المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

العدالة من المنظور الإسلامي

علي محمد الصلابي

صفحة ١٥ من ٢٥

225 ـ" يَرْفَعِ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات " (المجادلة ، آية : 11.) ـوقال تعالى: " شَهِدَ اللهُّ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ" (آل عمران ، آية : 18.) فأولو العلم يشهدون مع الملائكة أنه عادل بطبعه وكرمه وفيضه ومشيئته الحرة المطلقة، لا فرضاً من أحد ولا بالإلزام من جهة، ولكن بطبيعته الخيرة الفياضة، بالفضل والكرم والرحمة والرأفة والحق، ومن هنا فإن القاعدة في التشريع لأن الله لا يحرم ما حرم اعتسافاً ولا يحل ما حلل اعتسافاً، ولكنه فقط يحلل الطيب النافع ويحرم الخبيث الضار رحمة ورأفة بعباده الذين يحبهم ويحب لهم الخير، وهذه آية عظيمة رائعة من كتاب الله المبدع المعجز تؤكد أن القاعدة في التحليل والتحريم إنما هي مصلحة العباد وإرادة الله أن يكونوا أحراراً هانئين 1. قال تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الأعراف ، آية : 157.) آية رفيعة رائعة بديعة تقول إن الله إنما يريد عباده أحراراً من قيود الجاهلية وأضرارها، لا أغلال عليهم ولا رهق ولا مذلة، رؤوسهم عالية وجباههم مشرقة مرفوعة، ولقد عَ دَّ عمر بن الخطاب ظلم ابن القبطي على يد ابن عمرو بن العاص حاكم مصر، استعباداً فصاح به غاضباً: أيا عمرو لم "وبأي حق" استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً 2. 1 ـ مظاهر العدل الإلهي في الفرائض: 1 مفهوم العدالة زكريا بشير، ص: 128. 2 المصدر نفسه، ص: 129.

عدد الصفحات ٢٢٥

226 من عدل الله ورحمته أنه لم يترك الإنسان أعزلاً يتجشم الصعاب ويلقي العنت في أداء ما ألقي على عاتقه من مهام ومسؤوليات، فوهب الله للإنسان عقلاً وقلباً وجعل له سمعاً وبصراً وهي أجهزة تساعده على أداء الدور الذي خلق من أجله: قال تعالى: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِْنسَانِ مِن طِين * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَة مِّن مَّاء مَّهِين * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَْبْصَارَ وَالأَْفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ" (السجدة ، آية : 7 ـ9.) وقد هيأ الله للإنسان سبل الهدى، وأنار له الطريق، وذلل له الصعاب بما يمكنه مناتباع الهدى ويعينه عليه، ومن هنا نرى قوله تعالى: " وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" (الشمس ، آية : 7 ـ8.) فما على الإنسان إلا أن يأخذ نفسه بالتقوى، ويلتزم بطريقها، لأنها كفيلة بأن توصله إلى رضوان الله، ويقول تعالى: " قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" الشمس ، آية : 9 ـ10.) ويقول سبحانه: " وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" (البلد ، آية 10.) وأمد الله سبحانه الإنسان بالإرادة وجعله مختاراً فيما يطلب منه فقال تعالى: " فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ" (الكهف ، آية : 29.) ولم يجعل الإيمان قصراً عليهم قال تعالى: " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِّ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُّ سَمِيع عَلِيم " (البقرة ، آية : 256.) وعندما نتأمل في الفرائض نجد فيها قيمة العدل متجسدة في تلك الأحكام، فمثلاً: أ ـ الصلاة:

عدد الصفحات ٢٢٦

227 فالصلاة مفروضة على كل مسلم، ولا صلاة بدون طهارة، والطهارة تكون بالماء، فمن لم يجد ماء؟ ماذا سيفعل؟ فكان من رحمة الله وعدله أن أباح لنا التيمم في حالة عدم وجود الماء. قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَا طَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاء أَحَد مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُّ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (المائدة ، آية : 6.) والصلاة واجبة في السفر والحضر.. وبما أن السفر مشقة وقطعة من العذاب كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم.. فقد أباح الله تعالى من رحمته وعدله للمسافر أن يقصر من الصلاة. ـ قال تعالى: " وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُواا مُّبِينًا" (النساء ، آية : 101.) وقالعائشة رضي الله عنها: «أول مافرضت الصلاة ركعتين، فأُ قِرَّت صلاة السفر وأُتمَّت صلاة الحَ ضَر»1. ومن عدله تعالى أن أباح للمريض أن يصلي بالكيفية التي يستطيعها، وعفا عنه فيما عجز عن الإتيان به فيصلي قائماً، فإن عجز فجال ساً أو مستلقياً أو على جنبه، وله أن يومىء في الركوع، كما ذكر الفقهاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب »2. 1 صحيح البخاري، ك تقصير الصلاة، الحديث رقم: 1090. 2 صحيح البخاري، ك تقصير الصلاة، صالحديث رقم: 1117.

عدد الصفحات ٢٢٧

228 وفي رواية: فإن لم تستطع فمستلقياً. وكذلك أباح الله في الجهاد وقت الشدة والحرب القصر في الصلاة بما يعرف بصلاة الخوف، ولها كيفيات كثيرة في كتب الفقه تتراوح حسب الشدة والرخاء في الحرب. فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الخندق الخمس صلوات وقت العشاء جمعاً من شدة الهلع والخوف 1. وأباح الله الجمع بين الصلاتين كصلاة الظهر والعصر،والمغرب والعشاء، جمع تقديم وتأخير لعذر المطر، ودل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وما هذا التخفيف.. وهذا التشريع على هذا النحو إلا دافعاً للحرج وتوسعة على الخلق وهذا فوق العدل. قال تعالى: " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج " (الحج ، آية : 78.) ـوقال تعالى: " يُرِيدُ اللهُّ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة ، آية : 185.) ب ـ الصوم والصوم أحد فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة، قال تعالى: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّ كُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة ، آية : 183.) وقد أوضحت لنا هذه الآية الحكيمة من فريضة الصيام، فليس المقصود منع الطعام والشراب والجماع عن الإنسان، بل الغاية الوصول إلى حقيقة التقوى التي هي التعبير العملي عن أخذ المسلم نفسه بالإسلام، ففيه من النفع والسهولة والآثار الطيبة على الحياة البشرية، اجتماعياً وسلوكياً ، وعملياً ومن ذلك أن الصوم يكون في شهر رمضان. وهو شهر قمري، قال صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»2، أي الهلال فإن غُ مَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين واختيار الشهر القمري فيه حكمة. حيث أن 1 العدل في القرآن والسنة، ص: 62. 2 صحيح البخاري، الحديث رقم: 1909، ك الصيام

عدد الصفحات ٢٢٨

229 السنة القمرية أقل من السنة الشمسية بحوالي عشرة أيام، فعلى هذا يتقدم شهر رمضان كل عام عنه في السنة الماضية عشرة أيام بالنسبة للسنة الشمسية، وعلى هذا ففي خلال ستة وثلاثين عاماً لا يبقى يوم من أيام السنة إلا وقد صامه المسلم، اليوم القصير، في السنة والطويل والحار والبارد1. وهنا يتحقق العدل والمساواة بين المسلمين في تكليف فريضة الصيام، حيث يتساوى المسلمون في كل أقطارها في مقدار الصيام، وشدته في كل أقطارهم في مقدار الصيام، وشدته في كل دورة من هذه الدورات، ولولا هذا لكان نصيب أهل المناطق الحارة أشد من نصيب أهل المناطق الباردة في شهر شمسي واحد ثابت، وأناس يصومون يوماً طويلاً أبد الدهر وآخرون يصومون يوماً قصيراً، أما بهذا ا لعدل الرباني فكل منهم خلال دورة واحدة قد أصابه من شدة الصوم ما أصاب غيره. وإن للفواكه مواسم معينة، ولأنواع من الطعام مواسم معينة، وكذلك الصيام على الشهر القمري يعود الإنسان الامتناع خلال أوقات معينة عن كل نوع خلال الدورة الكاملة التي تحدثنا عنها، في المقابل فإنه لا يحرمه أبد الدهر من التمتع بنوع واحد خلال الصوم2. ومن العدل كذلك في فريضة الصيام أنه من الفجر إلى المغرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال تعالى: " وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ" (البقرة ، آية : 187.) 1 العدل في القرآن والسنة، ص: 65. 2 العدل في القرآن والسنة، ص: 65.

عدد الصفحات ٢٢٩

230 والمقصود هنا من الفجر الثاني، وهو الفجر المستطير، إذ يقول صلى الله عليه وسلم «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق»1. فله وقت محدد وباقي الوقت أعطى الإنسان فيه عوضاً عن كل ما فقده في صيامه في حاجة الجسد من الطعام والشراب والجماع، فكان الصيام نفعاً خالصاً جس مياً ونفس ياً وإن كان الهدف الأول هو التقوى وطاعة الله، وما فيه من أجر وثواب يقابل المشقة والعنت. ومن مظاهر عدل الله في تكليفه فريضة الصوم أنه سبحانه أسقط الصوم عن العاجزين دائماً.. أما أولئك الذين تمنعهم ظروفهم الصحية أو لأسباب أخرى كالمسافر والحائض والنفساء، فلهم أن يفطروا وعليهم إما القضاء أو القضاء والكفارة على حسب ما بينه الفقهاء في كتب الفقه. قال تعالى: "أَيَّامًا مَّعْدُودَات فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّة مِّنْ أَيَّام أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَامُ مِسْكِين فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْر لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْر لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّة مِّنْ أَيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُّ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَّ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (البقرة ، آية : 184 ـ185.) ووجه العدل أن هؤلاء يواجهون المشقة، فمثلاً العاجز عجزاً دائماً ليس عليه القضاء وإنما الفدية، بينما المريض والمسافر والحائض والنفساء يفطرون وقت المشقة، وعليهم القضاء من بعد عند التمكن، وكذا الحامل إن خافت على نفسها أو جنينها، وكذلك الغزو 1 سنن الترمذي، ك الصوم، الحديث رقم: 706.

عدد الصفحات ٢٣٠

231 لأنه نوع من السفر، "فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنانغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يَ جِدُ الصائم ع لى المفطر.. ولا المفطر على الصائم"1. جـ ـ الحج وفريضة الحج كلف الله بها المسلمين.. فهي واجبة على كل مسلم ومسلمة يستطيع الحج إلى البيت، فمن لم يستطع فلا حج عليه، أما ترى أن في هذا عدلاً؟ قال تعالى: " وَللهِِّ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" (آل عمران، آية: 97.) قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، و الحجّ ، وصوم رمضان»2. ومن وجوه العدل في هذه الفريضة أنه مرة في العمر واحدة لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع»3. وذلك لو وجب في كل عام مرة لكان فيه عنتاً ومشقة بخلاف فريضة الصلاة والصيام والزكاة، فالصلاة في كل يوم وليلة خمس مرات ولا حرج، والصيام والزكاة في كل عام مرة، وذلك مقدور عليه بينما الحج حتى يتناسب مع طاقة الإنسان واستطاعته فرضه الله في العمر مرة. لذلك أعرض الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي سأله ثلاث مرات: أفي كل عام مرة يا رسول الله؟ قال: «لو قلت نعم لوجبت»4. من أجل رفع الحرج والمشقة 1 صحيح مسلم، ك الصيام، الحديث رقم: 1116. 2 صحيح البخاري، ك الإيمان، الحديث رقم: 8. 3 مسند أحمد، الحديث رقم: 2510. 4 صحيح مسلم، ك الحج، الحديث رقم: 1337.

عدد الصفحات ٢٣١

232 والاستطاعة نوعان بدنية ومالية.. ومن كان عاجزاً كبيراً أو مات جاز أن يحج عنه غيره وفي هذا عدل ورحمة حتى لا يفوت من فاته الحج الأجر والثواب، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حج عن أبيك واعتمر»1، لمن سأله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن2، وإذا مات الإنسان وترك مالاً ووصى بالحج، ولكن كان عليه ديوناً فأيهما يقدم؟ حق الله في الحج أم حقوق العباد في ديونهم عليه، قال الفقهاء: قبل توزيع الإرث أولاً يقضي حق العباد قبل حق الله 3،وذلك أن الله قد يغفر ويعفو عما بينه وبين العباد، بينما ما كان من حقوق للعباد لا يغفرها إلا إذا تنازل العبد عن حقه، لذا كان من شروط التوبة أن يؤدي ما عليه من حقوق للآخرين الآدميين ويستحلل منهم، ويطلب مسامحتهم حتى يعفو الله عنه. وهذا محض العدل والرحمة الإلٰ هية، وفي كل ركن من أركان الحج أو واجباته وسننه ومحظوراته عدل، ورحمة بالإنسان، وحكمة تعود إما على المسلم بمفرده أو على المسلمين عامة بالخير العظيم تهون معه كل مشقة في سبيله، لذلك كان الحج للمرأة بمنزلة الجهاد، إذ بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة عليها جهاد لا شوكة فيه ألا وهو الحج، ولماذا لا يغني الحج عن الرجال ويسقط عنهم فرض الجهاد؟ لأن الرجال أقوى جسماً وأكثر تحملاً للصعاب. وفي هذا عدل لما فيه من مراعاة لظروف كل من الرجل والمرأة4. ويقول الدكتور فيليب حتى في شهادته عن الحج عند المسلمين: ولا يزال الحجعلى مر العصور نظاماً لا يباري في تشديد عرى التفاهم الإسلامي والتأليف بين مختلف طبقات المسلمين، وبفضله يتسنى لكل مسلم أن يكون رحالة مرة على الأقل في حياته، وأن 1 سننالنسائي، ك مناسك الحج، الحديث رقم: 2636. 2 الظعن: الرحلة والانتقال من مكان إلى مكان. 3 العدل في القرآن والسنة، ص: 68. 4 المصدر نفسه، ص: 68.

عدد الصفحات ٢٣٢

233 يجتمع مع غيره من المؤمنين من أطراف الأرض، وبفضل هذا النظام يتيسر للزنوج والبربر والصينيين والفرس والترك والعرب وغيرهم، أغنياء أم فقراء، عظماء أم صعاليك، أن يتآلفوا لغة وإيمان وعقيدة. وقد أدرك الإسلام نجاحاً لم يتفق لدين آخر من أديان العالم في القضاء على فوارق الجنس واللون والقومية وخاصة بين أبنائه، فهو لا يعترف بفاصل بين أفراد البشر، إلا الذي يقوم: بين المؤمنين وغير المؤمنين. ولا شك أن الاجتماع في مواسم الحج خدمة كبرى في هذا السبيل1. 2 ـ العدل في إرسال الرسل ومن مظاهر العدل الإلٰهي في إرسال الرسل، أن الله لما طلب الإيمان والطاعة من عباده وأمرهم بتطبيق شرعه كانوا بحاجة إلى من يبين لهم شرع الله ويفصل لهم ما نزل إليهم، فكانت نعمة الله وكان عدله بإرسال الرسل إليهم. قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (النحل ، آية : 43 ـ44.) يذكرونهم بإنعاماته ويبشرونهم وينذرونهم2، وكون الرسل من البشر لا من الملائكة فيه عدل ورحمة، لأنه لا يكون أقرب إليهم وأعرف بأحوالهم فسهل عليهم الاقتداء بهم: قال تعالى: " وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ" (الأنعام ، آية : 8 ـ9.) 1 تاريخ العرب1 /187.) 2 عقيدة المسلم وما يتصل بها عبد الحميدالسائح، ص: 216.

عدد الصفحات ٢٣٣

234 وكونالرسل ذكوراً لا إناثاً فيه عدل، لأن تبليغ الرسالة ليس أمراً هيناً، بل يحتاج إلى قدرة عالية وتحمل شديد، والمرأة لا تقوى على ذلك. وكونهم معصومين من الخطأ في الدين دون غيرهم فيه عدل.. حيث لو جاز عليهم الخطأ لوقع خطأ في التبليغ والشريعة، وبالتالي لا يصلح ما بلغوه شرعاً عن ر ب العباد للعباد فعصمهم الله من الوقوع عن الخطأ، ليكون شرعه معصوماً، قال تعالى: " أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُّ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ" (الأنعام ، آية : 90.) أما في غير التبليغ قد يقع منهم خطأ شأنهم كسائر البشر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ترويه أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها»1. وفي رواية أنس وعائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: «لو لم تفعلوا لصَ لُحَ»، فخرج شيصاً، فمر بهم صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لنخلكم؟» فقالوا: قلت كذا وكذا، قال«أنتمأعلم بأمر دنياكم»2. ولو لم يرسل الله للبشر الرسل.. لقال العصاة والمنحرفون يوم القيامة لله سبحانه: كيف تعذبنا؟ ونحن لا نعلم الطريق الذي يرضيك لنتبعه، ولا الطريق الذي يغضبك لنتجنبه؟ قال تعالى: " وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَاب مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى" (طه ، آية : 134.) 1 صحيح البخاري، ك المظالم، الحديث رقم2458. 2 صحيحمسلم، ك الفضائل، الحديث رقم: 2363.

عدد الصفحات ٢٣٤

235 ـوقال تعالى: " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (الإسراء ، آية : 15.) ـ وقال تعالى: " رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِّ حُجَّة بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُّ عَزِيزًا حَكِيمًا " (النساء ، آية : 165.) ـ وقال تعالى: " وَمَا كَانَ اللهُّ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم " (التوبة ، آية : 115.) ومن مظاهر عدله سبحانه أنه أرسل في كل أمة رسولاً منهم وبلسانهم لي تسنى لهم الاقتداء به. ـ وقال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (إبراهيم ، آية : 4.) ثم ختم الله الرسالات بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا رسول بعده1. قال تعالىمَّا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهَِّ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهَُّ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمًا " (الأحزاب ، آية : 40.) ومن عدله سبحانه لما كانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم من خاتمة الرسالات لابد لهذه الرسالة أن تكون صالحة لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لذا كان شريعة الإسلام شاملة كاملة إلى يوم الدين. " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" (المائدة ، آية : 3.) 1 العدل في القرآن والسنة، ص: 75.

عدد الصفحات ٢٣٥

236 فالعدل هو الأساس الذي يُبنى عليه استتباب النظام بين الجماعات، وقوانين العدل التي بها يستتب النظام لابد أن تستمد من سلطة عليا فوق سلطة البشر: وأن يكون الواضع لها قوة أسمى من قوة الإنسان، بحيث يستشعر من نفسه قوة سلطانها عليه وقهره له. تلك هي قوة الله تعالى، هذا ولما كانت هذه القوانين لا تصل إلى الإنسان إلا بواسطة من بني جنسه واسطة يلتقي عندها المعنى الإلٰهي بالمعنى البشري، اختار الله عز وجل ورسلاً كثيرين، ليبلغوا أمره ونهيه، ووعده ووعيده 1. فالحاجة إلى النبوة هي الحاجة إلى السعادة، قال تعالى: " أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الملك ، آية : 14.) 3 ـ العدل في الثواب والعقاب يمكن إلقاء نظرة سريعة على عدل الله في الثواب والعقاب، منها أنه سبحانه لا يحاسب أحداً، إلا بما عمل ولا يأخذ أحداً بجريرة غيره من الناس، ولو كانوا من أشد أقربائه. ـ قال تعالى: " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرَى" (فاطر ، آية : 18.) ـوقال تعالى: " كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة " (المدثر ، آية : 38.) فالجميع سواء شريعة الله لا فرق بين حر وعبد ولا أبيض ولا أسود ولا غني ولا فقير، لأنه تعالى كما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»2. وقال تعالى" وَأَن لَّيْسَ لِلإِْنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَْوْفَى" (النجم ، آية : 39 ـ41.) 1 العدل في القرآن والسنة، ص: 76. 2 صحيحمسلم، تقدم تخريجه.

عدد الصفحات ٢٣٦

237 إن الثواب والعقاب من أدل البراهين على عدله تعالى، فالعبد المسيء يجزي بإساءته، والمحسن بإحسانه، ويتعدى العدل ذلك المقام إلى مقام أسمى بكثير، إذ قد يعفو الله تعالى عن إساءة المذنب أو يبدل سيئاتهم حسنات،. ـ قال تعالى: " وَللهِِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُّ غَفُور رَّحِيم " (آل عمران ، آية : 129.) ـ وقال تعالى: " إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهَُّ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات وَكَانَ اللهَُّ غَفُورًا رَّحِيمًا" (الفرقان ، آية " 70.) وإذا كان من العدل أن يجزي الإحسان بمثله، فإن الله تعالى يجزي بالحسنة بعشرأمثالها ويضاعفها ـ لمن شاء ـ إلى سبعمائة ضعف، بل فتح للصوم باباً واسعاً في الأجر ، فذكر في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»1. فهذا شيء تعدى العدل إلى الإحسان والفضل والرحمة، فهل ترى مع ذلك ظلماً ؟ ـ قال تعالى: " مَن جَاء بِالْ حَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" (الأنعام ، آية : 160.) ـ وقال تعالى: " مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِّ كَمَثَلِ حَبَّة أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَة مِّئَةُ حَبَّة وَاللهُّ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللهُّ وَاسِع عَلِيم " (البقرة ، آية : 261.) ـ وفي الحديث الشريف: «إذا همَّ العبد بالحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، وإن فعلها كتبت له سيئة واحدة»، وإذا أردنا أن نقيس ما جاء فيالحديث الشريف بميزان العدل، فإن الحسنة تساوي حسنة والسيئة تساوي بالسيئة، غير أن الحديث اشتمل على ما هو فوق العدل، فالحسنة تجزى بعشر، بل إذا همَّ بفعلها بمرد النية والإر ادة والرغبة في 1 صحيح البخاري،ك اللباس، الحديث رقم: 5927.

عدد الصفحات ٢٣٧

238 فعلها يُعطي الله عليها حسنة وأما السيئة إذا فعلها العبد لا يعاقبه بعشر سي ئات بل سيئة واحدة، ولو عاقب عليها بعشر سيئات كان عدلاً، لأنه أعطى لكل حسنة عشر حسنات وإذا همَّ بالسيئة لا يعاقب عليها ولا يكتبها سيئة، كما كتب الحسنة حال الهمَّ بها ولو كتبها لكان عدلاً، فما أعظم رحمة الله وفضله. إن ميزان الله تعالى يختلف عن موازيننا، فهو سبحانه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة، ولو أنه أدخل الناس جميعاً الجنة ووهبهم ما يطلبون ما نقص ذلك من ملكه شيئاً. إن هذا الميزان من الدقة بحيث لا يترك مثال حبة من خردل قال تعالى: " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" (الأنبياء ، آية : 47.) وقال تعالى: " فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْس شَيْئًا وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (يس ، آية : 54.) ربما أن الحياةالدنيا مرتبطة مع الآخرة، فإن كان نظام الحساب في الآخرة يقوم على الثواب والعقاب، فكذا أمر الله عباده في الدنيا أن يلتزموا بهذا المنهج، تحقيقاً للعدل فللذين أحسنوا الحسنى، وللذين أساؤوا العقاب، فالحاكم المسلم عليه أن يشجع الصالحين المحسنين ويكافئهم، ويعاقب المجرمين بما يردهم ويزجرهم، كما قال تعالى: "قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا" (الكهف ، آية: 87 ـ88.) ومن مظاهر العدل في العقوبة التي أمر الله بها ردعاً للجرائم أن النظام الإسلامي يلجأ إليها إلا كسلاح أخير لا بد منه بعد أن تفشل كل الوسائل في إصلاح نفس المجرم، فلم يعد ينفع إلا العقاب بعد أن نفذت وسائل الوعظ والإرشاد والإصلاح معهم وأطلقوا

عدد الصفحات ٢٣٨

239 لأنفسهم وشهواتهم ورغباتهم العنان، فلم يكبحوا جماح أنفسهم فأضروا بأنفسهم والمجتمع، فتعدى خطرهم إلى غيرهم فأصبح من الحق والعدل إيقاع العقاب بهم1. وتشريع العقوبات في الإسلام فيها تكفير لذنوب المجرمين في الآخرة وإصلاح لنفوسهم في الدنيا، وهي تسير في خط عادل لا ظلم فيه لأحد ولا على معالجة الرذائل والآفات والانحرافات المنتشرة في المجتمعات وتساهم على نشر الأمن والسلام والاطمئنان2. 4 ـ العدل في العقوبة على الجرائم عرّ ف الفقهاء الجريمة بأنها: إتيان فعل محرم معاقب على فعله، أو ترك فعل محرم الترك معاقب على تركه.. فهي إذن محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو تعزيز3. ولولا العقوبة لكانت الأوامر والنواهي ضرباً من العبث، لأن النهي عن الفعل أو الأمر بإتيانه لا يكفي وحده لحمل الناس على إتيان الفعل أو الإقلاع عنه، ومن العقوبات المقررة في النظام الإسلامي والتي يتجلى فيها العدل الإلٰهي أقسام:  القسم الأول العقوبة على الجرائم التي تمس كيان المجتمع وتقوض أركانه. وهو ما أطلق عليه الفقهاء جرائم الحدود، والحد هو العقوبة المقدرة حقاً لله تعالى من هذه الجرائم. أ ـ الزنا: 1 التشريعالجنائي في الإسلام عبد القادر عودة (1 /68.) 2 التشريع الجنائي في الإسلام عبد القادر عودة1 /68.) 3 المصدر نفسه1 /66.)

عدد الصفحات ٢٣٩

240 وهي جريمة بشعة تفتك بالمجتمع وتؤدي إلى اختلاط الأنسابوضياع الحقوق وتدمير الأخلاق والفضيلة، قال تعالى: " وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً" (الإسراء ، آية : 32.) وكانت العقوبة شديدة، نظراً لبشاعة الجريمة: الرجم للزاني المحصن، والجلد مائة جلدة لغير المحصن، ويرى الشافعية والحنابلة التغريب عام بعد الجلد لقوله صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريبسنة»1. بينما خصص المالكية التغريب للرجل دون المرأة، ولم يجز الحنفية التغريب لا للرجل ولا للمرأة، وأيا ا كانت المسألة فسواء طبق الحاكم مبدأ التغريب أم اكتفى بالعقوبة، فهذا يدل على بشاعة هذه الجريمة، وأنها تستوجب العقاب، وليس في العقاب ظلم للجاني2. قال تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَة فِي دِينِ اللهَِّ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ وَالْيَ وْمِ الآْخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَة مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ" (النور ، آية : 2.) ولأن الدافع للزنا هو اللذة والاستمتاع، فإن الألم بالجلد يصرفه عنها وما ذلك إلا لأن الزنا تَ عد ّ صريح على أعراض الآخرين وعصيان لأمر رب العالمين. والزنا ظلم عظيم، ومقت، إذ أن المرأة الزانية تدخل على أهل بيتها من ليس منهم نسباً، وبذلك تضيع الحقوق، لأن هذا الطفل الدخيل يأخذ من الميراث عندما يكبر تماماً مثل باقي الأبناء بدون وجه حق، أما إذا ألقي بهذا الطفل في الطريق ففي ذلك مفسدة أكبر، فقد يقع في يد شريرة تربيه على الكفر والضلال، ناهيك عن فقده لحنان الأمومة وعاطفة 1 سنن ابن ماجة، ك الحدود، الحديث رقم: 0525. 2 العدل في القرآن والسنة، ص: 82.

عدد الصفحات ٢٤٠