257 بين القلَّة المفضية لتعطل بعض منافع الرجل وبين الكثرة التي مظنة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية للجميع1. إن الإسلام نظام للإنسان، نظام واقعي إيجاب ي يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه، ويتوافق مع واقعة وضروراته، ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان وشتى الأحوال. إنه نظام واقعي إيجابي، يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه، ومن موقعه الذي هو عليه، ليرتفع به في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة في غير إنكار لفطرته أو تنكر وفي غير إغفال لواقعة أو إهمال، وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف2. ب ـ التعدد وشروطه في القرآن إن إباحة القرآن للتعدد لم تكن ضرورة مقيدة بالعدل المستحيل، كما قيل، وإنما هو إباحة عامة تعرض لها الأحكام الشرعية الأخرى، تبعاً لظروف صاحبها، وقد يشفعه الشارع ـ مثل كل الأحكام ـ بوصاياه الخلقية، وضماناته القانونية، التي تجعل منه عند التطبيق مصلحة اجتماعية، ورحمة للناس، وتخفيف إلى أقصى الحدود من أضراره الجانبية، وقد قيده الله تعالى بضوابط وحدود منها. ـ جعل حده الأقصى أربع نسوة كما قال تعالى: " فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ" (النساء ، آية : 3.) وكان في الجاهليات بلا حدود ـ أوجب العدل أو المساواة بين الزوجات، في جميع الحقوق التي في إمكان الزوج كالمبيت والجماع، والنفقة، والمسكن، وغير ذلك، ولم يستثن من ذلك "الميل القلبي" 1 أضواء البيان2 /415) ـ417.) 2 في ظلال القرآن1 /580 ،581.)
عدد الصفحات ٢٥٧258 الذي لا يملكه أحد بشرط ألا يكون له تأثير في المعاملة الظاهرة، ولذلك حث الله تعالى من يخشى التقصير على اجتناب التعدد، فقال تعالى في ختام الآية السابقة: " وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللهَّ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (النساء ، آية : 129.) ذلك لأن العدل الكامل المطلق غير مستطاع، خاصة ميل القلب، فأمر الله تعالى بالعدل الممكن الذي لا يترخص فيه صاحبه، ولا يتنطع1. وبهذا يستبين خطأ الذين قالوا: إن العدل شرط لصحة التعدد، وقد نفى الله القدرة عليه، وبالتالي فهو نفي لإباحة التعدد، وهذا خطأ في التأويل وإعساف في التفسير. إن إباحة تعدد الزوجات بالشروط والحدود المذكورة يدل على عدل الإسلام في باب التشريع وقد اختلف الفقهاء في حكم التعدد، فذهب الجمهور إلى أن الأمر في قوله تعالى: " فَانكِحُواْ" للإباحة، مثل أمر في قوله تعالى: " وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ"، وفي قوله: " كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ" (طه ، آية : 81.) وقال أهل الظاهر: النكاح واجب وتمسكوابظاهر هذه الآية: " فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم" 2.إن العيب ليس في تشريع تعدد الزوجات، ولكن في سوء استعمال الحق الذي رخص الله به، وإصلاح ذلك، لا يكون بمنع التعدد، بل بتهذيب النفوس وتنوير العقول وتعليم الناس حقوق الدين، فليس من العدل منع ما أحل الله وتحريمه لسوء تصرف الناس، بسبب الغيرة القاتلة التي توضع في غير موضعها، فحق التحليل والتحريم لله وحده، قال تعالى: " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَل وَهَـذَا حَرَام " (النحل ، آية : 116.) 1 المنهاج القرآني في التشريع، ص: 588. 2 الوسطية في القرآن، ص: 81.
عدد الصفحات ٢٥٨259 ومع أن الإسلام قد أباح التعدد فقد أعطىللمرأة حريتها في قبول الانضمام لزوجة أخرى أو رفضه. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُ نكح الثيب حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن، وإذنها الصّموت »1. ولكن تحريم التعدد فيه ظلم لها، إذ ستضطر إلى الانحراف أو العزوبية التي لا يرعاها فيها أحد، وتحرم من كل الحقوق، ألا يدل ذلك على قمة العدل في الإسلام في تشريعة إباحة التعدد؟ اللهم نعم2. 7 ـ العدل مع الوالدين صور الله تعالى المشقة التي يلقاها الوالدان لاسيما الأم، فقال تعالى: " وَوَصَّيْنَا الإِْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ" (لقمان آ ية : 14.) لذا من العدل أن أوجب الله على الإنسان أن يبر والديه، ويحسن إليهما في حياتهما وبعد مماتهما، جزاء ما قدما من معروف، وبذلا من جهد، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ـ قال تعالى: "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (لقمان ، آية : 14 ـ15.) كما أنه سبحانه نهى عن التضجر من الوالدين ونهى عن مجرد التأفف لطلباتهما ـ قال تعالى: " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُف وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا 1 سنن ابن ماجه، الحديث رقم: 1718 ك النكاح 2 العدل في القرآن والسنة، ص: 119.
عدد الصفحات ٢٥٩260 جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" (الإسراء ، آية : 23 ـ 24.) لا تسمعهما قولاً سيئاً ولا التأفف الذي هو أدنى مراتب ا لقول السيىء، ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح كالإشارة الغاضبة باليد، وتوضع لهما بالمغفرة والرحمة جزاء ما قدما من رعاية وعناية1. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالوالدين خيراً، فقال صلى الله عليه وسلم «إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيك بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب»2. وأخرج الشيخان: جاء رجل فقال: "يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال «أمك»، قال: ثم من؟ قال «أمك»، قال: ثم من؟ قال «أمك»، قال ثم من؟ قال : «أبوك». بناء على هذا فمن العدلألا تقدما عليهما غيرهما، زوجاً ولا ولداً ولا صديقاً.. بل يعتبر من الظلم والانحراف ويكون علامة على قرب الساعة، أن يبر الرجل صديقه ويعق أباه وأمه3. وذهب الإسلام في العدل إلى أبعد من ذلك، فأوصى بالعدل مع الوالدين حتى لو بقيا على شركهما، كما صح عن أسماء أنها قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: "قدمت عليَّ أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك»4. 1 تفسير القرآن الكريم لابن كثير3 /35.) 2 سنن ابن ماجه، ك الأدب، الحديث رقم: 1636. 3 صحيح البخاري، الحديث رقم: 5971، ك الأدب 4 صحيح البخاري، الحديث رقم 2620، ك الهبة
عدد الصفحات ٢٦٠261 وتقريراً لمبدأ العدالة في حق الوالدين على الأبناء ، أمر الأبناء بالإحسان إلى آبائهم بعد موتهم، أخرج أبو داود أن رجلاً قال: يا رسول الله: "هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما»1. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«إن الرجل ليموتوالداه وهو عاق لهما فيدعو لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين»)2(. وكفى بالإسلام عدلاً أن جعل رضا الوالدين في رضا الله وسخطهما في سخطه أخرج الترمذي: «رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد»3. ومما يزيد العدل وضوحاً في هذه المسألة أن من تأكيد ا سلام وحرصه على حق الوالدين جزاء ما قدما لوالديهما أن جعل عقوقهما من أكبر الكبائر، فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»،قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك با وعقوق الوالدين»4. وعقوق الوالدين يؤدي إلى النار، و"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه»، قيل: منْ يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخله الجنة»5. 8 ـ العدل مع الأبناء 1 سنن أبي داود، ك الأدب، الحديث رقم: 5142. 2 السنن الكبرى للبيهقي، الحديث رقم7901. 3 سنن الترمذي، ك البر والصلة، الحديث رقم: 1899. 4 صحيح البخاري، ك الأدب، الحديث رقم: 5976. 5 صحيحمسلم، الحديث، ك البر والصلة في الأدب، رقم: 2551.
عدد الصفحات ٢٦١262 أقام الإسلام العلاقة بين أفراد الأسرة على أساس من العدل، ولم يقتصر ذلك على العلاقة بين الفرد ووالديه، وبين الزوج وزوجاته فحسب، بل تعدى ذلك إلى تنظيم العلاقة بين الأبناء، لتكون على أساس من العدل والإنصاف، ويستقيم بناء الأسرة ويستقر كيانها، لهذا دعى الإسلام إلى العدل في معاملة الأبناء وحث على التزام العدل بين أبنائهم وبناتهم وألا يفضلوا واحداً على الآخر أو ذكراً على أنثى أو العكس. ووجه العدل في ذلك أن التمييز بين الأبناء في المعاملة معهم يولد الشحناء والعداوة.. مما يهدده بناء الأسرة بالتصدع والانهيار. كما يولد الحسد بين الإخوة، ذلك الحسد الذي يدفع أحياناً إلى الانتقام، وقد يرتد بأثر عكسي على الوالدين نفسياً.. وعندما شعر أبناء يعقوب عليه السلام بأن يوسف وأخاه أحب إلى أبيهم منهم، علماً أن شعورهم خاط ىء لأن نبي الله يعقوب عليه السلام لم يفرق بين أبنائه وحاشاه من ذلك، إلا أن شعورهم الخاطىء جعل الحسد ينبت في قلوبهم حتى إنهم تآمروا على يوسف ليقتلوه ويتخلصوا منه، وحدث أن ألقوه في البئر، ويسجل القرآن الكريم ذلك: ـ قال تعالى: " لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَات لِّلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُواْ لَيُوسُ فُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَة إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَل مُّبِين * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ" (يوسف ، آية : 7 ـ9.) أرأيت كيفيفعل الحسد بالقلوب؟ لذا أمرنا الله بالاستعاذة منه، فقال تعالى: " وَمِن شَرِّ حَاسِد إِذَا حَسَدَ" (الفلق ، آية : 5.) لقد امتلأت قلوبهم غيظاً على يوسف وأخيه، بل تعداها إلى أن وصل الأمر بهم أن يصفوا أباهم بأنه ضال ومخطىء، كل هذا نتج عن شعور فاسد وخاطىء، فكيف لو كان الأمر صحيحاً؟
عدد الصفحات ٢٦٢263 وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم التفرقة بين الأبناء منعاً للجور والظلم، ودفعاً للعداوة والبغضاء، وفي الحديث عن النعمان بن بشير أنه قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: "أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"1، فرجع فرد عطيته 9 ـ العدل مع الجيران إن الدين الإسلامي رتب حقوقاً للوالدين والأزواج والأبناء والأقربين، فإنه لم يغفل عن جانب هام من العلاقات التي يقوى برسوخها بنيان المجتمع، وتشيع فيه روح المودة والإخاء والصفاء. ومن هنا جاءت وصية الإسلام بالجار والتركيز على ضرورة حسن الجوار ومنع الأذى عن الجيران وأمر بالإحسان إليهم، وقد حث الله والرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والسنة الشريفة على رعاية حقوق الجيران. ـ قال تعالى: " وَاعْبُدُواْ اللهَّ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَا لْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ" (النساء ، آية : 36.) وعن ابن عباس رضي الله عنه، إن الجار ذي القربى هو الذي بينك وبينه قرابة، والجار الذي ليس بينك وبينه قرابة هو الجار الجنب2. 1 صحيح البخاري، الحديث رقم 2587، ك الهبة 2 تفسير ابن كثير1 /494.)
عدد الصفحات ٢٦٣264 وقال الزمخشري: هو الذي صحبك إما رفيقاً في سفر أو جاراً ملاصقاً شريكاً في تعلم علم أو قاعداً إلى جنبك في مجلس أو غير ذلك، من له أدنى صحبة التأمت بينك وبينه فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه، وقيل: هي المرأة. هذا وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار خيراً، دعا إلى إنصافه والقسط في معاملته والإحسان إليه حتى إنه رفعه إلى مرتبة الأقرباء في الميراث جوازاً، "فعن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»1. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ف يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت »)2(. فمن العدل أن الإسلاماشترط لتمام الإيمان بالله واليوم الآخر إكرام الجيران، ورتب للمحسنين مع جيرانهم أجراً عظيماً، وقد نفى الإيمان عمن يسيء إلى الجار ويؤذيه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه»3. وإذا تلمست جوانب العدل في الأمر بتنظيم العلاقة بين الجيران.. نلحظ أن الإسلام التفت إلى أشياء دقيقة فيها ما هو فوق العدل، فمن ذلك: إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر أعطيته، وإذا مرض عدته، وتشاركه الفرح فتهنيه، وفي المصيبة فتواسيه.. وإذا مات اتبعت جنازته، ولا يسمح لك برفع البنيان لتحجب عنه 1 صحيح البخاري، الحديث رقم 6014، كالأدب. )2( صحيح مسلم، ك الإيمان، الحديث رقم47. 3 بوائقه: شروره وآثامه مسلم، الحديث رقم: 64.
عدد الصفحات ٢٦٤265 الريح ولا يشم رائحة قِدْرك إلا أن تغرف له منها وتهدي له من الفاكهة التي تشتريها أو تدخلها إلى بيتك سراً ولا تسمح لولدك بالخروج بها ليغيظ أولاده، وهذا معنى حديث للرسول صلى الله عليه وسلم، وعن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم»1. وزيادة في الحرص على الجار شدد على حق الجار القريب، وهذا عدل في التقسيم فالجار ذي القربى له ثلاثة حقوق، حق القرابة، والإسلام والجوار، والجار غير القريب له حقان: حق الإسلام وحق الجوار، والمسلم له حق الإسلام، وغير المسلم حق الجوار، وليس الجار هو صاحب البيت الملاصق لبيتك، بل اعتبر إلى مسافة أربعين داراً، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً يأتون المسجد فيقومون على بابه فيصيحون: ألا إن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه" 2. إن من وصل جيرانه وقدم لهم الخير، وكف أذاه عنهم، وكان سبباً في هدايتهم كان ل ه في المقابل أجراً جزيلاً، فعند ما مرض ابن اليهودي المجاور لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعاده الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب من الغلام أن يسلم فنظر الغلام إلى أبيه فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فنطق الغلام بالشهادتين، فكان سبباً في إنقاذ نفس من النار، وكذلك فعل الإمام أبو حنيفة عندما سجن جار له، وكان هذا الجار فاسقاً شارباً 1 رواه الطبراني وإسناده حسن. 2 العدل في القرآن والسنة، ص: 131.
عدد الصفحات ٢٦٥266 للخمر، ففداه وفك أسره، فكان سبباً في استقامته ؛ مما يدل على أن العدل بالإحسان إلى الجار ومن الظلم والجور والإساءة إلى الجار1. 01 ـ العدل مع الحيوان والنبات خلق الله الإنسان وأمره بإعمار الأرض وإصلاحها، وأن ينتفع بما خلق فيها لا أن يكون أداة فساد يهلك الحرث والزرع، والله سبحانه كما خلق الإنسان خلق الحيوان والنبات والجماد، وسخر كل ذلك لخدمة الإنسان. قال تعالى: " وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْم يَذَّكَّرُونَ" (النحل ، آية : 13.) ـ وقال تعالى: " وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" (النحل ، آية : 8.) والآيات التي ذكرت ما خلق الله سبحانه لنفع الإنسان أكثر من أن تحصى، أليس من العدل أن يتوجه الإنسان لخالقه بالشكر والثناء والحمد؟ قال تعالى: " وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِّ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُوم كَفَّار " (إبراهيم ، آية : 34.) وأليس من الشكر أن يحسن الإنسان التعامل مع هذه المخلوقات، ويسخرها لجانب الخير، وألا يؤذيها فهي تمده بالنفع، فوجب المحافظة عليها. فالمسلم عليه أن يرحم الحيوانات فيرحمها برحمة الله تعالى، فيطعمها ويسقيها إذا جاعت أو عطشت، قال صلى الله عليه وسلم: «في كل ذات كبد رطبة أجر»2، ودخل رجل الجنة في كلب سقاه عندما نزل في بئر ورآه يلهث من العطش، فسقاه في خفه، فكانت 1 العدل في القرآن والسنة، ص: 131. 2 صحيح البخاري، الحديث رقم 6462.
عدد الصفحات ٢٦٦267 الرحمة سبباً في دخول الجنة، بينما القسوة وتعذيب الحيوان سبب في دخول النار، قال صلى الله عليه وسلم : «كذّبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»1. فلا يجوز تعذيب الحيوان ولا تحميله ما لا يطيق ولا تعذيبه بالنار. وكذلك من العدل والرحمة عند ذبحها للانتفاع بها الإحسان في ذبحها، وإراحتها عند الذبح، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِ تلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليرح أحدكم ذبيحته، وليحد شفرته»2. ومع ذلك أجاز الإسلام للمسلم أن يقتل الفواسق من هذه الحيوانات التي تؤذيه، وهنا يظهر العدل، فالحيوانات التي تنفعه باللحم أو اللبن أو الصوف والوبر والشعر والركوب عليها ونقل المتاع وغير ذلك أمر الإسلام بالإحسان في معاملتها وعدم إيذائها.. وأما التي تؤذيه وتعتدي عليه فأجاز له قتلها حتى ولو كان محرماً بحج أو عمرة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «خمس فواسق تقتلن في الحل، والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور»3، وفي رواية«والعقرب» يجوز قتلها ويقاس عليها كل حيوان مؤذ 4. ومن جوانب العدل مع الحيوانات أن لا يتخذها غرضاً للرمي، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رآهم اتخذوا طيراً غرضاً، يرمونه بسهامهم لتعلم الرمي لا للصيد: «لاتتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً »5. 1 صحيحمسلم، ك السلام، الحديث رقم: 2242. 2 صحيحمسلم،ك الصيد والذبائح، الحديث رقم: 1955. 3 صحيحمسلم، الحديث رقم: 1198، ك الحج 4 العدل في القرآن والسنة، ص: 138. 5 صحيحمسلم، الحديث رقم: 1957، ك الصيد والذبائح
عدد الصفحات ٢٦٧268 ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها»)1(. قاله لما رأى الحمرة "طائر" تحوم تطلب أفراخها التي أخذها الصحابة من عشها. وأوجب الله على من يملك من النعم شيئاً الزكاة، بأ ن يخرج زكاتها وذلك عدل، لأنه ينتفع بها، فمن العدل أن ينفع الفقراء والمحتاجين، فيخرج حق الله فيها وينبغي أن لا تشغله عن حب الله، وطاعته. قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهَِّ" (المنافق ون، آية : 9.) ومن أجل التفريق بين من يحسن معاملة الحيوان ومن لا يحسن فإن الله يثيب المحسنين، قال صلى الله عليه وسلم: «الخيللثلاثة لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنّيا وتعفُّفاً ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخراً ورياءً ونواء فهي عل ى ذلك وزر»2. وكذلك يجب المحافظة على النبات والأشجار وسائر ما في الكون، لأن الإنسان ينتفع بكل ذلك وغيره ينتفع فلا ينبغي أن يعطل النفع على غيره وأن يؤذي ما ينتفع به حتى 1 سنن أبي داود، ك الحهاد، الحديث رقم2675. 2 صحيح البخاري، ك الاعتصام، الحديث رقم: 7356.
عدد الصفحات ٢٦٨269 إن الإسلام أوصى في الحرب والقتال، إذ كانكل الأمراء يوصون جيوشهم أن لا يقطعوا شجراً ولا يقتلوا وليداً 1. والله سبحانه وتعالى ذمَّ المنافقين الذين يحرقون الزروع والنسل، فقال تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَّ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُّ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ" (البقرة ، آية : 204 ـ205.) 11 ـ عدل الإنسان فيمن دونه عدل الإنسان فيمن دونه كالسلطان في رعيته والرئيس مع صحابته، فعدله فيهم يكون بأربعة أشياء: باتباع الميسور، وحذف المعسور، وترك التسلط بالقوة، وابتغاء الحق في الميسور، فإن اتباع الميسور أدوم، وحذف المعسور أسلم، وترك التسلط أعطف على المحبة وابتغاء الحق أبعث على النصرة. وهذه أمور إن لم تسلم للزعيم المدبر كان الفساد بنظره أكثر، والاختلاف بتدبيره أظهر. وقال بعض الحكماء: الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم. وقال بعض الأدباء: ليس للجائر جار، ولا تعمر له دار. وقال بعض البلغاء: أقرب الأشياء صرعة المظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم. وقال بعض حكماء الملوك: العجب من ملك استفسد رعيته وهو يعلم أن عزه بطاعتهم، وقال أزدشير بن بابك: إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن طاعته. 12 ـ عدل الإنسان مع من فوقه 1 العدل في القرآن والسنة، ص: 139.
عدد الصفحات ٢٦٩270 كالرعية مع سلطانها، والصحابة مع رئيسها، فقد يكون بثلاثة أشياء: بإخلاص الطاعة، وبذل النصرة، وصدق الولاء، فإن إخلاص الطاعة أجمع للشمل وبذل النصرة أدفع للوهن، وصدق الولاء أنفى لسوء الظن. وهذه أمور إن لم تجتمع في المرء تسلط عليه من كان يدفع عنه، واضطر إلى اتقاء من يتقي به، كما قال البحتري: متى أحوجت ذا كرم تخطَّى إليك ببعض أخلاق اللئام وفي استمرار هذا حل نظام جامع، وفساد صلاح شامل. وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى لا يرضى عن خلقه إلاَّ بتأدية حقه، وحقه شكر النعمة، ونصح الأمة، وحسن الصنيعة، ولزوم الشريعة1. 13 ـ عدل الإنسان مع أكفائه عدل الإنسان مع أكفائه ويكون بثلاثة أشياء: بترك الاستطالة، ومجانبة الإذلال، وكف الأذى، لأن ترك الاستطالة آلف، ومجانبة الإذلال أعطف، وكف الأذى أنصف، وهذه أمور إن لم تخلص في الأكفاء أسرع فيهم تقاطع الأعداء ففسدوا وأفسدوا. والعدل يكون بالتوسط في حالتي التقصير والسرف لأن العدل مأخوذ من الاعتدال، فما جاوز الاعتدال فهو خروج عن العدل، وقد قالت الحكماء: الفضائل هيئات متوسطة بين حالتين ناقصتين، وأفعال الخير تتوسط بين رذيلتين، فالحكمة واسطة بين الشر والجهالة، 1 مقاصد تطبيق الشريعة، عبد الناصر حمدان بيومي، ص: 66 ـ67.
عدد الصفحات ٢٧٠271 والشجاعة واسطة بين التقحم و الجبن، والعفة واسطة بين الشره و ضعف الشهوة، والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب، والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة، والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس، والسخاء واسطة بين التبذير والتقتير، والحلم واسطة بين إفراط الغضب وعدمه، والمودة واسطة بين الخلابة وحسن الخلق، والوقار واسطة بين الهزء والسخافة. وإذا كان ما خرج عن الاعتدال إلى ما ليس باعتدال خروجاً عن العدل إلى ما ليس بعدل، فالأولى اجتنابه والوقوف مع الأوسط ولزوم مفهوم الوسطية. ولست تجد فساداً إلا وسبب ن تيجته الخروج به من حال العدل إلى ما ليس بعدل من حالتي الزيادة والنقصان، فإذن لا شيء أنفع من العدل كما لا شيء أضر مما ليس بعدل1. إن من مقاصد الشريعة في إقامة الحكام والولاة إقامة العدل بين الناس كافة، ومنع الظلم والضيم، فمن عدل عن ذلك حاسبته الأمة، وليعلم الحكام والولاة أنه ليس فوق السلطان العادل منزلة إلا بين مرسل أو ملك مقرب، وأنه بالعدل يكون الأجر والثواب والبركة في البلاد والعباد والأرزاق والأقوات وبالظلم يرتفع كل ذلك ويحل بالأمة ما نعيشه من مذلة ومهانة وضيق عيش، كما أن الأعمار لا تزيد بظلم الرعية وأكل حقوقها، كما ينقصها العدل بين الناس كافة. بل: إن الظلم أسرع شيء إلى تعجيل نقمة وتبديل نعمة. فمن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم. 1 المصدر نفسه، ص: 68.
عدد الصفحات ٢٧١272 وأجمع الخصال للذم الظلم، والظلم هو الطريق إلى سخطالله تعالى1. 14 ـ العدل في الطلاق ومن أمثلة العدل في التشريع في القرآن الكريم، قضية الطلاق حيث وقع الناس فيها بين الإفراط والتفريط، فكان أهل الجاهلية من العرب يطلقون كيف شاؤوا بدون حدود أو ضوابط أو معالجة لما يترتب عليه الطلاق من أمور متعددة، وأما أهل الكتاب فكانوا لا يسمحون للرجل أن يطلق أبداً، أما الإسلام فوضَّح لأتباعه أن الطلاق مسموح به للضرورة وجعله أبغض الحلال إلى الله، وجعله آخر الدواء وليس تشهياً، وهذا عين التوسط وحكمته البالغة2. ومنهج العدل في التشريع معالمه واضحة في موضع الطلاق وأحكامه، فلم يح رم الطلاق، ولم يجعله متاحاً دون قيد أو شرط أو وصف. بل إنه فرق بين الحالات التي تبين فيها المرأة من طلقة واحدة أو ثلاث طلقات، وهكذا إن عدل القرآن في التشريع في موضع الطلاق راعت أحوال وأوضاع المرأة والرجل والأسرة والمجتمع3. أ ـ آيات الطلاق في القرآن قل تعالى: "وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُّ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِّ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة وَاللهُّ عَزِيز 1 المصدر نفسه، ص: 69. 2 الوسطية في الإسلام، محمد الفرفور، ص: 108. 3 الوسطية في القرآن للصَّلاَّبي، ص : 482.
عدد الصفحات ٢٧٢