المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ١٩ من ٢٥

289 تريث تسمى العدة، جاء في القرآن: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ" (الطلاق ، آية : 1.) وفترة التريث تتفاوت في طولها وقصرها تبعاً لحالة الزوجة ، فمن عدل القرآن جاءت أحكام العدة مفصلة منها: أولاً: عِدَّة الحامل: وهي وضع الولد: " وَأُوْلاَتُ الأَْحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" (الطلاق ، آية : 4.) ثانياً عِدَّة المتوفى عنها زوجها (غير الحامل): أربعة أشهر وعشرة أيام، جاء في القرآن: " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا" (البقرة ، آية : 234.) ثالثاً : عدة المطلقة (غير الحامل) تنقسم إلى قسمين أ ـ ذوات الحيض: وعدتهن ثلاثة قروء1، أي ثث دورات كاملة من الحيض والطهر، جاء في القرآن: " وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُّ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِّ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" (البقرة ، آية : 238.) بـ عدة اليائسات: 1 ثلاثة قروء تقريباً بثلاثة أشهر في أغلب النساء.

عدد الصفحات ٢٨٩

290 وهن اللواتي تجاوزن سن الحيض، وعدتهن ثلاثة أشهر، جاء في القرآن: " وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُر وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ" (الطلاق ، آية : 4.) يلحق باليائسات اللاتي تجاوزن سن البلوغ دون أن يحضن مثلاً ويجدر بالملاحظة أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها مطلقاً لقوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً" (الأحزاب ، آية : 49.) فإذا وقع الطلاق وأصبحت الزوجة في العدة يستمر الزوجان يقطنان في مسكن واحد، ويستمر الزوج في الإنفاق، ولا يجوز للزوج أن يخرج الزوجة من بيت الزوجية، إلا في حالة سوء السيرة، جاء في القرآن: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهََّ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة " (الطلاق ، آية : 1 .) فهذه الآية لها غاية واضحة هي فسح المجال للزوجين لإعادة العلاقة بينهما، وتخفيف حدة الخلاف، فإذا كان هنالك بقية من أمل أو محبة فإن هذه تظهر آثارها أثناء العدة فتكون وسيلة لعودة الألفة والوفاق. وللعدَّة أحكام أهمها: أنه يحرم أن تخطب فيها، ومنها أنه يجب أن تظل في بيتها لا تخرج منه إلا لضرورة ملحة، هذا إذا كانت معتدة من طلاق لوجود من ينفق عليها ولا تحرم عليها الزينة، وما يتبعها لأن هذه تشجع على عودة الحياة الزوجية، أما إذا كانت معتدة لوفاة فإنها لا تخرج من المنزل إلا للضرورة الشدي دة ويحرم عليها الزينة وتوابعها.

عدد الصفحات ٢٩٠

291 والحكمة من العدة متعددة منها: أن الإسلام يحرص على بقاء الزوجية المؤبدة، وإذا حصل الطلاق فإن العدة تبقي من الصلات بين الزوجين ما يستطيع الزوج به مراجعة زوجته، فهي فترة لإمعان الفكر قبل حل الحياة الزوجية. ومن حكم العدة: أنه يتبين فيها للمرأة الحمل وعدمه، وفي ذلك من النفع ما فيه كي لا تختلط الأنساب، ومنها: الحداد على المتوفى فإن وفاة الزوج خسارة فادحة للزوجة إذا خسرت رب أسرتها ومعينها، فمن الوفاء أن تمتنع عن الزواج فترة من الزمن1. وبهذا يتضح لنا عدل القرآن وحكمته واستقامته على الصراط المستقيم في أحكامه التي تصلح كل مكان وزمان، كما أنها صالحة لكل زمان ومكان. 1 الوسطية في الإسلام، ص108 ـ109، الوسطية في القرآن، ص: 498.

عدد الصفحات ٢٩١

292 المبحث الثاني روائع من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في العدل أولاً: العدل في عهد النبوة: أحسن ابن الأزرق الأندلسي إذ قسم فوائد العدل وكذلك مفاسد الجور إلى قسمين، وذلك استنباطاً من النصوص الشرعية . ويمثل هذا التقسيم ما كان ينبغي أن تسير عليه كتب آداب الملوك في الإسلام من استشهاد بالنصوص الشرعية قبل أي استشهادات أخرى، فمن فوائد العدل الأخروية: ـ المسابقة إلى محبة الله عز وجل، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلساً إمام عادل ، وأبغض الناس إلى الله، وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر »1 . ـ التقدم على من يظلهم الله في ظله، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا 1 سنن الترمذي، ك الأحكام، الحديث رقم: 1329.

عدد الصفحات ٢٩٢

293 عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه»1. ـاستحقاق العلو به على منابر من نور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله، على منابر من نور، عن يمين الرحم ن عز وجل وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا»2. ـ إجابة الدعاء، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزّتي لأنصرنك ولو بعد حين »3. ـ ضمان الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقسط مُتصدَّق مُوَفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال»4. وقد ذكر العلماء من فوائد العدل الدنيوية، ظهور رجحان العقل به، إتمام النعمة وكمالها بالعدل، دوام الملك العادل، ومن أمثالهم: من جعل العدل عدّة طالت به المدة، ملك سرائر الرعية به5. وأما مفاسد الجور الأخروية 1 صحيح البخاري،ك الأذان، الحديث رقم: 660. 2 صحيحمسلم، ك الإمارة، الحديث رقم: 1827. 3 سنن الترمذي، ك الدعوات، الحديث رقم: 3598 حديث حسن 4 صحيح مسلم، ك الجنة وصفة نعيمها، الحديث رقم: 2865. 5 الأخلاق السياسية للدولة الإسلامية، محمد زكريا، ص: 216.

عدد الصفحات ٢٩٣

294 ـ الحرمان من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أمتي لن تنالهمشفاعتي؛ إمام ظلوم غشوم وكل غالٍ مارق »1. ـ شدة العذاب، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«أشد الناس يوم القيامة عذاباً إمام جائر »2، وعن أبي أمامة الباهلي قال صلى الله عليه وسلم«ما من مسلم يلي عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله عز وجل مغلولاً يوم القيامة يدهُ إلى عنقه فكَّه برّه أو أوبقه إثمه ، أولها ملامة وأوسطها ندامة، وآخرها خز ي يوم القيامة»3. ـ الحرمان من الجنة وريحها، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بهاالناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»4. فالرسول صلى الله عليه وسلم شرح وبي ن وفصَّ ل في وضوح شديد، أهمية العدل والشريعة كلها قائمة على هذا المبدأ. إن الحاكم المسلم الذي مرجعيته الإسلام ونشأ في بيئة مسلمة وتربى على مبادئ العقيدة، تذكيره بالآخرة له تأثيره عليه ويعطي ثماره بشكل واضح5. وهناك مواقف مؤثرة في 1 معجم الطبراني الكبير20 /213ـ214.) 2 الطبراني في الأوسط2 /166.) 3 مسند أحمد، الحديث رقم: 22354. 4 صحيحمسلم، ك اللباس والزينة، الحديث رقم: 2128. 5 الأخلاق السياسية، محمد زكريا، ص: 217.

عدد الصفحات ٢٩٤

295 سيرة رسول الله تهز قلوب أهل الإيمان على مر العصور وكرّ الدهور وتوالي الأزمات نذكر منها على سبيل المثال: 1ـ قود النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله يريد الصلاة، فأخذ رجل بزمام ناقته، فقال: حاجتي يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعني فتدرك حاجتك»، ففعل ذلك ثلاث مرات والرجل يأبى، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم السوط فضربه وقال: «دعني ستدرك حاجتك»، فصلى بالناس، فلما فرغ قال«أين الرجل الذي جلدت آنفاً؟ » قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: من هذا الذي جلده رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء الرجل من آخر الصفوف، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذن فاقتص» فرمى إليه السوط، قال: بل أعفو، قال: أو تعفو؟ فقال: إني قد عفوت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يظلم مؤمن مؤمناً فلا يعطيه مظلمته في الدنيا إلا انتقم الله له منه يوم القيامة»1. وفي غزوة بدر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل الصفوف ويقوم بتسويتها لكي تكون مستقيمة متراصة وبيده سهم لا ريش له يعدل به الصف، فرأى رجلاً اسمه سواد بن غزية وقد خرج من الصف، فطعنه صلى الله عليه وسلم في بطنه وقال له: «استو يا سواد». فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استقد»، فاعتنقه فقبّل بطن ه، فقال: 1 مصنف عبد الرازق9 /465)، الحديث رقم 18037.

عدد الصفحات ٢٩٥

296 «ما حملك على هذا يا سواد؟» قال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير1. 2 ـ فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ... فلما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عي ينة مثل ذلك وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُ دِلَ فيها، وما أُ رِيدَ بها وجه الله، قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأتيته، فأخبرته بما قال، قال: فتغيّر وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: «فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله»، قال: ثم قال«يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر»، قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً 2. 3 ـ الغنائم وسيلةلتأليف القلوب: رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتآلف الطلقاء والأعراب بالغنائم تأليفاً ل قلوبهم، لحداثة عهدهم بالإسلام فأعطى لزعماء قريش، وغطفان وتميم عطاءً عظيماً، إذ كانت عطي ة الواحد منهم مائة من الإبل ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس، ومعاوية ويزيد ابنا أبي سفيان وقيس بن عدي3. 1 السيرة النبوية للصلابي، ص514. 2 صحيح مسلم، ك الزكاة، الحديث رقم: 1062. 3 معين السيرة للشامي، ص421.

عدد الصفحات ٢٩٦

297 وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدنيا إلى حب الإسلام، أو كما قال أنس بن مالك: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها1. وعبّر عن هذا صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله صلى الله ليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ 2، وقد تأثر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشرية وترددت بينهم مقالة، فراعى صلى الله عليه وسلم هذا الاعتراض وعمل على إزالة التوتر وبيّن لهم الحكمة في تقسيم الغنائم، وخاطب الأنصار خطاباً إيمانياً عقلياً عاطفياً وجدانياً ما يملك القارئ المسلم على مر الدهور وكرّ العصور وتوالي الأزمان إلا البكاء عندما يمر بهذا الحدث العظيم ، فعندما دخل سعد بن عبادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم بما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله ما أنا إ من قومي. قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة». قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا وجاء آخرون فردهم. فلما اجتمعوا، أتى سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هـو أهله، ثم قـال: «يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضُ لاَّلاً فهداكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: الله ورسوله أمَ نَّ وأفضل. ثم 1 صحيح مسلم، ك الفضائل، الحديث رقم: 2312. 2 صحيح مسلم، ك الفضائل، الحديث رقم: 2313.

عدد الصفحات ٢٩٧

298 قال«ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المَ نَّ والفضل. قال: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدّقتم: أتيتنا مكذّبا فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدتم عليّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء1، والبعير، وترجعون برسول ا إلى رحالكم؟». «فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً ووادياً وسلكت الأنصار شِعباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار2،اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار». قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالو: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً وحظا ا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا3. وفي رواية«إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»4. ومما يجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كلهم وإنما قالها حديثو السن منهم، بدليل ما ورد في الصحيحين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن ناساً من الأنصار قالوا يوم حنين: أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. 1 بالشاء : أي الشياه وهي الأغنام 2 دثار : الثوب الذي يكون فوق الشعار 3 زاد المعاد3 /474.) 4 صحيحمسلم، ك الزكاة، الحديث رقم: 1061.

عدد الصفحات ٢٩٨

299 قال أنس بن مالك: فحُدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم فلما اجتمعوا، جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟»، فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بالكفر أتألفهم»1. إن النبيصلى الله عليه وسلم ضرب للأنصار صورة مؤثرة قوم يبشرون بالإيمان يقابلهم قوم يبشِّ رون بالجمال وقوم يصحبهم رسول الله يقابلهم قوم يصحبهم الشاه والبعير، لقد أيقظتهم تلك الصور وأدركوا أنهم وقعوا في خطأ ما كان لأمثالهم أن يقعوا فيه، فانطلقت حناجرهم بالبكاء ومآقيهم بالدموع وألسنتهم بالرضا، وبذلك طابت نفوسهم واطمأنت قلوبهم بفضل سياسة النبي صلى الله عليه وسلم الحكيمة في مخاطبة الأنصار2. وإذا كانت قصة ذي الخويصرة اسم الرجل الذي قال: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها عملاً فردياً، فإن قصة الأنصار عمل جماعي رأوا أن نصيبهم من الغنيمة قد ضاع، فتحدثوا حتى "كثرت منهم القالة" وتجمعوا وأرسلوا وافدهم، ولولا حكمة الرسول لكان في الأمر شر، ويتبيَّ ن لنا من القصة أن العدل أصل من أصول نظام الحكم وأن الناس لم يتحرجوا في عصر الرسول من مطالبة الرسول بتطبيقه3. 1 صحيح مسلم، ك الزكاة، الحديث رقم: 1059. 2 السيرة النبوية للصلابي، ص934. 3 نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، ظافر القاسمي ( 1 /97.)

عدد الصفحات ٢٩٩

300 وأن النبي صلى الله عليه وسلمبيّ ن لذي الخويصرة بطلان مفهومه للعدل، وأن ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم هو عين العدل والحكمة والاستقامة، وكذلك في موقفه مع الأنصار الذين أرضاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بكوا واشتد بكاءهم رضي الله عن الأنصار. 4 ـ حجة الوداع وصلت الأمة الإسلامية في السنة العاشرة مرحلة من النضج متقدمة، وكان ذلك يقتضي لمسات أخيرة، فوسّع صلى الله عليه وسلم في العام التاسع والعاشر من الهجرة دائرة التلقي المباشر من خلال استقباله الوفود ومن خلال رحلة الحج، فأوجد قاعدة عريضة تحمل دعوته وقد تلقت عنه مباشرة، وكان لذلك أكبر الأثر في أن تبقى رحى الإسلام دائرة إلى الأبد1. ففي حجة الوداع كانت اللمسات الأخيرة في تربية الأفراد والمجتمع على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. واهتم الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بتربية الأفراد على قطع الصلة بالجاهلية والابتعاد عن الذنوب، ويظهر ذلك في الأمور الآتية: أ ـ فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أهمية قطع المسلم علاقته بالجاهلية أوثانها وثاراتها ورباها وغير ذلك، ولم يكن حديثه مجرد توصية بل كان قراراً أعلن عنه للملأ كله لأولئك الذين كانوا من حوله، والأمم التي ستأتي من بعده، وهذه هي صيغة القرار: ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، دماء الجاهلية موضوعة وربا 1 الأساس في السنة2 /1054 .)

عدد الصفحات ٣٠٠

301 الجاهلية موضوع1، لأن الحياة الجديدة التي يحياها المسلم بعد إسلامه حياة لا صلة لها برجس الماضي وأدرانه2. ب ـ وقد حذّر صلى الله عليه وسلم من الذنوب والخطايا والآثام ما ظهر منها وما بطن، لأن الذنوب والخطايا تفعل بالفرد ما لا يفعله العدو بعدوه فهي سبب مصائبه في الدنيا " وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير " (الشورى، آية : 30.) فترديه في نار جهنم في الآخرة، وتفعل في المجتمعات ما لا يفعله السيف، وأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يقصد بالخطايا العودة إلى عبادة الأصنام، لأن العقول التي تفتحت على التوحيد ترفض أن تعود إلى الشرك الظاهر، ولكن الشيطان لا ييئس من أن يجد طريقه إليها من ثغرات الخطايا والذنوب حتى تردي صاحبها في المهاوي3. واهتم النبي صلى الله عليه وسلم على تربية الأمة على مبادئ أساسية منها: أ ـ الأخوة في الله: هي العروة التي تربط بين جميع المسلمين " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة " (الحجرات، آية : 10.) فقد قال صلى الله عليه وسلم«أيها الناساسمعوا قولي واعقلوه، تعلموا أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين أخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم وقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض». 1 فقه السيرة للسيوطي، ص331 2 قراءة سياسية للسيرة النبوية محمد قلعجي، ص303. 3 السيرة النبوية للصلاّبي، ص 1023.

عدد الصفحات ٣٠١

302 ب ـ الوقوف بجانب الضعيف: حتى لا يكون هذا الضعف ثغرة في البناء الاجتماعي، فأوصى صلى الله عليه وسلم في خطبته بالمرأة والرقيق على أنهما نموذجان من الضعفاء1. فقد شدّد صلى الله عليه وسلم في وصيته على الإحسان إلى الضعفاء 2، وأوصى خيراً بالنساء، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية، وتثبت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية3. ج ـ التعاون مع الدولة الإسلامية: على تطبيق أحكام الإسلام، والالتزام بشرع الله، ولو كان الحاكم عبداً حبشياً، فإن في ذلك الصلاح والفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة4. فقد بيّن صلى الله عليه وسلم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها تعتمد على السمع والطاعة ما دام الرئيس يحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مال عنهما فلا سمع ولا طاعة، فالحاكم أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى5. د ـ المساواة بين البشر: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب». حيث حدد أن أساس التفاضل لا عبرة فيه لجنس،ولا لون، ولا وطن، ولا قومية، ... وإنما أساس التفاضل قيمة خلقية راقية ترفع مكانة الإنسان إلى مقامات رفيعة جداً 6. 1 قراءة سياسية للسيرة النبوية، ص304. 2 السيرة النبوية للصلاّبي، ص 1024. 3 المصدر نفسه، ص104. 4 المصدر نفسه، ص104. 5 المصدر نفسه، ص104. 6 الموسوعة في سماحة الإسلام، محمد صادق عرجون (2 /876.)

عدد الصفحات ٣٠٢

303 هـ ـ تحديد مصدر التلقي: وقد حدّد صلى الله عليه وسلم مصدر التلقي والطريقة المثلى لحل مشاكل المسلمين التي قد تعترض طريقهم بالرجوع إلى مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهما بعد الاعتصام بهما الأمان من كل شقاء وضلال وهما: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده، ليبين للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليست وقفاً على عصر دون آخر وأنه لا ينبغي أن يكون لأي تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما1. لقد وصف صلى الله عليه وسلم الداء والدواء ووضع العلاج لكل المشكلات بالالتزام التام بما جاء من أحكام في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي »: هذا هو العلاج الدائم، وقد كرّر صلى الله عليه وسلم نداء للبشرية عام ة عبر الأزمنة والأمكنة بوجوب الاهتداء بالكتاب والسنة في حل جميع المشكلات التي تواجه البشرية، فإن الاعتصام بهما يجنب الناس من الضلال ويهديهم إلى التي هي أقوم في الحاضر والمستقبل. لقد اجتازت تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه حدود الجزية، واخترقت حواجز الزمن وأسوار القرون، وظل يتردد صداها حتى يوم الناس هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلم يكن يخاطب سامعيه فيقول لهم: أيها المؤمنون، أيها المسلمون، أيها الحجاج بل كان يقول لهم: أيها الناس، وقد كرّر نداءه إلى الناس كافة مرات متعددة دون أن يخضعه بجنس أو بزمان أو مكان أو لون قد بعثه الله للناس كافة وأرسله رحمة للعالمين2. و ـ دلائل حجة الوداع: 1 فقه السيرة للسيوطي، ص333. 2 السيرة النبوية للصّ لاّبي، ص: 1025.

عدد الصفحات ٣٠٣

304 ومن أعلى منارات هذه الحجّة الخطبة التي ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات والتي فيها تذكير بالأسس الإسلامية الكبرى، وخاصة منها الأسس العقدية والاجتماعية، من مثل تحريم الدماء والأموال والأعراض، ووضع الربا والدماء التي كانت في الجاهلية، والتوصية بالنساء خيراً في معاملاتهن بالعدل . وكذلك الخطبتان اللتان ألقاهما بمنى وأتمّ فيه ما ما قاله في خطبة عرفات من وصايا كلية عامّة تتعلق بالتمسّك بالعبادات، وبوحدة المسلمين، بتمسكهم بالقرآن والسنة، وبتحريم الظلم، وأكل أموال بعضهم بعضاً إلا برضى منهم، وبالتيسير في عبادة الحجّ على قدر الا ستطاعة. وقد كان يشير بين الفينة والأخرى إلى أن حجته هذه قد تكون آخر حجة له، ونزل القرآن فيها بما يشعر بذلك في قوله تعالى: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" (المائدة، آية : 3). ولذلك سميت هذه الحجة حجة الوداع1. ز ـ مقام العدل والمساواة في حجة الوداع: المتأمل في حجة الوداع وما تضمّنته من بلاغ نبوي قولي وفعلي يتبين أنه كان لمبدأ العدل والمساواة فيها مقام مشهود، حتى ليمكن القول إنه كان المبدأ الناظم لكل ما جاء فيها من تعليم، وما خفّ بها من أحداث . فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحضر العدل في كل بيان يلقيه وفي كل بلاغ يوصّله إلى مسامع الناس، وفي كل فعل يقوم به على سبيل أن يكون أسوة للمسلمين بالتصريح أحياناً قولاً وتمريناً عملياً، وبالإشارة والإضمار أحياناً أخرى كما سنبيّنه لاحقاً. لقد كان يبدو من تصّرفات النبي الكري م في حجة الوداع أنه كان مهموماً بمصير المسلمين بعده من حيث تعاملهم فيما بينهم أيكون على ميزان العدل والمساوة، أم يدخلهم 1 مراجعات في الفكر الإسلامي عبد المجيد النجار، ص383.

عدد الصفحات ٣٠٤