المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ١٨ من ٢٥

273 حَكُيم * الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَان وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَ يْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِّ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِّ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِّ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِّ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُونَ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللهِّ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِّ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللهَّ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم " (البقرة ، آية : 228 ـ231.) ب ـ المعنى الإجمالييات الطلاق: يقول الله تعالى ما معناه: الأزواج اللواتي طلقهن أزواجهن لسبب من الأسباب على هؤلاء انتظار مدة من الزمن، وهي مدة "ثلاثة أطهر" أو "ثلاث حيضات" لمعرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وأزواجهن أحق بهن في الرجعة من الأجانب إذا لم تنقض عدتهن، وكان الغرض من هذه الرجعة "الإصلاح" لا "الإضرار" ولهن حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أمر الله عز وجل، وللرجال عليهن درجة القوامة والإنفاق والإمرة والطاعة. ثم بيَّ ن تعالى أن الطلاق الذي تجوز به الرجعة مرتان، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له حتى تتزوج بعده بزوج آخر، أما إذا لم يكن الطلاق ثلاثاً فله أن يراجعها إلى عصمة نكاحه، فإنما يمسكها بالمعروف فيحسن معاشرتها وصحبتها، وإما أن يطلق سراحها لتتزوج بمن تشاء لعلها تسعد بالزوج الثاني: " وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُّ كُلاا مِّن سَعَتِهِ" (النساء ، آية : 130.)

عدد الصفحات ٢٧٣

274 ولا يحل الله لكم أيها الرجال أن تأخذوا مما دفعتم إليهن من المهور شيئاً، لأنكم قد استمتعتم بهن، إلا إذا خفتم سوء العشرة بين الزوجين، وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها أو بدفع شيء من المال لزوجها حتى يطلقها فليس هناك جناح من أخذ الفداء، ثم بيَّ ن تعالى أنه إذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فلا تحل له إلا بالزواج بزوج آخر، بعد أن يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، فإن طلقها الزوج الثاني، فلا بأس أن تعود إلى زوجها الأول إن كان ثمة دلائل على الوفاق والتلاق، ثم أمر الأولياء بألا يمنعوا المرأة من العودة إلى زوجها إذا رغبت في العودة لاسيما إذا صلحت الأحوال، وظهر أمارات الندم على الزوجين في استئناف الحياة الفاضلة والعيشة الكريمة1. وإذا نظرت في سبب هذه الآيات وجدت أن الهدف الأساسي هو رفع الظلم وإزالة الحرج وتيسير الأمور والهداية إلى الصراط المستقيم، فقد ذكر في سبب نزول هذه الآيات أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكان يطلق الرجل على امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فعمد رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: لا آويك ولا أدعك تحلين، قالت كيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مُضي عدتك راجعتك، فشكت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: " الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَان " 2. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها، يفعل بها ذلك يضارها ويعطلها، فأنزل الله تعالى: " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء" 3. 1 روائع البيان تفسير آيات الأحكام محمد الصابوني1 /300.) 2 سنن الترمذي، ك الطلاق ب16( )2 /497)، الحديث رقم 1192. 3 جامع البيان للطبري2 /480.)

عدد الصفحات ٢٧٤

275 وأخرج البخاري عن معقل بن يسار رضي الله عنه أنه زوج أخته رجلاً من المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع1، أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها: والله لا ترجع إليك أبداً، قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله: " وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ" (البقرة ، آية : 232)، فلما سمعها معقل: قال: سمعاً لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك 2. ب ـ الحكمة من الطلاق فإذا تأمل العاقل حكمة الله في الطلاق وجد عدة حكم منها: عدم تعطيل النساء المرغوب فيه، فقد تكون المرأة عقيمة لا تلد، والرجل فقيراً لا قدرة له على الجمع بين الزوجتين وهو في الوقت نفسه يرغب في الولد ليعينه في شيخوخته، ويحفظ له اسمه بعد موته، ومن الحكم أيضاً: رفع الحرج عن الزوجين، لأن أحدهما قد يتصف بسوء خلقه أو فساده في تربيته أو ضعف في دينه، أو يكون بينهما تخالف في الطباع وتضاد في المقاصد فتنافر القلوب، أو ينعدم التآلف، والأسرة إذا لم تقم على المحبة أو تدعم بالموافقة، تداعت أركانها وانهار بناؤها3. ولهذا نرى كثيراً من الدول الأور وبية والأمريكية اضطرت أخيراً إلى تبني ما كانت تنكره سابقاً على الإسلام، فقد أقرت الزواج المدني الذي يحتوي على الطلاق، وجعلته شرعة ثابتة في قانونها الشخصي وأصلاً من أصول مدنيتها الحديثة وإن خالف ذلك أصول دينها، ثم إن الطلاق ليس بدعاً في الشرائع، بل هو عريق في الأمم القديمة، وقد 1 لكع: لئيم 2 رواه البخاري، ك التفسير، الحديث رقم: 4529 (5 /189.) 3 روح الدين الإسلامي لعفيف طبارة،ص: 376.

عدد الصفحات ٢٧٥

276 كان الرجل يستعمله بمطلق حريته، وليس للمرأة أن تطلبه بحال من الأحوال، وظل الأمر كذلك إلى عهد الدولة الرومانية حيث أصبحت الروابط جد واهية والطلاق فاشياً وعلى ذلك جرت القوانين العبرية القديمة والأثنية، وكان الأمر فيه إفراط وتفريط. ثم لما جاءت الديانة الموسوية حسَّ نت من أحوال الزوجة ولكنها أباحت الطلاق لسبب من ثلاثة: الزنى والعقم وعيب الخَلق أو الخُلق. أما المسيحية فالرأي الغالب بين رجال الكنيسة هو: أن الطلاق - حتى في حالة الزنى ـ محرَّ م، فيجب على الزوج إعادة زوجته الخاطئة متى ندمت وتابت عن ذنبها، ولكن للزوج الحق، بل واجب عليه أن يبتعد عن التي تصر على خطئها، كما أنه ليس له الحق في التزوج، فزنى الزوجة يؤدي إلى الانفصال الجسماني إذا ادعاه الزوج وليس الأمر كذلك بالنسبة لزنى الزوج فالانفصال الجسماني لا يفصم عرى الزوجية وإنما يؤدي فقط إلى إعفاء الزوجين من واجبات الزوجية، ومع ذلك فقوامة الزوج على زوجته تبقى ولا تزول. فالتفريق الجسدي الذي وضع أسسه رجال الكنيسة لا يختلف عن الطلاق إلا بمسألة عدم تلاشي الزواج اسماً، لكن الزواج في الحقيقة قد تلاشى فعلاً. فالزوجان يعيشان متباعدين ولم يبق بين الزوجين من أحكام الزواج إلا أمران: وجوب النفقة عند الحاجة، ووجب المحافظة على عفتهما، زد على ذلك: أن قيام الزواج اسماً يمنعهما من الزواج ثانياً، ويكون كما قال المسيو بلانيول 1: قد ضحيا ببقائهما دون ما أمل، ويجدان أنفسهما قد حكم عليهما بالعزوبة الإجبارية، وقال أيضاً: إن في أغلب 1 الوسطية في القرآن، ص484.

عدد الصفحات ٢٧٦

277 الأوقات يكون الباعث على استحالة بقاء الحياة هو زنى أحد الزوجين أو زنى الاثنين معاً، فهل يظن إذا فرق بينهما أن يتخليا عن علاقتهما غير المشروعة؟ ثم ما هو المركز الاجتماعي للمرأة المهجورة؟ وما هو مركز الزوج إذا كانت المرأة تعبث بشرفه حاملة مجررة اسمه واسم أولاده في كل مكان، ومعجزة إياه بطلب الدراهم، أو مهددة إياه بفضائح جديدة؟ ثم: إن التفريق الجسدي لا يزيل داء إلا ويستبدل بداء آخر، فإنه لا يوجد البتة صبغة حياة زوجية بين زوجين مكرهين على أن يعيشا معاً، ولكن توجد فضائح علنية تحمل الزوج الآخر على اليأس، حتى إن الزوجين بعد التفريق الجسدي يمكنهما أن يقترفا المساوىء أكثر من ذي قبل1. وهذه أحكام تصطدم مع الفطرة السليمة والعقول الحكيمة، وتبتعد عن معاني الإنسانية التي جاءت الشرائع السماوية لتحث الناس عليها، ولذلك لا تستغرب إلحاح الجماهير وضغطها على الحكومة الإيطالية في إيطاليا حتى تصدر الدولة قانوناً يبيح الطلاق أمام القضاة، وكان لهذا القانون دوي هائل في إيطاليا كلها، وعلى الفور انبرت "الكنيسة الكاثوليكية" لمقاوته، وجمعت ألوف الأصوات حتى ترغم الحكومة على إجراء استفتاء شعبي عليه، ورغم جهود الفاتيكان ونفوذ الكنيسة ودعاويها الدينية، إلا أن نداء الفطرة كان أقوى وأندى وانتصرت الفطرة وصدر قانون إباحة الطلاق وابتهج الإيطالي بذلك2. وننقل هنا بعض ما نشرته الصحف على سبيل المثال روما ـ وكالات الأنباء: احتفل مئات الألوف من الإيطاليين مساء أمس الأول بنتيجة الاستفتاء الذي أسفر عن الإبقاء على إباحة الطلاق، فساروا في مواكب نظمت في المدن الكبرى، وهم يحملون المشاعل والأعلام. 1 القانون المدني الفرنسي1 /368) نقلاً عن روح الإسلام، ص: 378. 2 المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار فتح الله، ص: 578.

عدد الصفحات ٢٧٧

278 وتعتبر هذه النتيجة هزيمة قاسية للحزب المسيحي والكنيسة، ومما يذكر أن النتيجة كانت 59% مؤيدين لإباحة الطلاق، بينما عارضت الطلاق 40%، وهذا كله من أجل حقيقة واحدة قررها القرآن العظيم وأغنى البشر فيها بشريعته عن متاعب وتجارب القرون، ولم تلحق به أوروبا فيها إلا بعد أن ذاقت الويلات الهائلة نفسياً و اجتماعياً 1. جـ ـ مسلك القرآن والسنة في علاج الخلاف العائلي بين الزوجين سلك الإسلام في معالجة الخلاف العائلي بين الزوجين الطرق التالية:  ـ دعا الزوجين إلى أن يشعر كل واحد منهما ب مسؤوليته نحو الآخر ونحو أولادهما أمام الله عز وجل وسبحانه، فهو المطلع على أعمالهم سواء كانت خيراً أو شراً، وهو الرقيب الحفيظ العليم العزيز الحكيم. قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَة غِلاَظ شِدَاد لاَ يَعْصُونَ اللهََّ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (التحريم ، آية : 6.) وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.. إلى أن يقول: والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»2. فإذا بدأ الخلاف بينهما أوصاهما بأن يتحمل كلاً أخلاق الآخر، ويصبر على ما يكرهه منه، فالحياة لم تسو بين الناس في عقولهم وأخلاقهم وطباعهم، ولابد من إغضاء الإنسان عما لا يرضيه، وكثيراً ما يكون الخير فيما يكره ه الإنسان ويتأذى به. في قول الله تعالى: " وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُّ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" (النساء ، آية : 19.) 1 المنهاج القرآني في التشريع، ص: 578. 2 صحيح البخاري، ك النكاح، الحديث رقم: 5200.

عدد الصفحات ٢٧٨

279 وقد حكى لي أحد الآباء رحمه تعالى أنه تزوج امرأة حدثت بينهما مشاكل وكاد أن يطلق زوجته إلا أنه أثناء تلاوته لكتاب الله مر على الآية المذكورة فعزم على الإعراض عن فكرة الطلاق وصلح حالهما وبارك الله له في ذريته وأنجب منها ذكوراً وإناثناً وأصبحوا رجالاً ونساءً على خير وصلاح ، منهم ثلاثة من حفظة كتاب الله. ـ فإذا لم يعد أحدهما يحتمل الآخر، ويصبر على الخلاف معه، واشتد الخلاف بينهما بحيث يخشى من الشقاق والافتراق، أوجب الإسلام أن يحكم أهلهما في هذا الخلاف، فيختار الزوج واحداً يمثله، وتختار الزوجة واحداً يمثلها ويجتمعان، كمحكمة عائلية ينظران في أسباب الخلاف وعوامله، ويحاولان إصلاح الأمور بينهما بما يستطيعان، ولا ريب في أن كلاً من الزوج والزوجة إذا كان راغباً في إنهاء الخلاف وعودة الوئام بينهما إلى سابق عهده، فإن الحكمين سينجحان في مهمتهما، وهذا ما تحدث فيه القرآن الكريم بقوله: " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا" (النساء ، آية : 35.) فإذا لم ينفع التحكيم وأصر كل من الطرفين على موقفه، أجاز الإسلام أن يقع الطلاق بين الزوجين لمرة واحدة تعتد فيها الزوجة في بيت الزوجية مدة تقارب ثلاثة أشهر ويعرف ذلك في محله في كتب الفقه، وفي خلال العدة تعيش الزوجة في بيت الزوجية، إلا أن زوجها لا يعاشرها معاشرة الأزواج، والحكمة في جعل العدة بهذا الشكل هو ترك الفرصة الكافية لإعادة الصفاء وزوال أثر الخلاف السيىء على حياتهما وحياة أولادهما، فلعلهما يعودان عن الخصام أو النزاع، ويعود الهدوء والحب إلى جو الأسرة. هذا مع أن الإسلام أجاز إيقاع الطلاق في هذه الحالة كأمر لا مفر منه فإنه يراه مكروهاً، وينفر منه أشد التنفير ويجعله أبغض الحلال إلى الله1. 1 المرأة بينالفقه والقانون، د. مصطفى السباعي، ص: 125.

عدد الصفحات ٢٧٩

280 ثم إن هذه الطلقة التي أوقعها الزوج تعتبر طلقة رجعية ما دامت المرأة في العدة، بمعنى أن الزوج يستطيع أن يرجع إليها من غير مهر ولا عقد ولا شهود، بل يكفي أن يتعاشرا معاشرة الأزواج لينتهي أثر هذه الطلقة، وتعود الحياة الزوجية إلى سابق عهدها، وفي مذهب الشافعي لابد من المراجعة بالقول كأن يقول لها: "راجعتك" فتحل له رأساً 1.  ـ إذا انتهت العدة ولم يراجع الزوج زوجته أصبحت الطلقة بائنةبمعنى أن الزوج لا يستطيع أن يعود إليها إلا بمهر وعقد جديدين، وإن المرأة لو رفضت العودة إليه وفضلت أن تقترن بزوج آخر، لا يملك الزوج الأول إجبارها على العودة، ولا منعها من الزواج الثاني.  إذا عاد إلى الحياة الزوجية ـ سواء خلال العدة أو بعدها ـ ثم تكرر الخلاف نعيد ذات الخطو ات السابقة من إيصائهما بحسن معاملة أحدهما للآخر، وتحم ل أحدهما ما يكرهه من الثاني، فإذا اشتد الخلاف ثانية لجأنا إلى التحكيم العائلي، فإذا لم ينجح في الإصلاح بينهما كان للزوج أن يطلقها طلقة ثانية، ولها ذات الأحكام التي تأخذها الطلقة الأولى2.  فإذا عاد الزوج إلى زوجته بعد الطلقة الثانية، وعاد الخلاف بينهما، عدنا إلى اتخاذ الخطوات السابقة قبل إيقاع الطلاق، فإذا لم ينفع كل ذلك في الإصلاح بينهما جاز للزوج أن يطلق زوجته الطلقة الثالثة والأخيرة، وتصبح بائنة منه بينونة كبرى، بمعنى أنه لا يستطيع أن يرجعها إليه بعد هذه الطلقة إلا بعد إجراء شديد الوقع على نفس الزوج و الزوجة معاً وهو أن تكون الزوجة تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها مِن الأول، ثم وقع الخلاف بينها وبين الثاني فطلقها، عندئذ 1 المرأة بين الفقه والقانون، د. مصطفى السباعي، ص: 125. 2 المرأة بين الفقه والقانون، د. مصطفى السباعي، ص: 125.

عدد الصفحات ٢٨٠

281 يجوز للزوج الأول أن يعود إليها بعد عدتها من طلاق الزوج الثاني، ويجب أن يكون ذلك كله طبيعياً من غير احتيال ولا تواطؤ. والحكمة من هذا الإجراء أن الزوج لا يقدم على إيقاع الطلقة الثالثة بعد كل ما سبق من محاولات التحكيم، وبعد طلقتين سابقتين، اعتدت المرأة بعدهما، إلا بعد استفحال الخصومة بينه وبين زوجته، بحيث أصبح يعتقد أن استمرار حياتهما الزوجية على هذا الشكل، طلاق وافتراق ثم عودة والتقاء مرتين متتاليتين، أصبح جحيماً لا يطاق، وأنه قرر التخلص نهائياً من هذه الرابطة الزوجية، فأفهمه الشارع أن ه حين يوقع الطلقة الثالثة قد بانت عليه بينونة كبرى لا سبيل إلى رجوعها إليه إلا بعد أن تجري الحياة الزوجية مع زوج آخر، ولو أبحنا له أن يعود إلى الزواج منها بعد طلاقها للمرة الثالثة، ثم يعود فيطلقها حين يختلفان، ثم يعود فيراجعها حين يتفقان لكان ذلك عبثاً في الحياة الزوجية واستمراراً لتعاسة الأسرة وش قائها إلى ما لا نهاية، إذن فلا بد من حد يقف عنده الطلاق ، وقد قدره الشارع بثلاث تخفيفاً لعذاب الزوج والزوجة والأولاد على السواء، وهذه هي أهم مبادىء الطلاق وخطواته، وهي كما ترى حريصة كل الحرص على أن لا تنقطع الحياة الزوجية لأول خلاف يقع بينهما، بل جعلت لهم فرصة يستطيعان فيها إصلاح ما في نفسيهما إن أرادا الإصلاح والعيش معاً في حياة هانئة مستقرة 1. وهذا يدل على عدل القرآن الكريم في تشريع أحكام الطلاق وقد وضحته السنة وتابعه الصحابة واقتفى أثرهم التابعون بإحسان. د ـ من عدل القرآن في الطلاق جعله في يد الرجل: 1 المرأة بين الفقه والقانون، ص: 125.

عدد الصفحات ٢٨١

282 إن الله عز وجل بين في آيات الطلاق أن الطلاق في يد الزوج، ولم يجعله في يد المرأة، ولم يجعله في يد القاضي، إلا إذا كان بطلب المرأة، قد يقول القائل: إن الطريقة المثلى إذا كان الزوجان غير متفقين في الطلاق أن يكون بيد القاضي وليس لأحدهما أن ينفرد به، لأن القاضي ناظر غير متحيز، ولأن العقد الذي ينشىء حقوقاً لازمة لا تبطله الإرادة المنفردة، ولأنه لو جعل بيد أحدهما لانفصم العقد بنوبة غضب عارضة، فإذا جاء الندم كان في غير وقته. وإن لذلك مكاناً من الفكر، قد أخذت به شرائع ولكنه لا يستقيم إلا إذا كانت أمور النفوس وخفايا القلوب يمكن أن تثبت بالدليل الظاهري، لأن القاضي لا يقضي إلا بما تثبته الأمارات والبينات، ثم إن القضاء إنما ينظر فيما هو حق أو ظلم ليقر الحق ويمنع الظلم، والمسألة في الحياة الزوجية ليست مسألة ظالم ومظلوم، وإنما هي صلاحيتها للبقاء بإمكان استمرار المودة، أو عدم صلاحيتها، فمثلاً إذا تقدم الزوج طالباً الطلاق لأنه أصب ح يبغض زوجه، وأن حبل المودة قد انقطع بينهما، وأنه حاول إصلاح الأمر ـ فلم يفلح ـ أفيطلق القاضي أم لا يطلق؟ لا شك أن الطلاق في هذه الحال أمر لابد منه، ولكن ما الفرق بين إيقاع القاضي الطلاق وإيقاعه هو؟ وإذا كان سبب الطلاق أمراً غير الحب والبغض فهل من المصلحة الاجتماعية أن تنشر دخائل الأسر في دور القضاء، وتسجل في سجلاته ومنها ما لا يسوغ إعلانه1. وبذلك تكون الأضرار عظيمة من فضح الأسرار الزوجية أمام المحكمة والمحامين عن الطرفين، وقد تكون هذه الأسرار مخزية، من الخير لأصحابها سترها. لنتصور أن رجلاً اشتبه في سلوك زو جته، وتقدم إلى المحكمة طالباً طلاقها لهذا السبب، كم 1 المرأة بين الفقه والقانون، ص: 125 ـ127.

عدد الصفحات ٢٨٢

283 تكون الفضائح في هذا الموضوع؟ وكم يكون مدىانتشارها بين الأقرباء والأصدقاء والجيران وبعض الصحف التي تتخذ من مثل هذه القضايا مادة للرواج1؟ إن المحاكم في بعض البلاد الغربية لا تحكم بالطلاق إلا إذا ثبت زنى الزوج أو الزوجة، وكثيراً ما يتواطئان فيما بينهما على الرمي بهذه التهمة ليفترقا، وقد يلفقان شهادات ووقائع مفتعلة لإثبات الزنى حتى تحكم المحكمة بالطلاق. فأي الحالتين أكرم وأحسن وأليق بالكرامة، أن يتم الطلاق بدون فضائح، أم أن لا يتم إلا بعد الفضائح2؟ وأما إعطاء المرأة وحدها حق الطلاق، فيه خسارة مالية للرجل وزعزعة لكيان الأسرة، والمرأة لا تخسر مادياً بالطلاق، بل تربح مهراً جديداً، وبيتاً جديداً، وعريساً جديداً، وإنما يخسر الرجل الذي دفع المهر للمرأة ويقوم بنفقة البيت والأولاد، وقد دفع نفقات العرس، وثمن أثاث البيت، فإذا أعطيت المرأة حق الطلاق بمجرد إرادتها سهل عليها أن توقعه متى اختصمت مع الزوج نكاية به ورغبة في تغريمه، سيما وهي سريعة التأثر، شديدة الغضب ، لا تبالي كثيراً بالنتائج وهي في ثورتها وغضبها، ولنتصور رجلاً اختلف مع زوجته فإذا هي تطلقه وتطرده من البيت وهو صاحبه ومنفق عليه3. ويقول مصطفى السباعي: وجعل الطلاق بيد الرجل وحده، وهو الطبيعي المنسجم مع واجباته المالية نحو الزوجة والبيت، فما دام هو الذي يدفع المهر ونفقات العرس والزوجية، كان من حقه أن ينهي الحياة الزوجية إذا رضي ويتحمل الخسارة المالية 1 الأحوال الشخصيةللعلامة أبو زهرة، ص: 278. قسم الزواج 2 الأحوال الشخصية للعلامة أبو زهرة، ص: 278. 3 المرأة بين الفقه والقانون، ص: 128 ـ129.

عدد الصفحات ٢٨٣

284 والمعنوية الناشئتين في رغبته في الطلاق، والرجل في الأعم الغالب أضبط أعصاباً، وأكثر تقديراً للنتائج في ساعات الغضب والثورة، و هو لا يقدم على الطلاق إلا عن يأس من إمكان سعادته الزوجية مع زوجته، ومع علم ما يجره الطلاق من خسارة، وما يقتضيه الزواج الجديد من نفقات، فقلَّ أن يقدم عليه إلا وهو على علم تام بالمسؤولية، وعلى يأس تام من استطاعته العيش مع زوجته، لذلك نجد أن إعطاء الرجل وحده حق الطلاق طبيعي ومنطقي ومنسجم1. وهذا يدل على حكمة العلي الحكيم في تشريعاته الرشيدة، كما يدل على عدل القرآن وحكمته ووضعه للناس على الصراط المستقيم، ومع هذا فقد راعى الشارع الحكيم أموراً وظروفاً قد تمر بالمرأة لا تستطيع أن تستمر في الحياة الزوجية فجعل من حقها أن تطلب الطلاق أو فسخ النكاح ويسمى هذا في أبواب الفقه: الخلع2، ويكون ذلك عن طريق القاضي، وحكمة ذلك: أن المرأة تحكمها العاطفة، والعاطفة إذا سيطرت على الأمور الخطيرة قد تضر ولا تنفع، والطلاق من أخطر الأمور، وقد لوحظ أن النساء اللواتي يملكن حق الطلاق لأنفسهم يسئن استخدام هذا الحق، ويطلقن أنفسهن لأتفه الأمور، ولو أننا جعلنا الطلاق بيد المرأة لكان ذلك ظلم للرجل بضياع ما أنفق في سبيل هذا الزواج من نفقات مالية، وإنها لكثيرة، فلم يكن للمرأة حق طلب الطلاق إلا من طريق القاضي على شرط أن يقبل الزوج، وتعوضه الزوجة بعض خسارته أو كلها، تلك الخسارة التي تلحق به من جراء الطلاق. 1 الوسطية في القرآن، ص: 492. 2 الخلع: هو افتداء المرأة من زوجها الكارهة له بمال تدفعه إليه ليتخلى عنها

عدد الصفحات ٢٨٤

285 وقد روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن امرأة ثابت بن قيس1، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتردين عليه حديقته؟» قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«اقْبَل الحديقة وطلقها تطليقة»2، وقد استنبط الفقهاء من الحديث السابق ومن قوله تعالى: " فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ" (البقرة ، آية : 229). أحكاماً تدل على عدل الإسلام وحرصه على رفع الظلم الواقع بالمرأة، ولذلك جعلوا للخلع شروطاً منها: ـ أن يكون البغض من الزوجة، فإن كان الزوج هو الكاره لها فليس له أن يأخذ منها فدية، وإنما عليه أن يصبر عليها، أو يطلقها إن خاف ضرراً. ـ أن لا تطالب الزوجة بالخلع حتى تبلغ درجة من الضرر، تخاف معها أن لا يقيما حدود الله في نفسها أو في حقوق زوجها. ـ أن لا يتعمد الزوج أذية الزوجة حتى تخالع منه، فإذا فعل فلا يحل له أن يأخذ منها شيئاً أبداً، وهو عاص ، والخلع ينفذ طلاقاً بائناً، فلو أراد مراجعتها لا يحل له إلا بعد عقد جديد3. ومن أراد الاستزادة فعليه بمراجعة كتب الفقه، وقد جعلت الشريعة للمرأة الحق في طلب الطلاق إذا امتنع الزوج من خلع زوجته بشرط أن يكون لها سبب شرعي، بمثل: أن يكون بالزوج عيب مستحكم "لا يمكن البرء منه"، أو يُ مْكن ولكن بعد زمن طويل، ولا 1 هي جميلة بنت أبي بن عبدالله ابن سلول: وقيل حبيبة بنت سهل. 2 صحيح البخاري، ك الطلاق، الحديث رقم: 5273. 3 منهاج المسلم لأبي بكر الجزائري، ص: 575.

عدد الصفحات ٢٨٥

286 تقبل المقام معه، كالجنون، والجذام والبرص، أو غاب عنها زوجها سنة فأكثر، أو ليست له المقدرة على إمتاع زوجته جنسياً وغير ذل ك من الأسباب التي دونت عند الفقهاء1. ك ـ حماية الشريعة للزوجة في باب الطلاق وإذا كانت الشريعة قد أعطت الرجل الطلاق مطلقاً من كل قيد، فإنها قد فرضت عليه في مقابل ذلك واجبات قصد منها حماية الزوجة وحفظ مصلحتها. والطلاق إما أن يكون قبل الدخول، وقبل فرض مهر للزوجة، وإما أن يكون قبل الدخول، وبعد فرض مهر للزوجة، وإما أن يكون بعد الدخول، وفي كل حال من هذه الحالات ألزمت الشريعة الرجل بالتزامات لا مفر منها عليه أن يؤديها للمرأة، وهذه الالتزامات تعتبر من ناحية تعويضاً ل لمرأة كما أنها من ناحية أخرى تحمل الرجل على أن يفكر كثيراً قبل استعمال حق الطلاق. ـ الطلاق قبل الدخول وفرض المهر: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو يفرض لها مهراً فعليه أن يُ متِّعها أي: يعوضها عن الطلاق بما يقتضيه العرف، أي بما تعارف أمثال الزوج ومن هم في طبقته على أدائه للمرأة في مثل هذه الحالة، والمقصود بالأمثال أن يكونوا مثله من الناحية المالية، وذلك قوله تعالى: " لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقاا عَلَى الْمُحْسِنِينَ " (البقرة ، آية : 236.) ـ الطلاق قبل الدخول وبعد فرض المهر 1 روح الدين الإسلامي، ص: 385.

عدد الصفحات ٢٨٦

287 وإذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول وبعد فرض المهر فهو ملزم بأن يدفع لها نصف المهر تعويضاً على الطلا ق طبقاً لقوله تعالى: " وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ" (البقرة ، آية : 237.) ـ الطلاق بعد الدخول أما إذا طلق الرجل المرأة بعد الدخول فهو ملزم لها بكل المهر، ولو كان أكثره غير حال، وعليه أن يسلمها كل ما قدمه لها بمناسبة الزواج، أو ما ملكها إياه في حال الزوجية سواء كان ملزماً به أم متفضلاً به عليه ا، وذلك طبقاً لقوله تعالى: " وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْج مَّكَانَ زَوْج وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً" (النساء ، آية : 20.) وعلى الزوج بعد ذلك أن ينفق على الزوجة حتى تستوفي عدتها وتصبح بذلك أهلاً للزواج من غيره. وقبل أن ندخل في عدل القرآن الكريم في فرض العدة على المرأة المطلقة وأحكامها وحكمتها نتكلم عن عدل القرآن في المتعة وعن مرونة أحكام الله في الطلاق، قال تعالى في شأن المطلقات: " وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُ وفِ حَقاا عَلَى الْمُحْسِنِينَ" (البقرة ، آية : 236.) وقال تعالى: " وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاع بِالْمَعْرُوفِ حَقاا عَلَى الْمُتَّقِينَ" (البقرة ، آية : 241.) والقضية تدور على عدة محاور، فإما ألا يكون هناك أي تمتيع للمطلقة، وهذا له آثاره السلبية وبخاصة على المطلقة التي ستستقبل حياة جديدة، تحتاج إلى تخفيف وقع الطلاق وأثره حسياً ومعنوياً، وإما أن يكون هناك تمتيع مغلظ ، وهذا فيه إثقال على الزوج

عدد الصفحات ٢٨٧

288 المطلق، وإما أن تكون هناك متعة يراعي فيها ظروف الزوج وإمكاناته مع عدم إهمال حق المطلقة في المتعة. وهذا هو الأمر الوسط الذي أقره القرآن، وأصبح شرعاً من لدن حكيم عليم 1. ومن عدل القرآن في أحكام الطلاق أنها جاءت مرنة وعامة إلى آخر حدود العموم والمرونة ومن ثم كانت صالحة لكل عصر، ولكل مصر، ولم تكن في حاجة إلى التعديل أو التبديل، ولقد أثبت ذلك الزمن نفسه حيث مر على هذه النصوص أكثر من ثلاثة عشر قرناً وهي لا تزال على ما كانت عليه يوم نزولها من الجدة والصلاحية والسمو. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد قررت حق الطلاق للزوجين من ثلاثة عشر قرناً وأحاطته بهذه الضمانات القوية العادلة، فإن العالم المتحضر لم يعرف هذا الحق، ولم يعترف به إلا في القرن العشرين، بل كان البعض يأخذ على الشريعة أنها جاءت مقررة لحق الطلاق، ثم دار الزمان دورته، وجاء عصر العلوم والرقي، وتقدمت الأمم وتفتحت العقول فرأى المفكرون أن تقرير حق الطلاق نعمة على المتزوجين، وأنه الطريق الوحيد للخلاص من الزواج الفاشل، ومن سوء العشرة والآلام النفسية، وأن الطلاق هو الذي يحقق سعادة الزوجين إذا فشل الزواج في تحقيقها وأنه يحفظ الرجل والمرأة من التعرض للأخطاء ووساوس الشيطان2. ن ـ عدل القرآن في العدة يعترض سبيل قطع العلاقات الزوجية عقبات يقصد منها الإبقاء على رابطة الزوجية حتى بعد وقوع الخلاف بين الزوجين الذي يؤدي إلى الطلاق. فكل طلاق تتبعه فترة 1 الوسطية في القرآن الكريم، ص: 495. 2 المصدر نفسه، ص: 496.

عدد الصفحات ٢٨٨