسلام، فإذا ما رأت الشعوب جيشاً يلتزم بهذه الوصايا لا تملك إلا الدخول في دين الله طواعية واختياراً: فقد قال الصديق لجيش أسامة: يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا2 ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منه شيئاً بعد شيء فأذكروا أسم الله عليها وتلقون أقواماً فحصوا 3 أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم4، بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله5. ومن خلال الوصية نرى ـ جيشاً لا يخون، بل يصون الأمانة ويفي بالعهد ولا يسرق مال الناس أو يستولي عليه دون حق. ـ جيشاً لا يمثل بالآدميين بل هو يحسن القتل كما يحسن العفو ، يحترم الطفل ويرحمه، ويبر الشيخ الكبير ويكرمه ويصون المرأة ويحفظها. ـ جيشاً لا يبذر ثروة البلاد المفتوحة، بل تراه يحفظ النخيل ولا يحرقه ولا يقطع شجرة مثمرة، ولا يدمر المزروعات أو يخرب الحقول. 1 قصة بعث أسامة، ص70، د.فضل إلٰهي. 2 لا تمثلوا: يقال: مثلت بالحيوان أمثل به تمثيلاً. 3 فحصوا: حلقوا 4 فأخفقوهم: من أخفق فلاناً: أي: صرعه 5 تاريخ الطبري4 /46.)

عدد الصفحات ٣٢١

322 ـ وإذا ما حافظ على الثروة الآدمية فلم يغدر، ولم يخن، ولم يغل، ولم يمثل بقتيل، ولم يقتل طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة وحافظ على الثروة الزراعية فلم يعقر نخلاً، أو يقطع شجرة مثمرة، فهو يحافظ في نفس الوقت على الثروة الحيوانية فلا يذبح شاة أو بقرة أو بعيراً إلا للأكل فقط، فهل تحافظ الجيوش اليوم على واحد من هذه الأشياء ؟ أم أنها تحول البلاد التي تحاربها إلى خراب ودمار؟ والمثال قائم في العدوان الشيوعي على أفغانستان1، وفي البوسنة من قبل الصرب وكذلك كوسوفا، وفي كشمير من قِبل الهند على المسلمين، وفي الشيشان، وفي فلسطين من قِبل اليهود ألا ما أعظم الفرق بين هداية الله وضلال الظالمين. ـ وهو جيش يحترم العقائد والأديان السابقة عليه فيحافظ على العُبّاد في صوامعهم ولا يتعرض لهم بأذى... وتلك دعوى عملية تدل على سماحة الإسلام وعدالته، أما من يعيثون في الأرض فساداً ويحاربون الحق فجزاؤهم القتل ليكونوا عبرة لغيرهم 2، وما جاء في وصية الصديق رضي الله عنه لم يكن كلمات قيلت بل طبقها المسلمون في عصره وبعده3. ز ـ العدل بين الأمم المفتوحة في عهد الصديق: كانت السياسة الخارجية للصديق قائمة على بسط لواء العدل على الديار المفتوحة، ونشر الأمن والطمأنينة بين أهلها، حتى يحس الناس بالفرق بين دولة الحق ودو لة الباطل، وحتى لا يظن الناس أنه قد ذهب جبار ظالم ليحل مكانه من هو أشد منه، أو مثله في ظلمه وجبروته، ووصى أبو بكر قادة حربه بالرحمة والعدل، والإحسان إلى 1 أبو بكر الصديق للصّلاّبي، ص 168. 2 أبو بكر الصديق للصّلاّبي، ص 168. 3 قصة بعث أبي بكر جيش أسامة، ص81.

عدد الصفحات ٣٢٢

323 الناس، فإن المغلوب يحتاج إلى الرأفة وتجنب ما يثير فيه حمية القتال، وحافظ المسلمون الفاتحون على الإنسان والعمران فشاهدت الشعوب المفتوحة خلقاً جديداً في ذوق رفيع، وإنسانية صادقة، فقام ميزان الشريعة بين الأمم المغلوبة بالقسط، وانتشر نور الإسلام فأخذ بعدله مجامع القلوب، فسارعت الشعوب إلى اعتناق هذا الدين والانضواء تحت لوائه، وكان جند الأعاجم من الفرس أو الروم إذا وطئوا أرضاً دنسوها، ونشروا فيها الرعب والفزع، وانتهكوا الحرمات، مما قاسى منه الناس الويل والثبور وتناولت الأجيال قصصه المرعبة والمفزعة جيلا ً بعد جيل، وقبيلاً إثر قبيل، فلما جاء الإسلام ودخل جنده هذه الديار، فإذا بالناس يجدون العدل يبسط رداءه فوق رؤوسهم ويعيد إليهم آدميتهم التي انتزعها الظلم والطغيان، وقد حرص الصديق على هذه السياسة حرصاً عظيماً، وكان يقوَّم أي عوج يظهر أو خطأ يقع، روى البيهقي: أن الأعجام كانوا إذا انتصروا على عدو استباحوا كل شيء من ملك أو أمير، وكانوا يحملون رؤوس البشر إلى ملوكهم كبشائر للنصر، وإعلان للفخر، فرأى أمراء المسلمين في حروب الروم أن يعاملوهم بنفس معاملتهم، فبعث عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة برأس "بنان" أحد بطارقه الشام إلى أبي بكر مع عقبة بن عامر فلما قدم عليه أنكر ذلك، فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله إنهم يصنعون ذلك بنا، فقال: أفيستنان1 بفارس والروم، لا يحمل إليَّ رأس، إنما يكفي الكتاب والخبر2، ومن معالم السياسة الخارجية عند الصديق رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة فلم يُكره أحد من الأمم أو الشعوب على دينه بالقوة وهو في هذا ين طلق من قوله تعالى: " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة، الآية: 265) وجيوش الصديق أرادت من الفتوحات إزالة الطغاة وفتح الأبواب أمام الشعوب لترى نور الإسلام، أما وقد أزيل 1 أي: يتبعان فارس والروم في سُنتهم وعادتهم هذه 2 تاريخ الخلفاء للسيوطي

عدد الصفحات ٣٢٣

324 كابوس الظلم عن الناس، فليتركوا أحراراً ولا يكرهوا على شيء طالما حافظوا على عهدهم مع المسلمين. وكانت دولة الصديق تقوم بتفسير الإسلام لهم عملياً ونظرياً، بحيث يؤدي ذلك إلى اقتناعهم بهذا الدين، ليدخلوا فيه رغبة، فإن العقائد لا تستقر في قلوب الناس بالإكراه1، ولقداندفعت جيوش الصديق المظفرة نحو العراق والشام بعد القضاء على المرتدين في جزيرة العرب، واستطاعت أن تكسر شوكة الرومان والفرس وتفتح تلك الديار في وقت قياسي في تاريخ الحروب، والسبب في سرعة هذا الفتح عوامل تتعلق بالمسلمين الفاتحين، وأخرى ترجع إلى الأمم التي فتح المسلمون ديارها، فمن العوامل التي تتعلق بالمسلمين: ـ إيمان المسلمين بالحق الذي يقاتلون من أجله. ـ يقين المسلمين بربهم في قضية الرزق والأجل، والقضاء والقدر. ـ تأصل الصفات الحربية في المسلمين. ـ سماحة المسلمين وعدالتهم مع الشعوب. ـ رحمة المسلمين في تقدير الجزية والخراج ووفائهم بعهودهم. ـ ثروة المسلمين الواسعة من الرجال والقواد العظام. ـ إحكام الخطة الحربية2. 2 ـ العدل في عهد الفاروق عمر بن الخطاب كان عمر بن الخطاب قدوة في عدله أسر القلوب وبهر العقول، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام به تفتح قلوب الناس للإيمان، وقد سار على ذات نهج الرسول صلى الله 1 أبو بكر الصديق للصّلاّبي، ص 330. 2 المصدر نفسه، ص343.

عدد الصفحات ٣٢٤

325 عليه وسلم، فكانت سياسته تقوم على العدل الشامل بين الناس، وقد نجح في ذلك على صعيد الواقع والتطبيق نجاحاً منقطع النظير لا تكاد تصدق ه العقول، حتى اقترن اسمه بالعدل، وبات من الصعب جداً على كل من عرف شيئاً يسيراً من سيرته أن يفصل ما بين الاثنين، وقد ساعده على تحقيق ذلك النجاح الكبير عدة أسباب ومجموعة من العوامل منها: ـ أن مدة خلافته كانت أطول من مدة خلافة أبي بكر بحيث تجاوزت عشر سنوات في حين اقتصرت خلافة أبي بكر على سنتين وعدة شهور فقط. ـ أنه كان شديد التمسك بالحق حتى إنه كان على نفسه وأهله أشد منه على الناس. ـ أن فقه القدوم على الله كان قوياً عنده لدرجة أنه كان في كل عمل يقوم به يتوخى مرضاة الله قبل مرضاة الناس، ويخشى الله، ولا يخشى أحداً من الناس. ـ أن سلطان الشرع كان قوياً في نفوس الصحابة والتابعين بحيث كانت أعمال عمر تلقى تأييداً وتجاوباً وتعاوناً من الجميع 1. وهذه بعض المواقف للفاروق في إقامته للعدل والقسط بين الناس ـ فقد حكم بالحق لرجل يهودي على مسلم، ولم يحمله كفر اليهودي على ظلمه والحيف عليه، أخرج الإمام مالك من طريق سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختصم إليه مسلم ويهودي فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق2. ـ وكان رضي الله عنه يأمر عماله أن يوافوه بالمواسم 1 نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين حمد عبد الصمد، ص145. 2 الموطأ، ك الأقضية، باب الترغيب، الحديث رقم: 2.

عدد الصفحات ٣٢٥

326 فإذااجتمعوا قال: أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك ضربني مائة سوط قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها بعدك، فقال: أنا لا أقيد، وقد رأيت صلى الله عليه وسلم أقاد من نفسه. قال: فدعنا فلنرضه. قال: دونكم فأرضوه. فافتدى منه بمئتي دينار كل سوط بدينارين1، ولو لم يرضوه لأقاده رضي الله عنه2. ـوجاء رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرو بن العاص واليه على مصر قائلاً: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذاً قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو رضي الله عنهما يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه، فقدم عمرو، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس: فضرب، فوالله، لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما رفع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني، وقد استفيت منه فقال عمر لعمرو: منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ قال : يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتيني3. ـ أصابت الناس في أمارة عمر رضي الله عنه سنة "جدب بالمدينة وما حولها، فكانت تسقي إذا ريحت تراباً كالرماد فسمى ذلك العام ع ام الرمادة، فآلى "حلف" عمر ألا يذوق 1 الطبقات الكبرى لابن سعد3 /293ـ294.) 2 أقادهاقتصّ منه. 3 وسطية أهل السنة بين الفرق، د. محمد باكريم، ص170.

عدد الصفحات ٣٢٦

327 سمناً ولا لبناً ولا لحماً حتى يحيا الناس من أول الحيا ، فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا فقدمت السوق عُكَّ ة من سمن ووطب من لبن فأشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبر الله يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن، وعكة من سمن، فابتعتهما بأربعين، فقال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافاً، وقال عمر: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم 1. هذا موقف أمير المؤمنين عام القحط الذي سمي عام الرمادة، ولم يختلف موقفه عام الغلاء، فقد أصاب الناس سنة غلاء فغلا السمن، فكان عمر يأكل الزيت، فتقرقر بطنه، فيقول: قرقر ما شئت فوالله لا تأكل السمن حتى يأكله الناس. ـ ولم يقتصر مبدأ المساواة في التطبيق عند خلفاء الصدر الأول على المعاملة الواحدة للناس كافة، وإنما تعداه إلى شؤون المجتمع الخاصة، ومنها ما يتعلق بالخادم والمخدوم، فعن ابن عباس أنه قال: قدم عمر بن الخطاب حاجا ا، فوضع له صفوان بن أمية طعاماً، فجاؤوا بجفنة يحملها أربعة، فوضعت بين يدي القوم يأكلون، وقام الخدّام، فقال عمر: أترغبونه عنهم؟ فقال سفيان بن عبد الله: لا والله يا أمير المؤمنين ولكنا نستأثر عليهم، فغضب عمر غضباً شديداً، ثم قال: ما لقوم يستأثرون على خدامهم، فعل الله بهم وفعل، ثم قال للخدام: اجلسوا فكلوا، فقعد الخدام يأكلون، ولم يأكل أمير المؤمنين2، وكذلك فإن عمر رضي الله عنه لم يأكل من الطعام ما لا يتيسر لجميع المسلمين فقد كان يصوم الدهر، فكان زمن الرمادة إذا أمسى أتى بخبز قد ثُرد بالزيت إلى أن نحروا يوماً من الأيام جزوراً 3، فأطعمها الناس وغرفوا له طيبها فأتي به، فإذا قديد من سنام ومن كبد 1 تاريخ الطبري4 /98) نظام الحكم في الشريعة والتاريخ1 /87.) 2 مناقب أمير المؤمنين لابن الجوزي، ص101. 3 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي1 /187.)

عدد الصفحات ٣٢٧

328 فقال: أنى هذا؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، من الجزور التي نحرناها اليوم، فقال: بخ بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيَّبها وأطعمت الناس كرادسها، ارفع هذه الجفنة، هات غير هذا الطعام، فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز1. ـ مع عماله في الأقاليم ولم يكن عمر ليطبق مبدأ المساواة في المدينة وحدها، من غير أن يعلمه لعماله في الأقاليم، حتى في مسائل الطعام والشراب2، فعندما قدم عنبة بن فرقد أذربيجان أتى بالخبيص فلما أكله وجد شيئاً حل واً طيباً فقال: والله ولوضعت لأمير المؤمنين من هذا فجعل له سفطين عظيمين، ثم حملها على بعير مع رجلين، فسرّح بهما إلى عمر. فلما قدما عليه فتحهما، فقال: أي شيء هذا؟ قالوا: خبيص فذاقه، فإذا هو شيء حلو. فقال: أكل المسلمين يشبع من هذا في رحله؟ قال: لا، قال: أمّ ا لا فارددهما. ثم كتب إليه: أما بعد، فإنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك، أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك3. ـ العدل في الحدود بين الناس، يروي ابن الجوزي أن عمرو بن العاص أقام حد الخمر على عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، يوم كان عامله على مصر، ومن المألوف أن يقام الحد في الساحة العامة للمدينة، لتتحقق من ذلك العبرة للجمهور، غير أن عمرو بن العاص أقام الحدّ على ابن الخليفة في البيت، فلما بلغ الخبر عمر، كتب إلى عمرو بن العاص: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاص: عجبت لك يا ابن العاص ولجرأتك عليّ، وخلاف عهدي. أما إني قد خالفت فيك أصحاب بدر ممن خير منك واخترتك لجدالك عني، وإنفاذ عهدي، فأراك تلوثت بما قد تلوثت، فما أراني إلا 1 المصدر نفسه1 /188.) 2 عمر بن الخطاب للصّلاّبي، ص 94. 3 مناقب أمير المؤمنين لابن الجوزي، ص: 147.

عدد الصفحات ٣٢٨

329 عازلك فمسيء عزلك، تضرب عبد الرحمن في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني؟ إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين. ولكن قلت: هو ولد أمير المؤمنين، وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله عليه، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع1، وقد تم إحضاره إلى المدينة وضربه الحد جهراً . روى ذلك ابن سعد وأشار إليه ابن الزبير، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطولاً 2. وهكذا نرى العدل والمساواة في الشريعة في أسمى درجاتها، فالمتهم هو ابن أمير المؤمنين، ولم يعفه الوالي من العقاب، ولكن الفاروق وجد أن ابنه تمتع ببعض الرعاية، فآلمه ذلك أشد الألم وعاقب واليه ـ وهو فاتح مصر ـ أشد العقاب وأقساه. وأنزل بالابن ما يستحق من العقاب، حرصاً على حدود الله ورغبة في تأديب ابنه وتقويمه، وإذا كان هذا منهجه مع أقرب الناس عنده فما بالك بالآخرين3. ـ إقامة العدل على جبلة بن الأيهم: ومن الأمثلة التاريخية الهامةالتي يستدل بها المؤلفون على عدم الهوادة في تطبيق العدل والمساواة، ما صنعه عمر بن الخطاب مع جبلة بن الأيهم وهذه هي القصة: كان جبلة آخر أمراء بني غسان من قبل هرقل، وكان الغساسنة يعيشون في الشام تحت إمرة دولة الروم، وكان الروم يحرضونهم دائماً على غزو الجزيرة العربية، وخاصة بعد نزول الإسلام. ولما انتشرت الفتوحات الإسلامية، وتوالت انتصارات المسلمين على الروم، أخذت القبائل العربية في الشام تعلن إسلامها، فبدا للأمير الغساني أن يدخل الإسلام هو أيضاً، فأسلم وأسلم ذووه معه، وكتب إلى الفاروق 1 مناقب أمير المؤمنين لا بن الجوزي، ص235. 2 الخلافة الراشدة والدولة الأموية، يحيى اليحيى، ص: 345. 3 فن الحكم في الإسلام، د. مصطفى أبو زيد، ص476.

عدد الصفحات ٣٢٩

330 يستأذنه في القدوم إلى المدينة، ففرح عمر بإسلامه وقدومه، فجاء إلى المدينة وأقام بها زمناً والفاروق يرعاه ويرحب به، ثم بدا له أن يخرج إلى الحج، وفي أثناء طوافه بالبيت الحرام وطىء إزاره رجل من بني فزارة فحله، وغضب الأمير الغساني لذلك ـ وهو حديث عهد بالإسلام ـ فلطمه لطمة قاسية هشمت أنف ه، فأسرع الفزاري إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ما حل به، فأرسل الفاروق إلى جبلة يدعوه إليه، ثم سأله فأقر بما حدث، فقال له عمر: ماذا دعاك يا جبلة لأن تلطم أخاك هذا فتهشم أنفه؟ فأجاب بأنه قد ترفق كثيراً بهذا البدوي ، وأنه لولا حرمة البيت الحرام لأخذت الذي فيه عيناه، فقال له عمر: لقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل وإما أن أقتص له منك. وزادت دهشة جبلة بن الأيهم لكل هذا الذي يجري وقال: وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟ فقال عمر: إن الإسلام قد سوى بينكما. فقال الأمير الغساني: لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية، فقال الفاروق: دع عنك هذا، فإنك إن لم ترض الرجل اقتصصت له منك. فقال جبلة: إذن أتنصر. فقال عمر: إذا تنصرت ضربت عنقك لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك1. وهنا أدرك جبلة أن الجدل لا فائدة منه، وأن المراوغة مع الفاروق لن تجدي، فطلب إلى الفاروق أن يمهله ليفكر في الأمر، فأذن له عمر بالانصراف، وفكر جبلة بن الأيهم ووصل إلى قرار، وكان غير موفق في قراره فقد آثر أن يغادر مكة هو وقومه في جنح الظلام وفر إلى القسطنطينية، فوصل إليها مُ تنصِّ راً، وندم بعد ذلك على هذا القرار أش د الندم، وصاغ ذلك في شعر جميل ما زال التاريخ يردده ويرويه. وفي هذه القصة نرى 1 ابن خلدون2 /281) نقلاً عن نظام الحكم للقاسمي 1 /90.)

عدد الصفحات ٣٣٠

331 حرص الفاروق على مبدأ المساواة أمام الشرع، فالإسلام قد سوى بين الملك والسوقة، ولا بد لهذه المساواة أن تكون واقعاً حيا ا وليس مجرد كلمات توضع على الورق أو شعار تردده الألسنة1. لقد طبق عمر رضي الله عنه مبدأ المساواة والعدل الذي جاءت به شريعة رب العالمين وجعله واقعاً حياً يعيش ويتحرك بين الناس، فلم يتراجع أمام عاطفة الأبوة، ولم ينثن أمام ألقاب النبالة، ولم تضع المساواة أمام اختلاف الدين أو مجاملة الرجال الفاتحين، لقد كان ذلك المبدأ العظيم واقعاً حيا ا شعر به كل حاكم ومحكوم ووجده كل مقهور وكل مظلوم2. لقد كان لتطبيق مبدأ المساواة والعدل أثره في المجتمع الراشدي، فقد أثر الشعور بها على نفوس ذلك الجيل فنبذوا العصبية التقليدية من الادعاء بالأولية والزعامة، والأحقية بالكرامة، وأزالت الفوارق الحسبية الجاهلية، ولم يطمع شريف في وضيع، ولم ييأس ضعيف من أخذ حقه، فالكل سواء في الحقوق والواجبات، لقد كان مبدأ المساواة في المجتمع الراشدي نوراً جديداً أضاء به الإسلام جنبات المجتمع الإسلامي، وكان لهذا المبدأ الأثر القوي في إنشائه3. أ ـ المؤسسة القضائية في عهد عمر عندما انتشر الإسلام، واتسعت رقعة الدولة في عهد عمر، وارتبط المسلمون بغيرهم من الأمم، دعت حالة المدينة الجديدة إلى تطوير مؤسسة القضاء، فقد كثرت مشاغل الخليفة وتشعبت أعمال الولاة في الأمصار، وزاد النزاع والتشاجر، فرأى عمر رضي 1 فن الحكم في الإسلام، ص477 ،478. 2 المصدر نفسه، ص: 478. 3 المجتمع الإسلامي ودعائمه وآدابه، د. محمد أبو عجوة، ص: 165.

عدد الصفحات ٣٣١

332 الله عنه أن يفصل الولايات بعضها عن بعض، وأن يجعل سلطة القضاء مستقلة، حتى لا يتفرغ الوالي لإدارة شؤون ولايته، فأصبح للمؤسسة القضائية قضاة مستقلون عن ولاية خاصة، فعين القضاة في الأمصار الإسلامية في الكوفة والبصرة والشام ومصر، وجعل القضاء سلطة تابعة له مباشرة، سواء كان التعيين من الخليفة أو كان بتفويض أحد ولاته بذلك نيابة عنه، وهذا يدل على أن القيادة الإسلامية متمثلة في شخصية الفاروق، لم تكن عاجزة عن وضع قواعد أصلية في تنظيم الدولة وترتيب شؤونها، وتحديد سلطاتها. وإذا كانت أور وبا قد اكتشفت هذه القاعدة بصورة نظرية في القرن الثامن عشر، واعتبرتها فتحاً جديداً في تنظيم الدو لة، وفي رعاية حقوق المواطنين، يوم تحدث عنها "مونتسكيو" في كتابه "روح الشرائع" ولكن لم يكتب لهذه القاعدة التطبيق العملي إلا في أوائل القرن التاسع عشر، أي بعد الثورة الفرنسية، فإن الإسلام أقرَّها قبل أربعة عشر قرناً واعتبرها أصلاً من أصول نظامه، وقد كان هذا الأصل من زمن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أرسل معاذاً إلى اليمن وسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بما تقضي يا معاذ» فبين معاذ أنه يقضي بكتاب الله، فإن لم يجد فبِ سُنّ ة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد يجتهد رأيه ولا يألو، فأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك1. وأما الفاروق فقد قام بتطوير المؤسسة القضائية وما يتعلق بها من أمور، وأصبح في عهده مبدأ فصل القضاء عن غيره من السلطات واضحاً في حياة الناس، ولم يكن استقلال ولاية القضاء مانعاً لعمر رضي الله عنه، من أن يفصل في بعض القضايا، 1 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي2 /53.)

عدد الصفحات ٣٣٢

333 وربما ترَ ك بعض ولاته يمارسون القضاء مع السلطة التنفيذية، ويراسلهم في الشؤون القضائية، فقد راسل المغيرة بن شعبة في أمر القضاء، وكان واليه على البصرة ثم الكوفة، وراسل معاوية واليه على الشام في النزاع القضائي، وراسل أبا موسى الأشعري في شأن بعض القضايا، وكان القاضي يعين للولاية كلها، سواء أكان تعيينه من قبل الخليفة أم كان من قبل الوالي بأمر الخليفة، وكان مقر القاضي حاضرة الولاية وإليه ترجع السلطة القضائية في ولايته1. وقد تم فصل السلطة القضائية في الولايات الكبيرة على الغالب، مثل الكوفة، ومصر، وقد جمع لبعض ولاته بين الولاية و القضاء إذا كان القضاء لا يشغلهم عن شؤون الولاية، وراسلهم بهذا الوصف في شؤون القضاء، وأنه كان يقوم بالقضاء في بعض الأحيان مع وجود قضاة له بالمدينة2. ب ـ من أهم رسائل عمر إلى القضاة إن الفاروق رضي الله عنه وضع دستوراً قويماً في نظام القضاء والتقاضي، وقد اهت م كثير من أعلام الفقه الإسلامي بشرح هذا الدستور والتعليق عليه، ونجد الدستور العمري في القضاء في رسالته لأبي موسى الأشعري وهذه نص الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس3، سلام عليك، أما بعد، فإن القضاءفريضة محكمة، وسنَّ ة متّ بعة، فافهم إذا أُدْ لِ يَ إليك، فإنه لا ينفع تَ كَلُّم بحق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى 1 القضاء في الإسلام، عطية مصطفى، ص: 77. 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 274. 3 عبد الله بن قيس: أبو موسى الأشعري.

عدد الصفحات ٣٣٣

334 لا يطمع شريف في حيفك1، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على منادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أح لَّ حراماً أو حرَّم حلالاً، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه عَ قْلَكَ وهُديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ثم اعرف الأشباه والأمثال، فقِ سْ الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادّعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بيِّنته أخذت له بحقه، وإلا استحللت 2 عليه القضاء، فإنه أنفى للشك وأجْلى للعَمَى . والمسلمون عدول3 في الشهادة بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد ، أو مُجرابا عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السَّرائر، ودرأ 4 عنكبالبينات والأيمان. وإياك والغَلَق 5 والضجر والتأذي للخصوم، والتنكر عند الخصومات، فإن القضاء في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسِّن به الذُخر، فمن صحَّت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلَّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه ، شانه الله، فما ظنك بثواب الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام6. وقد جمعت هذه الرسالة العجيبة آداب القاضي، وأصول المحاكمة وقد شغلت العلماء بشرحها والتعليق عليها. هذه القرون الطويلة ولا تزال موضع دهشة وإكبار لكل من يطلع عليها. ولو لم يكن لعمر من الآثار غيرها، لعد بها من كبار المفكرين والمشرعين، 1 حيفك: ظلمك. 2 استحللت: سأله أن يُحِله له 3 عدول: جمع "عِدل" وهو المستقيم 4 درأ الشيء: دفعه 5 الغلق: ضيق الصدر، وقلة الصبر 6 إعلام الموقعين لابن القيم1 /85.)

عدد الصفحات ٣٣٤

335 ولو كتبها رئيس دولة في هذه الأيام التي انتشرت فيها قوانين أصول المحاكمات، وصار البحث فيها مما يقرؤه الأولاد في المدارس، لكانت كبيرة منه، فكيف وقد كتبها عمر منذ نحو الأربعة عشر قرناً، ولم ينقلها من كتاب ولا استمدها من أحد، بل جاء بها من ذهنه، ثمرة واحدة من آلاف الثمرات للغرسة المباركة التي غرسها في قلبه محمد صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه في دار الأرقم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله1. ومن الرسائل المهمة في هذا الباب رسالة الفاروق إلى أبي عبيدة رضي الله عنه: أما بعد، فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك ونفسي خيراً، الزم خمس خصال يسلم لك دينك وتأخذ بأفضل حظَّ: إذا حضر الخصمان فعليك بالبينات العدول، والأيمان القاطعة، ادن الضعيف حتى تبسط لسانه، ويجترىء قلبه، وتعهَّد الغريب فإن الطالب إذا حبس ترك حاجته وانصرف إلى أهله، وإن الذي أبطل حقَّه من لم يرفع به رأساً ، واحرص على الصلح ما لم يستبن لك القضاء، والسلام2. وكتبرضي الله عنه إلى معاوية بن أبي سفيان في القضاء: أما بعد فإني كتبت إليك بكتاب في القضاء لم آلك ونفسي فيه خيراً: الزم خمس خصال يسلك لك دينك، وتأخذ فيه بأفضل حظك: إذا تقدم إليك خصمان فعليك بالبينة العادلة أو اليمين القاطعة، وأدنِ الضعيف حتى يشتد قلبه وينبسط لسانه، وتعاهد الغريب، فإنك إن لم تتعاهده ترك حقه، ورجع إلى أهله، وإنما ضيع حقه من لم يرفق به، وآس بينهم في لحظك وطرفك، وعليك بالصلح بين الناس، ما لم يستبن لك فضل القضاء3. 1 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 276. 2 عمر بن الخطاب للصَّلاَّبي، ص : 276. 3 المصدر نفسه، ص: 276.

عدد الصفحات ٣٣٥

336 وكتب إلى القاضي شريح عن الاجتهاد: إذا أتاك أمر فاقض فيه بما في كتاب ا، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنَّ فيه رسول الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسنَّه رسول الله ولم يتكلم فيه أحد فأي الأمرين شئت فخذ به. وفي رواية أخرى: فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيراً لك 1. ويمكن للباحث من خل رسائل الفاروق وحياته في زمن خلافته أن يستخرج ما يتعلق بالمؤسسة القضائية في الأرزاق والعزل، وأنواع القضاة وصفاتهم وما يجب عليهم، ومصادر أحكامهم وخضوع الخليفة نفسه للقضاء وغير ذلك من المسائل المتعلقة بهذه المؤسسة. جـ ـ تعيين القضاة ورزقهم واختصاصهم القضائي:  ـ تعيين القضاة يصدر تعيين القضاة من الخليفة رأساً، فقد عين عمر بن الخطاب شُريحاً بالكوفة ، أو يكون التعيين من الوالي بتفويض من الخليفة،، كما عيَّن عمرو بن العاص والي مصر عثمان بن قيس بن أبي العاص قاضياً بها، فحق تعيين القاضي إلى الخليفة، إن شاء عيُّ نه بنفسه، وإن شاء فوضه إلى واليه، ولم يكن تعيين القضاة مانعاً من أن يتولى الخليفة القضاء بنفسه، لأن القضاء من سلطاته، وهو الذي يعهد بالقضاء إلى غيره، فالحق الأول من القضاء إليه ولا يكتب القاضي الصفة القضائية إلا إذا عيَّنه الخليفة بنفسه، أو بواسطة واليه2. 1 جامع بيان العلم وفضله2 /70.) 2 النظام القضائي، مناع القطان، ص: 72 ،73.

عدد الصفحات ٣٣٦