1 دار المعـرفة بيروت – لبنان www.marefah.com
عدد الصفحات ١2 الإهداء إلى الشعوب التي تبحث عن العدل وتؤمن به كمبدأ إنساني أصيل والتي تحارب الظلم بكافة أشكاله وأنواعه وصوره البشعة، من ظلم الأفراد إلى ظلم الجماعات والشعوب والأمم والدول. وإلى الشعوب التي انتفضت وثارت ضد الاستبداد والديكتاتورية، فكسرت أغلال العبودية وغيَّ رت مجرى التاريخ المُعاصر، والتي ضحَّت بدمائها وأموالها وفلذات أكبادها. وقدَّ مَت قوافل الشهداء ودفعت الثمن غالياً و ابْتُليت بالجوع والخوف، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله وما ضَ عُفت وما استكانت للوصول إلى حريتها وكرامتها وتحقيق العدالة والشورى بين أبنائها، ولسان حالها بأن بالعدل قامت السماوات والأرض، وأن العدل قيمة إنسانية ومبدأ تقوم به الأمم، وأن تقدم الأوطان وازدهارها وارتقاء شعوبها معقود على همم أبنائها، واستعدادهم المستمر للالتزام بهذا المبدأ الإنساني والمقصد القرآني. قال تعالىاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (الكهف، آية : 110.)
عدد الصفحات ٢3 بسم الله الرحمٰن الرحيم المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ـ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَّ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (آل عمران ، آية : 102). "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَّ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" (النساء ، آية : 1.) ـ "يَ ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" (الأ حزاب ، آية : 70 ـ71.) أما بعد فيا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد بعد الرضى. هذا الكتاب حلقة مهمة من حلقات المشروع الفكري السياسي الذي تحدثت عنه في كتبي السابقة.
عدد الصفحات ٣4 وقد صدرت عدة كتب تخدم هذا التوجه ـ الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها. ـ البرلمان في الدولة الحديثة المسلمة. ـ التداول على السلطة التنفيذية. ـ الشورى فريضة إسلامية. ـ الحريات من القرآن الكريم، حرية التفكير، وحرية التعبير، والاعتقاد والحريات الشخصية. ـ العدالة والمصالحة الوطنية ضرورة دينية وإنسانية. ـ المواطنة والوطن في الدولة الحديثة. وهذا الكتاب قسمته إلى مبحثين: المبحث الأول: العدل لغة واصطلاحاً - مفهومه وأنواعه: يتحدث عن العدل كمقصد قرآني ومبدأ إنساني. إن العدل هو ميزان الله في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوي وللمُ حق من المبطل والعدل إعطاء كل ذي حق حقه، وهو المساواة بين الناس جميعاً في إعطاء الحقوق والمساواة في المكافأة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والعادل هو الذي يتبع أمر الله، بوضع كل شيء في موضعه دون إفراط أو تفريط، أي القسط في الشيء وأداء حقوق الله وحقوق العباد. وفي هذا الكتاب تحدثت عن العدل في اللغة والمصطلح ومرادفات كلمة العدل، كالقسط والوسط والحق، والإنصاف...الخ، وتكلمت عن العدل المطلق والعدل النسبي وقيمة العدل، كونها مطلقة وربانية غرس الله محبتها في نفوس أصحاب الفطر السوية والعقول
عدد الصفحات ٤5 الراجحة الذكية التي تنبذ الظلم والجور والتعسف، وهو بهذا له معنى محدود غير قابل للتبديل أو التعديل، وله أيضاً قواعد وشروط محدودة. وإذا أخذنا قيمة العدل في الدولة الحديثة المسلمة، فهي تعني تحقيق العدل بين الناس جميعاً في مختلف أوجه الحياة ، وهي بهذا قيمة تهدف إلى تحقيق غاية أي تحقيق العدل بالفعل بين الناس جميعاً. إن النظام الإسلامي يحاسب إذا لم يتحقق على أرض الواقع معاني العدل وقيمه، فأهمية النظرية السياسية التي تستند على المرجعية الإسلامية بأنها تمثل رؤية لإقامة العدل، من خلال نظام سياسي مكلف بإقامة العدل، بجانب تكليفاته الأخرى، مما يجعل الدولة وكل السلطات في النظام السياسي، مكلفة بإقامة العدل، كقيمة مركزية سياسية، فإذا فشل النظام السياسي في تحقيق العدل، أو إذا أصبح نظاماً ظالماً، فقَ دَ بهذا شرعية وجوده وشرعية حكمه للأمة الإسلامية أو لأي مجتمع من مجتمعاتها، فقيمة العدل هي غاية تكسب الشرعية للنظام السياسي وتنزعها عنه. ولذا تُ عد قيمة العدل بوصفها القيمة المركزية في المنظومة السياسية الإسلامية، بمثابة الضابط الأكبر على أداء النظام السياسي، وعلى كل السلطات فيه، وهي بهذا تفرض قاعدة لمحاسبة النظام السياسي، وإسقاط شرعيته، مما يستلزم تأسيس الإجراءات التي تسمح بمحاسبة الحاكم، وأيضاً مراجعة ممثلي المجتمع أو الأمة، حتى يظل ال تزامهم بقيمة العدل مستمراً، وحتى يعزل من يخرج على تلك القيمة المركزية1. وفي هذا الكتاب يجد القارىء الكريم دراسة وافية عن مفهوم العدالة الذي يُعد من المفاهيم الأساسية في فلسفة الأخلاق والسياسة والحقوق2، واليوم هو من أوسع المفاهيم 1 الوسطية الحضارية، د. رفيق حبيب، ص: 183. 2 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، د. أبو بكر علي، ص21.
عدد الصفحات ٥6 المطروحة في الدراساتالاجتماعية والسياسية، ومن أقدم المفاهيم التي عرفها البشر، منذ فجر التاريخ، وبداية حضارته، وجعله هدفاً له، ويسعى لتحقيقه وإرسائه، ومن أكثر الموضوعات قدسية وشيوعاً في السلوك الاجتماعي. فالعدالة وليدة المجتمع وقواعدها، ظهرت قبل أن تظهر فكرة القانون ومفهومه1. وفي هذا الكتاب يجد الباحث دراسة حول الفرق بين مفهومي العدالة والعدل، وهل العدل والعدالة مترادفات؟ أم أن هناك اختلافان بينهما من حيث استعمال المصطلح؟ ولقد أشرت في الكتاب إلى ملامح العدل وأبرز سماته، كالوسطية، والخيرية، ورفع الحرج وأحكام اليسر، والحكمة والاستقامة والبينية، وأوضحت ذلك في دليل تطبيقي لملامح العدل. وتحدثت عن مكانة العدل في القرآن الكريم، وقمت بدراسة موضوعية للآيات الكريمة التي أمرت وحثّ ت وبيّ نت أهمية العدل في الحياة. وبيُّ نت في هذا الكتاب خطورة الظلم وتحذير القرآن منه، فوضحت الظلم في المنظور الإسلامي، وخطره على الأفراد والأسر والجماعات والشعوب والأمم والدول والحضارات. وأشرت إلى أنواعه، كظلم الشرك وظلم العدوان، المادي والمعنوي وحذرت من إعانة الظالم على عدوانه. وبيُّ نت عقوبة الظالم المعجلة والمؤجلة. قال الشاعر: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم يرجع عقباه إلى الندم 1 المصدر نفسه
عدد الصفحات ٦7 تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم وقال الشاعر: وحق الله إن الظلم لؤم وإن الظلم مرتعه وخيم إلى الديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم وتكلمت في هذا الكتاب عن العدل في القضاء، وبينت اهتمام الإسلام بالقضاء، وكيف جعل له مكانة عظيمة، فهو فرض، بل أقوى الفرائض، وأشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، لأن المظلومين يلجؤون إليه لكي ينصفوا في مواجهة الظالمين، والناس يحتاجون إليه في تنفيذ الأحكام وقطع المنازعات، والفصل في الخصومات وإسناد الحقوق إلى أصحابها1. وقد أقرت الشريعة الإسلامية مجموعة من الضمانات لإجراء محاكمة عادلة وتوفير العدالة للجميع فيما يتعلق بالحقوق المقررة لهم شرعاً أو قانوناً. ومن أهم هذه الضمانات: ـ الأصل براءة الذمة. ـ ضمان الحرية الشخصية للمتهم في مواجهة سلطة الاتهام. ـ إلقاء عبء الإثبات كاملاً على عاتق سلطة الاتهام. ـ لا يكلف المتهم بإثبات براءته، إذ أن المفترض أن يطالب سلطة الاتهام بإثبات عكس هذه البراءة2. 1 أحكام الذميين، د. عبد الكريم زيدان، ص567. 2 العدالة مفهومها ومنطلقاتها، ص172.
عدد الصفحات ٧8 ـ اليقين لا يزول بالشك ـ البيعة على من ادعى واليمين على من أنكر. وركزتُ في هذا الكتاب على أهمية استقلالية القضاء، وحياد القاضي، واستقلاله في تحقيق المحاكمة العادلة للمتهم، ووضحت ضمانات العدل فيما يتعلق بالقاضي، وما يتعلق بالمتهم، وخطورة أخذ الناس بالظن، والشبهة، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وتحريم تعذيب المتهم وإهانته لإجباره على الإقرار، ومراعاة المساواة بين الجميع في الحكم وفي مجلس القضاء، وتقرير مبدأ ألا تزر وازرة وزر أخرى، ومنح المتهم الحق في الدفاع عن نفسه. وتحدثت عن العدل الاجتماعي، وعن تكافؤ الفرص والحفاظ على التوازن الاجتماعي، والتكافل الاجتماعي، والضمان الاجتماعي، وإعادة توزيع الدخل والثروة وعن أسس العدالة الاجتماعية، كالتحرر الوجداني، والمساواة الإنسانية، والتكافل الاجتماعي، وعن العدل في المجال الاقتصادي، وعن وسائل العدالة الاجتماعية، كالزكاة والميراث والملكية في الإسلام، وعن العدل في التشريع ومظاهر العدل في التشريع الإلٰهي في الفرائض وإرسال الرسل، والعدل في الثواب والعقاب، وفي العقوبة والجرائم، كعقوبة الزنا، والقذف، وشرب الخمر والسرقة، والبغي والقصاص والدية والعدل في تعدد الزوجات وشروطه في القرآن الكريم، والعدل مع الوالدين، والأبناء والجيران، والحيوان والنبات، وعدل الإنسان فيمن دونه ومع أكفائه، ومع من فوقه، والعدل في الطلاق والحكمة منه، ومسلك الإسلام في علاج الخلاف العائلي بين الزوجين، وعدل القرآن في العدة. المبحث الثاني: روائع من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي في العدل:
عدد الصفحات ٨9 أولاً : تحدثتُ عن العدل من السيرة النبوية الشريفة، فمن يعدل إن لم يعدل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فبيّ نت العدل في الغنائم، ومقام العدل والمساواة في حجة الوداع، والعدل في الحقوق والواجبات. ثانياً: ذكرت صور من العدل في عهد الخلافة الراشدة والتاريخ الإسلامي، بدءً ا بسيدنا أبو بكر الصديق، ثم العدل في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، ثم العدل في عهد عثمان بن عفان، وانتهاءً بالعدل في عهد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. إن ما أكرمنا الله به من دين عظيم يهتم بالقيم والمبادىء الإنسانية السامية يعتبر منهج حياة وطريق نجاة من عوائق وهموم الدنيا والآخرة، وفي كتاب ربنا وسنة نبينا خير عظيم لمن ألقى السمع وهو شهيد. هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت 15/ محرم1436هـ الموافق8/11/2014م الساعة العاشرة مساءً بالدوحة، و الفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولاً حسن اً وأن يكرمنا برفقة النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحي ن. قال تعالى: " مَا يَفْتَحِ اللهَُّ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَة فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (فاطر ، آية : 2.) ولا يسعني في نهايةهذا الكتاب إلا أن أقف بقلب خاشع منيب أمام خالقي العظيم وإلٰهي الكريم، معترفاً بفضله وكرمه وجوده متبرئاً من حولي وقوتي، ملتجئاً إليه في كل حركاتي وسكناتي وحياتي ومماتي، فالله خالقي هو المتفضِّل، وربي الكريم هو المعين، وإلٰهي العظيم هو الموفق، فلو تخلى عني ووكلني إلى عقلي ونفسي، لتبلد مني العقل، ولغابت الذاكرة، وليبست الأصابع، ولجفت العواطف ولتحجرت المشاعر، ولعجز القلم عن البيان، اللهم بصِّ رني بما يرضيك، واشرح صدري، وجنِّبني اللهم ما لا يرضيك واصرفه عن قلبي وتفكيري، وأسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلا أن تثيب ني وإخواني
عدد الصفحات ٩10 الذين أعانوني على إتمام هذا الجهد الذي لولا أنت ثم هم ما كان له وجود ولا انتشار بين الناس، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه. ـ قال تعالى: " رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النمل ، آية : 19.) وأختم هذه المقدمة بقول الله تعالى: "وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَ ا اغْفِرْ لَنَا وَلإِِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِْيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَّحِيم " (الحشر ، آية : 10.) الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه علي محمد محمد الصَّلاَّبي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
عدد الصفحات ١٠11 المبحث الأول العدل لغة واصطلاحاً - مفهومه وأنواعه أولاً: العدل لغة: العدل: هو ميزان الله في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوي وللمحق من المبطل1، ويقول ابن منظور في لسان العرب: ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور.. ويقال: عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً وهو عادل، وهو في الأصل مصدر سمي به موضع العادل وهو أبلغ منه، لأنه جعل المسمى نفسه عدلاً 2. والعدل في الناس، المرضي قوله وحكمه، وقال الباهلي: رجل عدل أي: جائز الشهادة.. قال: ابن بري ومنه: وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع3 والعَ دْل بالفتح ثم السكون: خلاف الجور وهو يطلق على الرضا والسخط. والعدل: التسوية بين الشيئين ولا يميل به الهوى4. والعدل: هو القصد في الأمور، أو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط5. 1 المستطرففي كل فن مستظرف (1 /181) شهاب الدين ابشيهي. 2 لسان العرب، ابن منظور (13 /456.) 3 العدل في القرآن والسنة، د. محمد الكردي، ص32. 4 لسان العرب13 /458.) 5 التعريفات للجرجاني، ص: 191.
عدد الصفحات ١١12 ثانياً: الع ـدل في الاصطلاح: إعطاء كل ذي حق حقه، وهو المساواة بين الناس جميعاً في إعطاء الحقوق، والمساواة في المكافأة إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والعادل هو الذي يتبع أمر الله، بوضع كل شيء في موضعه دون إفراط أو تفريط، أي القسط في الشيء وأداء حقوق الله وحقوق العباد1. وقال الدكتور محمد ضياء الريس: والعدل كما وضعه وعرّ فه الفقهاء والمفسرون، هو تنفيذ حكم الله: أي أن يحكم الناس وفقاً لما جاءت به الشرائع السماوية الحقة، كما أوحي بها الله إلى أنبيائه ورسله. وإذا كانت الشريعة الإسلامية جماع هذه الشرائع وتكملة لها، فإن العمل بها إذن ـ كما قال كل علماء الإسلام ـ تحقيق للعدل الذي أمر الله به. وقد قال الله سبحانه وتعالى:" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُّ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُّ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُّ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (المائدة: 44 ـ 45- 47)2. ـ وقالت حورية يونس الخطيب: العدل هو الصيغة الكاملة في مفهوم ومعنى الحرية، إذ أنه يشمل أو يجب أن يشمل كل حقوق الأفراد والجماعة، إلى جانب شموله للواجبات، ويمكن أن يأخذ العدل صورة وافية شاملة حين نرى إلى أن الحاكم مطالب بالعدل ومسؤول عن تطبيقه أمام جماعة المسلمين، وإلى أن الفرد مطالب بالعدل ومسؤول عن تطبيقه في كل أمر من الأمور، وإلى أن الجماعة مطالبة بالعدل ومسؤولة عن تطبيقه في كل شأن من الشؤون وفي كل أمر من الأمور3. 1 النظريات السياسية الإسلامية، ص328. 2 المصدر نفسه، ص328. 3 الإسلام ومفهوم العدل، ص81.
عدد الصفحات ١٢13 ـ والعدل عند ابن أبي الربيع هو: حكم الله في أرضه، ومن أعمال العدل أن يقسم المرء كل شيء عن حقه وفي موضعه وأن لا يخالف السنن الموضوعة له وأن يكون صدوقاً حفوظاً للمواعيد بريئاً من الدنس وأن يجتمع مع المرء الوفاء والأمانة 1. ـ وعند يحيى بن عدي: هو التقسيط اللازم للاستواء وهو استعمال الأمور في موضعها2. ثالثاً: أوجه العدل في القرآن للعدل وجوه في القرآن الكريم، وهي عبارة عن مدلولات واستعمالات جاءت في سياق الآيات وما اقتضته من معنى، ومن هذه الوجوه: 1ـ العدل بمعنى الإنصاف: ومنه قوله تعالى:" فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً" (النساء، آية : 3). أي: إن خفتم ألا تنصفوا فلا تعددوا في الزوجات. ـ وقال تعالى:" وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ" (النساء، آية: 129.) 2ـ العدل بمعنى الفداء: قال تعالى:" وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْل "، وقوله تعالى :" وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْل لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا" (الانعام، آية : 70.) أي: تقتدي بكل فداء لا يؤخذ منها ولا يقبل ذلك اليوم. 3ـ والعدل بمعنى القيمة: ومن ذلك قوله تعالى:" أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا" (المائدة، آية : 95). بمعنى من لم يجد الطعام في الكفارة فقيمة ذلك الصيام، لذا فتحت العين بمعنى مثل، وأما إذا كسرت فتأتي بمعنى زنة ذلك. 4ـ العدل بمعنى الشهادة: بأن لا إلٰه إلا الله: نحو قوله تعالى:" إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" (النحل، آية : 90). والعدل هنا كلمة التوحيد 1 سلوك المالك في تدبير الممالك، أحمد محمد ابن أبي الربيع، ص: 33. 2 المصدر نفسه، ص33.
عدد الصفحات ١٣14 ـ يعدلون بمعنى يشركون: كما في قوله تعالى:" ثُم الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ" (ا لأنعام، آية : 1). أي: يشركون1. ويروى أن عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن العدل فأجابه: إن العدل على أربعة أنحاء: العدل في الحكم، قال تعالى:" وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" (النساء، آية: 58.) والعدل في القول،قول تعالى:" وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى" (الأنعام، آية: 152.) والعدل في الفدية قال تعالى:" وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْل " (البقرة، آية : 123.) والعدل في الإشراك، قال تعالى:" ثُم الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ" (الأنعام، آية : 1.) وأما قوله تعالى:" وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ" (النساء، آية: 129) قال عبيدة السلماني والضحاك: في الحب والجماع2. رابعاً: مرادفات كلمة العدل لكلمة العدل مرادفات تؤدي إلى نفس المعنى ومن هذه المرادفات: 1ـ القِ سْطُ: بكسر القاف، يقال: تقسطوا الشيء بمعنى اقتسموه بالتسوية، أقسط الرجل فهو قاسط ومنه قوله تعالى:" وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"، (الحجرات، آية : 9.) والقسط أيضاً الحق والنصيب، يقال : تقسطنا الشيء بيننا، والقسطاس بضم القاف وكسرها بمعنى الميزان وذلك للدلالة على العدل3، وقيل: قسط الرجل إذا جار، وأقسط: إذا عدل. 1 انظر قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر، حسين محمد الدامغاني، ص: 317 ـ318. 2 العدل في القرآن والسنة، د. أحمد الكردي، ص32. 3 مختار الصحاح، ص223 ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص418.
عدد الصفحات ١٤15 2ـ الوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها وقال علماؤنا: أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية الشهادة على جميع خلقه فجعلنا أولاً مكاناً وكنا آخراً زماناً كما قال عليه السلام: «نحن الآخرون الأولون»1. وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلاً 2. ومما يدل على أن العدل من ملامح الوسطية قولالطبري رحمه الله: وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار، لأن الخيار من الناس عدولهم3. 3ـ الحق من أسماء الله تعالى، ومن أسماء القرآن أيضاً، وهو ضد الباطل، وهو الثابت الذي لا يسوغ انكساره، وهو الحكم المطابق للواقع، والصادق والمحق ضد الباطل والكاذب4. 4ـ الإنصاف يقال رجل منصف بكسر الصاد، و الإنصاف العدل، وانتصف منه استوفى حقه منه كاملاً، حتى صار على النصف سواء، وتناصفوا أنصف بعضهم بعضاً، وتنصف السلطان سأله أن ينصفه، وأنصف الرجل عدل5. 5ـ السواء وهو العدل والوسط، والجمع أسواء وسواسية وسواسي، واستويا وتساويا تماثلا، قال تعالى:" فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء" وسوي وسواء أي عدل ووسط بين الفريقين، واستوى الشيء اعتدل، قال تعالى:" لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ" (النساء، آية: 42.) 1 صحيح مسلم، ك الجمعة، الحديث رقم: 855. 2 تفسير القرطبي2 /155)، الوسطية للصلابي، ص91. 3 تفسير الطبري2 /7.) 4 المجتمع الإسلامي، محمد أبو عجوة، ص: 75. 5 المصدر نفسه، ص75.
عدد الصفحات ١٥16 واستوى المكان إذااعتدل1. خامساً: العدل المطلق والعدل النسبي 1ـ العدل المطلق بقدر ما يقوم دستور أمة من الأمم على العدل بقدر ما يكون أكثر ضماناً لحقوق الإنسان . والعدل في القرآن الكريم يدور حول محورين: أ ـ المحور الأول: العدل الإلٰهي في معاملة الإنسان، فمن مظاهر هذا العدل أن الله تعالى لا يظلم أحداً يوم القيامة ولو مثقال ذرة وقد بيّ ن الله هذا في أكثر من موضع، قال تعالى:" إِنَّ اللهَّ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة " (النساء، آية : 40.) ومن مظاهر العدل الإلٰهي أن الله لا يؤاخذ العباد إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليهم، برغم قيام البراهين الكونية، قال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الإسراء، آية : 15.) ومنها أن الله تعالى: لا يُحمّل نفساً وزر نفس أخر ى وهذا هو معنى قوله تعالى: "وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرَى"(فاطر، آية : 18.) ب- المحور الثاني: أن الله عز وجل شرع العدل وجعل الشرع ميزاناً يضبط التعامل بالعدل، قال تعالى: " اللهَُّ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ" (الشورى، آية : 17) فقد شرع الله العدل في الحكم فقال : " وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" (النساء، آية : 58). أي: الله يوصيكم إن حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، وشرع العدل في القول والحكم على الناس وإبداء الرأي في الأشخاص فقال: "وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى" (الأنعام، آية : 153.) 1 المصدر نفسه، ص75.
عدد الصفحات ١٦