المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ١٦ من ٢٥

241 الأبوة، أو ينزع بهذا الطفل عرق من فساد فيكون وبالاً على الأسرة التي احتضنته وآوته1. ب ـ عقوبة الرمي (القذف ولما كانت عقوبة الزنا بهذه الشدة، فمن عدله سبحانه أن حمى المجتمع من آفة الكذابين الذين لا هَ مَّ لهم إلا اتهام الأبرياء وإشاعة الفوض ى والمنكر، إما للعداوة أو للتندر والفكاهة، فجعل الله رادعاً لهؤلاء المستهزئين، فمن رمى مسلمات أو مسلمة بالزنا فعليه أن يأتي بأربعة شهداء، وإلا أقيم عليه الحد وهو ثمانون جلدة حتى لا يعود لمثلها. قال تعالى: " وَالَّذِينَ يَرْمُ ونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور ، آية : 4.) ومن العدل في هذه العقوبة أن القاذف أراد إيلام المقذوف إيلاماً نفسياً، بالافتراء والاختلاف عليه، فكان إيلامه الجلد ليؤلمه إيلاماً بدنياً.. وهذا أشد وقعاً على النفس والحس، والقاذف يقصد تحقير المقذوف، وهذا التحقير فردي، لأن مصدره فرد واحد وهو القاذف، فكان جزاؤه أن يحقر من الجماعة كلها وأن يكون هذا التحقير العام بعض العقوبة التي تصيبه فتسقط عدالته، ولا تقبل له شهادة أبداً، ويوصم بأنه من الفاسقين. وبذلك تكون هذه العقوبة رادعة وناجعة في الزجر عن جريمة القذف وفيها من العدل ما فيها2. جـ ـ عقوبة الشرب 1 موارد الظمآن لعبد العزيز السلمان 2 العدل في القرآنوالسنة، ص: 83.

عدد الصفحات ٢٤١

242 أمر الله بحفظ العقل وحرم الشرب الذي يفسده، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِ ينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْس مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة ، آية : 90.) ويرى الفقهاء الجلد ثمانين جلدة لمن شرب، ويرى الشافعية والظاهرية، أربعين جلدة بالخمر، وما كان على شاكلتها حرمها القرآن الكريم، ومصدر العقاب بالجلد من السنة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر فاجلدوه،فإن عاد فاجلدوه»1. ومقدار الجلد حدده الإجماع، إذأفتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بجلد ثمانين جلدة، ووافقه الصحابة رضي الله عنهم، فقال: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى، وحَ دُ المفتري، أي: القاذف ثمانون جلدة. ووجه العدالة: أن من شرب الخمر أو سَكِرَ بأي مُ سكر فقد يقترف من الذنوب الكثيرة، والتي تلحق الضرر بالمجتمع، ويكفي دليلاً ما تعيشه المجتمعات الفاسدة التي ألفت الشرب فتعيش في مستنقع من الفساد. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بين لنا أن الخمر هي أم الخبائث، فقد يفعل كل منكر في حال غياب العقل، هذا ومن العدل أن شارب الخمر في الدنيا لا يشربها في الآخرة، لأنه اعتدى على حرمات الله واستعمل الشيء قبل أوانه، قال صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، ولم يتب لم يشربها في الآخرة»2. وهو شرب ليسكر فينسى آلام نفسه ويهرب من آلام الحقائق إلى سعادةالأوهام التي تولدها نشوة الخمر، فعقوبة الجلد ترده إلى ما هرب منه، وتضاعف له الألم فتجمع بين 1 سنن أبي داود، ك الحدود، الحديث رقم: 4485. 2 صحيحمسلم، ك الأشربة، الحديث رقم: 2003.

عدد الصفحات ٢٤٢

243 ألم النفس وألم البدن، وفي ذلك زجر له، وتخليص المجتمع من شروره وآثامه، أليس في هذا عدلاً؟ د ـ عقوبة السرقة: أمر الله بمعاقبة السارق حفظاً للمال، قال تعالى: " وَالسَّ ارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِّ وَاللهُّ عَزِيز حَكِيم " (المائدة ، آية : 38.) ووجه العدالة في تقدير هذه العقوبة بقطع اليد اليمنى، فإن عاد تقطع الرجل اليسرى، وإن عاد تقطع اليد اليسرى، كل هذا التشديد يدل على أن السارق عندما فكر في السرقة فكر فيها من أجل أن يزيد كسبه بكسب غيره.. فهو لا يكتفي بما يحصل عليه فيريد كسباً لا تعب فيه ولا نصب، والشريعة حاربت مثل هذه الرغبة وهذا الدافع، لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب، وبالتالي يخاف السارق من العقوبة ويخشى على مستقبله، فيفكر في العمل، علماً بأن جميع العقوبات قد فشلت في القضاء على جريمة السرقة في العالم، بل إن الجرائم في ازدياد مستمر، وهذا يدل على فشل العقوبات الوضعية في معالجة السرقة، بينما لو طبق نظام القطع على أشخاص معدودين لكان فيهم عبرة لغيرهم، وبالتالي يأمن الناس على أموالهم وممتلكاتهم. ومن وجوه العدل في هذه العقوبة أنها تسقط بالشبهات، فلا يقام الحد بقطع اليد، وإنما يعدل عنه إلى عقاب أخف، كما منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قطع اليد في عام المجاعة، وذلك لوجود شبهة. قال صلى الله عليه وسلم: «إدرءوا الحدود بالشبهات»1. هـ ـ عقوبة الحرابة: 1 تقدم تخريجه.

عدد الصفحات ٢٤٣

244 والمحاربون هم نفر من المسلمين يشهرون السلاح في وجوه الناس، فيقطعون طريقهم بالسطو على المارة وقتلهم وأخذ أموالهم بما لهم من شوكة وقوة1. فهؤلاء الذين يعتدون على الناس ويرعبونهم ويسلبون منهم ممتلكاتهم ويزهقونأرواحهم حق أن يكون لهم عقاب مغلظ، وقد تناولت الآية هذه العقوبة، قال تعالى: "إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَّ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاف أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاب عَظِيم " (المائدة ، آية : 33.) على اختلاف في التفاصيل في كتب الفقه في كيفية تنفيذ اختلاف العقوبة.. فإن قتل كان العدل أن يقتل، وإن قتل وسلب الأموال كان العدل أن يقتل ويصلب على خلاف بين الأئمة في الصلب. وإن سلب الأموال دون القتل كان العدل أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلال (اليد اليمنى والرجل اليسرى)، وإن أرهبوا ولم يقتلوا ولم يسلبوا الأموال كان العدل أن ينفوا في الأرض، وقد فسر بعض الأئمة النفي بالحبس، والله أعلم وكل هذا من حصيلته أن يردع هؤلاء بما يحقق الأمن والخير للعباد في ديارهم وحلهم وترحالهم2. و ـ عقوبة البغي: قررت الشريعة الإسلامية على أهل البغي القتل لقوله تعالى: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهَِّ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهََّ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الحجرات ، آية : 9.) 1 عقيدة المسلم للشيخ السائح، ص: 553. 2 العدل في القرآن والسنة، ص: 86.

عدد الصفحات ٢٤٤

245 وكان التشديد في هذه العقوبة دفعاً للتساهل المؤدي إلى الفتن والاضطرابات والقلاقل، وعدم الاستقرار، لذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعقوبة القتل لهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «ستكون هنات وهنات،فمن أراد أن يفرّق هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان »)1(. ووجه العدل أن الباغين شقوا عصا الطاعة وأرادوا فتكاً وموتاً للجماعة المسلمة، وليضعفوهم من الداخل فيسهل على عدوهم التغلب عليهم من الخارج، فكان لابد من ردعهم وعقوبة القتل هي أقدر العقوبات على صرف الناس عن هذه الجريمة، وبالتالي يكون الشعب المسلم يداً واحدة متماسكة، قوة في وجه من أراد أن ينا ل منها2.  القسم الثاني: جرائم القصاص والدية والتعزير ونوع أطلق عليه الفقهاء جرائم القصاص والدية، وكلاهما عقوبة مقدرة حقاً للأفراد، ويشمل على كل جريمة تقع على جسم الإنسان وروحه، ومن هذه الجرائم: القتال العمد- القتل شبه العمد ـ القتل الخطأ ـ الجرح العمد ـ الجرح الخطأ. ولنرى العقوبات التي قررها الإسلام لهذه الجرائم مع وجه العدالة فيها ونفي الظلم عنها، فمن هذه العقوبات: أ ـ عقوبة القصاص: ومن عدله تعالى أن شرع لعباده القصاص، ليهذب النفوس الموتورة، وينفي العداوة والبغضاء، ويحقق الأمن والاطمئنان، فلو أن رجلاً قتل صاحبه، فإن أهل المقتول لن يهنأ لهم عيش ولن تطيب لهم الحياة حتى يأخذوا بثأر صاحبهم، ولكن الإسلام حارب 2 صحيح مسلم، ك الإمارة، الحديث رقم: 1852. 2 العدل في القرآن والسنة، ص: 86.

عدد الصفحات ٢٤٥

246 عادة الأخذ بالثأر في الجاهلية ووضع الإسلام القواعد العادلة، والمعايير الصادقة التي تكفل حق الجميع. قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَ نُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى" (البقرة ، آية : 178.) وبذلك أصبحت المسألة أقرب إلى العدل وأنفى للحرب، واعتبر سبحانه القصاص حياة، قال تعالى: "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تَخْفِيف مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَة فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَاب أَلِيم * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة ، آية : 178 ـ179.) وورد تشريع القصاص في السنة النبوية، حيث قال صلى الله عليه وسلم«من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إمّا أن ي قتلوا أو يأخذوا العقل»1. ومن وجوه العدالة في تشريع عقوبة القصاص أن القاتل المجرم يجازى بمثل ما فعل، فالذي يدفع المجرم بصفة عامة القتل والجرح هو تنازع البقاء وحب التغلب والاستعلاء، فإذا علم المجرم أنه سيعاقب بالعقوبة نفسها.. أي: القتل ولن يبقى بعد من قتل، أقلع عن جريمته، وترك التفكير فيها، والقتل والجرح سواء في نظر، وبما أن الدافع للقتل والجرح واحد فالعقوبة ينبغي أن تكون واحدة، فكما فعل بالمغدور فمن العدل أن يُ فْعَل به مثله. مع أن الشريعة أجازت للإمام تعزيره عن العقوبة وذلك من أجل ضمان رادع المجرم، إذا رأى الإمام من المصلحة ذلك، بما يضمن أمن الأفراد والمجتمع. ومن العدل كذلك في هذه العقوبة، أن الله تعالى اشترط عدم تجاوز الحد عند الاستيفاء والتنفيذ لأن المبالغة في أخذ الحق ينقلب إلى باطل. 1 العقل: الدية - سنن الترمذي، ك الديات، الحديث رقم: 1406.

عدد الصفحات ٢٤٦

247 قال تعالى: " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاص " (المائدة ، آية : 45.) وقال تعالى: " وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا" (الإسراء ، آية : 33.) فيكون استيفاء الحق لولي المقتول تحت إشراف الإمام،واشتراط إشراف الإمام، خوفاً من ظلم الولي، فربما يزيد في استيفاء حقه بقصد التشفي ، وهذا فيه ظلم. وهناك مظهر من مظاهر العدالة، إذا أجازت الشريعة للمجني عليه أو لوليه العفو للمجني عليه فيما دون القتل، وللولي في القتل، وذلك أن العفو قد يؤدي إلى محو آثار الجريمة، إذ يكون بعد العفو التراضي والإصلاح وهو نفس الغرض من العقوبة، قال تعالى: " فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان " (البقرة ، آية : 179) وقال تعالى: " فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة لَّهُ" ( المائدة ، آية : 45.) كذلك تنفيذ الحكم بالقصاص مقيد بإمكان التنفيذ وتوفر شروطه، فإن لم يمكن عدل عنه إلى الدية وهي عقوبة كذلك، وإذا اقتضت المصلحة يضاف إليها عقوبة التعزير. وإذا وجب استيفاء الحد من الجاني، بإن كان في النفس فمن العدل أن تكون الآلة كالسيف صالحة لا كالة أو مسمومة لأن القصد ليس التعذيب، وإنما المقصود إزهاق روح الجاني في هذه الحالة، وإذا كان الوالي لا يستطيع، فالحاكم يعين خبيراً لذلك من بيت مال المسلمين من أجل الإحسان في الذبح، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله

عدد الصفحات ٢٤٧

248 كتب الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم فأحسِ نوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فيرح ذبيحته»1. ولذلك أجاز العلماء الاستيفاء بآلة أسرع من السيف ومن العدل في استيفاء هذا الحق أن المجني عليه إذا كان ضعيفاً لمرض أ و برد أو حر أو كان سكراناً أو امرأة حاملة، فيرى الكثير من الفقهاء تأخير هذه العقوبة حتى يشفى من مرضه وضعفه ويصحو من سكره وتضع حملها وهكذا وهكذا. والرسول صلى الله عليه وسلم أمر المرأة الغامدية التي زنت أن ترجع حتى تضع حملها، فقال صلى الله عليه وسلم: «اذهبي حتى تضعي حملك». ب ـ عقوبةالدية: ومع أن الإسلام شرع القصاص إلا أنه طرح حلاً آخر غير القتل لاستيفاء الحقوق، ألا وهو الدية عقوبة للقتل أو الجرح في القتل العمد إذا وافق ولي المجني عليه، وفي شبه العمد والخطأ قتلاً وجرحاً، قال تعالى: " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُّؤْمِنَة وَدِيَة مُّسَلَّمَة إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ" (النساء ، آية : 92.) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم«ألا إن في قتيل الخطأ، قتيل السوط والعصا فيها مائة من الإبل...»2. والدية وهي ما يؤدي من المال المستحق الدم، والأقل منها يسمى الأرش، وفيها من العدل كذلك إذ أن المال يعود للمجني عليه لا للدولة، لأن الضرر وقع عليه هو وهو أشبه بالتعويض. 1 صحيح مسلم، ك الصيد والذباح، الحديث رقم: 1955. 2 سنن النسائي، ك القسامة، الحديث رقم4809.

عدد الصفحات ٢٤٨

249 ومن العدل كذلك فيها أن الدية مقدارها ثابت ولا تختلف دية الصغير عن الكبير و الضعيف عن القوي ولا دية الوضيع عن الشريف ولا دية المحكوم عن الحاكم1. ومن المقرر في الشريعة الإسلامية أن العاقلة يجب عليها تحمل الدية مع الجاني، والعاقلة هم من يتحملوا دفع الدية مع الجاني وهم عصبته2. ومما يظهر عدل الإسلام أن القاتل إذا مات فلا يجوز قتل غيره منأقربائه: لأن المرء لا يؤاخذ بجريرة غيره، وفي هذه الحالة يعدل عن القصاص إلى الدية، لأنه تعذر استيفاء الحق. قال تعالى: " فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا" (الإسراء ، آية : 33.) ذكر بعض المفسرين أن الإسراف منه القتل بقتل غير القاتل3. جـ ـ التعزير: التعزير في اللغة: هو اللوم. وعند الفقهاء: عقوبة تجب حقاً لله أولاً وهي في كل معصية لا عقوبة لها ولا كفارة 4. إذن التعزير عقوبة غير مقدرة بنصوص الشريعة، ومنها أنواع كثيرة كالجلد والحبس والعقوبة بالمال والعزل من الوظيفة، والحرمان من الحقوق التي تمنحها الدولة للأفراد والجماعات. وقال بعض الفقهاء: قد تصل عقوبة التعزير إلى القتل، يقول ابن تيمية: إن من أصول الحنفية إن ما لا قتل فيه عندهم مثل الجماع في غير القبل "اللوطية""، إذا تكرر، فللإمام 1 العدل في القرآن والسنة، ص: 91. 2 المصدر نفسه، ص: 91. 3 العدل في القرآن والسنة، ص: 93. 4 التعزير في الشريعة الإسلامية عبد العزيز العامر.

عدد الصفحات ٢٤٩

250 أن يقتل فاعله، ويحملون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأي المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة1. وقد ذهب فقهاء المالكية إلى أنه: يجوز على من يفرق أمر هذه الجماعة المؤمنة قتله تعزيراً.. روى مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه»2. ووجه العدالة في عقوبة التعزير بشتى أنواع العقوبات التي ذكرها الفقهاء قتلاً أو حبساً أو جلداً أو تغريماً أو توبيخاً أو غير ذلك مما هو مقدر بنص. إن الحاكم يختار العقوبة المناسبة ليردع المجرم عن إجرامه، فإن رجع وتاب لا يعاقبه بما هو فوق العقاب الأدنى، وكل مجرم ل ه عقاب يردعه بدءاً بالنظرة، والا زدراء والاحتقار والتوبيخ وانتهاءً بالقتل مروراً بالجلد، والحبس والتغريم المالي، فكلما زاد المجرم من إجرامه وانحرافه كلما زادت العقوبة، وكلما تراجع وتاب خفت العقوبة عنه وفي ذلك عدالة. يقول ابن تيمية في رسالته عن الحسبة: منها عقوبتان غير مقدرة وتسمى التعزير، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته3. وختاماً قرَّر الإسلام المساواة بين الجميع في تطبيق قانون العقوبات بلا استثناء، وهذا ما شهد بعدل الله وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل من نفسه في تطبيق منهج 1 الصارم المسلول نقلاً عن العدل في القرآن والسنة، ص : 93. 2 تقدم تخريجه 3 الحسبة في الإسلام، ص: 80.

عدد الصفحات ٢٥٠

251 العدالة في الواقع، فقد روت السيد عائشة رضي الله عنها: إن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله؟ ثم قالوا: من يجترأ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟». ثم قام خطب فقال«إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»1. وبهذا النظام الهي الفريد في العقوبات يتم المحافظة على الضرورات الخمس: النفس والعقل والمال والنسل والعرض، إذ يترتب على التفريط فيها والاعتداء عليها التنازع، سفك، وفقدان الأمن، وانتشار المفاسد، وحرص الإسلام على تحقيق العدل قرر أن يكون لنظام العقوبات قواعد أساسية أهمها: ـ الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة. ـ تدرأ الحدود بالشبهات. ـ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. ـ لا يجوز أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي إلا في حالتين. ـ إذا كان في دار ذلك مصلحة للجاني. ـ جميع المقيمين في دار الإسلام بلا استثناء متساوون أمام القضاء. ـ ليس لأي شخص كان حق العفو عن الجرائم التي تتعلق بحق الله والتي تدعى جرائم الحدود2. 1 تقدم تخريجه 2 التشريع الجنائي عبد القادر عودة1 /105.)

عدد الصفحات ٢٥١

252 5 ـ ضمانات عدم الجور الدولة الحديثة المسلمة هدفها إتاحة مناخات من الحرية والعدالة والتطهر والترقي الروحي المادي أمام أوسع قطاع من الناس بما يتيح للجميع فرصة معرفة الله ـ سبحانه ـ وعبادته بوحي واختيار. وتسخير طاقات هذا الكون وعمارته لصالح الشعوب وتآخيها، وارتقائها واشتراكها في التمتع بخيرات العالم، وبركات التقدم. ولكن ما ضمانات عدم انحراف الدولة الحديثة المسلمة وتردّيها في الجور وخاصة وقد حدث ذلك ولا تزال كثير من الديكتاتوريات وا لجرائم وأعمال "ا لإرهاب" "بمعنى العدوان على الأبرياء" تبرر نفسها باسم الدين في خنق أشواق شعوبها إلى الحرية والديمقراطية "الشورى" والعدالة وترهيب الآمنين. فمن أهم الضمانات التي تمنع الجور في الدولة: أ ـ اعتبار أن المشروعية العليا في الدولة إنما هي لله ـ سبحانه ـ ممثلاً في شريعته، وأن الأمة هي المستخلفة عن الله وليس فرداً منها أو مؤسسة أو جماعة، الأمر الذي يضع قيوداً على سلطة الدولة التشر يعية وخاصة في المجال المالي وحقوق الإنسان وسياساتها في الداخل والخارج، كما يعطي الأمة المستخلفة، صاحبة القوامة على حكامها، من الناحية المبدئية حق الرقابة على تصرفات الحاكم، بل يرتفع ذلك إلى مستوى الواجب الديني. ب ـ اعتبار عقد البيعة لرأس الدولة أو لأعضاء مجلس الشورى أو لأي هيئة منتخبة عقد وكالة خاصاً، الأمر الذي يعطي لصاحب السلطة عاقد البيعة (الناخب) سلطة دائمة للرقابة على الوكلاء، والنصح لهم، والاحتجاج عليهم، وإنهم نواب عنه أجراء عنده،

عدد الصفحات ٢٥٢

253 فهم مطالبون أبداً بتقديم الحساب ومعرَّضون دائماً لسحب الوكالة المخولة لهم والثقة منهم. جـ ـ اشتراط عدم احتجاب الحكام عن الشعب ومنع جمعهم بين سلطتي المال والحكم، وأن يعيشوا كأوسط الناس في وسطهم. د ـ إقامة نظام اقتصادي يضمن عدم تركيز الثروة ويشمل توزيعها وتكثير عدد المالكين، ومن آليات ذلك النظام توزيع الميراث في الإسلام ونظام الزكاة الذي يحقق اعتماد الأمة على ذاتها وتحررها من التبعية. هـ ـ إقامة نظام اجتماعي يؤكد قيمة العمل ويعترف بالتملك وحق الفقير في مال الغني، وأن تنظيم استثمار ـ أموال الزكاة ـ وهي أموال عظيمة لو أحسن جمعها واستخدامها باعتبارها مؤسسة للضمان الاجتماعي - أساساً ـ إلى جانب الصدقات من شأنه القضاء على الفقر، وتكثير عدد المالكين وتقليص عدد الأجراء وتقوية سلطة المجتمع واستقلاله على الدولة، وتنامي استقائه عنها ورجحان كفته مقابلها. و ـ إقامة نظام تربوي يشيع المعرفة وييسِّر وسائلها ويرفع سلطان الدولة عن عقول الناس وأرواحهم وإن قيام المساجد بوظيفة التعليم مع ضمان استقلالها على الدولة من شأنه أن يحوِّلها إلى جامعات ومراكز شعبية للتعليم ويقلِّص نفوذ الدولة ويقلل من أعبائها في الوقت نفسه ويقوِّي من جانب المجتمع المدني واستقلاله وقوامه على دولته. ز ـ إقامة نظام إداري للحكم المحلي "المجالس البلدية والنقابات" يسحب معظم صلاحية الحكومة المركزية ويضعها في يد الشورى الشعبية: نموذج حكم شورى، هو أقرب نموذج الحكم اللامركزي نقترب منه بقدر الاقتراب من الديمقراطية المباشر، فيكثر عدد الحاكمين في اتجاه أن يكونوا جميعاً حاكمين، تلكم هي روح الآية الكريمة: " وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" (الشورى ، آية : 38.)

عدد الصفحات ٢٥٣

254 ح ـ من التدابير التي اتخذتها كثيراً الدولة للتوقي من الاستبداد وتوسع نفوذ الحاكم سن تشريع يضبط حداً أقصى لبقائه في الحكم، كأن ينتخب لدورة قابلة للتجديد مرة أو مرتين وهو ما رفضه المستبد العربي1. 6 ـ العدل وتعدد الزوجات من نماذج العدل في باب التشريع تعدد الزوجات، حيث وسط بين إفراط وتفريط، وكان المجوس وعبدة البقر والمشركين من العرب قبل الإسلام، يتزوجون كل منهم بمئات النساء. وأما أهل الكتاب فكانوا لا يسمحون للرجل بأكثر من زوجة، فجاء الإسلام وقيد الزواج بأربع نسوة واشتراط في ذلك العدل2. أ ـ من هدي القرآن للتي هي أقوم تعدد الزوجات قضية تعدد الزوجات دلالة واضحة على عدل القرآن وهدايته للتي هي أقوم، ومعلم من معالم الشريعة الغراء في رفع الحرج عن الأمة، وعلامة على اليسر والسماحة في هذا الدين، لقد أتى القرآن الكريم في هذه المسألة بالكمال، وفي كل المسائل ليبرهن بالأدلة المحسوسة على عدل القرآن في التشريع، وعلى إعجازه في إصدار الأحكام والتكاليف، وحتى لا يشك عاقل في كون القرآن الكريم تنزيل من حميد حكيم، قال تعالى: " إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (الإسراء ، آية : 9.) ومن هدي القرآن للتي هي أقوم، إباحة تعدد الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن لزمه الاكتفاء بواحدة، أو ما ملكت يمينه، كما قال تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (النساء ، آية : 3.) 1 الحريات العامة في الدولة الإسلامية راشد الغنوش2 /225.) 2 الوسطية في القرآن للصَّلاَّبي، ص : 469.

عدد الصفحات ٢٥٤

255 ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، هي إباحة تعدد الزوجات لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء. ـ منها: أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض، وتنفس إلى غير ذلك من العوائق المانعة من قيامها بأخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حبس عليها من أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلاً من غير ذنب. ـ ومنها: أن الله أجرى العادة بأن الرجال: أقل عدد من النساء في أقطار الدنيا، وأكثر تعرضاً لأسباب الموت منهنَّ في جميع ميادين الحياة، ولو قصر الرجل على واحدة لبقي عدد ضخم من النساء محروماً من الزواج فيضطرون إلى ركوب الفاحشة، فالعدل عن هدي القرآن في هذه المسألة من أعظم أسباب ضياع الأخلاق، والانحطاط إلى درجة البهائم في عدم الصيانة والمحافظة على الشرف والمروءة والأخلاق، فسبحان الحكيم الخبير، كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ـ ومنها: أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزواج لفقرهم، فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء، لأن المرأة لا عائق لها، والرجل يعوقه الفقر وعدم القدرة على لوازم النكاح، فلو قصر الواحد على الواحدة، لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضاً بعدم وجود أزواج، فيكون ذلك سبباً لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة، والانحطاط الخلقي، وضياع القيم الإن سانية، كما هو واضح فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن وجب عليه الاقتصار ـ على واحدة ـ أو ما ملكت يمينه، لأن الله يقول: " إِنَّ اللهَّ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ" (النحل ، آية : 90.) والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهنَّ لا يجوز لقوله تعالى: " فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ" (النساء ، آية : 129.)

عدد الصفحات ٢٥٥

256 أما الميل الطبيعي بمحبة بعضهنَّ أكثر من بعض، فهو غير مستطاع دفعه للشر، لأنه انفعال وتأثر نفسي لا فعل وهو المراد بقوله: " وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ" (النساء ، آية : 129.) وأما ما يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة، لأنه كلما أرضى إحدى الضرتين سخطت الأخرى، فهو بين سخطين دائماً، وأن هذا ليس من الحكمة، فهو كلام ساق ط، يظهر سقوطه لكل عاقل، لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه البتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبينه زوجته الواحدة، فهو أمر عادي ليس له كبير شأن وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في تعدد الزوجات من صيانة النساء وتيسير التزويج لجميعهنَّ، وكثرة عدد الأمة لنقوم بعددها الكثير في وجه أعداء الإسلام، لأن المصلحة العظمى يقدم جلبها على دفع المفسدة الصغرى. فلو فرضنا أن المشاغبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة، فالقرآن الكريم أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير لا يطعن فيه إلا من أعمى الله بصيرته بظلمات الكفر، وتحديد الزوجات بأربع تحديد من حكيم خبير، وهو أمر وسط

عدد الصفحات ٢٥٦