305 التظالم والتعادي، وهو ما يبدو جلياً في كثير من الهواجس يبديها في هذا الشأن وفي كثير من التنبيهات والتحذيرات يطلقها في هذا الجمع الغفير من الحجيج ليأخذوها في هيبة هذا المحفل المهيب مأخذ الجدّ، ويضعوها على رأس ما يأخذون من التعاليم النبوية في هذه الفرصة الخاتمة من البلاغ النبوي. ومن شواهد ما كان من همّ نبوي بمصير الأمة من حيث ما قد يؤول إليه من انتهاك لمبدأ العدل بما يفشو من ظلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم خلال الأيام التي قضاها في عرفات قد كان بين الفينة والأخرى ينادي في الناس بالتنبيه على الظلم والتحذير منه، وقد يكون ذلك في سياق خطبته الجامعة، وقد يكون أحياناً نداءً مخصوصاً لأجل هذه القضية مما يدل على أن همّ العدل وهاجس التظالم كان حاضراً باستمرار في خاطره الكريم، ومن ذلك ما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع لجرير: «استنصت الناس»، فقال«لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»1، وما رواه أحمد من أنه صلى الله عليه وسلم من بين ما خطب به في هذه الحجة قوله: «اسمعوا مني تعيشوا أ لا تَظْ لِموا، ألا لا تَظْلِموا، ألا لا تَظْلِموا. إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس...»2. إنها تخوفات نبوية من مآل المسلمين إلى هدر مبدأ العدل بينهم، يوحي بها هذا الإفراد للتحذير من مآل المسلمين إلى التعادي وقتل بعضهم بعضاً في طلبه جريراً اس تنصات الناس لتبليغ هذا التحذير، وكما يوحي بها هذا التحذير المتكرّر ثلاثاً من أن يؤول أمر المسلمين إلى ظلم بعضهم بعضاً، وبإزاء هذه الهموم والتخويفات النبوية في خصوص مصير المسلمين في التعامل بينهم، كيف لا يكون مبدأ العدل والمساواة هو أحد المحاور 1 صحيح البخاري، ك، المغازي، الحديث رقم: 4405. 2 مسند أحمد، حديث عن أبي جرة الرقاشي.
عدد الصفحات ٣٠٥306 اساسية التي تدور عليها حجة الوداع في البلاغ النبوي بالأقوال والأفعال، والحال أن مصير الدين من حيث العمل به متعلق بما يكون عليه المجتمع من سلامة بنينه وهي سلامة لا تستقيم إلا بالعدل. ح ـ مسالك العدل من خلال حجة الوداع: المتأمل في حجة الوداع ما ورد فيها من أقوال نبوية وأفعال يكاد لا يجد موقفاً من مواقفها، ولا مقطعاً من مقاطع خطبها خالياً من توجيه يتعلق بمبدأ العدل سواء كان ذلك بصفة مباشرة أو بصفة ضمنية، ولذلك فإننا كما أشرنا سابقاً يمكن أن نعتبر هذه الحجة مدرسة لتعليم العدل والمساواة، ولعل من الحكمة النبوية أن هذه المدرسة من أجل ترسيخ قيمة العدل في النفوس وتثبيتها في الأذهان، وتمكينها في الإيمان . جاء التعليم فيها بأساليب مختلفة تصريحاً وتلميحاً وإيحاء وللنفوس مداخل مختلفة يدخل منها الخطاب النبوي إليها ليثبّت فيها المبادئ والمفاهيم ومن خلال قضايا متعدّدة ومتنوع ة، إذ العدل مبدأ عام يتخلّل مناطق واسعة من تصرفات الإنسان، فتنويع المداخل وتعديد المسائل والقضايا فيما يتعلق بتعليم النبي الكريم أمته العدل في هذه الحجة يندرج ضمن ما كان يوليه لهذا المبدأ من أهمية في سلامة المجتمع من بعده، كما يندرج من جهة أخرى ضمن حكمته النبوية في نجاعة البلاغ، وأداء الأمانة ولذلك فإن من يروم أن يتعلم العدل من الهدي النبوي في حجة الوداع يجب أن يتبينه في مقامات متعددة من هذه الحجة، وفي قضايا مختلفة ورد فيها الهدي النبوي، وفي كل مظهر من مظاهر ذلك العدل كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم أثر في المجتمع يرتفع به درجة في الكفاءة لإقامة الدين على الوجه المطلوب ومن ذلك ما نورد تالياً بعضاً منه. 5 ـ الدرس العملي في المساواة
عدد الصفحات ٣٠٦307 في الحج بصفة عامّة درس عملي بليغ في المساواة بين المسلمين كافّة، فالتجرّد من الثياب المحيطة والمخيطة وتساوي الحجيج جميعاً في ث ياب واحد هو ثياب الإحرام من شأنه أن يزيل من النفوس الفوارق العارضة من سلطان وجاه ومال، ويشعر الناس بأنهم كما ولدوا عراة متساوين وكما سوف يدفنون في أكفانهم متساوين، فإنهم فيما بين هذا وذاك هم متساوون أيضاً، ليس لأحدهم درجة فضل على غيره، لا في حلة بهيجة، ولا في طيب ضائع، ولا في شفاعة تعفي من بعض أعمال الحج ولا في وساطة تقدم هذا وتؤخر ذاك، أعداد من الناس على مرمى البصر لا يفرّق بينهم فارق، إنه لدرس عملي بليغ، له في النفوس وقع، وله في السلوك أثر. وإذا كان هذا المشهد التربوي العظيم يعلم الناس العدل والمساوة في كل موسم من مواسم الحج، فإن الموسم الذي كانت فيه حجة الوداع سوف يبلغ الدرس فيه أضعاف معانيه، وسوف يكون له من التأثير في النفوس أضعاف ما لغيره من المواسم، إذ هو مشهد كان الرسول الأكرم عليه شهيداً، وكان فيه معلماً بصفة مباشرة، وغيره من المواسم كان فيها معلماً بما بلغ من تعاليمه، ف استشعار النفوس للمساواة بين المسلمين على صعيد عرفات بشهادة الرسول الكريم وبتوجيهه المباشر، أوقع في النفوس وأعمق أثراً فيها من استشعارها حينما لا يكون الأمر كذلك1. إن العدل والمساواة قيمة عليا من القيم الإسلامية، وهي قبل أن تتمثل في المعاملات الخارجية بين الناس ينبغي أن يتمثلها المسلم في نفسه، وأن يستشعرها في ضميره، وأن يجعلها عنصراً من عناصر إيمانه، فإذا ما تشبّعت بها النفس ظهرت آثار ها على السلوك بصفة تلقائية أو شبه تلقائية. 1 مراجعات في الفكر الإسلامي، ص387.
عدد الصفحات ٣٠٧308 ومشهد الحجّ عموماً فيما تتشرّبه النفوس من مشاعر المساواة بالتجرّد من الفوارق وحجّة الوداع خصوصاً فيما تقوى به تلك المشاعر بالشهادة النبوية، من شأنها أن تكون درساً بليغاً في التربية الاجتماعية على قيمة العدل والمساواة تلك التربية التي إن شبّت النفوس عليها، أو استقامت بها بأثر من مشهد الحج فإنها سيكون لها الأثر البالغ في بناء مجتمع يسوده العدل في المعاملات، بعدما تمثّله النفوس والضمائر. ـ العدل في الحقوق والواجبات: من أظهر ما يظهر فيه العدل الاجتماعي التساوي في الحقوق والواجبات، وذلك على معنى أن يستوي أفراد المجتمع جميعاً فيما عليهم أن يؤدّوه من واجب نحو الآخرين وفيما لهم أن يستوفوه منهم من حقوق، ليس لفرد من الأفراد أو لفئة من الفئات لخصوصية من الخصوصيات العارضة أن يكون أوفى حقوقاً من غيره أو أقل واجبات منهم، وقد جاءت حجة الوداع خزاانا ثرياً بالمبادئ والتوجيهات والتعليمات في بيان هذا المظهر من مظاهر العدل الاجتماعي، لا من حيث الأحكام فحسب، ولكن من حيث التأكيد والتنبيه والتحذير في شأنها أيضاً، مما يجعل من مبدأ العدل والمساواة في الحقوق والواجبات مقصداً من المقاصد العلي ا للدين. وأوّل ما جاء بيانه والتنبيه عليه في هذه الحجّة من معاني العدل في الواجبات والحقوق هو تساوي أفراد المجتمع جميعاً في حرمة الدماء والأموال والأعراض، وهي الأعمدة الأساسية في البناء الاجتماعي، فأفراد المجتمع الإسلامي كافة متساوون في حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحق كل واحد منهم أن يُعصم دمه ويُحفظ ماله ويُصان عرضه، وواجب كل واحد منهم، أن يعصم دماء الآخرين ويحفظ أموالهم ويصون أعراضهم، لا فرق بين ذلك بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير، ولا بين وجيه
عدد الصفحات ٣٠٨309 وغير وجيه، ولا بين أسود وأبيض، فهذه الحقوق والواجبات مشتركة بينهم بالعدل مقسومة بينهم بالمساواة. في هذه المعاني جاءت الخطبة النبوية في حجة الوداع مدوّية، بل لعلّها كانت هي المعاني الأبرز في تلك الخطبة، فقد جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجموع الحجيج: «أي شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه قال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «فأي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم» - وأحسبه قال وأعراضكم- «عليكم حرام كحرمة يومكم هذا من بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم فسيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه»1. لم تفرّق هذه الخطبة بين دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، بل جعلتها جميعاً على صعيد التساوي، فأيما مسلم كيفما كان شأنه فإنه يساوي جميع الآخرين في حرمة هذه الحرمات وهو ما جاء في حديث آخر قال فيه: «يد المسلمين على من سواهم تتكافأ دماؤهم وأموالهم ويجبر على المسلمين أدناهم ويرد على المسلمين أقصاهم»2. وقد أحاط بهذا التقرير النبوي للمساواة بين المسلمين في هذه الحقوق ظروف مشدّدة عليها مما يوحي بما كان يوليها من أهميّة، ومن ذل ك طريقة تقريرها بذلك الأسلوب الاستفهامي الذي قرنها فيه بما كان مستقراً في ضمائر الناس عبر الزمن من حرمة المكان والزمان، قصد ترسيخها في الأذهان كما كانت هذه الحرمة راسخة فيها ومنها 1 مراجعات في الفكر الإسلامي للنجار، ص391. صحيح البخاري، ك المغازي، الحديث رقم4406. 2 سنن ابن ماجه، ك الديات، باب المسلمون تتكافأ دمائهم
عدد الصفحات ٣٠٩310 إشهاد الناس على هذا البلاغ وإشهاد الله تعالى عليه، فإنما يكون مثل هذا الإشهاد على عظائم الأمور. وإذا استقرّت العدالة في الحقوق والواجبات مبدأ مفروضاً على صعيد الإيمان فإن هذه العدالة ينبغي أن تكون أيضاً في مستوى ال تنزيل على الوقائع، فيكون العدل في تطبيق الأحكام على الناس بالسوية، إذ ما أكثر ما يؤمن الناس بمبدأ العدل قيمة نظرية ثم تجدهم يهدرون تطبيقه بالميل عنه محاباة لهذا القريب أو ذاك الوجيه. وهو ما جاء في خطبة الوداع توجيهاً صارماً في درس نبوي تطبيقي، وذلك حينما ق رّر النبي صلى الله ع ليه وسلم وضع الربا والدماء ثم بدأ في تطبيق ذلك على نفسه وأقربائه، فقال: «ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، ألا وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وأول دم وضع من دماء الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل»1. إنه درس عملي في المساواة عند تطبيق العدالة في الحقوق والواجبات فما أكثر ما ينخرم هذا العدل عند التطبيق في حق الأقارب أو في حق الحكام وحواشيهم، فبدأ الرسول الكريم في تحقيق العدل في الواقع بنفسه حاكماً، وببني عبد المطلب أقارب، فكان درساً انضافت فيه بلاغة الأعمال إلى بلاغة المقال. وإذا كان العدل في الشريعة الإسلامية مرسلاً بحيث يشمل جميع الناس، إلا أنّ تخصيص الضعفاء من أفراد المجتمع بأن يُشتدّ في معاملتهم بالعدل أمر مطلوب لمظنة أن يكون ضعفهم حائلاً دون أخذ حقوقهم أو يكون الا ستقواء عليهم مغرياً بمنعهم من تلك الحقوق ، 1 سنن الترمذي، ك التفسير،الحديث رقم: 3087.
عدد الصفحات ٣١٠311 وهو الأمر الذي ورد في خطبة الوداع في مورد التأكيد عليه، والتحذير منانتهاكه، فقد استوصى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة بالنساء خيراً وشدّد على أن تصلهن حقوقهن بالعدل كاملة وهو ما جاء في قوله عليه السلام: «ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هُ نَّ عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك... ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن»1. وعلى ضوءهذا الدرس في التأكيد على العدل في معاملة النساء لاستضعافهن من قبل الكثير من الناس يمكن أن يقاس التأكيد على العدل في معاملة كل الضعفاء والمستضعفين أن يستبد عليهم بهم حقوقهم. إن كل اعتداء على حق من هذه الحقوق، أو التقصير في واجب من هذه الواجبات يندرج ضمن معنى الظلم إما للنفس أو للآخرين، والظلم هو نقيض العدل، ولذلك فإن خطبة الوداع لم تكتف بالتنبيه إلى العدل والدفع إليه، وإنما عمدت أيضاً على سبيل تنويع الأسلوب في التربية والتحذير من نقيضه والتنبيه إلى المزلاّت التي توقع فيه، وهو ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على الظلم في الأموال: «ألا لا تَ ظْلِموا ألا لا تَظْلِموا، ألا لا تَظْلِ موا، إنه لا يحلّ مال امرئ إلا بطيب نفس منه». وقوله تنبيهاً على الظلم في الدماء «ألا لا ترجعوا بعدي ضُلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض»2. ولا غرو أن يخصّص النبي الكريم في حجة الوداع هذا القدر الكبير من التعليم المتعلق بإيتاء العدل والمساواة، والانتهاء عن الظلم والمحاباة، فالعدل هو أساس قيام المجتمع، والظلم هو أساس فساده سواء من حيث قيام العمران، أو من حيث ترّقي الإنسانية في 1 المصدر نفسه. 2 تقدم تخريجه.
عدد الصفحات ٣١١312 الإنسان، وذانك جناحا الخلافة في الأرض التي هي مهمّة الإنسان ف ي الحياة، فإذا انكسر أحد الجناحين بانكسار العدل وحلول الظلم محله انهدم نصف المهمّة، وإذا انكسر الآخر انهدمت المهمّة كاملة. وقد أبدع ابن خلدون في بيان هذا المعنى، وإظهار ما للعدل من دور في قيام المجتمع، وما لنقيضه الظلم من دور في هدمه ومن بين ما قاله في ذلك: "فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران: اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم. وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك. والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما بالأعمال فإذا قعد الناس عن المعاش انقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتفضت الأحوال فخفّ س اكن القطر، وخلت دياره، وخرجت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة والسلطان، لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد صورتها ضرورة1. إنها إذن نهاية طبيعية حتمية لاضطراب المجتمع لما ينتقض فيه العدل ويفشو الظلم، ولذلك جاء التنبيه عليه في حجة الوداع قوياً على نحو ما بيّنا. ـ العدل في تكافئ الفرص: وقد ورد في حجة الوداع تعليم لقيمة تكافئ الفرص بين المسلمين باعتبارهم مسلمين، وذلك من خلال ما كان النبي الكريم يسهل به المناسك كل ما سأله ذلك، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم: كان يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل 1 مقدمة ابن خلدون، ص253.
عدد الصفحات ٣١٢313 أن أرمي، وأشباه ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج لهن كلَّهن »، فما سئل يومئذ عن شيء إلا قال: «افعل ولا حرج»1. كل الناس في هذه التيسيرات متكافؤون لا فرق بين من هو قادر على الجبر المالي ومن غير قادر، ولا بين من هو في سعة وبين من هو في ضيق في «افعل ولا حرج». كانت الفرصة المتاحة للجميع، وإن هذا التكافؤ الذي كان محل تعليم نبوي لئن كان موضوعه التيسير على الجميع في تصرفات عبادية، إلا أنه يمكن أن يؤخذ منه درس يعمم على جميع الشؤون الدنيوية، فيكون جميع الأفراد في المجتمع الإسلامي ينبغي أن يكونوا متساوين في الفرص التي تحقق لهم المنافع المادية أو المعنوية، وأن يعاملوا في ذلك على أساس موحّد لا يُراعى فيه إلا اعتبار عضوية المجتمع دون أي اعتبار غيره من الاعتبارات2. ثانياً: في عهد الخلافة الراشدة 1ـ في عهد الصديق قال أبو بكر الصّ دِّيق رضي الله عنه: الضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله3. إن من أهداف دولة الصديق الحرص على إقامة قواعد النظام الإسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع الرشيد، ومن أهم هذه القواعد: الشورى والعدل والمساواة، والحريات، ففي خطاب الصّ دِّيق للأمة أقرّ هذه المبادئ ، فالشورى تظهر في طريقة اختياره وبيعته 1 صحيح البخاري، ك الحج، الحديث رقم: 1737. 2 مراجعات في الفكر الإسلامي، ص395. 3 البداية والنهاية لابن كثير6 /305.)
عدد الصفحات ٣١٣314 وفي خطبته في المسجد الجامع، بمحضر من جمهور المسلمين، وأما عدالته فتظهر في نص خطابه، ولا شك أن العدل في فكر أبي بكر هو عدل الإسلام الذي هو الدعامة الرئيسية في إقامة المجتمع والحكم الإسلامي، فلا وجود للإسلام في مجتمع يسوده الظلم ولا يعرف العدل. إن إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات ودولاً ليست من الأمور التطوعية التي تترك لمزاج الحاكم أو الأمير وهواه، بل إن إقامة العدل بين الناس في الدين الإسلامي تعد من أقدس الواجبات وأهمها، وقد أجمعت الأمة على وجوب العدل1. قال الفخر الرازي رحمه الله: أجمعوا على أن من كان حاكماً وجب عليه أن يحكم بالعدل2. ولقد عمل أبو بكر الصّ دِّيق في دولته على ترسيخ قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته، بأشكاله وأنواعه كافة، وكان الصديق قدوة في عدله يأسر القلوب ويبهر الألباب، فالعدل في نظره دعوة عملية للإسلام، فهي تفتح قلوب الناس للإيمان، لقد عدل بين الناس في العطاء، وطلب منهم أن يكونوا عوناً له في العدل وعرض القصاص من نفسه، ومن هذه الوقائع: أـ أبو بكر يرضي خصمه: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنا أبا بكر الصّ دِّيق رضي الله عنه قام يوم الجمعة فقال: إذا كنا بالغداة فأحضروا صدقات الإبل نقسمها، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن، فقالت امرأة لزوجها : خذ هذا الخطام لعل الله يرزقنا جملاً، فأتى الرجل فوجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد دخلا إلى الإبل فدخل معهما، فالتفت أبو بكر 1 فقه التمكين في القرآن الكريم للصّلاّبي، ص 455. 2 تفسير الرازي10 /141.)
عدد الصفحات ٣١٤315 فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه، فلما فرغ أبو بكر من قسم الإبل دعا الرجل فأعطاه الخطام وقال: استقد. فقال له عمر: والله لا يستقيد لا تجعلها سنة، قال أبو بكر: فمن لي يوم القيامة؟ فقال عمر: أرضه، فأمر أبوبكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحلها وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها1. ب ـ حق رعاية الابن طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم، فلقيها تحمله وقد فطم ومشى فأخذ بيده لينزعه منها وقال: أنا أحق بابني منك. فاختصما إلى أبي بكر فقضى لها به وقال: ريحها وحرّها وفراشها خير له منك حتى يشب ويختار لنفسه2. جـ ـ القصاص فيما قطع من الأذن عن علي بن ماجدة قال: عارضت غلاماً بمكة فعض أذني، فقطع منها أو عضضت أذنه فقطعت منها، فلما قدم علينا أبو بكر حاجاً رفعنا إليه فقال: انطلقوا بهما إلى عمر فإن كان الجارح بلغ أن يقتص منه فليقتص، فلما انتهى بنا إلى عمر نظر إلينا فقال: نعم قد بلغ هذا أن يقتص ادعوا لي حجاماً 3 . د ـ قضاء دولة الصّ دِّيق: يعتبر عهد الصّ دِّيق بداية العهد الراشدي الذي تتجلى أهميته بصلته بالعهد النبوي وقربه منه، فكان العهد الراشدي عامة، والجانب القضائي خاصة، امتداداً للقضاء في العهد 1 روائع من العدل الإسلامي، فايز موسى، ص73. 2 المصدر نفسه، ص74. 3 المصدر نفسه، ص74.
عدد الصفحات ٣١٥316 النبوي مع المحافظة الكاملة والتامة على جميع ما ثبت في العهد النبوي وتطبيقه بحذافيره وتنفيذه بنصه ومعناه، وتظهر أهمية العهد الراشدي في القضاء بأمرين أساسيين: ـ المحافظة على نصوص العهد النبوي في القضاء والتقيد بما جاء فيه والسير في ركابة، والاستمرار في الالتزام به. ـ وضع التنظيمات القضائية الجديدة لترسيخ دعائم الدولة الصديقية ومواجهة المستجدات، كان أبو بكر رضي الله عنه يقضي بنفسه إذا عرض له قضاء ولم تفصل ولاية القضاء عن الولاية العامة في عهده ولم يكن للقضاء ولاية خاصة مستقلة كما كان الأمر في عهد النبوة إذ كان الناس على مقربة من النبوة يأخذون أنفسهم بهدي الإسلام، وتقوم حياتهم على شريعته، وقلما توجد بينهم خصومة تذكر، ففي المدينة عهد أبو بكر إلى عمر بالقضاء ليتسعين به في بعض الأقضية، ولكن هذا لم يعط لعمر صفة الاستقلال بالقضاء1. وأقر أبو بكر معظم القضاة والولاة الذين عينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمروا على ممارسة القضاء والولاية أو أحديهما في عهده2. وأما مصادر القضاء في عهد الصديق فهي ـ القرآن الكريم. ـ السنة النبوية ويندرج فيها قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ـ الإجماع، باستشارة أهل العلم والفتوى. ـ الاجتهاد والرأي، وذلك عند عدم وجود ما يحكم به من كتاب أو سنة أو إجماع3. 1 أبو بكر الصديق للصّلاّبي، ص: 142. 2 تاريخ القضاء في الإسلام محمد الزحيلي، ص134. 3 وقائع ندوة النظم الإسلامية، أبو ظبي1 /390.)
عدد الصفحات ٣١٦317 فكان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو كذا، فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عندئذ: الحمدلله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، وإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به1. ويظهر أنالصّ دِّيق يرى الشورى ملزمة إذا اجتمع رأي أهل الشورى على أمر، إذ لا يجوز للإمام مخالفتهم وهذا ما حكي عنه في القضاء، فإنه كان إذا اجتمع رأي المستشارين على الأمر قضى به، وهذا ما أمر به عمرو بن العاص عندما أرسل إليه خالد بن الوليد مدداً حيث قال له: شاورهم ولا تخالفهم 2 وكان رضي الله عنه يتثبت في قبول الأخبار، فعن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله تعالى شيئاً وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فقال أبوبكر: هل معك أحد؟ فشهد ابن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه أبوبكر3. هـ ـ المساواة بين الناس: وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصّ دِّيق في بيانه الذي ألقاه على الأمة، فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر، ومما ورد في القرآن الكريم تأكيد لمبدأ المساواة 1 موسوعة فقه أبي بكر، قلعجي، ص155. 2 المصدر نفسه، ص156. 3 تذكرة الحفاظ للذهبي1 /2) أبوبكر الصديق للصّلاّبي، ص 143.
عدد الصفحات ٣١٧318 قول الله تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَِّ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهََّ عَلِيم خَبِير " (الحجرات، آية : 13.) إن الناس جميعاً في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، والرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسب أو الطبقة، أو الحكام والمحكمون كلهم في نظر الشرع سواء1. وجاءت ممارسةالصّ دِّيق لهذا المبدأ خير شاهد على ذلك حيث يقول: وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه2. وكان رضي الله عنه ينفق من بيت مالالمسلمين فيعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد روى ابن سعد وغيره أن أبا بكر رضي الله عنه كان له بيت مال بالسُّنح معروف ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل على بيت المال من يحرسه؟ فقال: لا يخاف عليه، قيل له: ولم؟ قال: عليه قُفل: وكان يعطي ما فيه حتى لا يُبق ي فيه شيئاً، فلما ت حوّل إلى المدينة حوّله معه فجعله في الدار التي كا ن فيها وقدم عليه مال من معدن من معادن جُهينة، فكان كثيراً و انفتح معدن بني سليم في خلافته، فقدم عليه منه بصدقة، فكان يضع ذلك في بيت المال، فيقسمه بين الناس سوياا، بين الحر والعبد، والذكر وا لأنثى والصغير والكبير على السواء. قالت عائشة رضي الله عنه: فأعطى أول عام الحرّ عشرة، والمملوك عشرة، وأعطى المرأة عشرة، وأمتها عشرة، ثم قسم في العام الثاني، فأعطاهم عشرين عشرين، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنك قسمت هذا المال فسوّيت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل 1 فقه النصر والتمكين للصّلاّبي، ص 460ـ461. 2 البداية والنهاية6 /305.)
عدد الصفحات ٣١٨319 السوابق والقدم والفضل، فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جلّ ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة1. فقد كان توزيع العطاء في خلافته على التسوية بين الناس، وقد ناظر الفاروق عمر رضي الله عنه أبا بكر في ذلك. فقال: أتسوي بين مهاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟ فقال أبوبكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ الراكب. ورغم أن عمر رضي الله عنه غيّر في طريق ة التوزيع، فجعل التفضيل بالسابقة إلى الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلى طريقة أبي بكر فسويت بين الناس2. وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح، فيحمل في سبيل الله، واشترى عاماً "قطائف "3 أتى بها في البادية ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء، وقد بلغ المال الذي ورد على أبي بكر في خلافته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير4. لقداتبع أبو بكر رضي الله عنه المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس، وراعى حقوق الضعفاء، فرأى أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية، لا تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها.. إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، 1 أبو بكر الصديق، علي طنطاوي، ص: 187ـ188. 2 الأحكام السلطانية للماوردي، ص201. 3 القطيفة: كساء مخمل 4 أبوبكر الصديق للصّلاّبي، ص 129.
عدد الصفحات ٣١٩320 ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة1. والأمة1. لقد قام الصديق رضي الله عنه منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصديق رضي الله عنه سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالى: " إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْ هَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل، آية : 90.) لقد رفع الصديق لواء العدل بين الناس، فالضعيف آمن على حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولا يضيع والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم فلا يحتمي بجاه ولا سلطان أو قرابة لذي سطوة أو مكانة، وذلك هو الغر الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض2. وما أجمل ما قاله ابن تميمة رحمه الله: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة... بالعدل تستصلح الرجال وتستغزر الأموال3. و ـ صورة مشرقة من العدل في آداب الجهاد: ومن فوائد قصة بعث أبي بكر رضي الله عنه لجيش أسامة أنها تقدم لنا صورة مشرقة للجهاد الإسلامي، وقد تجلت تلك الصورة في وصية أبي بكر الصديق لجيش أسامة عند تودعيه إياهم، ولم يكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه في وصاياه للجيوش إلا مستناا بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث كان عليه الصلاة والسلام يوصي الأمراء 1 المصدر نفسه، ص130، أبو بكر الصديق رجل الدولة، مجدي حمدي، ص: 46. 2 أبو بكر الصديق للصّلاّبي، ص 130. 3 السياسة الشرعية، ص10.
عدد الصفحات ٣٢٠